(2) لتمحيص عيوبنا في مرآتها مازال السؤال يتردد في أعماقنا، لماذا الحديث عن الأخوة الآن ؟ وما هو المأمول أن تحققه هذه الأخوة المنشودة ، ومازال الواقع يفصح لنا بكثير من الآمال المرجوة. الأخوة مرآة يرى فيها المؤمن عيوبه ضمن ركني التربية (التخلية و التحلية) ، ولو فات هذا الأمر لعمَّ الفساد أرجاء المعمورة ولابدَّ ، إذ سيزداد الشر ويتقلص الخير تباعًا، وتنمو الشبهات وتستحكم الشهوات والغفلات ، فبكلمة واحدة من أخٍ ناصح لك أمين تنكسر هذه الموجات على صخرة "الأخوة الإيمانية ". قال رسول الله صل الله عليه وسلم: "المؤمن مرآة المؤمن، المؤمن أخو المؤمن يكف عليه ضيعته ويحوطه من ورائه"([1]).
فالمؤمن مرآة أخيه ، فإذا رأى أحدكم بأخيه أذى فليمط عنه ، فأنت ترى من أخيك ما ربَّما لا يراه هو من نفسه ، كما يُرسم في المرآة ما هو مختفٍ عن المرء فيراه إذا نظر فيها، وإنما يعلم الشخص عيب نفسه بإعلام أخيه كما يعلم خلل وجهه بالنظر في المرآة.
وما أسْمَى أن تدل أخاك على عيبه أو تدعو الله أن يُخْليه من هذه العيوب !! وما أجمل أن تلتمس من الدّعاء لأخيك قبل أن تواجهه بعيبه !! وأن تحتال بكل حيلة كي تتقي أن تُصارحه فيخجل منك أو تأخذه العزة ، ولك هنا في ضرب الأمثلة والتعريض أبوابًا متسعة ، فلا تضيق صدر أخيك بالمواجهة المباشرة ، اللهمَّ إلا إذا كنت تعرف أنَّ دلالتك إياه بمواطن عيوبه لا تزعجه ، بل هو ممن يرى أنَّ خير الناس إليه من يهدى إليه عيوبه .
إخوتاه .. إنَّ أحوالنا تغايرت وعُدنا مرة أخرى إلى السُّفول والحضيض لما صرنا لا نتناصح في دين الله ، والدين النصيحة ، فقوام الدين على بذل النُّصح بين المسلمين ، وخيرية الأمة مرهونة بقيامها بحق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ" [آل عمران/110] ، والقلب الذي لا ينكر ويأبى العيوب والزلل قلب أغلف انظر كيف قال صل الله عليه وسلم : "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذونه بسنته ويقتدون بأمره ثمَّ إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون مالا يفعلون ، ويفعلون مالا يؤمرون ، فمن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل"([2]).
فهذا أضعف الإيمان وأقله، فينبغي ألا نتسامح في تنبيه بعضنا بعضًا إذا خالف الصواب أو بالأحرى في ترك دقيق الآداب الشرعية التي هي شعار الملتزمين باتباع سنة خاتم النبيين والمرسلين، وإلا تعرضنا إلى صدأ القلب وغلبة قسوته من إلفه للمعاصي واستهانته بها من كثرة حدوثها أمامه دون نكير.
قال عُمر في مجلس من المهاجرين والأنصار ! أرأيتم لو ترخصت في بعض الأمور ماذا كنتم فاعلين وكرره فلم يجيبوه. فقال بشر بن سعد: لو فعلت قومناك تقويم القِدح. فقال عُمر: أنتم إذن أنتم إذن. إخوتاه .. كم من سنن أميتت بعد أن أحياها جيل الصحوة بسبب عدم تعاهدنا إياها، وكم من منكرات راجت بضاعتها فينا بعد أن كنا نعدها من الموبقات، كان الإخوة بالأمس لا يتسامحون في ترك النوافل فكيف الآن بضياع الجماعات ؟ كان المظهر علامة على الجوهر فكيف بمن صار جل التزامه في إعفاء اللحية أو في ارتدائها النقاب.
لا ـ إخوتاه ـ إنَّ الأخ الملتزم ينبغي أن يكون هو القوّام الصوّام القائم بشرع الله ، نعم المظهر شيء مهم جدًّا ، وبه يتمايز النَّاس فيعرف المسلم الملتزم من غيره، بل بالأصالة كان ذاك لمعرفة المسلم من الكافر لما لذلك من أحكام في الشرع مثل إلقاء السلام وعدم مشروعية البدء بسلام الكافر لنهي الشرع عن ذلك ، فضلاً عن أداء حقوق المسلم المعروفة من تشميت للعاطس وإجابة الدعوة واتباع الجنائز وعيادة المرضى ونحوها، أمَّا أهل الذمة فلهم أحكامهم.
الشاهد ـ إخوتاه ـ أننا بحاجة إلى هذه المرآة الإيمانية، المرآة التي نمحص فيها عيوبنا، ونتواصى من خلالها بالحق ثمَّ بالصبر، وهي لنا من الضرورة بمكان في عصر فشت فيه المنكرات ، والتبس الحق فيه بالأباطيل وكثرت فيه الشبهات ، وصُدَّ فيه عن سبيل الله ، وهُجرت فيه سنة خير الورى عليه أفضل الصلاة والسلام ، فهل تفيقون ؟ اللهمَّ إليك المشتكى.
([1]) أخرجه أبو داود (4918) ك الأدب ، باب في النصيحة والحياطة ، والبخاري في الأدب المفرد (239) باب المسلم مرآة أخيه . والحديث حسنه الشيخ الألباني في صحيح الأدب المفرد (178) .
يتبع ان شاء الله
([2]) أخرجه مسلم (50) كتاب الإيمان. باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان ، وأن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان.
التعديل الأخير تم بواسطة حبيبـــه; الساعة 17-11-2009, 05:53 PM.
إخوتاه .. قضية الفتور هي قضية الساعة في عالم الملتزمين بشرع رب العالمين، فبعد الصحوة المباركة وانتفاضة أهل الإيمان من سبات عميق ظلوا فيه سنين طوال، وبعد الجهود العظيمة التي قام بها رواد الدعوة الإسلامية في عصرنا الحالي محاولين معالجة واقع المسلمين، بعد كل هذا قامت هذه القلوب النابضة بالإيمان ، المتشوقة لشرع الرحمن ، المتعلقة بالآمال العريضة في شيوع الهدى وزهوق الباطل، فما لبثت أن واجهها إعصار الظلم والقهر، وبدأ اليأس يدب في القلوب الضعيفة، وبدأ بعضهم يميل نحو أي سانحة يحاول من خلالها التنفس فوقع في شبهات كثيرة، وبدا لهم الحل في أسلمة كل شيء فوقعوا في تنازلات خطيرة ، والهزيمة النفسية تفتك بأفئدة المسلمين، فكان الفتور يفت من عضد الملتزمين، حتى ظلوا فيه مُبلسين.
إخوتاه ..
إن افتقاد الحدب الأخوي من أخطر الأسباب لهذه الظاهرة، فإنَّ وجود المعين على الطاعة صار من النّدرة بحيث عَزَّ التماسه، وما ذاك إلا لغياب الأخوة الإيمانية التي في ظلها تتلاقى القلوب على طاعة الله ، يعين الأخ أخاه ، يأخذ بيده إذا تعثر، إذا غاب عن المسجد مرة هبَّ إليه ، وَجلاً عليه ، ملتمسًا له الأعذار، له من باب "لعل" عذار، لا يهدأ له بالٌ لا يعرف القَرار، ولا تعطله "سوف" ولا يوقفه انتظار، يحدوه نحوه سابق العهد والجوار، فما تراه إلا جنب صاحبه لا يشعر بتباعد الديار، فكل مكان لا أخ لك فيه بوار، وكل نعيم تألفه وحيداً فهو نار، فالحذار الحذار.
إخوتاه ..
قلنا في غير هذا الموضع أنَّ في أحايين كثيرة يكفي لحل مشكلة قائمة زيارة من أخ أو اعتذار، لقاء ، أو ابتسامة ، أو كلمة طيبة ، أو مكاشفة صادقة ، هدية بسيطة ، مجاملة لطيفة، ثناء عاطر عابر، والله ما أقلها من تكاليف يسيرة ، لو تأملت خطورة افتقاد الأخ في خضم الدنيا ، ليصير هذا الأخ بعد ذلك أكبر وصمة تلحق بجبين الالتزام، ويُصد به عن سبيل الله.
إخوتاه ..
إنَّ المعالجة السريعة وفض المشكلات بأساليب يسيرة ما أحوجنا إليها في وقت تصاعدت فيه الهزات الداخلية، وهذا التساقط يفت منك قبل أن يفت من أخيك ، فما تجدك إلا فردًا، والوِحدة غربة، والغربة وحشة، والوحشة نفرة ، والنفرة ضلال، ثم لا تجد على الخير قائمًا فهل تعقلون ؟!! إنها ليست مبالغات، إي والله وإلا فتأملوا الواقع، ارجع بذهنك إلى أيام الصفا ، تذكر إخوانك ثم سَلْ نفسك، أين صار هؤلاء ؟ كيف كنتَ يوم كانوا معك ؟ وكيف صارت الأحوال الآن ؟
إخوتاه ..
من أجل هذا أقول: نحن في حاجة ماسة إلى الأخوة الصادقة، التي نجني من جناتها نعيم القرب من الله بلزوم الطاعة وهجر المعصية، وطريق الاستقامة شاق لكن يخففه الرفاق، فعُد إليه ليعود، واطرق بابه الموصود ، وتذكر أيام طول الصيام وطول السجود، عسى أن تصفو لكم العهود، في التزام شرع الله والقيام بالحدود.
إخوتاه ..
بقى أن تعلموا أنَّ لكلٍ منا شرة وفترة، وأنَّ الفتور حاصل لا محالة، لكن مفهوم "الفتور" عند المفتونين من المسلمين صار ترك الواجبات والوقوع في المحرمات، أو قل: ترك المندوبات التي كان يحافظ عليها العبد يصيب بها سنة النبي محمد eوالوقوع في المنكرات والمكروهات التي كان يُكبر أن تزل قدمه فيها، وهذا لعمرُ الله هو "الفتنة" .
وإنَّما الفتور يقع في الانشغال بأجناس المباحات ، وفي هذا جاء حديث " ساعة وساعة "[2] فساعة النشاط لأداء فروض الله والقيام بحقوقه جل وعلا ، وساعة الفتور لأداء حقوق الدنيا من معالجة الضيعات وملاعبة الأولاد ومعافسة الزوجات ، وكان الصحابة يعدون ذلك نفاقًا، فبماذا نسمي ما نحن فيه الآن من التذبذب والتوانى والكسل عن أداء الفروض ؟ وليست الفروض هي الصلوات فحسب ، فأين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أين صلة الأرحام ، أين حفظ القرآن الذي هو من فروض الكفايات وأهل الالتزام هم أولى الناس بالقيام بهذا الحق؟...؟ أين وأين ...؟
إخوتاه ..
من أجل ذلك حين نقول بمعالجة الفتور نريد بالمقام الأول معالجة آثار الفتنة التي ذاقها كثير منّا لنعود مرة أخرى إلى ما كنا نعتاده ونألفه من القيام بحقوق الله في أداء الفروض وحفظها بالمندوبات، وترك المحرمات وصيانة ذلك بهجر المكروهات، ولا سبيل لذلك إلا بالتعاون على البر والتقوى بين خلان الإيمان، وصولاً لهذه الدرجة العالية من الشفافية بالندم على ضياع الأوقات في المباحات ، فتكسوها النيات الصالحات فتغدو من الطاعات لا العادات.
لمثل ذلك استثيروا باعث الشوق للنجاة، أم أنكم مازلتم لا ترون طريق الهلكة الذي تسلكونه اللهمَّ رحماك بنا !!
([1]) وقد تعرضنا لمعالجة هذه القضية باستفاضة في كتاب "إلى الهدف ائتنا"، وشرحنا هناك الأسباب المؤدية لشيوع هذه الظاهرة وجعلناها على عشرين سببًا واتبعنا كل سبب بكيفية العلاج منه.
[2] أخرجه مسلم (2750) ك التوبة ، باب فضل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة، والمراقبة، وجواز ترك ذلك في بعض الأوقات، والاشتغال بالدنيا. يتبع ...بإذن الله
(4) لرأب صدع الخلاف الذي حَطَّ من صحوتنا إخوتاه .. الخلافات تحدث في حياة النَّاس وهي سُنّة جارية، فالناس جميعًا لا تجد فيهم اثنين متماثلين من كل الوجوه، فالطباع مختلفة والثقافات متباينة والقلوب قد تكون متضادة وهكذا.
فالخلاف سنة مطَّردة من سنن الله في خلقه وملكوته، وليس كل مختلفٍ قبيحًا، ولا كل متباين جميلاً، وأنت إذا ألفت شيئًا وظلَّ على وتيرة واحدة انبعث في نفسك شعورٌ بالملل وانصرفت رغبتك فيه، إذ الأصل في المخلوقات النقص، والنفس مفطورة على الارتباط بالكمال، ولن تجد ذلك إلا حين تحب الله، وتُحب في الله، حينها تنصهر كل المشكلات وتذوب كل الخلافات. إخوتاه .. في عالم الـنَّاس يعرفون أنَّ الخلافات لا تدوم إذا كانت بين متحابين، فإذا لم يكن هناك سابق وُدّ يحدث الصراع عادة وتتولد المنازعات، فإنك إذا أحببت إنسانًا واختلف معك في مسألة من المسائل في وجهة نظر معينة تتقبلها ولا تُفسد قضيةٌ ما بينكما من المودة، لكن إن كنت لا تألفه ازدادت النفرة وحدث الصدام.
لذلك نقول: إنَّ الخلافات التي تحدث بين الملتزمين ينبغي أن تتلاشى في بوتقة الحب في الله، وإلا فليتهم كلُ منّا نفسه، ويحاول أن يجرد الإخلاص في علاقاته بإخوانه من جديد. إخوتاه .. تعالوا بنا نقف وقفة يسيرة مع "قضية الخلاف" نرصدها بعين الأخوة والحب في الله، فإذا كان الاختلاف الإنسانى حقيقة فطرية وإرادة ربانية بحكمة مقصودة هي من أسرار الوجود " وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ" [هود/ 118-119] ، وإذا كانت فكرة الموضوعية المطلقة فكرة غير واقعية، ، بل تظل الأمور كلها مرهونة بشيء واحد هو مشيئة الله تعالى، فهنا تفهم معنى قوله : " لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"[الأنفال/63] ، فلا طريق للألفة الحقيقية التي تتلاقى فيها القلوب وتذوب فيها الخلافات إلا إذا تلاقت إرادات الـنَّاس في وجهة واحدة هي ابتغاء وجه الله جل وعلا. إخوتاه .. فالخطوة الأولى نحو التقليل من حدة الخلاف عمومًا تنبع من الإخلاص بإرادة وجه الله تعالى وحده والتعلق به. ثم تأتى الخطوة الثانيةفي العلم، إذ غالب الاختلافات التي تحدث تكون بسبب الجهل وعدم العلم، ولو سكت من لا يعرف لقلَّ الخلاف، ولا سبيل للتحكم في هذه المعضلة إلا بالتقوى، إلا بتربية القوم تربية سلفية، يضع كل واحد منهم أمامه الأمثلة الحية من سيرة السلف ليتزود بها في مثل هذه المواقف، فلا يتجرأ على الفتيا بغير علم. قال الله تعالى: " وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ" [النحل/116]. أخرج ابن أبى حاتم عن أبى نضرة رضى الله عنه قال: قرأت هذه الآية فلم أزل أخاف الفتيا إلى يومي هذا. وقال تعالى: " آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [يونس/59-60] يقول الزمخشرى: كفي بهذه الآية زاجرة زجراً بليغًا عن التجوز فيما يُسأل من الأحكام وباعثة على وجوب الاحتياط فيها، وأن لا يقول أحد في شيء جائز أو غير جائز، إلا بعد إتقان وإيقان، ومن لم يوقن فليتق الله وليصمت ، وإلا فهو مفتر على الله تعالى. أهـ. وقال ابن المنكدر: المفتى يدخل بين الله وبين خلقه فلينظر كيف يفعل ؟! فعليه التوقف والتحرز لعظم الخطر. قال أهل العلم: من سئل عن فتوى فينبغي عليه أن يصمت عنها ، ويدفعها إلى من هو أعلم منه بها، أو من كلف الفتوى بها، وذلك طريقة السلف . قال ابن أبى ليلى : أدركت مائة وعشرين صحابيًا، وكانت المسألة تعرض على أحدهم فيردها إلى الآخر حتى ترجع إلى الأول. وهذا كان حال السلف، أما نحن فجرأة غير محسوبة العواقب، وتَصُدّر لما ينبغي الإحجام عنه ، فينبغي أن يكون قصارى عهدك نقل العلم والتبليغ إن وثقت في ذلك، وشهد لك أهل العلم برسوخ قدم ، وإلا فدونك جسر جهنم يعبر الناس عليه لتلقى أنت في حميمها ، اللهم سَلّم سَلّم.
وينبغي على الأخ الحبيب أن يدع اللجاجة في الجدل ، ويعتاد ترك المراء وإن كان محقًّا ، ولا يتنطع ولا يغلُ. قال ابن مسعود: تعلموا العلم قبل أن يقبض ، وقبضه أن يذهب أهله، ألا وإياكم والتنطع والتعمق والتبدع وعليكم بالعتيق. فحذار حذار من التعالم قال صل الله عليه وسلم: "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبى زور" .[1] وبالجملة عليه أن يتحلى بآداب طالب العلم، وينبغي أن يُفهم من هذا الكلام الحض على تعلم العلم النافع والتأدب بآدابه لا التنفير، لأنَّ بعض الناس تستهويه البطالة والدعة فكلما أردت أن توجهه إلى الصواب لا يأتي بخير ويدع العمل فافهم المراد واستعن بالله ولا تعجز. إخوتاه .. أنذرتكم مغبة هذا الفصام الغريب الحادث بين العلم والعمل، وبين تعلم العلم والتحلي بآدابه ، فخذوا العلم من وجهه، ابدأ بتعلم العقيدة واحفظ القرآن وتعلم فقه فروض الأعيان والكفايات لتعرف كيف تعبد الله ، تعلم اللغة العربية لتفهم القرآن والسنة، ابدأ بحفظ الأربعين النووية وراجع شرحها في كتاب "جامع العلوم والحكم" لابن رجب، خذ لمحة عن علوم القرآن ومصطلح الحديث وأصول الفقه، ولا ينبغي أن يتوقف نموك العلمي "من المهد إلى اللحد" فهذا هو السبيل للتقليل من حدة الخلاف ، إذا ازدان هذا العلم بالأدب والتقوى، واستصحب هنا هذا الأصل النافع والقاعدة العظيمة ، فأمور العقائد لا تقليد فيها و لا يتسع فيها الخلاف ؛ لأنها من القطعيات ، أمَّا مسائل الفروع ممّا اختلف فيها سلفنا فإنَّه يسعنا ما وسعهم ولا حرج ولا غضاضة .
إخوتاه .. الحديث عن الخلاف الفقهي وتأثيره يجرنا لقضية "التعصب" كسبب رئيس لحدة الاختلاف ، والتعصب دلالة عن جهل وغياب لآداب العلم ، وأغلب من يخوض في ذلك أنصاف المتعلمين ، وقد مضى قول أهل العلم على أنَّ التعصب للمذاهب والمشايخ وتفضيل بعضهم على بعض، والدعوى لذلك والموالاة عليه من دعوى الجاهلية، فكل من عَدَل عن الكتاب والسنة لرأى إنسان كائنًا من كان فهو على ضلال مبين، إذ الواجب على كل مسلم أن يمحض قصده لطاعة الله ورسوله صل الله عليه وسلم فلا ينتصر لشخص انتصاراً مطلقاً إلا لشخص رسول الله صل الله عليه وسلم، ولا لطائفة انتصارًا عامًا إلا لأصحابه رضى الله عنهم ، فإن الهدى يدور معهم حيث داروا.
إخوتاه .. قال صل الله عليه وسلم حين بعث أبى بن كعب ومعاذ بن جبل إلى اليمن " يسرا ولا تعسرا ، وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا "[2] والنهي هنا ليس متوجهًا إلى حقيقة الشيء بمعنى إبطال الخلاف ، كيف والخلاف أمر واقع ، بل المراد المآل والناتج عن اختلاف وجهات النظر في المسائل الاجتهادية التي لا تنضبط تحت نص قاطع في ثبوته ودلالته على عين القضية المطروحة، فهنا ينبغي أن يقدم "وحدة العمل" على "اختلاف الرأي" فلا يصر كل منهما على رأيه ويصعد الخلاف ، بل يحاول كل واحد أن يأتلف مع رأى أخيه ما استطاع. وهذا الدرس النبوي ينبغي ألا يغيب عن أعيننا " تطاوعا ولا تختلفا " فنحاول أن نتطاوع فيما بيننا ، وتظل دائرة الخلافات محدودة بحدود الأخوة الإيمانية بعيدًا عن الأهواء والذاتيات ، نحاول لـمَّ الشمل وجمع الكلمة منضبطين بالمنهج النبوي ، مستشعرين عزة الدين حتى لا نقع في فخ التنازلات وصولاً للهدف ، فتبرر الغايةُ الوسيلة ، فتحدث الأخطاء الشرعية. إخوتاه .. إنها دعوة من القلب لكل غيور على دين الله ، لكل من تهفو نفسه لتطبيق شرع الله أقول لكم جميعًا معاشر أهل الدين: لا توسعوا الشُّقة، كونوا عباد الله إخوانًا ، لا ينبغي أن تطفو الخلافات بين الدعاة وأهل الإيمان فتنتشر بين الجميع، إننا قد نقع في الصد عن سبيل الله من حيث لا ندرى تحت معتقدات إظهار الحق ، ليكن هذا الخلاف في أضيق صورة، وليظهر كل واحد ما اقتضاه اجتهاده دون التعرض لأشخاص بذواتهم ، وليعمل على تحجيم دائرة الخلاف ما استطاع ، لا سيما وأنَّ في الأمر سعة والخلاف فيه وارد ، ورأى صاحبي خطأ يحتمل الصواب ورأيي صواب يحتمل الخطأ، ولا غضاضة ولا مشاحنة، بل إخوة على درب واحد متحابين في الله . اللهمَّ إنا نعوذ بك من الشَّقاق، اللهم اجمعنا على الحب والوفاق، اللهمَّ اجعلنا متحابين في جلالك ، يا حى يا قيوم برحمتك نستغيث أصلح لنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.
[1]متفق عليه أخرجه البخاري (5218) ك كتاب النكاح ، باب المتشبع بما لم ينل وما ينهى من افتخار الضرة. ومسلم (2129) ك اللباس والزينة ، باب النهي عن التزوير في اللباس وغيره، والتشبع بما لم يعط.
[2]متفق عليه أخرجه البخاري (3038) ك الجهاد والسير، باب: ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب، وعقوبة من عصى إمامه، ومسلم (1733) ك الجهاد والسير ، باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير.
(5) للتخفيف من وحشة الغُربة . إخوتاه .. قال رسول الله صل الله عليه وسلم "بدأ الإسلام غريبًا ،وسيعود غريبًا كما بدأ ، فطوبى للغرباء"[1]. وهؤلاء الغرباء جاءت الروايات تصفهم بأنَّهم الذين يصلحون إذا فسد النَّاس، الذين يفرون بدينهم من الفتن، الذين يقيمون سنة رسول الله صل الله عليه وسلم بعد أن يفسدها النَّاس بالبدع والمحدثات، فهم قوم قليل في ناس سوء كثير ، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم. وقد مضى أننا في عصر الجاهلية الثانية بلا ريب، وأنَّ المتأمل لحال النَّاس في يومهم هذا لا يشك في أننا نعيش في غربة، فالفتن من كل حدب وصوب، والفساد مطبق والبلاء عَمّ، واستحكمت مكيدة الشيطان فأطاعه أكثر الخلق فمنهم من دخل في طاعته في فتنة الشبهات، ومنهم من دخل في فتنة الشهوات، ومنهم من جمع بينهما ، وكل ذلك مما أخبر النبي صل الله عليه وسلم بوقوعه. ففتنة الشبهات. قال عنهاصل الله عليه وسلم : "افترقت اليهود على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة" [2]وفي رواية "واحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار، قيل : يا رسول الله من هم ؟ قال : الجماعة"[3] وأمَّا فتنة الشهوات فقد قال صل الله عليه وسلم : "فو الله لا الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم".[4]
يقول ابن رجب في كشف الكربة: " فلما دخل الناس في هاتين الفئتين أو إحداهما أصبحوا متقاطعين متباغضين بعد أن كانوا إخوانًا متحابين متواصلين ، فإن فتنة الشهوات عمت غالب الخلق ففتنوا بالدنيا وزهرتها وصارت غاية قصدهم ... فقطعوا لذلك أرحامهم وسفكوا دماءهم وارتكبوا معاصي الله بسبب ذلك.
وأمَّا فتنة الشبهات والأهواء المضلة فبسببها تفرق أهل القبلة وصاروا شيعًا وكفَّر بعضهم بعضا، وأصبحوا أعداء وفرقًا وأحزابًا، بعد أن كانوا إخوانا قلوبهم على قلب رجل واحد".
هذا حال من افتتن ولم ينج من هذا إلا الفرقة الناجية أهل الغربة أهل السُّنة والجماعة.
إخوتاه .. أسوق لكم هذا كله لأطرح على مسامعكم وليجول في خاطركم تساؤلٌ حتمي ، هل نحن ـ معشر من ادّعى الالتزام ـ حقًا غرباء ؟ هل نحن فعلاً على هذا الوصف الذي نعتهم به رسول الله صل الله عليه وسلم ؟ نحتاج إلى وقفة للمحاسبة لنرى هل وقعنا في مضلات الفتن أم مازالت الأقدام ثابتة والقلوب على اليقين هذا أولاً. فإذا ما ارتضينا نصرة دين الله وتحملنا لذلك كل الصعاب، وصبرنا على أذى أعداء الدين ، وقاومنا الظلم والقهر الذي يقع على أولياء الله الصالحين ، فعلينا حينئذٍ أن نتواصى بصفات الغرباء فنقيم على طاعة الله وإن عصى النَّاس ، نسعى للإصلاح وإن فسد الخلق ، ننشر سنة رسول الله وإن وقع النَّاس في البدع ، لا نستوحش القلة فقليل من عباد الله الشكور، ثمَّ نتواصى فيما بيننا بالأخوة فإنها سبيل تخفيف هذه الوحشة. إخوتاه .. قال الحكماء : مصائب العالم ومحنة تعود إلى خمس : المرض في الغربة، والفقر في الشيب، والموت في الشباب، والعمى بعد البصر والغفلة بعد المعرفة. فآهٍ من وحشة الغربة وسقم القلوب وعلة الأبدان، فكيف بالله ترضوا أن تروا أخاكم قد أضناه لهيب الهاجرة فلا تعودونه، لا تخففون من شدة وطأة الظلم عليه، فكيف وأنتم رفاق الدرب، والمآل واحد ألا تتعاونون، أَوَ ليس حري بكم أن تتحابوا وتتصافوا وتكونوا عباد الله إخوانًا. إخوتاه .. ماذا بكم ؟ أَوَليست هذه الدار فانية، أَوَلَيس متاعها زائلاً، أليس نعيمها ناقصاً منغصًا، فما عساكم حِدتم ، هذه دنيا دنية ، أنتم فيها غرباء فإنما مواطنكم الجنة نسأل الله أن يجمعنا جميعًا فيها، اللهم إنا نسألك الفردوس الأعلى وما يقرب إليه من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما يقرب إليها من قول أو عمل.
إخوتاه .. أما تذكرون الجَنَّة، أما تهفوا أنفسكم لرياضها، فلِمَ النُّفرة والتشاحن فهلموا إلى الجادة، هيا اجتمعوا على قلوب صافية متحابة، تعالوا إلى نصرة دين الله، ولتكن جنات الفردوس نصب أعينكم.
ما من غريب وإن أبدى تجلده ... إلا تذكر عند الغربة الوطنا
[1]أخرجه مسلم (145) ك كتاب الإيمان ، باب بيان أن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا، وإنه يأرز بين المسجدين. [2] أخرجه أبو داود (4596) ك السنة، باب شرح السنة ، والترمذي (2640) ك الإيمان ، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة وقال: حسن صحيح ، وابن ماجه (3991) ك الفتن ، باب افتراق الأمم ، والإمام أحمد في مسنده (2/332) والحديث صححه الشيخ الألباني في الصحيحة (203) . [3] أخرجها ابن ماجه (3992) في الموضع السابق ، وصححها الشيخ الألباني في صحيح ابن ماجه (3226) [4] متفق عليه أخرجه البخاري (3158) ك الجزية والموادعة ، باب الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب ومسلم (2961) ك الزهد والرقائق . يتبع.... بإذن الله
(6) لاقتفاء أثر البقية الباقية قبل أن تغرق السفينة
مرت بنا خُطوب، وضلت أقدامنا الدروب، وتوالت المحن فهلك من هلك وثبت من ثبت ، ودبت العِلل، وتغايرت الحُلل، فلم تعد إلا شرذمة قليلة مستضعفون في الأرض يخافون أن يتخطفهم النَّاس، تلك البقية الباقية مازالوا يحلمون بنصر الله، موقنين بأنه آت لا محالة ، وأنَّه قريب ولو كره الكافرون.
فهؤلاء هم عباد الله المخلصون، بهم يندفع البلاء ، فلولا عبادٌ ركع ، وأطفال رضع ، وبهائم رتع لصب العذاب صبا، إنَّهم الصفوة، وإن كانوا من الندرة بمكان إلا أنهم ما زالوا فينا ولكنهم يتناقصون، والخوف كل الخوف أن يهلك هؤلاء فحينها يأتيك ما تحاذر ولابد.
إخوتاه .. إنَّ السبيل لدفع ما نحن فيه من البلية يبدأ من الأخوة الإيمانية، فحين ترتبط بهذه الفئة المباركة تكون على أمل النجاة قبل أن تغرق السفينة، وإن وجود نماذج متعددة لهؤلاء الأخيار هو الطريق الأمثل لنصرة دين الله في الأرض.
إنني أريدك أن تبحث عن القوَّامين الذين يقيمون الليالي ولا يفترون، عن الصَوَّامين الذين يصومون صيام داود لا يسأمون، عن المتصدقين الذين ينفقون أموالهم سرًّا وعلانية يرجون تجارة لن تبور، عن الدعاة الذين يجوبون مشارق الأرض ومغاربها لإعلاء كلمة التوحيد ، هذه النماذج موجودة ولكنها قليلة، ولا سبيل لنموها وتكثير سوادها إلا بالأخوة حين تقف في الصلاة ملتصقًا برجل صالح من أمثال هؤلاء ربَّما تنزل عليه رحمة تصيبك منها ما فيه خيرك إلى يوم الدين.
حين تسمع عمن يقيم نصف الليل أو أكثر، من يختم القرآن كل ثلاث أو أربع فتسير في ركبه وتخطو خطوة، وتود أن يكون عملك كعمله إن عجزت فربَّما تجد هذه الأعمال في صحيفتك بإخلاص النية.
إخوتاه ... هذه فائدة مرافقة الصالحين ، بل إنَّ مؤاخاة هؤلاء وحبهم في الله يثمر ثمرة عظيمة هي أن يجمعك الله بهم في الجنة، وربما يكون ذلك سبب دخولك الجنة وإعلاء درجتك فيها لقوله صل الله عليه وسلم "المرء مع من أحب".[1] وحين تشارك هؤلاء العلم الصالح يهون عليك ما يثبطك عنه الشيطان وتنفرك نفسك من فعله، فتعتاد الصيام والقيام وتلاوة القرآن والعمل لدين الله تعالى، وتعظم أوامر الله ونواهيه، وتتخلق بأخلاق الصالحين من التواضع ورؤية النفس بعين الجناية والانكسار بين يدي الله جل وعلا ، وهكذا لا تعدم خيرًا في اقتفاء أثرهم والسير في دروبهم والجلوس معهم.
قال صل الله عليه وسلم: "مثل الجليس الصالح والسوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إمَّا أن يحذيك، وإمَّا أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إمَّا أن يحرق ثيابك وإمَّا أن تجد ريحًا خبيثة".[2] فإن لم تجد هؤلاء فالعزلة راحة من خلاط السوء كما ترجم البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ ، فالوحدة خير من جليس السوء، والجليس الصالح خير من الوحدة ؛ فإن مجالسته غنيمة وربح، وكل قرين بالمقارن يقتدي ، وصحبة أهل البطالة بل صحبة من لم يشمر عن ساعد الجدّ في سلوك طريق الله تعالى فإنها كصحبة أهل الشر ، وصحبة الأشرار تورث سوء الظن بالأخيار فتأمل هذا يا عبد الله ، وخذ بحظك من صحبة أخلاء الإيمان، واقتفِ أثرهم قبل أن يعمنا البلاء والله المستعان.
[1]متفق عليه أخرجه البخاري (6168) ك الأدب ، باب علامة حب الله عز وجل ، ومسلم (2640) ك البر والصلة والآداب ، باب المرء مع من أحب .
[2]متفق عليه أخرجه البخاري (5534) ك الذبائح والصيد ، باب المسك ، ومسلم (2628)ك البر والصلة والآداب ، باب استحباب مجالسة الصالحين،ومجانبة قرناء السوء
(7) إحياء السنن الموات قال النبي صل الله عليه وسلم لبلال بن الحارث: " اعلم ! قال: ما أعلم يا رسول الله ؟ قال: إنَّه من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدى فإن له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن ابتدع بدعة ضلالة لا ترضى الله ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار النَّاس شيئًا "([1]).
أي أنَّ الناس يتركون العلم بالسنة فمن قام على نشرها والعلم بها والعمل بها كان له ذلك الجزاء الأوفى ، ففي إحياء السنة إماتة للبدعة والعكس صحيح.
إخوتاه .. كان للصحوة الإسلامية خلال العقود الماضية دورها الفعّال في إحياء السُّنة وإماتة البدع المحدثات التي كان العالم الإسلامي يذخر بها، وقام رواد الدعوة الإسلامية بدور كبير في هذا المجال ، ومن ثمَّ وُجد جيل من الملتزمين بسنة النبي محمدصل الله عليه وسلم المحاربين للبدع والمنكرات فأحيوا السُّنة وأماتوا البدعة. ثم خلف من بعدهم خلف ورثوا عنهم هذا ولكن كان حظهم أقل من جيل الرواد ، وبدأ خط الرجعة من جديد فأميتت سنن أو صارت من جنس العادات أو الشكليات، فاهتم القوم بالمظهر وضاع منهم الجَوْهر ولهذا أسبابه المعروفة ، ولكن الوقفة هنا مع أحد الأسباب الخطيرة في شيوع مثل هذه الظاهرة ، أعنى بطبيعة الحال " الأُخُوَّة "، فالقوم لم يعودوا على قلب رجل واحد ، بل تفرقوا شيعًا ، ودخل في قلوبهم الدخن كلٌ تجاه الآخر، واختلفوا فتناكروا وتنافروا، وبدأ الجيل الصاعد تتفتح عيناه على معارك ومشاحنات فمنهم من تولّى ومنهم من خاض غمار تلك المخاصمات، فصار جل اهتمامه في مسائل ثانوية، وتحت شعار إحياء سنة أميتت سُنن.
وإذا أردت أمثلة واقعية لذلك، فانظر كيف كان حالك منذ سنوات قليلة وكيف صار الحال الآن ؟ أين السُنن والآداب التي كنت تعظمها؟ أين المحافظة على الأذكار ؟ أين المحافظة على آداب الطعام والنوم ومعاشرة الناس والكلام واللباس و ...؟ سنن كثيرة أحياه جيل الصحوة، ثم ما لبثت أن ضاعت في خضم المشاكل، إنني لا أُسَفِّه من جهود كثير من دعاة الخير لنشر العلم، ولكن فقط أخشى أن نهتم بالمفضول عن الفاضل، فإننا ينبغي أن نتعامل مع الدين على أنه كلٌ واحد، لا نهتم بمسألة على حساب مسائل أخرى، ولا نقول كذلك إنَّ للدين لبابًا وقشورًا، فنهتم باللباب دون القشور، فتلك بدعة محدثة ما أنزل الله بها من سلطان، وهي وسيلة خطيرة ماتت بسببها سنن كثيرة فالحق دائما بين طرفي التفريط والإفراط فتأمل.
إخوتاه .. من السُّنن التي تكاد تكون قد أميتت سُنَّة النتاصح في الله ، حدث هذا بسبب عدم تآلف القلوب ، فلم تعدْ تقبل منى نصيحة في الله لأنني قد أكون مخالفًا لك في مسألة أو في اتجاه، أمَّا عامة الناس فقد بثوا فيهم سموم الشبهات، وخدعوهم بشعارات الحُرية التي هي في واقع الأمر عبودية للدنيا وذل لأصحابها، لكن القوم مُكِر بهم فإذا نصحت أحدهم في الله قال لك بملء الفم: أنا حرٌ مَالَك بى، مع أنه لو أنعم النظر لعلم أنَّ الذي ينصحه في الله لا يبغي منه شيئًا بل يريد في أفضل حال يريد مصلحته ولكن أكثر النَّاس لا يعلمون.
إخوتاه .. لعمر الله إنَّ تبادل النصيحة في الله تعالى واجب على كل مسلم تجاه أخيه ، وهذا مما يقتضيه الحب في الله ، وهو من العدل الذي أمر الله به. يقول ابن العربي ـ رحمه الله ـ : العدل بين العبد وبين ربه إيثار حقه تعالى على حظ نفسه ، وتقديم رضاه على هواه، والاجتناب للزواجر والامتثال للأوامر. وأمَّا العَدلُ بينه وبين نفسه فمنعها مما فيه هلاكها؛ قال الله تعالى: " وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى " [ النازعات/40]وعزوب الأطماع عن الأتباع، ولزوم القناعة في كل حال ومعنى.
وأمَّا العدل بينه وبين الخلق فبذل النصيحة وترك الخيانة فيما قل وكثر، والإنصاف من نفسك لهم بكل وجه، ولا يكون منك إساءة إلى أحد بقول ولا فعل، لا في سر ولا في علن، والصبر على ما يصيبك منهم من البلوى، وأقل ذلك الإنصاف وترك الأذى. أهـ. آهٍ أين ـ بالله عليكم ـ هذه السنن الموات ؟ فأين التناصح لا التفاضح ؟! أين الإنصاف لا الإجحاف ؟ … أين …؟ وأين ...؟
إخوتاه .. دعونا من التباكي على الواقع المر، وتعالوا بنا نفتح صفحة جديدة نجدد بها إيماننا، تعالوا نتناصح في الله على الوجه الشرعي الذي علمناه رسول الله صل الله عليه وسلم ، تعالوا نتعاون في الله بإحياء السنة وإماتة البدعة، كل من عرف حرفًا من كتاب أو سنة يسارع إلى أخيه لتبليغه ويأخذ1 كل واحد بيد أخيه إلى صراط الله العزيز الحميد، تعالوا لا نترك سنة حتى نعمل على إحيائها ونشرها فهل من عود حميد ؟
أسأل الله تعالى أن بعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، اللهمَّ اجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. يتبع بإذن الله
([1]) أخرجه الترمذي (2677) ك العلم ، باب ما جاء في الأَخْذِ بالسّنّةِ وَاجْتِنابِ البِدْع وقال : حديث حسن ، وابن ماجه (210) في المقدمة باب ، والطبراني في الكبير (17/16) والحديث ضعفه الشيخ الألباني في ضعيف الترمذي (500)
تعليق