إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

لا تقصص رؤياك على إخوتك/د.عثمان قدري مكانسي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • لا تقصص رؤياك على إخوتك/د.عثمان قدري مكانسي



    الدكتور عثمان قدري مكانسي



    بدأ الإمام الصلاة بسورة يوسف عليه السلام ، وكان صوته مريحاً ، فلم يكن صوته جميلاً ولا قبيحاً لكنّ تلاوته كانت جيدة وقراءته هادئة ، لهذا قلت إن صوته كان مريحاً ومما يزيد في راحة النفس أن مكبر الصوت يملأ المسجد دون جلبة أوضوضاء .
    قلت في نفسي وأنا أدخل المسجد : لعل الله يرزقني فكرة أدندن حولها في خواطري . فلما قرأ الإمام قوله تعالى " يا بنيّ لا تقصص رؤياك على إخوتك " قلت في نفسي – فقد كنا في الصلاة ولا يجوز الكلام فيها بغير الصلاة – جاءت الخاطرة فلا بدّ من إنضاجها ، فهلمّ إلى ما يفتح الله بها علينا من خير نحن نحتاجه جميعاً :

    1- لا بد من صدر حنون ذي خبرة في الحياة يسدد خطوي ويشاركني همومي – إن صح أنها هموم – أو يشاركني خواطري وتفكيري حين ألجأ إليه أستعين بمشورته وخبرته . وسيدنا يعقوب عليه السلام أيده الله بالحكمة وسداد الرأي وفهم الحياة ، فقد عركها وذاق حلوها ومرّها ، وهو نبي ابن نبي وحفيد أبي الأنبياء ، والله سبحانه وتعالى يلهمه الصواب ، ويسدده بالوحي ، ثم إنه الأب الحاني والصدر المشفق ، والوالد المحب ، فنِعم المستشار هو لولده يوسف عليهما السلام .

    2- لا بد من الحذر والحيطة في كل الأمور ، ولا ينبغي للسر أن يتجاوز صدر صاحبه إلا إلى الأمين ، وإلا شاع وعرفه القاصي والداني ، كما أن لكل منا خصوصية يحتفظ بها ، ويخفيها عن الآخرين ولو كانوا من المقرّبين . والأب يهمس في أذن ولده " يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك ".

    3- ولكنّ الأخ – عادة - محب ويود لأخيه الخير والسعادة والهناء ، فلماذا يحذر الأب ابنه من إخوته ؟! لا شك أن الأمر خطير إن عرفه إخوته فسوف يحسدونه ، ويكيدون له . إن هذه الرؤيا بشارة بالنبوّة التي تهفو لها نفوس الإخوة جميعاً فأبوهم نبيّ ، ولا بد أن يرثه في النبوّة واحد أو اثنان أو أكثر ، والجميع يحرصون على ذلك ، وليس الكل أهلاً لهذه المكانة العظيمة . وسيزداد الكره ليوسف حين تتجاوزهم هذه المكانة – وهم الكبار – إلى يوسف الفتى الصغير ، لا شك أن الله يختار من يشاء ويصطفي من يريد لدعوته ، ولكن هل يعي الجميع هذا الأمر ويرضونه ؟ أم تراهم يكيدون ليوسف ويأتمرون به إيذاء وإقصاء؟ هكذا فكر بعضهم ثم نفّذه جميعهم ، والله – سبحانه - يفعل ما يشاء .

    4- قال تعالى:
    " لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً "
    ونلاحظ فعل الكيد يتبعه المفعول المطلق ليصف نفسية إخوة يوسف وما فيها من الحسد والبغضاء لمن يعتبرونه سلبهم أمراً يظنونه من حقهم " الله أعلم حيث يجعل رسالته " والإيمان الناقص إذا خالطه حقد وحسد دفع بصاحبه إلى التصرف المشين والحمق البيّن . ، والأب يعرف أبناءه وشدة مكرهم ، ويعلم أيضاً أن الله يحفظ عباده الصالحين ، إلا أنه لا بد من الحذر وأخذ الحيطة على مبدأ " اعقلها وتوكل " فالتوكل وحده نقص واضح ، والعقلُ دون توكل أكثر نقصاناً .

    5- ومن الذي يدفعهم إلى الكيد الشديد لأخيهم ؟ إنه الذي أقسم أن يغوي الناس أجمعين إلا من عصمه الله وحفظه ، إنه الشيطان الذي أقسم بالله ليحتنكَنّ ذرية آدم وليضلنّهم وليزرعَنّ البغضاء في قلوبهم فهو عدوّهم الأول في هذه الحياة
    " إن الشيطان للإنسان عدوٌّ مبين "
    إنه مَن أخرج أباهم من الجنّة وحمل على عاتقه أن يأخذ من استطاع منهم إلى النار .

    6- وهل يقدر الشيطان أن يفعل ذلك مع أبناء الأنبياء ؟! وقد ربّى يعقوب أبناءه على الإسلام والإيمان ؟ ألم يوصِ هذا الأب أبناءه أن يكونوا مسلمين ويحيَوا مؤمنين ويموتوا على ذلك
    " ووصّى بها إبراهيم بنيه ويعقوبُ يا بنيّ إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتُنّ إلا وأنتم مسلمون "
    ألم يعاهدوه وهو على فراش الموت أن يعبدوا الله وحده
    " أم كنتم شهداء إذ حضرَ يعقوبَ الموتُ إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون " بلى لقد عاهدوه بعد أن تعلموا الدرس واعترفوا بخطئهم أمام يوسف في مصر واعتذروا له وأنهم كانوا خاطئين وسألوا أباهم أن يستغفر لهم ذنوبهم .

    7- وليس شرطاً أن يكون أبناء الأنبياء والصالحين مثلهم فالهداية من الله ، فهذا قابيل قتل أخاه هابيل حسداً ، وهذا ابن نوح يدعوه أبوه عليه السلام أن يؤمن ويركب معه سفينة النجاة ، فأبى واستكبر وقال بلهجة الجاحد المعاند :
    " سآوي إلى جبل يعصمني من الماء "
    وتنكب طريق الهداية فكان من المغرقين أهل النار .

    8- والحياة علمتنا أن الإخوة قد يكون بعضهم أشد عداوة لبعض من الآخرين ، فكم من بيوت هّمت وكم من دماء للإخوة أريقت بأيدي إخوانهم لمال أو أرض أو امرأة أو منصب أو جاه .
    فلا بد أيها الأحباب من الحذر والحيطة ، ولا بد أن يحفظ الإنسان سرّه ، ولا بد أولاً وأخيراً أن يسأل الله تعالى العون والهداية
    " فالله خيرٌ حافظاً وهو أرحم الراحمين "

يعمل...
X