سلسلة آفات العلم <<الكبر و العجب>>

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • -لطفي-
    مشرف سابق
    • Aug 2013
    • 1592

    #1

    سلسلة آفات العلم <<الكبر و العجب>>






    الكبر و العجب











    إعزاز العلم و صيانته لا يعني الكبر بسببه، ولا العجب به.
    الكبر و العجب خلقان مذمومان، يترفع عنهما آحاد المؤمنين فكيف بأهل العلم منهم؟! و قد ذم الله تعالى الكبر في مواضع كثيرة من كتابه الكريم، فقال تعالى:"
    سَأَصْرِ*فُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُ*ونَ فِي الْأَرْ*ضِ بِغَيْرِ* الْحَقِّ وَإِن يَرَ*وْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَ*وْا سَبِيلَ الرُّ*شْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَ*وْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ﴿١٤٦﴾ " الأعراف146.
    و قال تعالى مخاطبا إبليس-لعنه الله-:"
    قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ* فِيهَا فَاخْرُ*جْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِ*ينَ ﴿١٣﴾ " الأعراف13.
    و قال تعالى:"
    إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُ*وا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِ*مِينَ ﴿٤٠﴾ " الأعراف40.
    و قال تعالى:"
    كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّـهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ* جَبَّارٍ* ﴿٣٥﴾ " غافر35.
    و الآيات في ذم الكبر و العجب كثيرة كثيرة، و أحاديث النبي صلى الله عليه و سلم في هذا المعنى كثيرة أيضا و ضافية:
    عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:"
    لا يدخلُ الجنَّةَ مَن كان في قلبِه مثقالُ ذرَّةٍ من كِبرٍ . قال رجلٌ : إنَّ الرَّجلَ يحبُّ أن يكونَ ثوبُه حسنًا ونعلُه حسنةً . قال : إنَّ اللهَ جميلٌ يحبُّ الجمالَ . الكِبرُ بَطرُ الحقِّ وغمطُ النَّاسِ " صحيح مسلم91.
    عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال:"
    بيْنما رجلٌ يمشِي في حُلَّةٍ تُعجِبُهُ نفسُهُ ، مُرَجِّلٌ جُمَّتَهُ ، إذْ خسَفَ اللهُ بهِ الأرْضَ ، فهو يتجلْجَلُ فيها إلى يومِ القيامَةِ " صحيح الجامع2875.

    الكبر ظاهر و باطن:

    < إعلم أن الكبر ينقسم إلى ظاهر و باطن، فالباطن هو خلق في النفس، و الظاهر هو أعمال تصدر عن الجوارح، و اسم الكبر بالخلق الباطن أحق، أما الأعمال فإنها ثمرات لذلك الخلق.
    و خلق الكبر موجب للأعمال، و لذلك إذا ظهر على الجوارح يقال: تكبّر، و إذا لم يظهر يقال: في نفسه كبر.
    و لا يتصور أن يكون متكبرا إلا أن يكون مع غيره، و هو يرى نفسه فوق ذلك الغير في صفات الكمال، فعند ذلك يكون متكبرا، و لا يكفي أن يستعظم نفسه ليكون متكبرا، فإنه قد يستعظم نفسه، و لكنه يرى غيره أعظم منه، أو مثل نفسه فلا يتكبر عليه.
    ثم هذه العزة تقتضي أعمالا في الظاهر و الباطن هي ثمرات، و يسمى ذلك تكبرا.
    فهو إن حاج أو ناظر أنف أن يرد عليه، و إن وعظ استنكف من القبول، و إن وعظ عنف في النصح، و إن رد عليه شيء من قوله غضب، و إن علّم لم يرفق بالمتعلمين و استذلهم و انتهرهم و امتن عليهم و استخدمهم، و ينظر إلى العامة كأنه ينظر إلى الحمير، استجهالا لهم و احتقارا، و الأعمال الصادرة عن خلق الكبر كثيرة، و هي أكثر من أن تحصى فلا حاجة إلى تعدادها فإنها مشهورة.
    فهذا هو الكبر، و آفته عظيمة، و غائلته هائلة، و فيه يهلك الخواص من الخلق، و كيف لا تعظم آفته و قد قال صلى الله عليه و سلم:"
    لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر " رواه مسلم.

    الفرق بين الكبر و المهابة:

    قد يلتبس الكبر بغيره مما ليس كبرا بل هو مشروع، و هناك فرق دقيق بين المهابة التي هي أثر من آثار الطاعة و القرب، والكبر الذي هو من أخص صفات إبليس لعنه الله.

    قال ابن القيم رحمه الله:" الفرق بين المهابة و الكبر: أن المهابة أثر من آثار امتلاء القلب بعظمة الله و محبته و إجلاله، فإذا امتلأ القلب بذلك حل فيه النور، و نزلت عليه السكينة، و ألبس رداء الهيبة، فاكتسى وجهه الحلاوة و المهابة، فأخذ بمجامع القلوب محبة و مهابة، فحنت إليه الأفئدة و قرت به العيون و أنست به القلوب، فكلامه نور و مدخله نور و مخرجه نور و عمله نور، و إن سكت علاه الوقار، و إن تكلم أخذ بالقلوب و الأسماع.
    و أما الكبر، فأثر من آثار العجب و البغي في قلب قد امتلأ بالجهل و الظلم، ترحلت منه العبودية، و نزل عليه المقت، فنظره إلى الناس شزر، و مشيه بينهم تبختر، و معاملته لهم معاملة الإستئثار لا الإيثار و لا الإنصاف، ذاهب بنفسه تيها، لا يبدأ من لقيه بالسلام، و إن رد عليه، رأى أنه قد بالغ في الإنعام عليه، لا ينطلق لهم وجهه، و لا يسعهم خلقه، و لا يرى لأحد عليه حقا، و يرى حقوقه على الناس، و لا يرى فضلهم عليه، و يرى فضله عليهم، و لا يزداد من الله إلا بعدا و من الناس إلا صغارا و بغضا "
    (الروح) لإبن القيم ص316.

    درجات العباد و العلماء في الكبر:

    ثم إن العبّاد و العلماء ليسوا في الكبر سواء، بل هم فيه على درجات.
    قال ابن قدامة رحمه الله:" إعلم أنّ العلماء و العباد في آفة الكبر على ثلاث درجات:

    الأولى: أن يكون الكبر مستقرا في قلب الإنسان منهم، فهو يرى نفسه خيرا من غيره، إلا أنه يجتهد و يتواضع، فهذا في قلبه شجرة الكبر مغروسة، إلا أنه قد قطع أغصانها.
    الثانية: أن يظهر لك بأفعاله، من الترفع في المجالس، و التقدم على الأقران، و الإنكار على من يقصر في حقه، فترى العالم يصعر خده للناس، كأنه معرض عنهم، و العابد يعيش كأنه مستقذر لهم، و هذان قد جهلا ما أدب الله به نبيه صلى الله عليه و سلم حين قال:" و اخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين " الشعراء215.
    الثالثة: أن يظهر الكبر بلسانه، كالدعاوى و المفاخرة، و تزكية النفس، و حكايات الأحوال في معرض المفاخرة لغيره.
    و اعلم أن التكبر يظهر في شمائل الإنسان، كصعر وجهه، و نظره شزرا، و إطراق رأسه، و جلوسه متربعا و متكئا، و في أقواله، حتى في صوته و نغمته، و صيغة إيراده الكلام، و يظهر ذلك أيضا في مشيه و تبختره، و قيامه و قعوده و حركاته و سكناته، و سائر تقلباته.

    الكبر بالعلم:

    ما به يتكبر المتكبر على غيره كثير، منه:
    العلم، ومنه: العمل و العبادة، و منه: الصورة الظاهرة من جمال و حسن هيئة.
    < و
    الكبر بالعلم، هو من أعظم الآفات و أغلب الأدواء و أبعدها عن قبول العلاج إلا بشدة شديدة و جهد جهيد، و ذلك لأنّ قدر العلم عظيم عند الله، عظيم عند الناس، و هو أعظم من قدر المال و الجمال و غيرهما، بل لا قدر لهما أصلا إلا إذا كان معهما علم و عمل.

    و لذلك قال كعب الأحبار:"
    إن للعلم طغيانا كطغبان المال ".
    و قال عمر رضي الله عنه:"
    العالم إذا زلّ زلّ بزلته عالَم " .

    و لن يقدر العالم على دفع الكبر غلا بمعرفة أمرين:

    أحدهما:أن يعلم أن حجة الله على أهل العلم آكد، و أنه يحتمل من الجاهل ما لا يحتمل عشره من العالم، فإن من عصى الله تعالى عن معرفة و علم فجنايته أفحش، إذ لم يقض حق نعمة الله عليه في العلم.
    الأمر الثاني: أن العالم يعرف أن الكبر لا يليق إلا بالله عز و جل وحده، و أنه إذا تكبر صار ممقوتا عند الله بغيضا، و قد أحب الله منه أن يتواضع و قال له: إن لك عندي قدرا ما لم تر لنفسك قدرا، فإن رأيت لنفسك قدرا فلا قدر لك عندي، فلابد و أن يكلف نفسه ما يحبه مولاه منه.

    الفرق بين الكبر والعجب:

    < الكبر
    خلق باطن تصدرعنه أعمال هي ثمرته، فيظهر على الجوارح، و ذلك الخلق هو رؤية النفس على المتكبر عليه، يعني: يرى نفسه فوق غيره في صفات الكمال، فعند ذلك يكون متكبرا.
    و بهذا ينفصل عن العجب، فإن العجب لا يستدعي غير المعجب، حتى لو قدر أن يخلق الإنسان وحده تصور أن يكون معجبا و لا يتصور أن يكون متكبرا، إلا أن يكون مع غيره و هو يرى نفسه فوقه، فإن الإنسان متى رأى نفسه بعين الإستعظام، حقر من دونه و ازدراه، و صفة هذا المتكبر أن ينظر إلى العامة كأنه ينظر إلى الحمير استجهالا و استحقارا >
    مختصر منهاج القاصدين291.
    ( و العجب يدعوا إلى الكبر، لأنه أحد أسبابه، فيتولد من العجب الكبر، و من الكبر الآفات الكثيرة التي لا تخفى، و هذا مع الخلق.
    و
    أما مع الله تعالى، فالعجب يدعو إلى نسيان الذنوب و إهمالها فبعض ذنوبه لا يذكرها و لا يتفقدها، لظنه أنه مستغن عن تفقدها فينساها، و ما يتذكره منها فيستصغره و لا يستعظمه، فلا يجتهد في تداركه أو تلافيه، بل يظن أنه يغفر له.
    و
    أما العبادات و الأعمال فإنه يستعظمها و يتبجح بها، و يمن على الله تعالى بفعلها، و ينسى نعمة الله عليه بالتوفيق و التمكين منها، ثم إذا أعجب بها عمي عن آفاتها، و من لم يتفقد آفات الأعمال كان أكثر سعيه ضائعا، فإن الأعمال الظاهرة إذا لم تكن خالصة نقية من الشوائب قلما تنفع و إنما يتفقد من يغلب عليه الإشفاق و الخوف دون العجب.
    و المعجب يغتر بنفسه و برأيه، و يأمن مكر الله و عذابه، و يظن أنه عند الله بمكان، و أن له عند الله منة و حقا بأعماله التي هي نعمة من نعمه، و عطية من عطاياه، و يخرجه العجب إلى أن يثني على نفسه و يحمدها و يزكيها.
    و إن أعجب برأيه و عمله و عقله منع ذلك من الإستفادة، و من الإستشارة و السؤال، فيستبد بنفسه و رأيه و يستنكف من سؤال من هو أعلم منه، و ربما يعجب بالرأي الخطأ الذي خطر له فيفرح بكونه من خواطره، و لا يفرح بخواطر غيره فيصر عليه، و لا يسمع نصح ناصح، و لا واعظ واعظ، بل ينظر إلى غيره بعين الإستجهال، و يصر على خطئه، فإن كان رأيه في أمر دنيوي فيخفق فيه، و إن كان في أمر ديني لا سيما فيما يتعلق بأصول العقائد
    فيهلك به.
    و من أعظم آفاته أن يفتر في السعي، لظنه أنه قد فاز، و أنه استغنى، و هو
    الهلاك الصريح الذي لا شبهة فيه ( تهذيب إحياء علوم الدين2/138.


  • -لطفي-
    مشرف سابق
    • Aug 2013
    • 1592

    #2
    رد: سلسلة آفات العلم &lt;&lt;الكبر و العجب&gt;&gt;

    الفرق بين الصيانة و الكبر:

    هناك فرق دقيق بين صيانة النفس عما يشينها، و التكبر و العجب.
    و قد جلاه
    ابن القيم رحمه الله بقوله:" الفرق بين الصيانة و التكبر: أن الصائن لنفسه بمنزلة رجل قد لبس ثوبا جديدا نقي البياض ذا ثمن، فهو يدخل به على الملوك فمن دونه، فهو يصونه عن الوسخ و الغبار و الطبوع و أنواع الآثار إبقاءا على بياضه و نقائه، فتراه صاحب تعزز و هروب من المواضع التي يخشى منها عليه التلوث فلا يسمح بأثر و لا طبع و لا تلوث يعلو ثوبه.
    و إن أصابه شيء من ذلك على غرة-أي:فجأة-بادرإلى قلعه و إزالته و محو أثره، و هكذا الصائن لقلبه و دينه تراه يتجنب طبوع الذنوب و آثارها، فإن لها في القلب طبوعا و آثارا أعظم من الطبوع الفاحشة في الثوب النقي البياض، و لكن على العيون غشاوة ان تدرك تلك الطبوع.
    فتراه يهرب من مظانّ التلوث و يحترس من الخلق، و يتباعد من مخالطتهم مخافة أن يحصل لقلبه ما يحصل لثوب الذي يخالط الدباغين و الذباحين و الطباخين و غيرهم.
    بخلاف صاحب العلو، فإنه و إن شابه هذا في تحرزه، و تجنبه فهو يقصد أن
    يعلو رقابهم و يجعلهم تحت قدميه، فهذا لون و ذاك لون " الروح لإبن القيم(ص644).

    و قد كان إمام العلماء وقدوة السالكين و أسوة المؤمنين محمد صلى الله عليه و سلم أشد الناس تواضعا على علو منصبه و رفعة قدره.
    عن الأسود بن يزيد قال:" سئلت عائشة رضي الله عنها: ما كان النبي صلى الله عليه و سلم يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله-يعني:خدمة أهله-، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة " رواه البخاري.
    و
    عن أبي رفاعة تميم بن أسد رضي الله عنه قال:" إنتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو يخطب، فقلت: يا رسول الله، رجل غريب جاء يسأل عن دينه لا يدري ما دينه؟ فأقبل علي رسول الله صلى الله عليه و سلم، و ترك خطبته حتى انتهى إلي، فأتي بكرسي، فقعد عليه، وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته، فأتم آخرها " رواه مسلم(876).
    و
    عن أنس رضي الله عنه أنه مر على صبيان فسلم عليهم و قال:" كان النبي صلى الله عليه و سلم يفعله " رواه البخاري5893.
    و قد كان قانون السلف الذي يحكمهم، و يهتدون بنوره، الإلتزام بقول النبي صلى الله عليه و سلم، الذي رواه عنه
    عياض بن حمار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:" إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد " رواه مسلم2846.
    و هذا
    أويس بن عامر رضي الله عنه يؤثر أن يكون مع ضعاف الناس و صعاليكهم،و لا يحتفل به، ولا يأبه له، وهو من هو.
    أخرج مسلم بسنده
    عن أسير بن جابر قال:"كان عمرُ بنُ الخطابِ ، إذا أتى عليه أمدادُ أهلِ اليمنِ ، سألهم : أفيكم أُوَيسُ بنُ عامرٍ ؟ حتى أتى على أٌوَيسٍ . فقال : أنت أُوَيسُ بنُ عامرٍ ؟ قال : نعم . قال : من مرادٍ ثم من قَرَنٍ ؟ قال : نعم . قال : فكان بك برصٌ فبرأت منه إلا موضعَ درهمٍ ؟ قال : نعم . قال : لك والدةٌ ؟ قال : نعم . قال : سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقول " يأتي عليكم أُوَيسُ بنُ عامرٍ مع أمدادِ أهلِ اليمنِ من مرادٍ ، ثم من قرَنٍ . كان به برَصٌ فبرأ منه إلا موضعُ درهمٍ . له والدةٌ هو بها بَرٌّ . لو أقسم على اللهِ لأَبَرَّه . فإن استطعتَ أن يستغفرَ لك فافعلْ " . فاستغفِرْ لي . فاستغفَر له . فقال له عمرُ : أين تريد ؟ قال : الكوفةُ . قال : ألا أكتب لك إلى عاملِها ؟ قال : أكون في غَبراءِ الناسِ أحَبُّ إليَّ . قال : فلما كان من العامِ المُقبلِ حجَّ رجلٌ من أشرافِهم . فوافق عمرُ . فسأله عن أُوَيسٍ . قال : تركتُه رَثَّ البيتِ قليلَ المتاعِ . قال : سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقول " يأتي عليكم أُوَيسُ بنُ عامرٍ مع أمدادِ أهلِ اليمنِ من مرادٍ ثم من قَرَنٍ . كان به برَصٌ فبرأ منه . إلا موضعُ درهمٍ . له والدةٌ هو بها بَرٌّ . لو أقسم على اللهِ لأبَرَّه . فإن استطعتَ أن يستغفِر لك فافعلْ " فأتى أُويسًا فقال : استغفِرْ لي . قال : أنتَ أحدثُ عهدًا بسفرٍ صالحٍ . فاستغفِرْ لي . قال : استغفِرْ لي . قال : أنت أحدثُ عهدًا بسفرٍ صالحٍ . فاستغفِرْ لي . قال : لقيتَ عمرَ ؟ قال : نعم . فاستغفِرْ له . ففطِن له الناسُ . فانطلق على وجهِه . قال أسير : وكسوتُه بُردةً . فكان كلما رآه إنسانٌ قال : من أين لأُويسٍ هذه البُردةُ ؟ " رواه مسلم2542.

    و الكبر و العجب من رعونات نفس تنسى أن ما بها من نعمة فمن الله، و أنّ الأمر كله لله، و
    العلم الصحيح و الإهتداء بالهدي المستقيم حرب لتلك الرذائل من الكبر و العجب و الصّلف و الغرور، لأنه:" إذا تم علم الإنسان لم ير لنفسه عملا، و إنما يرى إنعام الموفق لذلك العمل.الذي يمنع العاقل ان يرى لنفسه عملا أو يعجب به، و ذلك بأشياء.

    منها: أنه وفق لذلك العمل، " و حبب إليكم الإيمان و زينه في قلوبكم " الحجرات8.
    و منها: أنه إذا قيس بالنعم لم يف بمعشار عشرها.
    و منها: أنه إذا لوحظت عظمة المخدوم، احتقر كل عمل و تعبد.
    هذا إذا سلم من شائبة، و خلص من غفلة، فأما و الغفلات تحيط به، فينبغي أن يغلب الحذر من رده، و يخاف العتاب على تقصيره فيه، فيشغل عن النظر إليه.و تأمل على الفطناء أحوالهم في ذلك، فالملائكة الذين يسبحون الليل و النهار لا يفترون قالوا:
    سبحانك ما عبدناك حق عبادتك.
    و
    الخليل عليه السلام يقول:" و الذي اطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين " الشعراء82. و ما أدل بتصبره على النار و تسليمه الولد إلى الذبح.
    و
    رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول:" ما منكم ينجيه عمله "، قالوا : ولا أنت؟ قال:" و لا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته " رواه البخاري6098.
    و
    أبو بكر رضي الله عنه يقول: و هل أنا و مالي إلا لك يا رسول الله؟.
    و
    عمر رضي الله عنه يقول: لو أن لي طلاع الأرض لافتديت بها من هول ما أمامي قبل أن اعلم ما الخبر.
    و ابن مسعود رضي الله عنه يقول: ليتني إذا مت لا أبعث.
    و
    عائشة رضي الله عنها تقول: ليتني كنت نسيا منسيا.

    و هذا شان جميع العقلاء، فرضي الله عن الجميع.

    و لولا عزة الفهم ما تكبر متكبر على جنسه، و لكان كل كامل خائفا محتقرا لعمله، حذرا من التقصير في شكر ما أنعم عليه به.
    و فهم هذا المشروح ينكس رأس الكبر، و يوجب مساكنة الذل، فتأمله فإنه أصل عظيم"
    صيد الخاطر لإبن الجوزي(ص472).

    و يكفي العالم شرفا ما في العلم من شرف، و يكفيه عزا ما فيه من عز.
    قال أبو مروان الطبني:
    إنّي إذا احتوشتني ألف محبرة.........يكتبن: حدثني طورا، و أخبرني
    نادت بحضرتي الأقلام معلنة......... هذه المفاخر لا قعبان من لبن

    و على الجملة فما تحلى العالم بحلية أجمل، و لا ارتدى حلة أفخر من التواضع، و ما تردى العالم برداء أحقر، و لا تزيا بزي أسوأ من الكبر و العجب.
    لذلك وصى
    عمر رضي الله عنه أهل العلم بالتواضع، للمعلم و المتعلم سواء، و هي نصيحة غالية فاجعلها منك على ذكر أبدا.
    قال عمر رضي الله عنه:" تعلموا العلم و علموه الناس، و تعلموا له الوقار و السكينة، و تواضعوا لمن تعلمتم منه، و لمن علمتموه، و لا تكونوا جبابرة العلماء، فلا يقوم جهلكم بعلمكم " جامع بيان العلم(ص179).
    و كان أحمد بن حنبل رحمه الله على جلالته و إمامته من أشد الناس تواضعا.
    قال عارم أبو النعمان:" وضع أحمد بن حنبل عندي نفقته، فكان يجيء فيأخذ منها حاجته، فقلت له يوما: يا أبا عبد الله، بلغني أنك من العرب، فقال: يا أبا النعمان، نحن قوم مساكين، فلم يزل يدافعني حتى خرج، و لم يقل شيئا ".
    و
    قال أبو بكر المرذوي:" قلت لأبي عبد الله: إني لأرجو أن يكون يدعى لك في جميع الأمصار، فقال: يا أبا بكر، إذا عرف الرجل نفسه فما ينفعه كلام الناس؟!! ".

    نسأل الله أن يلهمنا التواضع و الإخلاص و أن يجنبنا الكبر و العجب عظيمه و حقيره و أن يجعلنا أقربنا منه صلى الله عليه و سلم مجلسا يوم القيامة.


    ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::



    تعليق

    • ابواسية
      مشرف سابق
      • Jun 2008
      • 8417

      #3
      رد: سلسلة آفات العلم &lt;&lt;الكبر و العجب&gt;&gt;

      بارك الله فيكم
      اللهم انا نعوذ من الكبر
      متابع معك يا غالي السلسلة
      المفيدة جدا

      ‎ ‎اللهمّ صلّ على محمد
      عدد ما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون
      اللهم اغفر لي ولأبي ولأمي ولجميع المسلمين والمسلمات


      تعليق

      • -لطفي-
        مشرف سابق
        • Aug 2013
        • 1592

        #4
        رد: سلسلة آفات العلم &lt;&lt;الكبر و العجب&gt;&gt;

        اللهم آمين
        بوركت أخي العزيز و أحسن الله إليك
        و أشكرك على حسن المتابعة
        جزاكم الله كل خير

        تعليق

        يعمل...