إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

التحذير من بدعة العلاج بالأسماء الحسنى

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • التحذير من بدعة العلاج بالأسماء الحسنى

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    بسم الله الرحمن الرحيم

    التحذير من
    بدعة
    العلاج بالأسماء الحسنى

    انتشر بين الناس العلاج بأسماء الله تعالى ، وقد وزعت أوراق فيها ذكر الاسم وبجانبه المرض الذي يعالجه الاسم .

    والذي زعم أنه أكتشف هذا النوع من العلاج هو الدكتور إبراهيم كريم ، وهو مبتكر علم " البايوجيومترئ " وقد زعم أن أسماء الله الحسنى لها طاقة شفائية لعدد ضخم من الأمراض ، وبواسطة أساليب القياس الدقيقة المختلفة في قياس الطاقة داخل جسم الإنسان ، واكتشف أن لكل اسم من أسماء الله الحسنى طاقة تحفز جهاز المناعة للعمل بكفاءة عظمى في عضو معين بجسم الإنسان ، وزعم أنه استطاع بواسطة تطبيق " قانون الرنين " أن يكتشف أن مجرد ذكر اسم من أسماء الله الحسنى يؤدي إلى تحسين في مسارات الطاقة الحيوية داخل جسم الإنسان ،

    وبعد أبحاث استمرت 3 سنوات أخرج للناس اختراعه في جدول يبين فيه المرض وما يقابله من الاسم الذي ينفع في علاجه .
    ومن أمثلته :

    " السميع " : لإعادة توازن الطاقة ،
    " الرزاق " : يعالج المعدة ،
    " الجبار " : يعالج العمود الفقري ،
    " الرؤوف " : يعالج القولون ،
    " النافع " ! يعالج العظم ،
    " الحي " يعالج الكلية ،
    " البديع " ! : يعالج الشعر ،
    " جل جلاله " ! : قشر الشعر ،
    " النور " و " البصير " و " الوهاب " : تعالج العيون ...

    وطريقة العلاج :
    أن يكرر الاسم على العضو المناسب أو عدة أسماء لمدة عشر دقائق .

    وقد زعم أنه
    اكتشف أن طاقة الشفاء تتضاعف عند تلاوة آيات الشفاء بعد ذكر التسبيح بأسماء الله الحسنى ،
    وهذه الآيات هي : { ويشف صدور قوم مؤمنين } ، { وشفاء لما في الصدور } ، { فيه شفاء للناس } ، { وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة } ، { وإذا مرضت فهو يشفين } ، { قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء } .

    والرد على هذا :
    1. أن العلاج إما أن يكون بأسباب حسيَّة وإما بأسباب شرعية ، فما كان بالأسباب الحسية المادية فمرجعه إلى التجربة ، وما كان بالأسباب الشرعية فمرجعه إلى الشرع في بيان ما يعالج به وكيفيته وذكر الله بالأسماء الحسنى من الأمور الشرعية ، ولم يأتِ هذا الباحث لكلامه بمستندٍ شرعي واحد يدل على هذا التعيين للأسماء وهذه الكيفية في العلاج وما تعالجه ، فبطل كونها سبباً شرعياً للعلاج ، ولا يجوز التجربة بالأدلة الشرعية وامتهانها بمثل هذه الطريقة .

    قال الشيخ ابن عثيمين :
    اعلم أن الدواء سبب للشفاء والمسبب هو الله تعالى فلا سبب إلا ما جعله الله تعالى سبباً والأشياء التي جعلها الله تعالى أسباباً نوعان :
    النوع الأول : أسباب شرعية ، كالقرآن الكريم ، والدعاء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في سورة الفاتحة : " وما يدريك أنها رقية " ، وكما كان النبي صلى الله عليه وسلم يرقي المرضى بالدعاء لهم فيشفي الله تعالى بدعائه من أراد شفاءه به .

    النوع الثاني : أسباب حسية ، كالأدوية المادية المعلومة عن طريق الشرع كالعسل ، أو عن طريق التجارب مثل كثير من الأدوية ، وهذا النوع لا بد أن يكون تأثيره عن طريق المباشرة لا عن طريق الوهم والخيال ، فإذا ثبت تأثيره بطريق مباشر محسوس صح أن يتخذ دواء يحصل به الشفاء بإذن الله تعالى ، أما إذا كان مجرد أوهام وخيالات يتوهمها المريض فتحصل له الراحة النفسية بناء على ذلك الوهم والخيال ويهون عليه المرض وربما ينبسط السرور النفسي على المرض فيزول : فهذا لا يجوز الاعتماد عليه ، ولا إثبات كونه دواء ، لئلا ينساب الإنسان وراء الأوهام والخيالات ،

    ولهذا نُهي عن لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع المرض أو دفعه ؛ لأن ذلك ليس سبباً شرعيّاً ولا حسيّاً ،
    وما لم يثبت كونه سبباً شرعيّاً ولا حسيّاً : لم يجز أن يجعل سبباً ؛ فإن جعله سبباً نوع من منازعة الله تعالى في ملكه وإشراك به حيث شارك الله تعالى في وضع الأسباب لمسبباتها ، وقد ترجم الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله لهذه المسألة في كتاب التوحيد بقوله : " باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لدفع البلاء أو رفعه " .
    " مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " ( 1 / السؤال رقم 49 ) .

    2. أنه ذكر أسماء لله تعالى زاعماً أنه سمى بها نفسه ، وليس الأمر كذلك ، مثل " جلَّ جلاله " و " الرشيد " و " البديع " و " النافع " وغيرها ، وهو يدل على جهل هذا المدعي ، ويدل على بطلان تلك الطاقة المزعومة ، إذ هي مولَّدة – على حسب زعمه – من أسماء غير أسماء الله تعالى الثابتة بالأدلة الصحيحة .

    3- أن تعيين كيفية التداوي وتحديد اسم لكل مرض .
    وبما صحَّ أنه من أسماء الله تعالى يدخل في باب القول على الله بغير علم ، وقد حرم الله القول عليه بلا علم فقال سبحانه وتعالى : ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ) الأعراف/33 .

    قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله- في تفسيرها :
    ( وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ) : في أسمائه وصفاته وأفعاله وشرعه .
    " تفسير السعدي " ( ص 250 ) .

    4. وقد رد علماء اللجنة الدائمة على هذا الزاعم وزعمه حينما سئلوا عن هذه المسألة فقالوا :
    بعد دراسة اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء للاستفتاء أجابت بما يلي :

    قال الله تعالى : ( وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) ،
    وقال النبي صلى الله علية و سلم : " إن لله تسعة و تسعون اسما من أحصاها دخل الجنة " ،
    ومنها اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب وإذا سُئل به أعطي ،
    فأسماء الله جل وعلا لا يعلم عددها إلا هو سبحانه وتعالى ، و كُلها حُسنى ، ويجب إثباتها وإثبات ما تدل عليه من كمال الله وجلاله وعظمته ، ويحرم الإلحاد فيها بنفيها أو نفي شيء منها عن الله أو نفي ما تدل عليه من الكمال ، أو نفي ما تتضمنه من صفات الله العظيمة .

    ومن الإلحاد في أسماء الله ما زعمه المدعي " كريم سيد " وتلميذه وابنه في ورقة يوزعونها على الناس من أن أسماء الله الحسنى لها طاقة شفائية لعدد ضخم من الأمراض ،

    وأنه بواسطة أساليب القياس الدقيقة المختلفة في قياس الطاقة داخل جسم الإنسان اكتشف أن لكل اسم من أسماء الله الحسنى طاقة تحفز جهاز المناعة للعمل بكفاءة مثلى في عضو معين في جسم الإنسان ،

    وإن الدكتور " إبراهيم كريم " استطاع بواسطة تطبيق قانون الرنين أن يكتشف أن مجرد ذكر اسم من أسماء الله الحسنى يؤدي إلى تحسين في مسارات الطاقة الحيوية في جسم الإنسان ،

    وقال : والمعروف أن الفراعنة أول من درس ووضع قياسات لمسارات الطاقة الحيوية بجسم الإنسان بواسطة البندول الفرعوني ، ثم ذكر جملة من أسماء الله الحسنى في جدول وزعم أن لكل اسم منها فائدة للجسم أو علاج لنوع من أمراض الجسم ، ووضح ذلك برسم لجسم الإنسان ، ووضع على كل عضو منها اسما من أسماء الله .
    وهذا العمل باطل لأنه من الإلحاد في أسماء الله ، وفيه امتهان لها ؛ لأن المشروع في أسماء الله دعاؤه بها كما قال تعالى : ( فادعوه بها ) ، وكذلك إثبات ما تتضمنه من الصفات العظيمة لله ؛ لأن كل اسم منها يتضمن صفة لله جل جلاله : لا يجوز أن تُستعمل في شيء من الأشياء غير الدعاء بها ، إلا بدليل من الشرع .

    ومن يزعم بأنها تُفيد كـذا و كـذا أو تُعالج كـذا و كـذا بدون دليل من الشرع : فإنه قول على الله بلا علم ،
    وقد قال تعالى : ) قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله مالا تعلمون ) .

    فالواجب إتلاف هذه الورقة ، والواجب على المذكورين وغيرهم التوبة إلى الله من هذا العمل ، وعدم العودة إلى شيءٍ منه مما يتعلق بالعقيدة والأحكام الشرعية .
    وبالله التوفيق .

    والله أعلم .


    الإسلام سؤال وجواب

  • #2
    رد: التحذير من بدعة العلاج بالأسماء الحسنى

    جزاك الله خيراً شيخنا الحبيب ونفعنا الله بعلمك

    واثابك الله الجنه



    { فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ }
    سورة الرعد الآية 17

    تعليق


    • #3
      رد: التحذير من بدعة العلاج بالأسماء الحسنى

      جزاكم الله كل خير
      ونعوذ بالله من ضلالات المضلين

      إن مرت الايام ولم تروني فهذه مشاركاتي فـتذكروني
      ، وان غبت ولم تجدوني أكون وقتها بحاجة للدعاء فادعولي

      شفاكِ الله أختنا محبة السلف دعواتكم
      لها بالشفاء العاجل

      تعليق


      • #4
        رد: التحذير من بدعة العلاج بالأسماء الحسنى

        جزاكم الله خيرا

        تعليق


        • #5
          رد: التحذير من بدعة العلاج بالأسماء الحسنى

          أحسنتم النقلَ أحسنَ اللهُ إليكم شيخنا
          بدع إستشرت وضلالات إنتشرت
          وفتنٌ كموجِ البحر يغشى بعضها البعض
          تلبست على الناسِ أمور دينهم

          فجزاكَ اللهُ عنا خيرًا
          بوركَ فيك ونفع بك
          وتقبل منا ومنك صالح الأعمال
          أستغفِرُ اللهَ ما أسْتَغْفَرهُ الْمُستَغفِرونْ ؛ وأثْنى عليهِ المَادِحُونْ ؛ وعَبَدَهُ الْعَابِدُون ؛ ونَزَهَهُ الْمُوَحِدونْ ؛ ورجاهُ الْسَاجِدون ..
          أسْتَغْفِرَهُ مابقي ؛ وما رضي رِضًا بِرِضاهْ ؛ وما يَلِيقُ بِعُلاه ..
          سُبحانهُ الله ..

          تعليق


          • #6
            رد: التحذير من بدعة العلاج بالأسماء الحسنى

            جزاكم الله خيرا

            رحمك الله أبي الحبيب, لا تنسوه من الدعاء , الله المستعان

            تعليق


            • #7
              رد: التحذير من بدعة العلاج بالأسماء الحسنى

              جزاكم الله خيرا


              تعليق


              • #8
                رد: التحذير من بدعة العلاج بالأسماء الحسنى

                بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
                الأخُ الفَاضِلُ / أبو أنس حادي الطريق
                السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكَاتُهُ
                بَارَكَ اللهُ فِيكَ أخِي الكَرِيم عَلَى مَا قَدَّمْتَهُ مِنْ بَيَانٍ لبَاطِلٍ انْتَشَرَ واسْتَشْرَى بَيْنَ النَّاس، إلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي.

                أخِي الكَرِيم، هذا المَوْضُوع كُنْتُ قَدْ سَبَقْتُكَ بالكَلاَمِ فِيهِ في مَوْقِعِي، وأصَّلْتُ لَهُ مِنْ أكْثَرِ مِنْ جَانِبٍ، فإذا سَمَحْتَ لِي أنْ أضَعَهُ كَمُشَارَكَةٍ في مَوْضُوعِكَ لتَأكِيدِ المَعْنَى بكُلِّ جَوَانِبِهِ وإفَادَةِ النَّاس أكْثَر.

                وَفَّقَنَا اللهُ وإيَّاكُمْ لِمَا يُحِبُّ ويَرْضَى.
                والسَّلاَمُ عَلَيْكُمْ ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكَاتُهُ

                تعليق


                • #9
                  رد: التحذير من بدعة العلاج بالأسماء الحسنى

                  بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
                  الأخُ الفَاضِلُ / أبو أنس حادي الطريق
                  السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكَاتُهُ
                  بَارَكَ اللهُ فِيكَ أخِي الكَرِيم عَلَى مَا قَدَّمْتَهُ مِنْ بَيَانٍ لبَاطِلٍ انْتَشَرَ واسْتَشْرَى بَيْنَ النَّاس، إلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي.

                  أخِي الكَرِيم، هذا المَوْضُوع كُنْتُ قَدْ سَبَقْتُكَ بالكَلاَمِ فِيهِ في مَوْقِعِي، وأصَّلْتُ لَهُ مِنْ أكْثَرِ مِنْ جَانِبٍ، فإذا سَمَحْتَ لِي أنْ أضَعَهُ كَمُشَارَكَةٍ في مَوْضُوعِكَ لتَأكِيدِ المَعْنَى بكُلِّ جَوَانِبِهِ وإفَادَةِ النَّاس أكْثَر.

                  وَفَّقَنَا اللهُ وإيَّاكُمْ لِمَا يُحِبُّ ويَرْضَى.
                  والسَّلاَمُ عَلَيْكُمْ ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكَاتُهُ


                  و عَلَيْكُمْ السَّلاَمُ ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكَاتُهُ

                  حيا الله اخانا الكريم محارب وبارك في جهده
                  ولتعلم اخي الفاضل اننا هنا لنتكامل بما علمنا الله لنكون على الحق أعوانا

                  وفقكم الله

                  تعليق


                  • #10
                    رد: التحذير من بدعة العلاج بالأسماء الحسنى

                    بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
                    الأخُ الفَاضِلُ / أبو أنس حادي الطريق
                    السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكَاتُهُ
                    جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا أخِي الكَرِيم، عَلَّمَنَا اللهُ وإيَّاكُمْ مَا يَنْفَعنَا، ونَفَعَنَا بِمَا عَلَّمَنَا، ونَفَعَ النَّاسَ مِنَّا خَيْرًا، اللُّهَّم آمِينَ، وإلَيْكَ وإلى الإخْوَةِ الكِرَامِ قُرَّاء المَوْضُوع مَا كُنْتُ كَتَبْتُهُ في هذا الأمْرِ.

                    بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
                    الأحِبَّةُ في اللهِ
                    السَّلامُ عَلَيْكُمْ ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكَاتُهُ

                    مِنَ الجَمِيلِ أنْ نَشْعُرَ ونُجَدِّدَ دَوْمًا حُبُّنَا للهِ، ومِنَ الجَمِيلِ أنْ نُثْبِتَ لغَيْرِ المُسْلِمِينَ إعْجَازُ اللهِ في الأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ بدَلِيلٍ جَدِيدٍ يَتَوَافَقُ مَعَ عُقُولِهِم، ومِنَ الجَمِيلِ أنْ نَتَّخِذَ مِنَ العِلْمِ الحَدِيثِ مَا يُقَرِّبُنَا إلى اللهِ أكْثَر طَالَمَا كَانَ هذا الأخْذ مَضْبُوطًا بالشَّرْعِ، ومِنَ الجَمِيلِ أنْ نَنْشُرَ بَيْنَ النَّاس مَا نَتَعَلَّمهُ، وفي نَفْسِ الوَقْتِ مِنْ أخْطَرِ الأشْيَاء أنْ يَكُونَ كُلّ ذَلِكَ عبَارَة عَنْ وَهْمٍ وافْتِرَاءٍ عَلَى اللهِ، ومَا أنْزَلَ اللهُ بِهِ مِنْ سُلْطَانٍ.

                    لَقَدِ انْتَشَرَتْ ظَاهِرَةٌ خَطِيرَةٌ بَيْنَ المُنْتَدَيَاتِ كَافَّة، وهي النَّقْل دُونَ تَثَبُّتٍ مِنْ صِحَّةِ مَا يُنْقَل، وهذا مِنْ أخْطَرِ مَا يَكُون عَلَى عَقِيدَةِ المَرْءِ سَوَاء النَّاقِل أو المَنْقُول إلَيْهِ، ونَحْنُ اليَوْم أمَامَ أُكْذُوبَة جَدِيدَة مُنْتَشِرَة تَحْتَ عُنْوَان (العِلاَجُ بأسْمَاءِ اللهِ الحُسْنَى)، إذْ أنَّ العِلاَجَ بأسْمَاءِ اللهِ الحُسْنَى أمْرٌ غَيْرُ صَحِيح مِنْ كُلِّ الجَوَانِبِ الشَّرْعِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ والمَادِّيَّةِ، ولِيَكُون الكَلاَم بالدَّلِيلِ كَمَا هُوَ الأصْلُ الَّذِي يَجِبُ أنْ يَكُون عَلَيْه المُسْلِم، إلَيْكُم الأدِلَّة:

                    الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ:
                    أوَّلاً: إذا كَانَ هَذا الزَّعْمُ صَحِيحًا، فَإنَّهَا إذًا مِنْ مُعْجِزَاتِ الله، ومُعْجِزَاتُ الله تَكُون للنَّاسِ كَافَّةً، بَادِيَة للجَمِيعِ حتى لغَيْرِ المُسْلِمِين، والسُّؤَالُ هُنَا: كَيْفَ تَكُون مُعْجِزَة ولا يَسْتَطِيعُ الأبْكَمُ والأصَمُّ اسْتِخْدَامُهَا؟ هَلْ حُرِمُوا مِنَ الاسْتِشْفَاءِ بِهَا لأنَّهُم صُمٌّ وبُكْمٌّ بغَيْرِ إرَادَتِهِم؟ هَلِ الله ظَالِم ليَخْلقَهُم هَكَذا ثُمَّ يُظْهِر مُعْجِزَة عِلاَجِيَّة تَنْفَع كُلّ البَشَر إلاَّ هُمْ؟
                    ثَانِيًا: إذَا كَانَتْ مُعْجِزَة، فَلِمَاذَا لَمْ يُخْبِرْ بِهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومِنْ بَعْدِهِ الصَّحَابَةُ والتَّابِعِينَ؟ هَلْ كَتَمُوا عِلْمًا أمِ اكْتَشَفْنَا نَحْنُ في/مِنَ الدِّينِ مَا خَفِيَ عَنْهُم وهُمْ أوْلَى النَّاس بِهِ مِنَّا وعَلَيْهم نَزَلَ واكْتَمَلَ وأمَامَهُم فُسِّرَ قَوْلاً وتَطْبِيقًا؟
                    ثَالِثًا: إنْ كَانَتْ مُعْجِزَة، فَلِمَاذَا لَمْ يَتَكَلَّمْ عَنْهَا الطِّبُّ؟ لِمَاذَا لَمْ يَسْتَخْدِمْهَا الأطِبَّاءُ أو تَشِع بَيْنَ النَّاس؟ لِمَاذَا لا تُذْكَر في المُؤْتَمَرَاتِ العِلْمِيَّة والطِّبِّيَّة عَامَّةً؛ والتي تَهْتَمُّ بالإعْجَازِ العِلْمِيِّ في القُرْآنِ والسُّنَّةِ خَاصَّةً؟ لِمَاذَا لَمْ تَتَبَنَّاهَا هَيْئَةُ الإعْجَازِ العِلْمِيِّ في القُرْآنِ والسُّنَّةِ أو أي هَيْئَةٌ عِلْمِيَّةٌ دَوْلِيَّةٌ أُخْرَى وتُثْقِلُهَا بأبْحَاثٍ وتَجَارُبٍ لمَزِيدٍ مِنَ الفَوَائِدِ؟
                    وأخِيرًا: إنْ كَانَت مُعْجِزَة فَلِمَاذَا خَرَجَتْ وانْتَشَرَتْ وبَقِيَتْ عَلَى صَفَحَاتِ الانْتَرْنِتِّ فَقَط، دُونَ تَوْثِيقٍ أو دَلِيلٍ، يَتَنَاقَلهَا الجَاهِلُ والسَّفِيهُ والحَاقِدُ؟
                    هذا كَلاَمنَا، فَإنْ لَمْ يَكُن مُقْنِعًا، فَإلَيْكُم فَتَاوَى شَرْعِيَّة صَحِيحَة تَشْرَحُ المُعْجِزَةِ وكَيْفَ تَكُون وكَيْفَ يُعْتَقَدُ فِيهَا، وتُبَيِّن كَيْفِيَّة التَّعَامُل مَعَ أسْمَاءِ الله الحُسْنَى.
                    الدَّلِيلُ المَادِّيُّ والشَّرْعِيُّ:
                    السُّؤَالُ: هَلْ يَجُوزُ العِلاَج بأسْمَاءِ اللهِ الحُسْنَى؛ بأنْ يَقُولَ عَلَى المَرِيضِ في عَيْنِهِ (يَا بَصِير) وهَكَذَا؟
                    الجَوَاب: (ذَكَرَهُ الأخُ أبُو أنَس في صَدْرِ مَوْضُوعِهِ)
                    السُّؤَالُ: انْتَشَرَتْ في الآوِنَةِ الأخِيرَةِ عَبْرَ المَوَاقِع والمُنْتَدَيَات مَوَاضِيع تَحْتَوِي عَلَى صُوَرٍ ومَلَفَّاتِ صَوْت وفِيدْيُو تُعَبِّر عَنْ مُعْجِزَاتٍ؛ كَخُرُوجِ نَافُورَةٍ مِنَ الرِّمَالِ في الصَّحَرَاءِ؛ وظُهُورِ لَفْظ الجَلاَلَة عَلَى جُلُودِ المَاعِز؛ وسَحَابَة تَرْسِم لَفْظ الجَلاَلَة، والفَتَاة التي تَحَوَّلَتْ إلى حَيَوَانٍ، ومُعْظَم هذه الأشْيَاء تَكُون غَيْر صَحِيحَة ومُلَفَّقَة، وهذه الأشْيَاء مُنْتَشِرَة جِدًّا، فَمَا هُوَ الحُكْم في مِثْلِ هذه الأشْيَاء؟
                    الجَوَابُ:
                    الحَمْدُ لله؛؛
                    آيَاتُ اللهِ في هذا الكَوْنِ كَثِيرَةٌ، فكُلّ ذَرَّة فِيهِ تَشْهَد لَهُ سُبْحَانَه بالعَظَمَةِ والجَلاَلِ، وتَنْطِق لَهُ بالوَحْدَانِيَّةِ، قَالَ اللهُ عَزَّ وجَلّ [حم 1 تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ 2 إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ 3 وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ 4 وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاء مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ 5 تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ 6 ]، وهَكَذَا جَاءَت دَعْوَة التَّأمُّل والتَّدَبُّر في عَشَرَاتِ الآيَات؛ تَحُثُّ عَلَى النَّظَرِ في آيَاتِ الكَوْن الظَّاهِرَة للعيَانِ، لتَتَفَكَّر فِيهَا فتَرْجِع مِنْهَا باليَقِينِ بالخَالِقِ، وبالإيِمَانِ بوَحْدَانِيَّتِهِ سُبْحَانَهُ.
                    والسِّمَةُ المُشْتَرَكَةُ بَيْنَ هذه الآيَات هي الظُّهُور للعُمُوم، فَالسَّمَاء والأرْض والجِبَال والشَّمْس والقَمَر والأنْعَام والمَطَر والنَّفْس وغَيْرهَا، كُلّهَا آيَات يَشْتَرِكُ في رُؤْيَتِهَا ومَعْرِفَتِهَا جَمِيعُ البَشَر، ويَتَمَكَّن كُلّ إنْسَان مِنْ إدْرَاكِ عَظَمَتهَا ودَلاَلَتهَا عَلَى الرَّبِّ الخَلاَّقِ، وإنْ كَانَ فِيهَا للعَالِمِ مِنَ الأسْرَارِ الَّتِي يَخْتَصّ بِهَا دُونَ العَامِّيّ، ولكِنَّهَا بَادِيَةٌ للجَمِيعِ، يَسْتَخْرِجُ مِنْهَا كُلٌ بِحَسَبِهِ.
                    أمَّا مَا يَنْتَشِر اليَوْم مِنْ حَدِيثٍ عَنْ (مُعْجِزَاتِ الطَّبِيعَة) ومِنْهَا الأمْثِلَة الَّتِي ذَكَرَهَا السَّائِل، فمِنْ حَيْثُ قُدْرَة الله تَعَالَى، فَإنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ، كظُهُور لَفْظ الجَلاَلَة عَلَى جُلُودِ المَاعِز أو عَلَى بَيْضَةٍ، أو مَسْخ بَعْض النَّاس، بَلْ نُؤْمِن بأنَّ المَسْخ سَيَقَع، كَمَا أخْبَرَ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ [ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ خَسْفٌ وَمَسْخٌ وَقَذْفٌ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ الله؛ وَمَتَى ذَاكَ؟ قَالَ: إِذَا ظَهَرَتْ الْقَيْنَاتُ وَالْمَعَازِفُ وَشُرِبَتِ الْخُمُورُ ] صَحَّحَهُ الألْبَانِيُّ في صَحِيحِ التِّرْمِذِيِّ، والقَيِّنَات يَعْنِي: المُغَنِّيَات.
                    هذا بالنَّظَرِ إلى قُدْرَةِ الله تَعَالَى، وأمَّا بالنَّظَرِ إلى وُقُوعِ هذه (المُعْجِزَات) فَإنَّ أكْثَر مَا يَنْتَشِر اليَوْم مِنْهَا لا حَظَّ لَهُ مِنَ التَّوْثِيقِ والتَّوْكِيدِ، وأغْلَب مَا يَتَنَاقَله النَّاس مِنْهَا إنَّمَا هي أحَادِيثُ مَجَالِسٍ وصُوَرِ مُنْتَدَيَاتٍ، لا يُدْرَى مَصْدَرُهَا ولا مَنْشَؤُهَا؛ أفَبِمِثْلِ هذه الحِكَايَات يَحْتَجُّ المُسْلِمُ عَلَى صِحَّةِ دِينِهِ وعَقِيدَتِهِ؟! وهَلْ نَقصَتْ عَنْهُ أدِلَّة الفِطْرَة واليَقِين كَيّ يَلْجَأ إلى تِلْكَ الإشَاعَات؟!
                    والمَوْقِفُ الصَّحِيحُ مِنْ هذه الأخْبَارِ هُوَ التَّوَقُّف فِيهَا، فَلاَ نُصَدِّقُهَا لاحْتِمَالِ أنَّهَا كَذِب، ولا نُكَذِّبُهَا لاحْتِمَالِ أنَّهَا صِدْق، مَا لَمْ يَكُن عِنْدَنَا دَلِيل وَاضِح عَلَى صِدْقِهَا أو كَذِبِهَا فَنجْزِمُ بِهِ حِينَئِذٍ، فَيَنْبَغِي عَلَى المُسْلِمِ العَاقِلِ - الَّذِي يَعِي ضَوَابِط التَّلَقِّي والاسْتِدْلاَل - التَّأنِّي في الإيِمَانِ بِهَا والتَّصْدِيقِ لَهَا، فَضْلاً عَنْ نَشْرِهَا ودَعْوَةِ النَّاس إلى التَّسْبِيحِ بعُجْبِهَا.
                    غَيْرَ أنَّ الَّذِي وَقَعَ خِلاف ذَلِك، حَيْثُ انْسَاقَ كَثِيرُونَ وَرَاء هذه (الحِكَايَات)، فَرَاحُوا يَنْشُرُونَهَا ويَتَحَدَّثُونَ بِهَا في المَجَالِسِ، ويَتَنَاقَلُونَهَا في جَوَّالاَتِهِم ورَسَائِلِهِم، ثُمَّ يُفَاجَئونَ بَعْدَ أيَّام أنَّهَا كَذِب مَصْنُوع مُخْتَلَق، نَشَرَهُ بَعْضُ المُتَحَمِّسِين للدِّين (جَهْلاً وسَذَاجَةً) أو بَعْضُ المُلْحِدِين الحَاقِدِين (اسْتِهْزَاءً وسُخْرِيَةً) مِمَّا كَانَ السَّبَب في فِتْنَةِ الكَثِيرِينَ، واللهُ المُسْتَعَان.
                    فَالَّذِي نُنْكِرُهُ هُوَ التَّسَرُّع في إثْبَاتِهَا وإلْبَاسِهَا لَبُوس الإعْجَاز والتَّحَدِّي، ودَعْوَةِ النَّاس إلَيْهَا، واتِّخَاذِهَا شَكْل الظَّاهِرَة المُتَفَشِّيَّة الَّتِي لا حُدُودَ لَهَا، فَكُلّ يَوْم يَحْمِل مِنْهَا قِصَّة جَدِيدَة وحِكَايَة، حَتَّى وَصَلَ الحَال إلى صُوَرٍ مِنَ السَّخَافَةِ الَّتِي يَتَرَفَّع عَنْ تَصْدِيقِهَا العَقْلُ السَّلِيمُ، تَرَىَ ذَلِك في حِكَايَة (صَوْت زَئِير الأسَد) الَّذِي يَسْمَعُ فِيهِ بَعْضُهُم (شَطَطًا وتَكَلُّفًا) صَوْت لَفْظ الجَلاَلَة، وأشْنَع مِنْ ذَلِك وأسْوَأ: مَا بَلَغَ في بَعْضِ البِلاَد مِنَ التَّبَرُّكِ والتَّمَسُّحِ والاسْتِشْفَاءِ بشَجَرَةٍ ظَهَرَ عَلَى جِذْعِهَا لَفْظ الجَلاَلَة، ثُمَّ تَبَيَّن بالبَحْثِ أنَّه مَنْحُوت بفِعْلِ فَاعِل يُرِيدُ إضْلاَل النَّاس.
                    فَعَلَى المُسْلِمِينَ التَّوَقُّف عَنْ تَرْوِيجِ مِثْل هذه الشَّائِعَات، الَّتِي قَدْ تَكُون سَبَبًا لإضْلاَلِ النَّاس، ونَسْألُ الله تَعَالَى أنْ يُفَقِّهنَا في دِينِنَا.
                    السُّؤَالُ: هَلْ يَجُوز قِرَاءَة آيَة مِنَ القُرْآنِ لغَرَضٍ مُحَدَّدٍ كَأنْ أذْكُر اسْم مِنْ أسْمَاءِ الله الحُسْنَى تِسْعَة وتِسْعِين مَرَّة ثُمَّ أدْعُوا الله بحَاجَتِي، ويَكُون ذَلِك مِنْ قَبِيلِ التَّوَسُّل إلى الله دُونَ أنْ يُخَالِطَهُ شِرْك؟
                    الجَوَابُ: الحَمْدُ للهِ؛؛
                    أجَابَ الشَّيْخ مُحَمَّد صَالِح المُنَجِّد بِمَا يَلِي:
                    قَالَ اللهُ تَعَالَى [ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ]، ومِنْ سُؤَالِ الله بأسْمَائِهِ الحُسْنَى أنْ يَقُول الدَّاعِي (يَا رَحْمَن ارْحَمْنِي، يَا تَوَّاب تُبْ عَلَيّ، يَا رَزَّاق ارْزقْنِي) ونَحْوَ ذَلِك.
                    أمَّا تَخْصِيص آيَة مُعَيَّنَة بعَدَدٍ مُعَيَّنٍ (99 مَرَّة أو غَيْره) يَتْلُوهَا بِهِ دُونَ دَلِيل صَحِيح؛ فَإنَّ ذَلِكَ العَمَل يُعْتَبَر عَمَلاً بِدعِيًّا مُحَرَّمًا؛ لأنَّه تَعَبَّد الله بطَرِيقَةٍ لَمْ تَرِدْ في الشَّرْعِ؛ والنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَدْ قَالَ [ مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ ]، فَخَيْرُ الهَدْي هَدْي مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولا مَجَال للاخْتِرَاع في دِينِ الله، وهَلْ يُمْكِن أنْ نَكْتَشِف شَيْئًا في الدِّينِ لَمْ يَعْرِفْهُ رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ؟!، فَعَلَيْنَا أنْ نَقْرَأ القُرْآن كَمَا قَرَأه ونَدْعُو بِمَا دَعَا بِهِ ونَتْلُو الأذْكَار الَّتِي وَرَدَت عَنْه، واللهُ المُوَفِّقُ والهَادِي إلى سَوَاءِ السَّبِيلِ.
                    السُّؤَالُ: قَالَ لي بَعْض النَّاس: إذا قُلْتَ كَذَا وكَذَا وبعَدَدٍ مُعَيَّنٍ مِنَ المَرَّاتِ فَسَوْفَ تَحْصُل عَلَى كَذَا وكَذَا مِنَ الأجْرِ، وإذَا قَرَأتَ أسْمَاء الله الحُسْنَى بتَرْتِيبٍ مُعَيَّنٍ فَسَتَحْصُل عَلَى كَذَا وكَذَا، فَأرْجُوا أنْ تَنْصَحَنِي؟
                    الجَوَابُ: الحَمْدُ للهِ؛؛
                    أجَابَ الشَّيْخ عَبْد الله بْن قعود بِمَا يَلِي:
                    لا يَجُوزُ ذَلِكَ، ولَوْ اعْتَقَدَه يَكُون بِدْعَة، وكُلّ ذِكْر يُقَيَّد بعَدَدٍ مُعَيَّنٍ أو مَكَانٍ مُعَيَّنٍ أو زَمَانٍ مُعَيَّنٍ أو كَيْفِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ لَمْ تَرِدْ في الشَّرِيعَةِ يَكُون بِدْعَة، وأمَّا بالنِّسْبَة للأسْمَاءِ الحُسْنَى، فَالتَّعَبُّد بِهَا يَكُون بدُعَاءِ الله بِهَا كَمَا قَالَ عَزَّ وجَلّ [ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ ]، ولَيْسَ مُجَرَّد قِرَاءَتهَا بتَرْتِيبٍ مُعَيَّنٍ عِبَادَة مَشْرُوعَة.
                    السُّؤَالُ: طَالِبَةٌ مِنْ طَالِبَاتِ جَامِعَة أُمّ القُرَى بمَكَّةِ أحْضَرَت لوَالِدَتِهَا وَرَقَة مَكْتُوب فِيهَا أسْمَاء الله الحُسْنَى؛ ولكُلِّ اسْم عَدَد مُعَيَّن يُذْكَر عَلَى مَكَانٍ مُعَيَّنٍ، مَثَلاً الرَّءُوف تُكَرِّرهَا 3 مَرَّات عَلَى الألَمْ الَّذِي برُكْبَتِهَا وهَكَذا، فَمَا حُكْم ذَلِك؟ نَأمَلُ مِنْكُم الإجَابَة وجَزَاكُم الله خَيْرًا؛ عِلْمًا بأنَّنَا قَدْ قُلْنَا للمَرْأةِ أنَّ هذا صُوفِيَّة لكِنَّهَا قَالَت لَقْد وَزَّعَهَا لَهُم أُسْتَاذ بالجَامِعَةِ، ونَحْنُ نَطْلُبُ مِنْكَ التَّوْضِيح وذِكْر الأدِلَّة وجَزَاكَ الله خَيْرًا.
                    الجَوَابُ:
                    قَالَ الشَّيْخ حَامِد بْن عَبْد الله العَلِيّ:
                    فَقَدِ اطَّلَعْتُ عَلَى النَّشْرَةِ المَذْكُورَةِ في السُّؤَالِ، وقَدْ كَثُرَ السُّؤَال عَنْهَا مُؤَخَّرًا، والجَوَابُ أنَّ مَا ذُكِرَ فِيهَا لا أسَاسَ لَهُ مِنَّ الصِّحَّةِ، ولا يَصِحُّ اعْتِمَاده، لأنَّه عَارٍ عَنْ الدَّلِيلِ، وادِّعَاء أنَّ لأسْمَاءِ الله تَعَالَى خَصَائِص مَا بغَيْرِ دَلِيلٍ مِنَ الوَحْي هُوَ مِنْ قَبِيلِ التَّخَرُّص بالظَّنِّ بغَيْرِ حَقٍّ والتَّقَوُّلِ عَلَى اللهِ بغَيْرِ عِلْمٍ، وقَدْ قَالَ تَعَالَى [ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ]، ولَوْ كَانَت هذه الخَصَائِص المَزْعُومَة بغَيْرِ دَلِيلٍ مِنَ العِلْمِ النَّافِعِ الَّذِي يُعْرَف بِهِ أثَر هذه الأسْمَاء الحُسْنَى؛ لَمَا تَرَكَ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ دَلالَة أُمَّته عَلَيْهَا، فَقَدْ دَلَّهَا عَلَى كَثِيرٍ مِنَ المَنَافِعِ المُؤَثِّرَةِ في التَّدَاوِي في بَعْضِ السُّوَر والآيَات، وبَعْضِ الأذْكَار والكَلِمَات، وبَعْضِ الأدْوِيَة والنَّبَاتَات، ولَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا عَنْ أثَرِ أسْمَاء الله الحُسْنَى، فَكَيْفَ تَوَصَّل هَؤُلاَء عَلَى مَعْرِفَةِ مَا لَمْ يَعْرِفْهُ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ أسْمَاءِ الرَّبّ سُبْحَانَه، وهُوَ أعْلَمُ الخَلْقِ باللهِ تَعَالَى؟! ومِمَّا يَدُلّ عَلَى أنَّ وَاضِع هذه الخَصَائِص المُدَّعَاة في أسْمَاءِ الله تَعَالَى الحُسْنَى عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ بالشَّرْعِ، أنَّ مِنْ هذه الأسْمَاء مَا قَرَّرَ العُلَمَاء أنَّه لا يُقَال مُنْفَرِدًا؛ مِثْل (الخَافِض والرَّافِع)، فَإنَّهُمَا اسْمَان لا يُقَالاَن إلاَّ مُقْتَرِنَان، لأنَّ كُلٍّ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا لا يَحْصُل بِهِ كَمَال المَعْنَى المَقْصُود بأسْمَاءِ الله الحُسْنَى، كَمَا أنَّ في وَضْعِ أسْمَاء الله تَعَالَى في هذا الوَضْعِ مُخَالَفَة لِمَا يَجِب مِنَ التَّوْقِيرِ والتَّعْظِيمِ لَهَا، فَيَكْفَ يُقَال إنَّ اسْمَ الله تَعَالَى (الرَّشِيد) لمَرَضِ البُرُوسْتَاتَه، و(الهَادِي) لمَرَضِ المَثَانَة، و(الرَّؤُوف) لمَرَضِ القَوْلُون، و(الخَافِض) لضَغْطِ الدَّمّ وهَكَذَا، فَتُجْعَل أسْمَاء الله تَعَالَى مِثْل أدْوِيَة الصَّيْدَلِيَّة تُوَزَّع عَلَى الأعْضَاءِ الإنْسَانِيَّةِ بغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدَىً ولا كِتَابٍ مُنِيرٍ، تَعَالَى الله عُلُوًّا كَبِيرًا عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُون، سُبْحَانَه وتَقَدَّسَ عَمَّا يَصِفه المُتَخَرِّصُونَ، فَالوَاجِبُ التَّحْذِير مِنْ هذه النَّشْرَةِ، وبَيَان أنَّه لا يَجُوزُ اعْتِمَادهَا إذْ لا دَلِيل عَلَيْهَا، مَعَ مَا فِيهَا مِنَ المُخَالَفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ التي بَيَّنَّاهَا.

                    بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أدِلَّةٍ تُبْطِلُ هذا الادِّعَاء المَزْعُوم بإمْكَانِيَّةِ العِلاَج بأسْمَاءِ الله الحُسْنَى، تَجِبُ الإشَارَة إلى بَعْضِ الأُمُور التي تَقِي بإذْنِ الله مِنَ الوُقُوعِ في مِثْلِ هذه الضَّلاَلاَت:
                    أوَّلاً: أسْمَاءُ الله لَيْسَت مَحْصُورَة في عَدَدٍ مُعَيَّن.
                    ثَانِيًا: مَا هُوَ مَعْنَى قَوْل رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ [ .... مَنْ أحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّة
                    ثَالِثًا: هَلْ كُلّ الأسْمَاء المَعْرُوفَة اليَوْم صَحِيحَة؟
                    رَابِعًا: مَا هُوَ الضَّابِط في الأسْمَاءِ التي يَصِحّ إطْلاَقهَا عَلَى الله تَعَالَى؟
                    خَامِسًا: مَا هي أهَمِّيَّة مَعْرِفَة أسْمَاء الله الحُسْنَى؟

                    أوَّلاً: أسْمَاءُ اللهِ لَيْسَتْ مَحْصُورَة في عَدَدٍ مُعَيَّنٍ:
                    رَوَى البُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ؛ أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ [ إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا؛ مِائَةً إِلا وَاحِدًا؛ مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ]، اسْتَدَلَّ بَعْض العُلَمَاء كَابْن حَزْمٍ رَحِمَهُ الله بهذا الحَدِيثِ عَلَى أنَّ أسْمَاءَ الله تَعَالَى مَحْصُورَة في هذا العَدَد.
                    وهذا الَّذِي قَالَهُ ابْن حَزْم رَحِمَهُ الله لَمْ يُوَافِقْهُ عَلَيْهِ عَامَّةُ أهْلِ العِلْم، بَلْ نَقَلَ بَعْضهُم كَالنَّوَوِيّ اتِّفَاق العُلَمَاء عَلَى أنَّ أسْمَاء الله تَعَالَى لَيْسَت مَحْصُورَة في هذا العَدَد، وكَأنَّهُم اعْتَبَرُوا قَوْلَ ابْن حَزْم شُذُوذَاً لا يُلْتَفَتُ إلَيْه، واسْتَدَلُّوا عَلَى عَدَمِ حَصْر أسْمَاء الله تَعَالَى الحُسْنَى في هذا العَدَدِ بِمَا رَوَاهُ أحْمَد؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن مَسْعُود قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ مَا أَصَابَ أَحَدَاً قَطُّ هَمٌّ وَلا حَزَنٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدَاً مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إِلاَّ أَذْهَبَ الله هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجَاً، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَلا نَتَعَلَّمُهَا؟ فَقَالَ: بَلَى، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا ] صَحَّحَهُ الألْبَانِيُّ في السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ، فَقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ ] دَلِيلٌ عَلَى أنَّ مِنْ أسْمَاءِ الله تَعَالَى الحُسْنَى مَا اسْتَأثَرَ بِهِ في عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَه، فَلَمْ يُطْلِع عَلَيْهِ أحَدَاً مِنْ خَلْقِهِ، وهذا يَدُلّ عَلَى أنَّهَا أكْثَر مِنْ تِسْعَةٍ وتِسْعِينَ، قَالَ شَيْخُ الإسْلاَمِ ابْن تَيْمِيَّة في مَجْمُوع الفَتَاوَى [ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلَّهِ أَسْمَاءً فَوْقَ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ ]، وقَالَ أيْضًا [ قَالَ الخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ أَسْمَاءً اسْتَأْثَرَ بِهَا وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ (إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَاً مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) أَنَّ فِي أَسْمَائِهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ (إنَّ لِي أَلْفَ دِرْهَمٍ أَعْدَدْتهَا لِلصَّدَقَةِ) وَإِنْ كَانَ مَالُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ فِي الْقُرْآنِ قَالَ (وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا)، فَأَمَرَ أَنْ يُدْعَى بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى مُطْلَقًا، وَلَمْ يَقُلْ: لَيْسَتْ أَسْمَاؤُهُ الْحُسْنَى إلا تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا ].
                    ونَقَلَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ الله في شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِم اتِّفَاق العُلَمَاء عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ [ اتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَيْسَ فِيهِ حَصْر لأَسْمَائِهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى, فَلَيْسَ مَعْنَاهُ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَسْمَاء غَيْر هَذِهِ التِّسْعَة وَالتِّسْعِينَ, وَإِنَّمَا مَقْصُود الْحَدِيث أَنَّ هَذِهِ التِّسْعَة وَالتِّسْعِينَ مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّة, فَالْمُرَاد الإِخْبَار عَنْ دُخُول الْجَنَّة بِإِحْصَائِهَا لا الإِخْبَار بِحَصْرِ الأَسْمَاء ].
                    وسُئِلَ الشَّيْخ ابْن عُثَيْمِين رَحِمَهُ الله عَنْ ذَلِكَ فَقَال [ أسْمَاء الله لَيْسَت مَحْصُورَة بعَدَدٍ مُعَيَّنٍ، والدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الحَدِيثِ الصَّحِيح (اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدَاً مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ)، ومَا اسْتَأثَرَ اللهُ بِهِ في عِلْمِ الغَيْبِ لا يُمْكِن أنْ يُعْلَم بِهِ، ومَا لَيْسَ مَعْلُومًا لَيْسَ مَحْصُورًا، وأمَّا قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا؛ مِائَةً إِلا وَاحِدًا؛ مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) فَلَيْسَ مَعْنَاهُ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلاَّ هذه الأسْمَاء، لَكِنْ مَعْنَاهُ أنَّ مَنْ أحْصَى مِنْ أسْمَائِهِ هذه التِّسْعَة والتِّسْعِين فَإنَّهُ يَدْخُل الجَنَّة، فَقَوْله (مَنْ أَحْصَاهَا) تَكْمِيل للجُمْلَةِ الأُولَى ولَيْسَت اسْتِئْنَافِيَّة مُنْفَصِلَة، ونَظِير هذا قَوْل العَرَب (عِنْدِي مَائَة فَرَس أعْدَدْتُهَا للجِهَادِ في سَبِيلِ الله) فَلَيْسَ مَعْنَاهُ أنَّهُ لَيْسَ عِنْدهُ إلاَّ هذه المَائَة، بَلْ هذه المَائَة مُعَدَّة لهذا الشَّيْء ].
                    وهذا يَنْقِلنَا إلى الأمْرِ الثَّانِي؛ وهُوَ مَعْنَى (أحْصَاهَا) في قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ [ مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ].

                    ثَانِيًا: مَا هُوَ مَعْنَى قَوْل رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ [ مَنْ أحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّة ]؟
                    رَوَى البُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ [ إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا؛ مِائَةً إِلا وَاحِدًا؛ مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ]، والإحْصَاءُ المَذْكُور في الحَدِيثِ يَتَضَمَّنُ مَا يَلِي:
                    1-حِفْظُهَا.
                    2-مَعْرِفَةُ مَعْنَاهَا.
                    3-العَمَلُ بمُقْتَضَاهَا: فَإذَا عُلِمَ أنَّهُ الأحَد فَلا يُشْرَك مَعَهُ غَيْرَهُ، وإذا عُلِمَ أنَّهُ الرَّزَّاق فَلاَ يُطْلَب الرِّزْق مِنْ غَيْرِهِ، وإذا عُلِمَ أنَّهُ الرَّحِيم فَإنَّهُ يُفْعَل مِنَ الطَّاعَاتِ مَا هُوَ سَبَبٌ لهذه الرَّحْمَة؛ وهَكَذَا.
                    4-دُعَاؤُهُ بِهَا: كَمَا قَالَ عَزَّ وجَلّ [ وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ]، وذَلِكَ كَأنْ يَقُول (يَا رَحْمَن ارْحَمْنِي، يَا غَفُور اغْفِر لِي، يَا تَوَّاب تُبْ عَلَيَّ) ونَحْو ذَلِك.
                    قَالَ الشَّيْخ مُحَمَّد بْن صَالِح العُثَيْمِين [ ولَيْسَ مَعْنَى إحْصَائهَا أنْ تُكْتَب في رِقَاعٍ ثُمَّ تُكَرَّر حتى تُحْفَظ، ولَكِنْ مَعْنَى ذَلِكَ: أوَّلاً: الإحَاطَة بِهَا لَفْظًاً، ثَانِيًا: فَهْمهَا مَعْنَىً، ثَالِثًا: التَّعَبُّد لله بمُقْتَضَاهَا، ولذَلِكَ وَجْهَان: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنْ تَدْعُو الله بِهَا لقَوْلِهِ تَعَالَى (فَادْعُوهُ بِهَا)، بأنْ تَجْعَلهَا وَسِيلَة إلى مَطْلُوبِكَ، فَتَخْتَار الاسْم المُنَاسِب لمَطْلُوبِكَ، فَعِنْدَ سُؤَال المَغْفِرَة تَقُول (يَا غَفُور اغْفِر لي)، ولَيْسَ مِنَ المُنَاسِبِ أنْ تَقُول (يَا شَدِيد العِقَاب اغْفِر لي)، بَلْ هذا يُشْبِه الاسْتِهْزَاء، بَلْ تَقُول (أجِرْنِي مِنْ عِقَابِك)، والوَجْهُ الثَّانِي: أنْ تَتَعَرَّض في عِبَادَتِكَ لِمَا تَقْتَضِيه هذه الأسْمَاء، فَمُقْتَضَى الرَّحِيم الرَّحْمَة، فَاعْمَل العَمَل الصَّالِح الَّذِي يَكُون جَالِبًا لرَحْمَةِ الله، هذا هُوَ مَعْنَى إحْصَائهَا، فَإذَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ جَدِير لأنْ يَكُونَ ثَمَنًا لدُخُولِ الجَنَّة ].
                    وبفَهْمِ الأمْر الأوَّل والثَّانِي، فَإنَّهُ يَكُون مِنَ البَدِيهِيّ أنْ يَتَبَادَر لَنَا سُؤَال: هَلْ كُلّ الأسْمَاء المَعْرُوفَة اليَوْم صَحِيحَة ويَجُوز اسْتِخْدَامهَا في التَّعَبُّدِ لله؟ وهذا يَنْقِلنَا للأمْرِ الثَّالِث.

                    ثَالِثًا: هَلْ كُلّ الأسْمَاء المَعْرُوفَة اليَوْم صَحِيحَة؟
                    اهْتَمَّ العُلَمَاء قَدِيمًا وحَدِيثًا بمَعْرِفَةِ أسْمَاء الله التِّسْعَة والتِّسْعِين التي أرَادَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بقَوْلِهِ [ إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا؛ مِائَةً إِلا وَاحِدًا؛ مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ]، وقَدْ اجْتَهَدَ كَثِير مِنَ العُلَمَاءِ في اسْتِخْرَاجِ الأسْمَاء الحُسْنَى الوَارِدَة في الكِتَابِ والسُّنَّةِ، ولَهُم في ذَلِكَ قَوَاعِد حَكَمُوا مِنْ خِلاَلِهَا عَلَى مَعْرِفَةِ أسْمَاءِ الله تَعَالَى، ويَنْبَغِي هُنَا أنْ نُنَبِّه عَلَى أمْرَيْنِ:
                    الأوَّل: أنَّ تَحْدِيد العُلَمَاء لهذه الأسْمَاء إنَّمَا هُوَ اجْتِهَاد مِنْهُم حَسْبَ مَا ظَهَرَ لكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم، ولا نَسْتَطِيع الجَزْم بأنَّ هذا هُوَ مُرَاد الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
                    الثَّانِي: الحَدِيث الوَارِد عِنْدَ التِّرْمِذِيّ في تَحْدِيدِ هذه الأسْمَاء ضَعِيف باتِّفَاقِ أهْل الحَدِيث، وقَدْ ضَعَّفَهُ الإمَام التِّرْمِذِيّ رَحِمَهُ الله نَفْسه، وغَيْره، قَالَ الإمَام التِّرْمِذِيُّ عَقِب رِوَايَته للحَدِيثِ [ هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ - (أي: ضَعِيفٌ كَمَا هُوَ ظَاهِر كَلاَمه هُنَا) - حَدَّثَنَا بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ صَفْوَان بْن صَالِح، ولا نَعْرِفهُ إلاَّ مِنْ حَدِيثِ صَفْوَان بْن صَالِح، وهُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ أهْل الحَدِيث، وقَدْ رُوِيَ هذا الحَدِيث مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولا نَعْلَمُ في كَثِيرِ شَيْءٍ مِنَ الرّوَايَات لَهُ إسْنَادٌ صَحِيح ذَكَرَ الأسْمَاءَ إلاَّ في هذا الحَدِيث، وقَدْ رَوَى آدَم بْن أبِي إيَاس هذا الحَدِيث بإسْنَادٍ غَيْر هذا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وذَكَرَ فِيهِ الأسْمَاء ولَيْسَ لَهُ إسْنَادٌ صَحِيحٌ ]، ويُلاَحَظ في كَلاَمِ الإمَام التِّرْمِذِيّ اسْتِخْدَامه لِكَلِمَةِ (رُوِيَ) وهي مِنْ صِيَغِ التَّمْرِيض، وصِيَغ التَّمْرِيض تَدُلّ عَلَى ضَعْفِ الأثَر المَحْكِي أو شَكّ الحَاكِي في صِحَّتِهِ؛ فَيَحْكِيهِ بالمَعْنَى، كَقَوْلهم (رُوِيَ – قِيلَ – حُكِيَ)، إذْ لَوْ أنَّ الحَاكِي لَدَيْه دَلِيل صَحِيح عَلَى كَلاَمِهِ لَمَا تَأخَّرَ في عَرْضِهِ وبَيَانِه، وقَدْ ضَعَّف الحَدِيث كَذَلِكَ الحَافِظ ابْن حَجَر في التَّلْخِيص الحَبِير، ونَقَلَ تَضْعِيفه عَنْ ابْن حَزْمٍ والبَيْهَقِىّ وغَيْرِهمَا، وضَعَّفَهُ كَذَلِكَ شَيْخُ الإسْلاَمِ ابْن تَيْمِيَّة في مَجْمُوعِ الفَتَاوَى.
                    وقَدِ اجْتَهَدَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَمَاءِ في اسْتِخْرَاجِ أسْمَاء الله تَعَالَى مِنَ الكِتَابِ والسُّنَّة، ومِنْ هَؤُلاءِ العُلَمَاء الشَّيْخ مُحَمَّد بْن صَالِح العُثَيْمِين في كِتَابِهِ القَوَاعِد المُثْلَى في صِفَاتِ الله وأسْمَائِه الحُسْنَى، وقَدْ ذَكَرَ في هذا الكِتَابِ تِعْدَاد أسْمَاء الله تَعَالَى مِنَ الكِتَاب والسُّنَّة بحَسْبِ اجْتِهَادِه (اضْغَط للإطِّلاَع)، وأمَّا صِفَاته تَعَالَى فَهِيَ أكْثَر مِنْ أنْ تُحْصَر هُنَا، وقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخ ابْن عُثَيْمِين في كِتَابِهِ السَّابِق قَوَاعِد نَافِعَة في صِفَاتِ الله تَعَالَى (اضْغَط للإطِّلاَع)، أمَّا مِنْ حَيْثُ الاجْتِهَاد في حَصْرِهَا بحَسْبِ الوَارِد في الكِتَابِ والسُّنَّة؛ فَقَدْ اجْتَهَدَ بَعْضُ العُلَمَاء والمُحَقِّقِين في حَصْرِ مَا وَرَدَ في الكِتَابِ والسُّنَّة مِنْ هذه الصِّفَات، ومِنْ أحْسَنِ مَا كُتِبَ في هذا كِتَاب الشَّيْخ عُلْوِي بْن عَبْد القَادِر السَّقَّاف صِفَات الله عَزَّ وجَلّ الوَارِدَة في الكِتَابِ والسُّنَّة (اضْغَط للإطِّلاَع).

                    رَابِعًا: مَا هُوَ الضَّابِط في الأسْمَاءِ التي يَصِحّ إطْلاقهَا عَلَى الله تَعَالَى؟
                    أسْمَاء الله تَعَالَى كُلّهَا تَوْقِيفِيَّة؛ أي أنَّهُ يَجِب الوُقُوف فِيهَا عَلَى مَا جَاءَ في الكِتَابِ والسُّنَّةِ، فَلا يُزَاد فِيهَا ولا يُنْقَص، وعَلَيْهِ؛ فَلاَ يَصِحّ أنْ يُسَمَّى الله إلاَّ بِمَا سَمَّى بِهِ نَفْسَهُ في كِتَابِهِ أو عَلَّمَهُ لرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيمَا صَحَّ مِنَ الأحَادِيث، لأنَّ العَقْلَ لا يُمْكِنهُ إدْرَاك مَا يَسْتَحِقّه الله تَعَالَى مِنَ الأسْمَاء، فَوَجَبَ الوُقُوف عَلَى النَّصِّ لقَوْلِهِ تَعَالَى [ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ]، ولأنَّ تَسْمِيَتَهُ تَعَالَى بِمَا لَمْ يُسَمِّ بِهِ نَفْسه أو إنْكَار مَا سَمَّى بِهِ نَفْسَهُ جِنَايَة في حَقِّهِ تَعَالَى، فَوَجَبَ سُلُوك الأدَب في ذَلِك والاقْتِصَار عَلَى مَا جَاءَ بِهِ النَّصّ.
                    وأمَّا مَا وَرَدَ في القُرْآنِ والسُّنَّة عَلَى سَبِيلِ الوَصْفِ أو الخَبَرِ فَقَط؛ بحَيْثُ لَمْ يَرِدْ تَسْمِيَة الله بِهِ؛ فَلاَ يَصِحُّ أنْ نُسَمِّيَهُ بِهِ، وذَلِكَ لأنَّ مِنْ صِفَاتِ الله مَا يَتَعَلَّق بأفْعَالِهِ، وأفْعَال الله لا مُنْتَهَى لَهَا كَمَا أنَّ أقْوَالَهُ لا مُنْتَهَى لَهَا، ومِنْ أمْثِلَةِ ذَلِكَ أنَّ مِنْ صِفَاتِ الله الفِعْلِيَّة (المَجِيء، والإتْيَان، والأخْذ، والإمْسَاك، والبَطْش) إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ التي لا تُحْصَى كَمَا قَالَ تَعَالَى [ وَجَاء رَبُّكَ ]، وقَالَ [ وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ ]، وقَالَ [ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ]، فَنَصِفُ الله تَعَالَى بهذه الصِّفَات عَلَى الوَجْهِ الوَارِدِ، ولا نُسَمِّيه بِهَا، فَلا نَقُول إنَّ مِنْ أسْمَائِه الجَائِي والآتِي والآخِذ والمُمْسِك والبَاطِش، ونَحْو ذَلِك، وإنْ كُنَّا نُخْبِر بذَلِكَ عَنْهُ ونَصِفُه بِهِ، فإذا سُئِلْنَا: هَلْ الله يَبْطِش ويَمْكُر؟ نَقُول نَعَم، أمَّا إذا سُئِلْنَا: هَلْ البَاطِش والمَاكِر مِنْ أسْمَاءِ الله الحُسْنَى؟ فَالإجَابَة تَكُون لا في حُدُودِ مَا نَعْلَمُ واللهُ تَعَالَى أعْلَى وأعْلَمُ، ولَكِنْ لِمَاذَا لا؟
                    إنَّ صِفَات الله تَعَالَى كُلّهَا صِفَاتُ كَمَالٍ، دَالَّة عَلَى أحْسَنِ المَعَانِي وأكْمَلهَا، قَالَ تَعَالَى [ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ]، وقَالَ تَعَالَى [ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ]، حتى أنَّ أسْمَائه تُسَمَّى الأسْمَاء الحُسْنَى، فَهِيَ لَيْسَت مُجَرَّد أسْمَاء، ومَعْنَى المَثَل الأعْلَى أي الوَصْف الأكْمَل، قَالَ السَّعْدِي في تَفْسِيرِه [ المَثَل الأعْلَى: هُوَ كُلّ صِفَة كَمَال ]، والصِّفَات ثَلاثَة أنْوَاع:
                    الأوَّل: صِفَات كَمَال: لا نَقْصَ فِيهِ بوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فهذه يُوصَف الله تَعَالَى بِهَا وَصْفًا مُطْلَقًا ولا يُقَيَّد بشَيْء، مِثَال ذَلِك: العِلْم، القُدْرَة، السَّمْع، البَصَر، الرَّحْمَة ... إلخ، ولَقَد قَالَ عُلَمَاء اللُّغَة أنَّ أدَاة التَّعْرِيف (الـ) إذا دَخَلَت عَلَى الصِّفَةِ فَإنَّهَا تَعْنِي الشُّمُول والحَصْر لهذه الصِّفَة، فَكُلّ إنْسَان يُمْكِن أنْ يَكُونَ رَحِيمًا، ولَكِنْ إذا قُلْنَا (الرَّحِيم) فَلا تُطْلَق إلاَّ عَلَى الله تَعَالَى، لِذَا فَإنَّهُ لا يَجُوز تَسْمِيَة البَشَر بأسْمَاءِ الله المُطْلَقَة (ذات التَّعْرِيف بالألِفِ واللاَّم)، ولَكِنْ يُمْكِن الاشْتِقَاق مِنْهَا، مِثْل كَرِيم أو عَبْد الكَرِيم.
                    الثَّانِي: صِفَات نَقْص: لا كَمَال فِيهَا، فهذه لا يُوصَف الله تَعَالَى بِهَا أبَدًا، كَالنَّوْمِ، العَجْزِ، الظُّلْمِ، الخِيَانَةِ ... إلخ.
                    الثَّالِث: صِفَات يُمْكِن أنْ تَكُون كَمَالاً ويُمْكِن أنْ تَكُون نَقْصًا عَلَى حَسبِ الحَالِ التي تُذْكَر فِيهَا: فهذه لا يُوصَف الله تَعَالَى بِهَا عَلَى سَبِيلِ الإطْلاَق، ولا تُنْفَى عَنِ الله تَعَالَى عَلَى سَبِيلِ الإطْلاَق، بَلْ يَجِبُ التَّفْصيل، فَفِي الحَالِ التي تَكُون كَمَالاً يُوصَف الله تَعَالَى بِهَا، وفي الحَالِ التي تَكُون نَقْصًا لا يُوصَف الله تَعَالَى بِهَا، ومِثَال هذا: المَكْر، الخَدِيعَة، الاسْتِهْزَاء، فَالمَكْر والخَدِيعَة والاسْتِهْزَاء بالعَدُوِّ صِفَة كَمَال، لأنَّ ذَلِكَ يَدُلّ عَلَى كَمَالِ العِلْم والقُدْرَة والسُّلْطَان ونَحْو ذَلِك، أمَّا المَكْر بالمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ فَهُوَ صِفَة نَقْص، ولذَلِكَ لَمْ يَرِدْ وَصْف الله تَعَالَى بهذه الصِّفَات عَلَى سَبِيلِ الإطْلاَق، وإنَّمَا وَرَدَ مُقَيَّدًا بِمَا يَجْعَلهُ كَمَالاً، قَالَ الله تَعَالَى [ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ] فهذا خِدَاع بالمُنَافِقِينَ، وقَالَ تَعَالَى [ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ]، وهذا مَكْر بأعْدَاءِ الله الَّذِينَ كَانُوا يَمْكُرُونَ برَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقَالَ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى عَنِ المُنَافِقِينَ [ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ 14 اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ 15 ]، وهذا اسْتِهْزَاء بالمُنَافِقِينَ، فهذه الصِّفَات تُعْتَبَر كَمَالاً في هذا السِّيَاق الَّذِي وَرَدَت فِيهِ، ولهذا يُقَال: الله تَعَالَى يَسْتَهْزِئُ بالمُنَافِقِينَ، ويُخَادِعُهُم، ويَمْكُرُ بأعْدَائِهِ، ونَحْو ذَلِك، ولا يَجُوزُ أنْ يُوصَف الله تَعَالَى بالمَكْرِ والخِدَاع وَصْفًا مُطْلَقًا بإضَافَةِ التَّعْرِيف (الـ) إلى الصِّفَةِ أو بالاعْتِقَادِ في ذَلِك، لأنَّهُ حِينَئِذٍ لا يَكُون كَمَالاً.
                    وقَدْ سُئِلَ الشَّيْخ ابْن عُثَيْمِين: هَلْ يُوصَف الله بالمَكْر؟ وهَلْ يُسَمَّى بِه؟ فَأجَابَ [ لا يُوصَف الله تَعَالَى بالمَكْرِ إلاَّ مُقَيَّدًا، فَلا يُوصَف الله تَعَالَى بِهِ وَصْفًا مُطْلَقًا، قَالَ الله تَعَالَى (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ)، فَفِي هذه الآيَة دَلِيل عَلَى أنَّ لله مَكْرًا، والمَكْر هُوَ التَّوَصُّل إلى إيِقَاعِ الخِصْم مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُر، ومِنْهُ جَاءَ في الحَدِيثِ الَّذِي أخْرَجَهُ البُخَارِيّ (الحَرْبُ خدْعَةٌ)، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُوصَف الله بالمَكْرِ مَعَ أنَّ ظَاهِرَه أنَّهُ مَذْمُوم؟ قِيلَ: إنَّ المَكْرَ في مَحَلِّهِ مَحْمُود يَدُلّ عَلَى قُوَّةِ المَاكِر، وأنَّهُ غَالِب عَلَى خِصْمِهِ، ولذَلِكَ لا يُوصَف الله بِهِ عَلَى الإطْلاَقِ، فَلا يَجُوز أنْ تَقُول (إنَّ الله مَاكِر) وإنَّمَا تَذْكُر هذه الصِّفَة في مَقَامٍ يَكُون مَدْحًا، مِثْل قَوْله تَعَالَى (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ)، وقَوْله (وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنََا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ)، ولا تُنْفَى هذه الصِّفَة عَنْ اللهِ عَلَى سَبِيلِ الإطْلاَق، بَلْ إنَّهَا في المَقَامِ الَّذِي تَكُون مَدْحًا يُوصَف بِهَا، وفي المَقَامِ الَّذِي لا تَكُون فِيهِ مَدْحًا لا يُوصَف بِهَا، وكَذَلِكَ لا يُسَمَّى الله بِهِ، فَلاَ يُقَال (إنَّ مِنْ أسْمَاء الله المَاكِر)، والمَكْر مِنَ الصِّفَاتِ الفِعْلِيَّةِ لأنَّهَا تَتَعَلَّق بمَشِيئَةِ الله سُبْحَانَه ]، وسُئِلَ أيْضًا: هَلْ يُوصَف الله بالخِيَانَة والخِدَاع كَمَا قَالَ الله تَعَالَى [ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ]؟ فَأجَابَ [ أمَّا الخِيَانَة فَلاَ يُوصَف الله بِهَا أبَدًا، لأنَّهَا ذَمّ بكُلِّ حَالٍ، إذْ إنَّهَا مَكْر في مَوْضِعِ الائْتِمَان، وهُوَ مَذْمُوم، قَالَ الله تَعَالَى (وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) فَقَالَ (فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ) ولَمْ يَقُل (فَخَانَهُم)، وأمَّا الخِدَاع فَهُوَ كَالمَكْر، يُوصَف الله تَعَالَى بِهِ حِينَ يَكُون مَدْحًا، ولا يُوصَف بِهِ عَلَى سَبِيل الإطْلاَق، قَالَ الله تَعَالَى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ) ].
                    ومِنْ أجْلِ ذَلِكَ فَإنَّهُ يَجِبُ مُرَاعَاة الضَّوَابِط عِنْدَ اشْتِقَاقِ أسْمَاء الله الحُسْنَى مِنْ صِفَاتِهِ، فَلاَبُدَّ أوَّلاً مِنْ إرْجَاعِ الحِكْمَة إلى الله تَعَالَى، فَهُوَ سُبْحَانَهُ صَاحِب الكَمَال المُطْلَق، يَتَسَمَّى ويَتَّصِف بِمَا هُوَ أهْل لَه، والعِبَاد إنَّمَا يَتَلَمَّسُونَ شَيْئًا مِمَّا بَيَّنَهُ لَهُم في كِتَابِهِ مِنْ كَمَالِهِ وجَلاَلِهِ وعَظَمَتِه، فَإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلّه، ولَهُ الحِكْمَة البَالِغَة سُبْحَانَهُ وتَعَالَى، إلاَّ أنَّنَا نُحَاوِل الوُقُوف عَلَى فِقْهِ أسْمَائِهِ وصِفَاتِهِ مِنْ خِلاَلِ مَا وَرَدَ في الكِتَابِ والسُّنَّةِ، نَتَأمَّل في ذَلِكَ لَعَلَّنَا نَصِل إلى ضَابِطٍ في تَحْدِيدِ الأسْمَاء الحُسْنَى، وقَدْ اخْتَلَفَ العُلَمَاء في ذَلِك مِمَّا أدَّى إلى اخْتِلاَفِهِم في تِعْدَادِ أسْمَاء الله الحُسْنَى ووَضْعِ الضَّابِط لَهَا، فَقَد جَعَلَ بَعْضهُم الأمْر تَعَبُّدِيًّا مَحْضًا لَيْسَ فِيهِ شَيْء مِنْ مَعَانِي القِيَاس أو الاجْتِهَاد كَمَا فَعَلَ ابْن حَزْم، وتَوَسَّعَ بَعْضهُم فَأجَازَ تَسْمِيَة الله (بالمُتَكَلِّم والمُرِيد) وبكُلِّ اسْمٍ جَاءَ وَصْف الله تَعَالَى بمَعْنَاه في الكِتَابِ أو السُّنَّةِ، وهذا مَذْهَب ابْن العَرَبِي المَالِكِي وغَيْره، وتَوَسَّطَ بَعْض أهْل العِلْم، فَتَأمَّلُوا في مَوَارِدِ الأسْمَاء الحُسْنَى، فَوَجَدُوا أنَّ الصِّفَةَ إذا كَانَت صِفَة مَدْح مُطْلَق ولا تَحْتَمِل الذَّمّ بوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ (كَالسَّمْعِ والبَصَر)، فَحِينَئِذٍ يَأتِي في النُّصُوصِ اشْتِقَاق الاسْم مِنْهَا، فَيُسَمِّي الله نَفْسه بـ (السَّمِيع والبَصِير)، أمَّا إذا كَانَت الصِّفَة تَحْتَمِل النَّقْص والذَّمّ بإحْدَى الوُجُوه (كَالكَلاَمِ) مَثَلاً، فَإنَّ الكَلام قَدْ يَكُون كَذِبًا وظُلْمًا وسُوْءًا، فَيَكُون نَقْصًا يُفَضَّل السُّكُوت عَلَيْهِ، فَحِينَئِذٍ لا نَجِد اشْتِقَاقًا للاسْمِ مِنْ هذه الصِّفَةِ، ولا نَجِد مِنْ أسْمَاءِ الله (المُتَكَلِّم)، وهذا هُوَ تَقْرِير العَلاَّمَة ابْن تَيْمِيَّة وتِلْمِيذه ابْن القَيِّم وقَوْل أكْثَر عُلَمَائنَا المُعَاصِرِين، يَقُول ابْن تَيْمِيَّة في شَرْحِ العَقِيدَة الأصْفَهَانِيَّة [ وأمَّا تَسْمِيَته سُبْحَانَهُ بأنَّهُ مُرِيد وأنَّهُ مُتَكَلِّم؛ فَإنَّ هَذَيْن الاسْمَيْن لَمْ يَرِدَا في القُرْآنِ، ولا في الأسْمَاءِ الحُسْنَى المَعْرُوفَة، ومَعْنَاهُمَا حَقّ، ولَكِنَّ الأسْمَاء الحُسْنَى المَعْرُوفَة هي التي يُدْعَى الله بِهَا، وهي التي جَاءَت في الكِتَابِ والسُّنَّةِ، وهي التي تَقْتَضِي المَدْح والثَّنَاء بنَفْسِهَا، والعِلْم والقُدْرَة والرَّحْمَة ونَحْو ذَلِكَ هي في نَفْسِهَا صِفَات مَدْح، والأسْمَاء الدَّالَّة عَلَيْهَا أسْمَاء مَدْح، وأمَّا الكَلاَم والإرَادَة؛ فَلَمَّا كَانَ جِنْسه يَنْقَسِم إلى مَحْمُودٍ (كَالصِّدْقِ والعَدْل) وإلى مَذْمُومٍ (كَالظُّلْمِ والكَذِبِ)، والله تَعَالَى لا يُوصَف إلاَّ بالمَحْمُودِ دُونَ المَذْمُوم، فَلِهَذَا لَمْ يَجِئ في أسْمَائِهِ الحُسْنَى المَأثُورَة (المُتَكَلِّم والمُرِيد) ]، ويَقُول أيْضًا رَحْمَةُ الله عَلَيْهِ في بَيَانِ تَلْبِيس الجَهْمِيَّة [ وذَلِكَ أنَّ الله سُبْحَانَهُ لَهُ الأسْمَاء الحُسْنَى كَمَا سَمَّى نَفْسَهُ بذَلِكَ وأنْزَلَ كُتُبه وعَلَّمَه مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِه، كَاسْمِه الحَقّ، والعَلِيم، والرَّحِيم، والحَكِيم، والأوَّل، والآخِر، والعَلِيّ، والعَظِيم، والكَبِير، ونَحْو ذَلِك، وهذه الأسْمَاء كُلّهَا أسْمَاء مَدْح وحَمْد، تَدُلّ عَلَى مَا يُحْمَد بِهِ، ولا يَكُون مَعْنَاهَا مَذْمُومًا، والله لَهُ الأسْمَاء الحُسْنَى، لَيْسَ لَهُ مَثَل السُّوء قَطّ، فكَذَلِكَ أيْضًا الأسْمَاء التي فِيهَا عُمُوم وإطْلاَق لِمَا يُحْمَد ويُذَمّ لا تُوجَد في أسْمَاءِ الله الحُسْنَى؛ لأنَّهَا لا تَدُلّ عَلَى مَا يُحْمَدُ الرَّبّ بِهِ ويُمْدَح ].
                    ويَقُول العَلاَّمَة ابْن القَيِّم في مُخْتَصَرِ الصَّوَاعِق [ لَمْ يَأتِ في أسْمَائِهِ الحُسْنَى المُرِيد والمُتَكَلّم ولا الفَاعِل ولا الصَّانِع، لأنَّ مُسَمَّيَاتهَا تَنْقَسِم إلى مَمْدُوحٍ ومَذْمُومٍ، وإنَّمَا يُوصَف بالأنْوَاعِ المَحْمُودَة مِنْهَا كَالحَلِيمِ والحَكِيمِ والعَزِيزِ والفَعَّالِ لِمَا يُرِيد ]، ويَقُول أيْضًا في مَدَارِجِ السَّالِكِين [ ومَا كَانَ مُسَمَّاه مُنْقَسِمًا – يَعْنِي إلى كَامِلٍ ونَاقِصٍ - لَمْ يَدْخُل اسْمه في الأسْمَاءِ الحُسْنَى كَالشَّيْءِ والمَعْلُوم، ولذَلِكَ لَمْ يُسَمَّ بـ (المُرِيد)، ولا بـ (المُتَكَلِّم)، وإنْ كَانَ لَهُ الإرَادَة والكَلاَم؛ لانْقِسَامِ مُسَمَّى (المُرِيد والمُتَكَلِّم)، وهذا مِنْ دَقِيقِ فِقْهِ الأسْمَاء الحُسْنَى، فَتَأمَّلهُ وباللهِ التَّوْفِيق ].
                    ويَقُولُ الشَّيْخ ابْن عُثَيْمِين في شَرْحِ الوَاسِطِيَّة [ ولهذا لَمْ يُسَمِّ الله نَفْسَهُ بالمُتَكَلِّمِ، مَعَ أنَّهُ يَتَكَلَّم؛ لأنَّ الكَلاَم قَدْ يَكُون خَيْرًا، وقَدْ يَكُون شَرًّا، وقَدْ لا يَكُون خَيْرًا ولا شَرًّا، فَالشَّرّ لا يُنْسَب إلى الله، واللَّغْو كَذَلِك لا يُنْسَب إلى الله، لأنَّهُ سَفَه، والخَيْر يُنْسَب إلَيْه، ولهذا لَمْ يُسَمِّ نَفْسَهُ بالمُتَكَلِّم، لأنَّ الأسْمَاء كَمَا وَصَّفَهَا الله عَزَّ وجَلّ (وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى) لَيْسَ فِيهَا أيّ شَيْء مِنَ النَّقْص، ولهذا جَاءَت باسْمِ التَّفْضِيل المُطْلَق ].

                    خَامِسًا: مَا هي أهَمِّيَّة مَعْرِفَة أسْمَاء الله الحُسْنَى؟:
                    في الحَدِيثِ المَشْهُورِ أنَّ جِبْرِيلاً عَلَيْهِ السَّلاَم سَألَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ [ مَا الإيِمَان؟ قَالَ: أنْ تُؤْمِنَ باللهِ، ومَلائِكَتِهِ، وكُتُبِهِ ...... إلى آخِرِ الحَدِيث ]، فَالإيِمَان باللهِ هُوَ الاعْتِقَاد الجَازِم بوُجُودِهِ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى، ورُبُوبِيَّتِهِ، وأُلُوهِيَّتِهِ، وأسْمَائِهِ وصِفَاتِهِ، ولا يَتَحَقَّق الإيِمَان باللهِ إلاَّ بهذه الأُمُورِ الأرْبَعَةِ مُجْتَمِعَةً والتي مِنْهَا الأسْمَاء والصِّفَات.
                    والإيِمَانُ بأسْمَاءِ الله وصِفَاتِهِ يَعْنِي إثْبَات مَا أثْبَتَهُ الله لنَفْسِهِ في كِتَابِهِ أو سُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الأسْمَاءِ والصِّفَاتِ؛ عَلَى الوَجْهِ اللاَّئِقِ بِهِ سُبْحَانَهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ ولا تَعْطِيلٍ، ومِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ ولا تَمْثِيلٍ، قَالَ الله تَعَالَى [ وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ]، فهذه الآيَة دَلِيلٌ عَلَى إثْبَاتِ الأسْمَاء الحُسْنَى لله تَعَالَى، وقَالَ تَعَالَى [ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ]، وهذه الآيَة دَلِيلٌ عَلَى إثْبَاتِ صِفَات الكَمَال لله تَعَالَى، فَالآيَتَانِ تُثْبِتَانِ الأسْمَاء الحُسْنَى والصِّفَات العُلَى لله تَعَالَى عَلَى سَبِيلِ العُمُوم، وأمَّا تَفْصِيل ذَلِكَ في الكِتَابِ والسُّنَّةِ فَكَثِير.
                    وهذا البَاب مِنْ أبْوَابِ العِلْم (أسْمَاءُ الله تَعَالَى وصِفَاتُهُ) مِنْ أكْثَرِ الأبْوَاب التي حَصلَ فِيهَا النِّزَاع والشِّقَاق بَيْنَ أفْرَاد الأُمَّة، فَقَدْ اخْتَلَفَت الأُمَّة في أسْمَاءِ الله تَعَالَى وصِفَاته فِرَقًا شَتَّى، ومَوْقِفنَا مِنْ هذا الاخْتِلاَفِ هُوَ مَا أمَرَ الله بِهِ في قَوْلِه [ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ]، فَنَحْنُ نَرُدّ هذا التَّنَازُع إلى كِتَابِ الله تَعَالَى وسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ؛ مُسْتَرْشِدِينَ في ذَلِكَ بفَهْمِ السَّلَف الصَّالِح مِنَ الصَّحَابَةِ والتَّابِعِينَ لهذه الآيَاتِ والأحَادِيثِ، فَإنَّهُم أعْلَم الأُمَّة بمُرَادِ الله تَعَالَى ومُرَادِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولَقَدْ صَدَقَ عَبْد الله بْن مَسْعُود وهُوَ يَصِفُ أصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَائِلاً [ مَنْ كَانَ مِنْكُم مُسْتَنًّا فَلْيَسْتَنّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ، فَإنَّ الحَيَّ لا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الفِتْنَة، أُولَئِكَ أصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أبَرُّ هذه الأُمَّة قُلُوبًا، وأعْمَقُهَا عِلْمًا، وأقَلُّهَا تَكَلُّفًا، قَوْمٌ اخْتَارَهُم الله لإقَامَةِ دِينِهِ، وصُحْبَة نَبِيِّه، فَاعْرفُوا لَهُم حَقّهم، وتَمَسَّكُوا بهَدْيِهِم، فَإنَّهُم كَانُوا عَلَى الهُدَى المُسْتَقِيم ]، وكُلّ مَنْ حَادَ عَنْ طَرِيقِ السَّلَفِ في هذا البَاب فَقَدْ أخْطَأ وضَلَّ واتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ، واسْتَحَقَّ الوَعِيد المَذْكُور في قَوْلِهِ تَعَالَى [ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً ]، والله تَعَالَى قَدْ اشْتَرَطَ للهِدَايَةِ أنْ يَكُون الإيِمَان بمِثْلِ مَا آمَنَ بِهِ أصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ؛ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعَالَى [ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا ]، فَكُلّ مَنْ بَعُدَ وحَادَ عَنْ طَرِيقِ السَّلَفِ فَقَدْ نَقَّصَ مِنْ هِدَايَتِهِ بمِقْدَارِ بُعْده عَنْ طَرِيقِ السَّلَف، وعَلَى هذا فَالوَاجِب في هذا البَابِ إثْبَات مَا أثْبَتَهُ الله تَعَالَى لنَفْسِهِ أو أثْبَتَهُ لَهُ رَسُوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الأسْمَاءِ والصِّفَاتِ، وإجْرَاء نُصُوص الكِتَاب والسُّنَّة عَلَى ظَاهِرِهَا، والإيِمَان بِهَا كَمَا آمَنَ أصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ورَضِيَ عَنْهُم، الَّذِينَ هُمْ أفْضَل هذه الأُمَّة وأعْلَمهَا.

                    ولكن يَجِب أنْ يُعْلَم أنَّ هُنَاكَ أرْبَعَة مَحَاذِير؛مَنْ وَقَعَ في وَاحِدٍ مِنْهَا لَمْ يُحَقِّق الإيِمَان بأسْمَاءِ الله تَعَالَى وصِفَاته كَمَا يَجِب، ولا يَصِحّ الإيِمَان بأسْمَاءِ الله تَعَالَى وصِفَاته إلاَّ بانْتِفَاءِ هذه المَحَاذِير الأرْبَعَة وهي (التَّحْرِيفُ، والتَّعْطِيلُ، والتَّمْثِيلُ، والتَّكْيِيفُ)، ولذَلِكَ قُلْنَا في مَعْنَى الإيِمَان بأسْمَاءِ الله تَعَالَى وصِفَاته هُوَ (إثْبَات مَا أثْبَتَهُ الله لنَفْسِهِ في كِتَابِهِ، أو سُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الأسْمَاءِ والصِّفَات عَلَى الوَجْهِ اللاَّئِق بِهِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ، ولا تَعْطِيلٍ، ولا تَكْيِيفٍ، ولا تَمْثِيل)، وهذا هُوَ بَيَان هذه المَحَاذِير الأرْبَعَة باخْتصَارٍ:
                    1- التَّحْرِيفُ:
                    والمُرَادُ بِهِ تَغْيِير مَعْنَى نُصُوص الكِتَاب والسُّنَّة مِنَ المَعْنَى الحَقّ الَّذِي دَلَّت عَلَيْهِ، والَّذِي هُوَ إثْبَات الأسْمَاء الحُسْنَى والصِّفَات العُلَى لله تَعَالَى إلى مَعْنَى آخَر لَمْ يُرِدْهُ الله تَعَالَى ورَسُوله صَلَّى الله عَلَيْه وسَلَّم، ومِثَال ذَلِك: تَحْرِيفهم مَعْنَى صِفَة اليَد الثَّابِتَة لله تَعَالَى والوَارِدَة في كَثِيرٍ مِنَ النُّصُوص بأنَّ مَعْنَاهَا النِّعْمَة أو القُدْرَة، فَهُنَاكَ فَرْق بَيْنَ المَعْنَى ولاَزِم المَعْنَى والمُرَاد، فَاليَد لا تَعْنِي النِّعْمَة، ولَكِنْ لاَزِم مَعْنَى اسْتِخْدَام اليَد هُوَ النِّعْمَة أو القُدْرَة.
                    2- التَّعْطِيلُ:
                    والمُرَادُ بالتَّعْطِيلِ نَفْي الأسْمَاء الحُسْنَى والصِّفَات العُلَى كُلّهَا أو بَعْضهَا عَنِ الله تَعَالَى، فَكُلّ مَنْ نَفَى عَنِ الله تَعَالَى اسْمًا مِنْ أسْمَائِهِ أو صِفَةً مِنْ صِفَاتِهِ مِمَّا ثَبَتَ في الكِتَابِ أو السُّنَّة؛ فَإنَّهُ لَمْ يُؤْمِن بأسْمَاءِ الله تَعَالَى وصِفَاتِهِ إيِمَانًا صَحِيحًا.
                    3- التَّمْثِيلُ:
                    وهُوَ تَمْثِيل صِفَة الله تَعَالَى بصِفَةِ المَخْلُوق، فَيُقَالُ مَثَلاً: إنَّ يَد الله مِثْل يَد المَخْلُوق، أو إنَّ الله تَعَالَى يَسْمَع مِثْل سَمْع المَخْلُوق، أو إنَّ الله تَعَالَى اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ مِثْل اسْتِوَاء الإنْسَان عَلَى الكُرْسِيّ؛ وهَكَذَا، ولا شَكَّ أنَّ تَمْثِيلَ صِفَات الله تَعَالَى بصِفَاتِ خَلْقه مُنْكَرٌ وبَاطِلٌ، قَالَ الله تَعَالَى [ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ].
                    4- التَّكْيِيفُ:
                    وهُوَ تَحْدِيدُ الكَيْفِيَّةِ والحَقِيقَةِ التي عَلَيْهَا صِفَات الله تَعَالَى، فَيُحَاوِل الإنْسَان تَقْدِيرًا بقَلْبِهِ أو قَوْلاً بلِسَانِهِ أنْ يُحَدِّد كَيْفِيَّة صِفَة الله تَعَالَى، وهذا بَاطِلٌ قَطْعًا، ولا يُمْكِن للبَشَر العِلْم بِهِ، قَالَ تَعَالَى [ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ].
                    فَمَنْ اسْتَكْمَلَ هذه الأُمُور الأرْبَعَة فَقَدْ آمَنَ بالله تَعَالَى إيِمَانًا صَحِيحًا، وهُنَاكَ أمْرٌ خَامِسٌ يُضَافُ إلى هذه الأُمُور الأرْبَعَة وهُوَ التَّفْوِيضُ في أسْمَاءِ الله تَعَالَى وصِفَاتِه، ولَهُ مَعْنَيَان:
                    الأوَّل: مَعْنَى صَحِيح، وهُوَ إثْبَات اللَّفْظ ومَعْنَاه الَّذِي يَدُلّ عَلَيْهِ، ثُمَّ تَفْوِيض عِلْم كَيْفِيَّته إلى الله، فَنُثْبِتُ لله تَعَالَى أسْمَائه الحُسْنَى وصِفَاته العُلْى، ونَعْرِفُ مَعَانِيهَا ونُؤْمِنُ بِهَا، غَيْرَ أنَّنَا لا نَعْلَمُ كَيْفِيَّتهَا، فَنُؤْمِن بأنَّ الله تَعَالَى قَدْ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ اسْتِوَاءً حَقِيقِيًّا يَلِيقُ بجَلاَلِهِ سُبْحَانَه، لَيْسَ كَاسْتِوَاءِ البَشَر، ولَكِنْ كَيْفِيَّة الاسْتِوَاء مَجْهُولَة بالنِّسْبَةِ لَنَا؛ ولِذَا فَإنَّنَا نُفَوِّض كَيْفِيَّته إلى الله، كَمَا قَالَ الإمَام مَالِك وغَيْره لَمَّا سُئِلَ عَنِ الاسْتِوَاء [ الاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ، والكَيْفُ مَجْهُولٌ ]، وهذا هُوَ مَذْهَب أهْل السُّنَّة والجَمَاعَة (إثْبَاتُ صِفَاتِ الله تَعَالَى إثْبَاتًا بِلاَ تَمْثِيلٍ ولا تَكْيِيفٍ)، قَالَ تَعَالَى [ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ]، قَالَ ابْن عَبْد البَرّ في العُلُوِّ للعَلِيِّ الغَفَّارِ [ أهْل السُّنَّة مُجْمِعُونَ عَلَى الإقْرَارِ بالصِّفَاتِ الوَارِدَة في الكِتَابِ والسُّنَّةِ؛ وحَمْلهَا عَلَى الحَقِيقَةِ لا عَلَى المَجَازِ، إلاَّ أنَّهُم لَمْ يُكَيِّفُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ].
                    الثَّانِي: مَعْنَى بَاطِل، وهُوَ إثْبَات اللَّفْظ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةِ مَعْنَاه، فَيُثْبِتُونَ الألْفَاظ فَقَط، يَقُولُونَ (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) ثُمَّ يَقُولُونَ (لا نَدْرِي مَعْنَاه، ولا مَاذَا أرَادَ اللهُ بِهِ)، قَالَ شَيْخُ الإسْلاَمِ ابْن تَيْميَّة في دَرْءِ تَعَارُض العَقْل والنَّقْل [ وأمَّا التَّفْوِيض: فَإنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الله تَعَالَى أمَرَنَا أنْ نَتَدَبَّرَ القُرْآن وحَضَّنَا عَلَى عَقْلِهِ وفَهْمِهِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مَعَ ذَلِكَ أنْ يُرَادُ مِنَّا الإعْرَاض عَنْ فَهْمِهِ ومَعْرِفَتِهِ وعَقْلِهِ؟ وأيْضًا: فَالخِطَاب الَّذِي أُرِيدَ بِهِ هُدَانَا والبَيَان لَنَا وإخْرَاجنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إلي النُّورِ، إذا كَانَ مَا ذُكِرَ فِيهِ مِنَ النُّصُوصِ ظَاهِرهُ بَاطِل وكُفْر ولَمْ يُرَدْ مِنَّا أنْ نَعْرِفَ لا ظَاهِره ولا بَاطِنه، أو أُرِيدَ مِنَّا أنْ نَعْرِفَ بَاطِنه مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ في الخِطَابِ لذَلِكَ، فَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لَمْ نُخَاطَبْ بِمَا بُيِّنَ فِيهِ الحَقّ، ولا عَرفْنَا أنَّ مَدْلُول هذا الخِطَاب بَاطِل وكُفْر، وحَقِيقَة قَوْل هَؤُلاَء في المُخَاطِب لَنَا: أنَّهُ لَمْ يُبَيِّن الحَقّ ولا أوْضَحَهُ مَعَ أمْرِهِ لَنَا أنْ نَعْتَقِدَهُ، وأنَّ مَا خَاطَبَنَا بِهِ وأمَرَنَا بإتِّبَاعِهِ والرَّدِّ إلَيْه لَمْ يُبَيِّن بِهِ الحَقّ ولا كَشَفَه، بَلْ دَلَّ ظَاهِرهُ عَلَى الكُفْرِ والبَاطِلِ، وأرَادَ مِنَّا أنْ نَفْهَم مِنْهُ شَيْئًا أو أنْ نَفْهَمَ مِنْهُ مَا لا دَلِيل عَلَيْهِ فِيهِ، وهذا كُلّه مِمَّا يُعْلَم بالاضْطِرَارِ تَنْزِيه الله ورَسُوله عَنْهُ، وأنَّهُ مِنْ جِنْسِ أقْوَالِ أهْل التَّحْرِيف والإلْحَاد ... ... إلى أنْ قَالَ: فَتَبَيَّنَ أنَّ قَوْلَ أهْلُ التَّفْوِيضِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهُم مُتَبِّعُونَ للسُّنَّةِ والسَّلَفِ مِنْ شَرِّ أقْوَال أهْل البِدَع والإلْحَاد ].
                    وقَالَ الشَّيْخ صَالِح الفَوْزَان [ السَّلَف لَمْ يَكُن مَذْهَبهُم التَّفْوِيض، وإنَّمَا مَذْهَبهُم الإيِمَان بهذه النُّصُوصِ كَمَا جَاءَت، وإثْبَات مَعَانِيهَا التي تَدُلُّ عَلَيْهَا عَلَى حَقِيقَتِهَا ووَضْعِهَا اللُّغَوِيّ، مَعَ نَفْي التَّشْبِيه عَنْهَا؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) ].
                    وقَالَ الشَّيْخ ابْن جِبْرِين [ الصَّوَابُ: تَرْكُ التَّأوِيلِ، وإثْبَاتُ حَقِيقَةِ الصِّفَات التي أفَادَتهَا تِلْكَ النُّصُوص، مَعَ تَفْوِيضِ العِلْم بالكَيْفِيَّاتِ والمَاهِيَّاتِ، ومَعَ اعْتِقَادِ أنَّهَا لا يُفْهَم مِنْهَا تَشْبِيه الرَّبّ أو شَيْء مِنْ صِفَاتِهِ بالمَخْلُوقِينَ، فَلاَ تَشْبِيه ولا تَعْطِيل ].
                    وقَالَ الشَّيْخ عَبْد الرَّزَّاق عَفِيفِي [ مَذْهَب السَّلَف هُوَ التَّفْوِيض في كَيْفِيَّةِ الصِّفَات لا في المَعْنَى ].
                    وقَالَ الشَّيْخ ابْن بَاز [ المُفَوِّضَة قَالَ أحْمَد فِيهِم (إنَّهُم شَرٌّ مِنَ الجَهْمِيَّة)، والتَّفْوِيضُ أنْ يَقُولَ القَائِل: الله أعْلَم بمَعْنَاهَا فَقَط، وهذا لا يَجُوزُ; لأنَّ مَعَانِيهَا مَعْلُومَة عِنْدَ العُلَمَاء، قَالَ مَالِك (الاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ والكَيْفُ مَجْهُولٌ)، وهَكَذَا جَاءَ عَنِ الإمَامِ رَبِيعَة بْن أبِي عَبْد الرَّحْمَن وعَنْ غَيْرِهِ مِنْ أهْلِ العِلْم، فَمَعَانِي الصِّفَات مَعْلُومَة، يَعْلَمُهَا أهْلُ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ; كَالرِّضَا والغَضَب والمَحَبَّة والاسْتِوَاء والضَّحِك وغَيْرهَا، وأنَّهَا مَعَانِي غَيْر المَعَانِي الأُخْرَى، فَالضَّحِك غَيْر الرِّضَا، والرِّضَا غَيْر الغَضَب، والغَضَب غَيْر المَحَبَّة، والسَّمْع غَيْر البَصَر، كُلّهَا مَعْلُومَة للهِ سُبْحَانَه، لكِنَّهَا لا تُشَابِه صِفَات المَخْلُوقِينَ ]، وقَالَ أيْضًا [ أنْكَرَ الإمَام أحْمَد وغَيْره مِنْ أئِمَّةِ السَّلَف عَلَى أهْلِ التَّفْوِيض، وبَدَّعُوهُم، لأنَّ مُقْتَضَى مَذْهَبهم أنَّ الله سُبْحَانَهُ خَاطَبَ عِبَاده بِمَا لا يَفْهَمُون مَعْنَاه ولا يَعْقِلُونَ مُرَادهُ مِنْهُ, والله سُبْحَانَهُ وتَعَالَى يَتَقَدَّس عَنْ ذَلِكَ، وأهْلُ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ يَعْرِفُونَ مُرَادهُ سُبْحَانَهُ بكَلامِهِ، ويَصِفُونَهُ بمُقْتَضَى أسْمَائه وصِفَاته، ويُنَزِّهُونَهُ عَنْ كُلِّ مَا لا يَلِيقُ بِهِ عَزَّ وجَلّ، وقَدْ عَلِمُوا مِنْ كَلاَمِهِ سُبْحَانَهُ ومِنْ كَلاَمِ رَسُوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ سُبْحَانَهُ مَوْصُوفٌ بالكَمَالِ المُطْلَق في جَمِيعِ مَا أخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ؛ أو أخْبَرَ بِهِ عَنْهُ رَسُوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ].
                    وقَالَ الشَّيْخ ابْن عُثَيْمِين [ التَّفْوِيضُ نَوْعَان: تَفْوِيضُ المَعْنَى، وتَفْوِيضُ الكَيْفِيَّةِ، فَأهْلُ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ يُفَوِّضُونَ الكَيْفِيَّة ولا يُفَوِّضُونَ المَعْنَى، بَلْ يُقِرُّونَ بِهِ، ويُثْبِتُونَه، ويَشْرَحُونَه، ويُقَسِّمُونَه، فَمَنْ ادَّعَى أنَّ أهْلَ السُّنَّة هُم الَّذِينَ يَقُولُونَ بالتَّفْوِيضِ - ويَعْنِي بِهِ تَفْوِيض المَعْنَى - فَقْد كَذَبَ عَلَيْهِم ].
                    الأحِبَّةُ في اللهِ؛؛
                    إلى هذا الحَدِّ نَكُونُ قَدْ انْتَهَيْنَا مِنْ رِسَالَتِنَا، وهي غَيْضٌ مِنْ فَيْضٍ، ولَقَدْ آثَرْنَا تَوْضِيح الأمْر بكُلِّ جَوَانِبه التي فَتَحَ اللهُ بِهَا عَلَيْنَا، فَإنْ أخْطَأنَا فَمِنْ أنْفُسِنَا، وإنْ أصَبْنَا فَمِنْ عِنْدِ الله، ونُلَخِّص رِسَالَتنَا في النِّقَاطِ التَّالِيَة مِنْ بَابِ التَّذْكِير:
                    1- لا يُوجَدُ مَا يُسَمَّى بالعِلاجِ بأسْمَاءِ الله الحُسْنَى.
                    2- أسْمَاءُ اللهِ لَيْسَت مَحْصُورَة في عَدَدٍ مُعَيَّنٍ.
                    3- مَعْنَى (مَنْ أحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّة) أي حَفِظَهَا وعَرِفَ مَعْنَاهَا وطَبَّقَهَا.
                    4- لَيْسَتْ كُلّ الأسْمَاء المَعْرُوفَة اليَوْم صَحِيحَة، وحَدِيث التِّرْمِذِيّ الَّذِي بِهِ الأسْمَاء حَدِيث ضَعِيف عِنْدَ أغْلَب عُلَمَاء الحَدِيث.
                    5- الضَّابِطُ في الأسْمَاءِ التي يَصِحّ إطْلاقهَا عَلَى الله تَعَالَى هُوَ: مَا اتَّفَقَ عَلَيْه إجْمَاع عُلَمَاء الأُمَّة مِنْ أهْلِ السُّنَّة والجَمَاعَة بوَصْفِ الله بِمَا يَلِيق وفْق مَا جَاءَ في كِتَابِهِ وصَحِيحِ سُنَّة رَسُوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ؛ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ ولا تَعْطِيلٍ ولا تَكْيِيفٍ ولا تَمْثِيلٍ ولا تَفْوِيضٍ في المَعْنَى، وأنَّ الأسْمَاءَ والصِّفَاتَ تَوْقِيفِيَّةً لا يَجُوزُ لبَشَرٍ أنْ يُسَمِّي الله أو يَصِفهُ بِمَا لَمْ يُسَمِّ بِهِ نَفْسَهُ أو يَصِفْ.
                    6- أهَمِّيَّةُ مَعْرِفَةِ أسْمَاء الله الحُسْنَى هي الإيِمَان بِهِ حَقّ الإيِمَان، والتَّعَبُّد لَهُ ودُعَائه بِهَا.

                    وهذا مَا نَعْلَمُ، واللهُ تَعَالَى أعْلَى وأعْلَمُ.
                    والسَّلاَمُ عَلَيْكُمْ ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكَاتُهُ

                    تعليق


                    • #11
                      رد: التحذير من بدعة العلاج بالأسماء الحسنى

                      بشراكم
                      تم إضافة موضوعكم ضمن المواضيع المميزة
                      مثبــت: *.*.*::((( المواضيع المميزة فى قسم العقيدة )))::*.*.*

                      رحمك الله أبي الحبيب, لا تنسوه من الدعاء , الله المستعان

                      تعليق


                      • #12
                        رد: التحذير من بدعة العلاج بالأسماء الحسنى

                        وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
                        جزاكم الله خيراً
                        موضوع في غاية الأهمية
                        وفقكم الله لكل خير


                        قال الحسن البصري - رحمه الله :
                        استكثروا في الأصدقاء المؤمنين فإن لهم شفاعةً يوم القيامة".
                        [حصري] زاد المربين فى تربية البنات والبنين


                        تعليق


                        • #13
                          رد: التحذير من بدعة العلاج بالأسماء الحسنى

                          ***

                          وعجلت إليك ربِّ لترضى

                          تعليق

                          يعمل...
                          X