بنرات المنتدى
النتائج 1 إلى 10 من 10
  1. #1

    مراقب سابق


    تاريخ التسجيل : Jul 2009
    رقم العضوية : 54901
    الجنس: ذكر
    المشاركات : 1,380
    التقييم : 117
    عبدالعزيز المالكي غير متواجد حالياً

    %% سلسلة كن صحابيا ......%% أضخم سلسلة تكلمت عن الصحابة وأحوالهم "متجدده"

    سلسلة كن صحابياً جيل فريد
    اختار الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أصحاباً كراماً بررة، فأخذوا عنه الدين وبلغوه لمن بعدهم من الأجيال، وزكاهم الله في كثير من آي القرآن الكريم، واستحقوا بذلك أن يكونوا أفضل جيل على الإطلاق، وقد أمرنا باتباعهم والسير على نهجهم، فهم أبر قلوباً، وأعمق علماً، وأقل تكلفاً، والطعن فيهم طعن في الدين، وتكريمهم وتعظيمهم تعظيم للدين.

    منزلة الصحابة في الإسلام

    أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فهذه المجموعة هي مجموعة من المحاضرات، وقد أطلقت عليها اسم: (كن صحابياً)، وهي محاولة للاقتراب جداً من جيل الصحابة، هذا الجيل الراقي رفيع المستوى، الذي ما تكرر مثله في التاريخ، سواء في السابق لجيل الصحابة أو بعده، وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لن يأتي جيل مثله إلى يوم القيامة، فعظمة هذا الجيل وقيمته تأتي من كون هذا الجيل بأكمله يتصف بصفات معينة، من سلامة العقيدة، وكمال الأخلاق، وأمانة النقل، وصفاء القلب، وقوة العزيمة، وحب الجهاد، فكان بأكمله جيلاً على هذه الدرجة الراقية من الأخلاق والصفات. وقد يظهر إنسان نابغة في زمان من الأزمان، أو تظهر مجموعة من الأمناء الصادقين الأبرار في جيل من الأجيال، أما أن يكون جيل الصحابة بكامله على صورة معينة من النقاء والبهاء فهذا هو الغريب حقاً، وهذا هو الأمر الملفت للنظر، فلو أنه في زمن من الأزمان ظهر رجل كـعمر بن الخطاب مثلاً، فهذا من سعادة هذا الجيل، ومن سعادة هذا الزمن، وكذلك لو ظهر شخص مثل أبي بكر الصديق ، أو مثل طلحة بن عبيد الله ، أو مثل خالد بن الوليد ، أو مثل أبي هريرة وهكذا، لكن أن يظهر كل هؤلاء في زمن واحد فهذا هو الأمر العجيب حقاً، والأمر الفريد حقاً، ولذلك فليس الغرض من هذه المجموعة من المحاضرات أن نسرد الأقوال والأفعال التي قام بها الصحابة، يعني: ليس مجرد سيرة ذاتية للصحابة، وكذلك ليس الغرض أن نتعرض إلى كل الأحداث التي مر بها الصحابة، ولكن الغرض أن نتعلم: كيف نقلد جيل الصحابة؟ كيف نكون كجيل الصحابة؟ كيف نسير في طريق الصحابة؟ كيف نصل إلى ما وصل إليه الصحابة، سواء في الدنيا أو في الآخرة؟ وقبل أن نتعلم كيفية وصول الصحابة إلى هذا المستوى الراقي، وكيف وصلوا إلى ما وصلوا إليه؟ وقبل أن نتعلم كيف يمكن أن نسير في طريقهم؟ أريد في هذه المحاضرة أن أتحدث عن قيمة هذا الجيل في ميزان الإسلام، وقيمة هذا الجيل في ميزان التاريخ، بل وقيمة هذا الجيل في ميزان الله عز وجل، فهو الجيل الوحيد في الإسلام الذي تستطيع أن تعرف قيمته في ميزان الله عز وجل؛ لأن هذا لا يتأتى ولا يمكن معرفته أبداً على وجه اليقين إلا بإخبار من الله عز وجل في كتابه أو عن طريق رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، أما عموم البشر بعد هذا الجيل فلا يمكن الجزم أبداً بأن هذا الجيل جيل ثقيل في ميزان الله عز وجل، أو يمكن أن نرجح أن هذا الإنسان إنسان فاضل أو إنسان يسير على طريق الهدى، لكن لا يمكن الجزم بأنه فعلاً على طريق الله عز وجل؛ لأن التقييم الإلهي للفرد لا يعتمد فقط على ظاهر الأعمال التي نراها نحن بأعيننا، وإنما يعتمد أيضاً على القلب وعلى النوايا، وهذا ما لا يمكن للبشر أن يتيقنوا منه أبداً، نعم قد يكون هناك شواهد تشير إلى فضائل الرجال والنساء، لكن هذا كما ذكرنا لا يمكن أن يكون على وجه اليقين، فنحن يمكن أن نرى رجلاً حسناً من ظاهره، لكن من داخله مختلف تماماً، ولا يعلم ذلك إلا الله عز وجل. لكن تعالوا نرى جيل الصحابة، وماذا قال الله عنهم، يقول الله عز وجل عن أصحاب بيعة الرضوان: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح:18] أي: أن الله قد رضي عنهم، وقضي الأمر وانتهى، ثم قال: إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح:18]، فهذه الآية لم تذكر في حق صحابي أو مجموعة صحابة، لا، بل ذكرت في حق ألف وأربعمائة من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، واسمع إلى قوله سبحانه وتعالى: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:117]، وهذه الآية قيلت في حق ثلاثين ألفاً من الصحابة الذين اشتركوا في غزوة تبوك، ولذا فمن المستحيل بالنسبة للأجيال التي تلت جيل الصحابة أن نصل إلى اليقين، وأن الله عز وجل قد تاب على إنسان بعينه، مهما بلغ ذلك الإنسان من العمل في الدنيا، فلا نستطيع أبداً أن نجزم بخيريته عند الله، أو بمكانته عند الله، أو بدرجته في الجنة، أو بنجاته الحتمية من النار، من أجل هذا نستطيع أن نفهم المعنى اللطيف الذي زرعه الرسول صلى الله عليه وسلم في صحابته، ففي البخاري أن خارجة بن زيد بن ثابت رضي الله عنهما قال: إن أم العلاء -امرأة من الأنصار- أخبرته بهذه القصة: أن المهاجرين عندما قدموا المدينة أقرع بينهم النبي صلى الله عليه وسلم ليذهب كل واحد منهم إلى أنصاري من الأنصار، فكان من نصيب أم العلاء وزوجها أن ذهب إليهم عثمان بن مظعون رضي الله عنه وأرضاه، تقول السيدة أم العلاء : فأنزلناه في بيتنا، ثم وجع وجعه الذي توفي فيه، فلما توفي وغسل وكفن في أثوابه دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعثمان بن مظعونهذا من أوائل الصحابة المهاجرين الذين ماتوا في المدينة المنورة، والسيدة أم العلاء رضي الله عنها قد رأت منه الخير الكثير فقالت: رحمة الله عليك يا أبا السائب ، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله -وتنبيه لهذه الكلمة- فقال النبي صلى الله عليه وسلم عندما سمع ذلك: (وما يدريك أن الله قد أكرمه)، ومَنْ مثل عثمان بن مظعون رضي الله عنه؟ سبق إلى الإسلام، وهاجر إلى الحبشة، ثم هاجر إلى المدينة، وفقد عينه في سبيل الله عز وجل، وضرب أروع الأمثلة في الثبات والعزيمة والجهاد والصبر، فهو إنسان متكامل فعلاً، ومع ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: وما يدريك يا أم العلاء أن الله عز وجل قد أكرمه، فقلت: بأبي أنت يا رسول الله فمن يكرمه الله؟ يعني: إذا كان الله عز وجل لم يكرم عثمان بن مظعون فمن يكرمه الله عز وجل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما هو -يتحدث صلى الله عليه وسلم عن عثمان بن مظعون- فقد جاءه اليقين، والله إني لأرجو له الخير) يعني: أن عثمان بن مظعون من أهل الجنة، وقد رجا له صلى الله عليه وسلم الخير كله، لكنه يريد أن يزرع في قلب أم العلاء وفي قلب كل المسلمين أننا لا يمكن أبداً أن نجزم باليقين أن إنساناً معيناً قد أكرمه الله عز وجل إلا عن طريق الوحي، سواء إخبار في القرآن أو إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك في أحاديثه الشريفة المطهرة، ثم قال قولاً عجيباً جداً، وكلاماً في منتهى الغرابة، وهذا من تواضع رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي)، فيتحدث عن نفسه صلى الله عليه وسلم؛ لأنه مازال على قيد الحياة، ثم قالت السيدة أم العلاء : فوالله لا أزكي أحداً بعده أبداً، فهمت الدرس رضي الله عنها، واستوعبت الحكمة التي أرادها الرسول الله صلى الله عليه وسلم. وعلى ضوء ذلك نفهم ما قاله الصحابي الكريم أبو بكرة رضي الله عنه وأرضاه كما في البخاري و مسلم : (أثنى رجل على رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويلك قطعت عنق صاحبك، قالها مراراً، ثم قال: من كان منكم مادحاً أخاه لا محالة فليقل: أحسب فلاناً، والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحداً، أحسبه كذا وكذا، إن كان يعلم ذلك منه). والشاهد من كل هذه الروايات والحكايات أن الأجيال التي جاءت بعد جيل الصحابة لا يمكن أبداً الجزم بخيريتها، ولا يمكن الجزم بخيرية رجل بعينه ما دام القرآن أو رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجزم بذلك، ولم يذكر ذلك بوحي أو بدليل من الله عز وجل، وهذا كما ذكرنا ليس مع جيل الصحابة؛ لأنه بالفعل قد عُلم على وجه اليقين أنهم سبقوا، وقد عُلم على وجه اليقين أن الله عز وجل قد زكاهم، ولذا فلا ينفع أن نقول: عمر بن الخطاب رضي الله عنه والله حسيبه ولا أزكي على الله أحداً، بل عمر بن الخطاب قد زكاه الله عز وجل فعلاً، وزكاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه خاصية فريدة جداً لجيل الصحابة. إن جيل الصحابة هذا جيل فريد ولن يتكرر في التاريخ لأسباب مهمة، وأنا أعتبر وصول هذا الجيل إلى هذا المستوى الراقي راجع إلى أسباب ثلاثة: ......

    من أسباب رقي الصحابة: اختيار الله عز وجل لهم
    السبب الأول: أن هذا الجيل جيل مختار من الله عز وجل، أي: أن هؤلاء الصحابة بأعيانهم خلقوا ليكونوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فكان لازماً أن يكون أبا بكر موجود رضي الله عنه، لأن له دوراً لا بد أن يقوم به، ولن يستطيع أن يقوم به غيره، وكذلك عمر يكون موجوداً، و عثمان و علي و طلحة و الزبيرو بلال و خالد والسيدة خديجة و السيدة عائشة ، فكل الصحابة لا بد أن يكونوا موجودين بأعيانهم، وكما يصطفي الله عز وجل رسله من الملائكة ومن البشر فكذلك يصطفي أصحاب رسله عليهم الصلاة والسلام:اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [الحج:75]. وتأمل إلى الله سبحانه وتعالى وهو يتكلم على أصحاب عيسى عليه السلام إذ يقول: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا [المائدة:111]، يعني: أن أصحاب عيسى عليه السلام قد خاطبهم الله عز وجل عن طريق الإلهام أو الوحي غير المباشر، واختيار الله عز وجل لأصحاب رسله لا بد أن يكون ذلك بطريقة معينة، وهذه الطريقة قد تكون عسيرة وصعبة، كأصحاب موسى الذين اشتهروا بالشر والأذى وسوء الأدب، ومع ذلك يقول الله عز وجل عنهم في كتابه: وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ [الدخان:32-33]. أما عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روى الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه وأرضاه قال: (فقد النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أصحابه -يعني: أن الصحابة فقدوا النبي صلى الله عليه وسلم- وكانوا إذا نزلوا أنزلوه أوسطهم) يعني: إذا كانوا في سفر وأرادوا النوم في ليلتهم تلك جعلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسطهم؛ حماية له صلى الله عليه وسلم، (فلما استيقظوا من نومهم في جوف الليل لم يجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول عبادة بن الصامت : ففزعوا وظنوا -وانتبه لهذه الكلمات- أن الله تبارك وتعالى قد اختار له أصحاباً غيرهم، فإذا هم بخيال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكبروا حين رأوه، قالوا: يا رسول الله أشفقنا أن يكون الله تبارك وتعالى اختار لك أصحاباً غيرنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا، بل أنتم أصحابي في الدنيا والآخرة). فالصحابة مختارون؛ لأن على أكتافهم تبعة حمل هذا الدين كاملاً من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل الأرض أجمعين، وليس هناك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول، فماذا لو كان أصحابه يتصفون بكذب أو خيانة أو كسل أو فتور أو حب لدنيا وانغماس فيها؟! وماذا سيكون حال الأرض إلى يوم القيامة لو نقل إلينا الدين مشوهاً أو مغيراً أو مبدلاً؟! ولذلك تحتم أن يختار الله عز وجل من البشر من يستمعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإنصات، ويستمعون إليه بإمعان وتقدير، ثم ينقلون هذا الذي استمعوه إلينا جميعاً، فيقيمون بذلك الحجة على أهل الأرض أجمعين، وإلا فكيف سيحاسب الله عز وجل أهل الأرض؟! وكيف سيحاسب من يأتي من البشر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال الله عز وجل في كتابه: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15]. إذاً: لا بد أن يوجد جيل يحمل الأمانة، ويحمِّل الأجيال التي تأتي من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الأمانة، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم حيٌّ بينهم، وهذا هو السبب الأول الذي من أجله استحق أن يكون هذا الجيل جيلاً فريداً، وهذا الجيل جيل غير متكرر، وهو جيل قد اختاره الله عز وجل بعناية لصحبة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم. ......


    من أسباب رقي الصحابة: مرورهم بتجربة فريدة من نوعها

    السبب الثاني: أن هذا الجيل قد مر بتجربة فريدة تماماً، فوجدت عنده خبرات لم يرها أحد من المسلمين وتعالوا لنرى تجربة هذا الجيل الفريد فيما يأتي: ......




    رؤية الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم عند إخباره بالغي

    ثالثاً: أن الصحابة رأوا إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغيب، ونحن أيضاً نسمع عن ذلك، ولكن ليس من رأى كمن سمع، فالذين يعيشون في الحدث ويتشوقون لمعرفة ما يحدث على بعد مئات أو آلاف الأميال، غير الذي يسمعه بعد مائة سنة أو مائتين أو ألف. ولنتأمل الصحابة الكرام وهم واقفون في المدينة المنورة حول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصف لهم ما يحدث في غزوة مؤتة على بعد مئات الأميال من المدينة المنورة، وهو يقول: (أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر الراية فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة الراية فأصيب، وعيناه صلى الله عليه وسلم تذرفان الدمع، ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله عز وجل ففتح الله عليهم)، والمراد بسيف الله هو: خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه، وبعد ذلك يرجع الجيش المسلم إلى المدينة، ويعرف المسلمون في المدينة المنورة أن كل كلمة قالها النبي صلى الله عليه وسلم كانت كلمة صدق وحق، عند ذلك قدر ماذا يكون إيمان الصحابة بهذا الرسول وبهذا الدين؟ لا شك أنه عظيم جداً، ونحن أيضاً نسمع فنصدق ونؤمن بذلك، لكن هم عاشوا إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغيب. وتأملوا أيضاً عندما يأتي رسولا عامل كسرى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيطلبان منه أن يذهب معهما إلى كسرى فارس، فيقول لهما النبي صلى الله عليه وسلم: (إن ربي قد قتل ربكما هذه الليلة)، والكلام هذا كان في ليلة الثلاثاء في العاشر من جمادى الأولى للسنة السابعة للهجرة، ومرت مرت الأيام وعينوا الليلة، وعُلِم فعلاً أن كسرى فارس كان قد قُتِل في تلك الليلة، فنحن نسمع في هذا الوقت عن ذلك الحدث، لكن الصحابة عاشوا فيه، وانتظروا الأيام تمر حتى عرفوا أن كسرى فارس قد قُتل تلك الليلة المحدودة، وهذا أمر يرفع الإيمان العظيم في قلوب الصحابة. والصحابة أيضاً شاهدوا المعجزات الحسية التي نسمع عنها في هذا الوقت، نعم القرآن أعظم معجزة بين أيدينا، لكن هم فوق ذلك شاهدوا مثلاً انشقاق القمر، وحُكي ذلك من روايات عدة، ففي البخاريوغيره عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: (انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار فرقتين: فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل، فقالوا: سحرنا محمد، فقالوا: إن كان سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم، فقالوا: انظروا السفار -يعني: الناس المسافرة التي تأتي من خارج مكة- فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق صلى الله عليه وسلم، وإن كانوا لم يروا مثل ما رأيتم فهو سحر سحركم به، فسألوا السفار وكانوا قد قدموا من كل جهة -يعني: أكثر من مكان- فقالوا: رأينا -أي: شاهدوا انشقاق القمر- فأنزل الله عز وجل: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1]) وأنا أريدك أن تتخيل نفسك وأنت عايش مع النبي صلى الله عليه وسلم في داخل مكة، وترى القمر ينشق إلى فرقتين، نصف على جبل ونصف آخر على جبل آخر، وهذا لا شك أنه يزرع إيماناً عجيباً وقوياً جداً في قلوب الصحابة. وشاهدوا أيضاً حنين جذع النخلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعند أحمد عنابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب إلى جذع، فلما صنع المنبر تحول إليه فحن الجذع -أي: صدر له صوت حنين وألم لفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم- فأتاه الرسول صلى الله عليه وسلم فاحتضنه فسكن، وقال صلى الله عليه وسلم: لو لم احتضنه لحن إلى يوم القيامة)، وفي رواية جابر بن عبد الله يقول: (حتى سمعه) أي: سمع حنين الجذع (أهل المسجد)، فتخيل نفسك وأنت جالس في المسجد وقد سمعت بأذنيك حنين جذع النخلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وشاهدوا كذلك البركة في الطعام والشراب والسلاح والصحة، وأمثلة كثيرة وعجيبة لا تحصى، ومن ذلك: موقف جابر بن عبد الله في الأحزاب، وذلك عندما رأى جابر بن عبد الله رضي الله عنه وأرضاه جوعاً شديداً برسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاه سراً ليأكل في بيته من طعام صنعه له، وكان قليلاً جداً، حتى أن جابر بن عبد الله سماه طعيم، قال: (يا رسول الله عندي طعيم، تعال أنت واثنين أو ثلاثة من أصحابك، قال جابر بن عبد الله : فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الخندق جميعاً -وتخيلوا أتى بكل أهل الخندق- فجاء من سمع النداء وكانوا قد تجاوزوا الألف -ألف شخص جاءوا إلى بيت جابر بن عبد الله - فأكلوا جمعياً من الطعام وشبعوا -وهذه قصة مشهورة- وبقيت بُرمة الطعام ملأى بما فيها، حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر زوجة جابر أن توزع على جيرانها)، فأنت تسمع هذه القصة في هذا الوقت والحمد لله مؤمن بها، لكن تخيل نفسك لو أنك من الناس الذين أكلت من يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ممسك أمامه ببرمة الطعام الصغيرة التي لا تكفي إلا لثلاثة أو أربعة، ومع ذلك يأكل منها ألف، ثم يوزع بعد ذلك على الجيران. وانظر إلى موقف قتادة بن النعمانرضي الله عنه وأرضاه في غزوة أحد عندما سقطت عينه على وجنته، فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحمل عينه على يده فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى مكانها، فكانت أحسن عينيه وأحدّهما، فتخيل نفسك قتادة بن النعمان أو تخيل نفسك من أصحاب قتادة الذين شاهدوا عينه تقع على وجنته، وشاهدوا عينه بعد ذلك وهي صحيحة في مكانها، فما قدر ما يكون الإيمان في قلبك؟ ومن هذا القبيل أحداث لا تحصى. وكذلك الصحابة قد رأوا بأعينهم صوراً يستحيل على غيرهم أن يراها، فمثلاً شاهدوا الملائكة في بدر، ففي صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: بينما رجل من المسلمين -وكان أنصارياً- يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، إذ نظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقياً -يعني: أن المشرك وقع من غير أن يصل إليه المسلم بشيء، فهو فقط سمع واحداً يقول: أقدم حيزوم، وفجأة وجد المشرك يسقط مستلقياً أمامه-، قال: فنظر إليه -أي: الرجل المسلم نظر إلى هذا الرجل المشرك الملقى على الأرض- فإذا هو قد حطم وشق وجهه كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث ذلك رسول صلى الله عليه وسلم فقال: (صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة) عند ذلك تخيل مدى إحساس هذا الصحابي الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه بمعايشة الملائكة له في أرض الموقعة وفي أرض القتال، وتخيل وهو يرى الرجل وقد وقع أمامه من غير ما يلمسه، يقول أبو داود المازني رضي الله عنه وأرضاه -وهو من المسلمين الذين شاركوا في بدر-: إني لأتبع رجلاً من المشركين لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنه قد قتله غيري. أي: أنه قد قتله ملك من الملائكة. والصحابة أيضاً كانوا يرون سيدنا جبريل عليه السلام عندما يأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة رجل، وبعد أن يخرج من عندهم يعرفون أن هذا الرجل الذي كان واقفاً وسطهم قبل قليل هو جبريل عليه السلام، الذي هو من أعظم الملائكة على الإطلاق. وانظر إلى القصة المشهورة عند الإمام مسلم عنعمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: (بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه) وصف دقيق، فهو قد رآه بعينيه، وعايش هذه التجربة، (وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟) ثم أخذ يسأله بعد ذلك عن الإيمان وعن الإحسان وعن الساعة وعن أمارتها، والرسول صلى الله عليه وسلم يجيبه، (ثم انطلق الرجل، فقال عمر : فلبثت ملياً -جلس يفكر في أمر هذا الرجل- ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمر ! أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)، وكان جبريل عليه السلام غالباً يأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على صورة أحد الصحابة الذين اشتهروا بالجمال كـدحية الكلبي رضي الله عنه وأرضاه، والصحابة كانوا يعرفون جبريل بمجرد أن يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أي صورة، والذين لم يحضروا الموقف بمجرد أن يخبرهم الرسول أنه أتى بصورة دحية الكلبي يتخيلون تماماً كيف جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنهم يعرفون دحية ، وهذا الموقف تكرر كثيراً مع الصحابة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتأملوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحدث المسلمين عن عمرو بن لحي ، هذا الرجل الذي جمع العرب على الأصنام، وأول واحد أدخل عبادة الأصنام إلى مكة بعد أن جاء بها من الشام، فيأتي الرسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي لهم عن عمرو بن لحي ثم قال صلى الله عليه وسلم: (وأشبه من رأيت به معبد بن أكثم) و معبد بن أكثم أحد الصحابة، والصحابي عندما يسمع هذه القصة يقعد فيتخيل شكل عمرو بن لحي على شكل معبد بن أكثم الذي كان يعيش بينهم، حتى أن سيدنا معبد بن أكثم -وهذا موقف لطيف- كان جالساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عند حديثه بهذا الكلام، (فقال: أي رسول الله يخشى على من شبهه؟) يعني: هل يضرني شيء أنني شبه هذا الرجل الذي أدخل الأصنام، قال: (لا ، فأنت مؤمن وهو كافر). بل أكثر من ذلك عندما يحدثهم النبي صلى الله عليه وسلم عن الدجال، هذه الفتنة العظيمة التي هي من علامات الساعة الكبرى، وتأمل الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يحكي للصحابة عن الدجال كما نقرأ ذلك في الأحاديث التي جاءت عن الدجال ووصفه، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام يضيف نقطة مهمة جداً، فهل نحن سنستفيد منها أم لا؟ لكن الصحابة كانوا يستفيدون منها، قال صلى الله عليه وسلم: (فإنه -أي: الدجال - أعور العين أجلى الجبهة)، أي: أنه في انحسار لمقدمة الرأس من الشعر، فهو نصف أصلع، (عريض النحر فيه دفأ) يعني: فيه انحناء في جسده، (كأنه قطن بن عبد العزى)، أو في رواية أخرى: (كأنه عبد العزى قطن)، وعبد العزى قطن أحد الصحابة الكرام، ثم قال هذا الصحابي: (يا رسول الله هل يضرني شبهه؟ قال: لا أنت امرؤ مسلم وهو امرؤ كافر) يعني: أن الصحابة عرفوا أن الدجال شبه عبد العزى قطن ، ونحن نتخيل شكل الدجال من الأحاديث التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم، بينما الصحابة يعرفون شكله دون تخيل؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم شبهه بأحد الصحابة الذين يعلمونه جميعاً، إذاً هذا أيضاً مما يزيد درجة الإيمان عند الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين



    تبشير النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة بالجنة

    رابعاً: أن الصحابة بشروا بالجنة بأسمائهم، فالواحد منهم كان يمشي على الأرض وهو يعلم علم اليقين أنه من أهل الجنة، فكيف يصبر على الحياة؟! وهذا ليس فقط في حق العشرة المبشرين بالجنة، أبو بكرو عمر و عثمان و علي و الزبير و طلحة و سعد و عبد الرحمن و أبو عبيدة و سعيد بن زيد ، بل كثير من صحابته صلى الله عليه وسلم بشروا بالجنة وهم أحياء، فمثلاً روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـبلال عند صلاة الفجر: (يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة) ودف نعليك، يعني: تحريك نعليك أو صوت نعليك في الجنة، قال بلال : ما عملت عملاً أرجى عندي من أني لم أتطهر طهوراً في ساعة ليل أو نهار -يعني: لم أتوضأ أي مرة- إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي، يعني: أن بلالاً كان يعيش في الدنيا وهو يعرف أنه من أهل الجنة، ولذلك من أجل هذا عند موته كانت زوجة بلال تبكي وتصرخ وتولول فقال لها: لماذا تبكين؟ غداً ألقى الأحبة محمداً وصحبه، وانظروا كيف حال بلال وهو مقبل على الموت! إنه إقبال بفرحة؛ لأنه على يقين أنه ذاهب إلى الجنة، فقد أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم. وهذا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه عندما رآه الصحابة وهو يصعد شجرة للإتيان بعود أراك أو تمر من نخلة على اختلاف في الروايات فضحك الصحابة من دقة ساقيه، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده، لهما أثقل في الميزان من أحد)، فتخيل عبد الله بن مسعود وكيف يكون حاله في الدنيا وهو عارف أنه أثقل في ميزان الله عز وجل من جبل أحد؟ وكذلك:الحسن و الحسين رضي الله عنهما، ففي الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة)، وأيضاً هنا: كيف تكون قيمة الدنيا في عين الحسن أو الحسين وقد علما أنهما سيدا شباب أهل الجنة؟ وأيضاً: السيدة خديجةرضي الله عنها، ففي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: (جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: اقرأ عليها السلام -أي: اقرأ على خديجة السلام- من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب -والقصب هو: اللؤلؤ- لا صخب فيه ولا نصب)، أي: لا ضوضاء ولا تعب في هذا البيت، فالسيدة خديجة تعرف أنها من أهل الجنة، وليس فقط ذلك، بل إن ربها قد أقرأها السلام، ومن جبريل أيضاً، وبشرها بقصر في الجنة من لؤلؤ لا صخب فيه ولا نصب، إذاً فكيف يمكن أن تكون متعلقة بالدنيا! وكيف يمكن ألا تخشع في الصلاة! وكيف يمكن ألا تجاهد بمالها! وكيف يمكن ألا تشتاق إلى جنات الرحمن! وأيضاً عندما تحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب قال له عكاشة بن محصن - عكاشة : بتشديد الكاف أو تخفيفها-: (ادع الله لي يا رسول الله أن يجعلني منهم، قال: اللهم اجعله منهم، فقام رجل آخر يطلب نفسه الطلب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبقك بها عكاشة)، لذلك نفهم كيف جاهد عكاشة حياته كلها، وجاهد كل حياته، وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد كلها، واستمر على ذلك بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استشهد في اليمامة في حرب المرتدين، وهو عارف أنه من أهل الجنة، فكيف يصبر على حياة الدنيا؟! وكل هذه التجارب نقلت الصحابة من المرتبة الإيمانية المسماة بعلم اليقين إلى المرتبة الإيمانية الأعلى المسماة بمرتبة عين اليقين: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ *لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوْنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ [التكاثر:5-7]، وعلى كل فالصحابة كانوا يرون كل شيء بأعينهم، حتى أمور الغيب رأوا كثيراً منها بأعينهم وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم.




    رؤية الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم وتعاملهم معه

    أولاً: أنهم قد رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعينهم، واجتمعوا به وتعاملوا معه وصلوا خلفه، واستمعوا لحديثه، وهذا أمر عظيم في حد ذاته، فالمؤمن منا بعد جيل رسول الله صلى الله وإلى جيلنا الآن، بل وإلى يوم القيامة إذا رأى رسول الله صلى الله في المنام اعتبر ذلك حدثاً عظيماً، وهو بالفعل كذلك، والرسول صلى الله عليه وسلم يهتم جداً بهذا الحدث، ففي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي)، وأعظم من ذلك ما رواه البخاري أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، ولا يتمثل الشيطان بي)، وفي رواية: (فكأنما رآني في اليقظة)، وهذا أمر جميل جداً، فما بالكم بمن كان يره بعينه وفي كل يوم وفي كل لحظة؟ وليس فقط في المنام بل في الحقيقة، وليس فقط ساعة أو ساعتين بل العمر كله. وتخيل معي هذا الأمر: فلو أن إنساناً وصف لك شخصاً آخر بأنه قد فعل فعلاً حميداً في فلان، فإنك تحبه بمجرد ذلك الإخبار والوصف عنه، ويزرع في قلبك حب هذا الشخص، فماذا لو كان الفعل معك أنت شخصياً؟! وأنا لا أقول لك: فلان عمل كذا وكذا مع فلان، بل أنت ذاتك مر عليك هذا الأمر، إذاً فكيف يكون حالك معه؟ فمثلاً: عندما تسمع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، فهذا أمر يزرع المحبة له في قلبك، فما بالك لو أنت ذاتك كنت الذي تأخذ منه، وأنت الذي كان يعطيك صلى الله عليه وسلم بنفسه؟! واسمع إلى قول عبد الله بن الحارث رضي الله عنه وأرضاه كما عند الترمذي : ما رأيت أحداً أكثر تبسماً من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذا الأمر عندما تعرفه تزرع محبته صلى الله عليه وسلم في قلبك، فما بالك أيضاً لو أنك أنت الذي يبتسم الرسول صلى الله عليه وسلم في وجهه، وأنت الذي ترى وجهه صلى الله عليه وسلم وهو يبتسم إليك؟! وعندما أقول لك: إن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يعود المرضى ويشهد الجنائز، فما بالك لو كنت أنت المريض الذي يعودك صلى الله عليه وسلم في بيتك؟! أو لك قريب مات فجاء صلى الله عليه سلم وشهد جنازة هذا القريب؟! فكيف تكون علاقتك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وكيف تكون درجة إيمانك به؟ وهذا غير النظر في وجه الرسول صلى الله عليه وسلم، أما مجرد النظر إليه فله تأثير خاص جداً، واسمعوا لكلام عبد الله بن سلام رضي الله عنه وأرضاه عند الترمذي وقال: صحيح، قال: (فلما استثبت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت أن وجهه هذا ليس بوجه كذاب)، يعني: مجرد رؤية وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم تترك في القلب أثراً لا ينسى، وغير رؤية خاتم النبوة مثلاً، فكثير من الصحابة قد رأوا بأعينهم خاتم النبوة بين كتفيه صلى الله عليه وسلم، ومنهم: سلمان الفارسي و عبد الله بن سرجس و عمرو بن أخطب وغيرهم كثير، فالذي رأى خاتم النبوة ترك في قلبه أثراً لم يتركه من سمع فقط عن خاتم النبوة.




    معايشة الصحابة الكرام للقرآن الكريم
    ثانياً: أنهم كانوا يعايشون القرآن، فنحن نقرأ القرآن ونسمع عن أسباب النزول، أما الصحابة فقد عاشوا أسباب النزول، ورأوا القرآن ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحوادث المختلفة، وهذا لا شك أنه يرفع من درجات إيمانهم إلى أكبر درجة يمكن أن تتخيلها، وتأمل وتخيل معي تلك المرأة التي جاءت تجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر زوجها الذي ظاهر منها، وتخيل تفاعل هذه المرأة مع الآيات التي نزلت في حقها شخصياً، وتخيل أنها تصلى بسورة المجادلة، أو تسمع سورة المجادلة، أو تقرأ سورة المجادلة: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا [المجادلة:1]، إنه من المؤكد أن تفاعلها مع كل كلمة مختلف تماماً عن تفاعل بقية المسلمين مع نفس الآيات، وتخيل أيضاً تفاعل زوجها أوس بن الصامت رضي الله عنه وأرضاه مع الآيات، وتخيل وهو يستمع إلى التحذير الإلهي: الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ [المجادلة:2]، وأكيد وهو يستمع إلى هذه الآيات غير أي واحد منا يستمع إليها، فهو عاش جوار هذه الآيات، وعايش الآيات حال حدوثها وحال نزولها، وتخيل تفاعل الجيران للسيدة خولة بنت ثعلبة رضي الله عنها وأرضاه وهم يقرءون صدر سورة المجادلة وهم يعلمون أنها نزلت في جارتهم هذه بعينها، وتخيل تفاعل المجتمع المسلم بكامله مع هذه الآيات، فقد ورد أن خولة بنت ثعلبة كانت تمشي في الطريق فقابلها عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه مع أناس كثيرين معه، فاستوقفته السيدة خولة بنت ثعلبة فوقف لها ودنا منها وأصغى إليها رأسه حتى قضت حاجتها وانصرفت، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين حبست رجالات قريش بسبب هذه العجوز -وهو لا يعرفها- فقال: ويحك، أتدري من هذه؟ قال: لا، قال: هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، هذه خولة بنت ثعلبة ، ووالله لو لم تنصرف حتى يأتي الليل ما انصرفت حتى تقضي حاجتها، فانظر تعظيمعمر بن الخطاب رضي الله عنه لأمر هذه السيدة لمجرد نزول هذه الآيات فيها، وضع هذا المفهوم على كل آيات القرآن الكريم، فكل آيات القرآن قد نزلت في حوادث معينة أو في ظروف معينة أو في وقت معين. وتخيل نفسك أيضاً وأنت تشارك في غزوة بدر، ثم تسمع سورة الأنفال بعد هذه المشاركة، من المؤكد أن إحساسك بالآيات سيكون مختلفاً تماماً عن إحساس عامة المسلمين الذين يقرءون سورة الأنفال، ويتخيلون مجرد ما حدث للمسلمين في بدر، لكن الصحابة لم يكونوا يتخيلون ذلك؛ لأنهم بالفعل قد عايشوا التجربة بكاملها، فعايشوا غزوة بدر من أولها إلى آخرها: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ [الأنفال:1]، فتذكر الصحابي للذي حصل عند تقسيم الأنفال أو عند المشادة التي حدثت بينهم بأمر الأنفال مختلف تماماً عن النصيحة بإصلاح ذات البين لمن لم يعش هذه التجربة بعينها: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ[الأنفال:7]، فالصحابي عندما يقرأ هذه الآيات يتذكر ويقول: نحن كنا نريد غير ذات الشوكة، كنا نريد القافلة، ولم نكن نريد الجيش، ومع ذلك أراد الله عز وجل أمراً آخر، فيعيش مع كل كلمة من كلمات الله عز وجل: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ [الأنفال:11] والنعاس قد نزل على بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر، وتكرر ذلك في غزوة أحد كما قال الله عز وجل: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا [آل عمران:154]، قال أبو طلحة الأنصاري : كنت ممن أصابه النعاس يوم أحد، ولقد سقط السيف من يدي مراراً وآخذه، ولقد نظرت إليهم يميدون وهم تحت الحجف، والحجف جمع حجفة، وهي: الترس أو الدرع، لذا فسيدناأبي طلحة الأنصاري عندما يقرأ هذه الآيات: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا [آل عمران:154]، ويكون هو من الناس الذين نزل عليهم النعاس في هذه الغزوة، فإنه يتفاعل مع ذلك تفاعلاً غير الناس الذين حوله، ويقول تعالى: وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا[الأنفال:44]، فهذه الآيات أنزلت في حق غزوة بدر، وانظر إلىعبد الله بن مسعود رضي الله عنه وهو يقول: وقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل إلى جواري: تراهم سبعين؟ فتخيل ألف مقاتل يراهم المسلمون سبعين مقاتلاً فقط، فـعبد الله بن مسعود يقول: أنا فعلاً كنت أشاهدهم سبعين، وأقول للذي بجواري: تراهم سبعين؟ قال: لا، بل هم مائة، وهو أكثر رقم كانوا يتخيلونه، حتى أخذنا منهم رجلاً فسألنه فقال: كنا ألفًا. وقس على ذلك تفاعل الصحابة مع الحديث القرآني وهو يتكلم عن أحد والأحزاب وحنين وتبوك وغيرها من المواقف والغزوات والأحداث التي مرت في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعايشهم معايشة كاملة لكل آية من آيات القرآن الكريم، وهذا يعطي بعدًا آخر لجيل الصحابة، هذا الجيل الفريد. وتعالوا لنرى مثالاً آخر لـعبد الله بن أم مكتومرضي الله عنه وأرضاه، هذا الصحابي الجليل الذي نزلت فيه صدر سورة عبس، وتخيلوا وهو يقرأ: عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى [عبس:1-3] إلى آخر الآيات، كيف يمكن أن يشرد ذهنه في الصلاة، وكيف يمكن ألا يخشع في القراءة؟! مستحيل، وتخيل الصحابي الذي يصلي إلى جواره في المسجد وهو يستمع إلى هذه الآيات، ويعلم أن المقصود منها فلان بن فلان الذي واقف بجواره في الصف. وتخيل حال أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه ودرجة إيمانه وقربه من الله عز وجل وهو يقرأ: وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى [الليل:17-21] ويعلم أن هذه الآيات نزلت فيه شخصياً، فكيف يكون إحساسه وهو يقرأ هذه الآيات؟! ويا ترى ما هو إحساس زيد بن حارثة رضي الله عنه وأرضاه وهو يقرأ: فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا [الأحزاب:37]، وهو يعلم أن الله عز وجل قد سماه باسمه؟ وتخيل إحساس السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها وأرضاها وهي تقرأ قوله: فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا [الأحزاب:37] أي: من السيدة زينب بنت جحش ، وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا [الأحزاب:37] أي: زوجناك السيدة زينب بنت جحش ، وقد كانت السيدة زينب تفخر على زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول لهن: زوجكن أهاليكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سماوات، وتخيل أيضاً معايشة السيدةزينب مع زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل نساء المسلمين أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن جالسات مع بعض، ويعرفن الآيات فمن أنزلت بالضبط وأحداث القصة بالتفصيل. إذاً: فالصحابة كانوا يعايشون القرآن تماماً، ويتفاعلون مع كل آية ومع كل كلمة، فينصتون إلى الخطاب الإلهي لهم بأذن تختلف كثيراً عن آذان غيرهم من المسلمين، وبقلوب تختلف كثيراً عن قلوب كثير من المسلمين.

    من أسباب رقي الصحابة: تصريح النبي بخيريتهم
    السبب الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صرح بأن هذا الجيل هو خير الأجيال على الإطلاق، فقد روى البخاري و مسلم عن عمران بن حصين رضي الله عنه وأرضاه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) فهذه شهادة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقضي الأمر بذلك، قال عمران : فلا أدري أقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قرنه مرتين أو ثلاثاً؟ يعني: هل قال: ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم مرتين أو ثلاث؟ لكن المهم أن خير الأجيال وخير الناس هو قرن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو جيل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى البخاري و مسلمأيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي، قالها مرتين، ثم قال: فوالذي نفسي بيده لو أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه)، وتخيل لو أنك تملك ذهباًَ كجبل أحد، ثم أنفقته كله في سبيل الله، فإن ذلك لا يساوي ما أنفقه الصحابي، وإن كان ما أنفقه كمقدار المد، أي: مد الكفين، وتخيل واحداً من الصحابة ينفق ملء الكفين فقط يساوي قدر جبل أحد من الإنفاق، لأن لهم أجر السبق في الإسلام، فهم الذين علمونا الإنفاق، وهم الذين علمونا الجهاد في سبيل الله، وكيف يمكن أن نقهر النفس ونصرف الأموال في سبيل الله عز وجل، وهذا يعطيهم الأجر العظيم والدرجة التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتصريح أنهم خير الناس وخير القرون وخير الأجيال. من كل ما سبق يتضح لنا أننا نتعامل في هذه المجموعة مع أرقى جيل في الوجود، مع الجيل الذي يصلح تماماً أن يتخذ قدوة كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: من كان مستناً فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة. يعني: نحن نرى أناساً كثيرين وعظماء يعيشون بيننا، لكن الله أعلم بمن سيثبت منهم على الحق، ومن فيهم الذي سيغير ويبدل، لكن الذي قد مات علمنا أنه قد مات على الحق وبالذات جيل الصحابة، ثم قال عبد الله بن مسعود : أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، كانوا أفضل هذه الأمة. ولا أحد يقول: إن هذا يزكي أو يُعظِّم نفسه، لا، فهو يذكر حقيقة لا بد أن يعلمها كل المسلمين، وإذا علموها استفادوا منها استفادة جمة؛ لذلك وجب عليه أن يذكر بهذا الأمر، وكتمان هذه الحقيقة كتمان لعلم مهم جداً، ألا وهو علم تقدير الصحابة وتعظيم الصحابة وتكريم هذا الجيل بأكمله؛ لأنهم جيل القدوة، ثم يقول عبد الله بن مسعود : أبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم. لذلك في هذه المجموعة سنجعل هدفنا إن شاء الله أن نتعلم كيف نكون مثل الصحابة؟ كيف أننا نريد أن نتعلم مثلهم؟ كيف أننا نكون مسلمين حق الإسلام؟ كيف نؤمن بالله عز وجل حق الإيمان؟ كيف نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم حق الحب؟ كيف نفهم هذا الدين حق الفهم؟ دراسة حياة الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم هي دراسة الإسلام، والسير في طريق الصحابة هو السير في طريق الجنة. نسأل الله عز وجل أن يلحقنا بهم في أعلى عليين، في صحبة نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم: فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [غافر:44]. وجزاكم الله خيراً كثيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ......



    الدكتور/راغب السرجاني

  2. #2

    مراقب سابق


    تاريخ التسجيل : Jul 2009
    رقم العضوية : 54901
    الجنس: ذكر
    المشاركات : 1,380
    التقييم : 117
    عبدالعزيز المالكي غير متواجد حالياً

    رد: %% سلسلة كن صحابيا .........%%

    سلسلة كن صحابياً الصحابة والدنيا
    الدنيا حلوة خضرة، وقد استخلفنا الله سبحانه فيها للابتلاء والامتحان، فالكيس من عمرها بما يقربه إلى مولاه، والعاجز من عمرها واغتر بشهواتها وملذاتها، وقد فقه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ذلك المعنى، فجعلوها مزرعة للآخرة، وقدّموا فيها صالح الأعمال ليوم القيامة، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
    نظرة الصحابة إلى الدنيا

    أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد. فمع الدرس السابع من مجموعة: كن صحابياً، ولا زلنا نبحث عن معالم طريق الصحابة رضي الله عنهم، وقد تحدثنا عن الإخلاص وعن العلم وعن العمل، واليوم سنتحدث عن مفهوم جديد حير كثيراً من الناس، فقد حيّر الفلاسفة وحيّر المفكرين وحيّر العلماء، ألا وهو الدنيا. فيا ترى ما هو مفهوم الصحابة للدنيا؟ وما هي نظرة الصحابة إلى الدنيا؟ في الحقيقة إن نظرة الصحابة إلى الدنيا كانت نظرة عجيبة جداً، فقد كانت نظرة متوازنة بشكل ملفت للنظر، فهم من جانب لا يُعطون لها قيمة تُذكر في حياتهم، فيتنازلون عنها بسهولة وببساطة شديدة، وكأنها لا تساوي درهماً، ومع ذلك هم من جانب آخر يعملون فيها بجد واجتهاد، فيزرعون ويتاجرون ويتكسّبون المال، ويعمّرون الأرض، فكان منهم الأغنياء الذين لا تُحصى أموالهم، والمُلّاك الذين تجاوزت أراضيهم مئات الأفدنة، فالدنيا في أعين الصحابة لم تكن غاية ولم تكن هدفاً، بل كانت وسيلة إلى إرضاء الله عز وجل، ومعبراً إلى الآخرة، ومن ثم كانت وسيلة إلى تنفيذ كل ما أمر الله عز وجل به، فالله عز وجل أمر بإعمار الدنيا، فليكن الإعمار، والله عز وجل أمر بكفالة الأسرة والزوجة والأولاد والآباء والأمهات، فليكن العمل في الدنيا لتحصيل المال لكفاية هؤلاء، والله عز وجل حض على الجهاد بالمال، فلا بد من وجود المال حتى يجاهد به، والله عز وجل حض على الوقوف في وجه الكافرين، فلا بد من العمل في الدنيا لإعداد العدة لمواجهة الكافرين. إذاً: فأنا أشتغل في الدنيا لإرضاء الله عز وجل، فأكسب المال لإرضاء الله، وأتزوج لإرضاء الله، وأخلّف لإرضاء الله، وأعمل كل شيء في الدنيا لإرضاء الله، ومن الممكن أن أكون من أغنى الناس في الدنيا، وفي نفس الوقت أرضي الله عز وجل بهذا المال، وفي نفس الوقت أيضاً لا يوجد عندي مانع أن أترك الدنيا بكاملها وأصبح أفقر واحد فيها إرضاء لله سبحانه وتعالى. إذاً: فهذه علاقة تفاعلية رائعة فقهها الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، ومعادلة صعبة جداً حققوها بسهولة ويسر، عندما ساروا على منهج الله عز وجل. إن الدنيا في حقيقتها لا تساوي عند الله شيئاً، ومن ثم فهي لا تساوي عند المؤمنين بالله شيئاً، فلا يجوز التصارع من أجلها، ولا يجوز التشاحن والبغضاء من أجل جزء منها ولو كان عظيماً في أعين الناس، وفي ذات الوقت لا يجوز اعتزالها وتركها وإهمالها، ولا يجوز التأخر فيها، ولا يجوز تركها غنيمة في أيدي أعداء الدين. إذاً: لنتأمل كيف فقه الصحابة هذا الفقه المستنير لحقيقة الدنيا؟ وكيف حققوا هذه المعادلة الصعبة، بل المستحيلة في أعين الكثيرين؟ إن هناك من الناس من يقول لك: إما دنيا وإما آخرة، ولا ينفع أن تعمل للدنيا والآخرة في نفس الوقت! وعليه فكيف تكون من طلاب الآخرة، وأنت تعمل في الدنيا وتكافح وتتزوج وتكسب وتفرح وتضحك!؟ إن الصحابة الكرام وصل إليهم هذا الفقه العميق والدقيق عن طريق معلمهم صلى الله عليه وسلم، ومعلم البشرية أجمعين صلى الله عليه وسلم، فوصل إليهم عن طريق كلماته وأفعاله صلى الله عليه وسلم، وعن طريق ما نقله عن رب العزة سبحانه وتعالى من آيات ومعجزات القرآن الكريم، فقد كانت حياته صلى الله عليه وسلم تطبيقاً حياً دقيقاً لكل كلمة قالها صلى الله عليه وسلم. ......

    حقيقة الدنيا

    ما هو حجم الدنيا الحقيقي؟ روى مسلم عن المستورد بن شداد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه - وأشار يحيى بن سعيد إلى السبابة - في اليم، فلينظر بم ترجع)، وانظر إلى ما ترجع به الإصبع. فهذا هو حجم الدنيا بالنسبة للآخرة، فالدنيا بأموالها وأملاكها وأرضها ومتعتها وزهرتها ما هي إلا قطرات في الآخرة، والدنيا بكل ما فيها من جنيهات ودولارات وريالات، وكل ما يتعلق به القلب لا تساوي إلا قطرات قليلة بالنسبة لليم إذا قورنت بالآخرة، هذا هو حجم الدنيا، فهل نحن نفهم الدنيا بالحجم هذا، أو أنا أعطيناها حجماً أكبر من هذا الحجم الطبيعي. وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مالي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال في ظل شجرة)، أي: أنه جلس في فترة القيلولة تحت ظل شجرة، ثم قال: (في يوم صائف، ثم راح وتركها)، فحياتك على الأرض كفترة القيلولة التي أخذتها تحت ظل شجرة في صحراء واسعة جداً مررت بجانبها في يوم من أيام حياتك، واليوم قد مضى وانتهى من زمان، فقارن عمرك في الأرض بالفترة التي سوف تعيشها في القبر بعد ذلك، وقارن كل هذا بالخلود في الآخرة، فهناك أناس في قبورهم منذ ألف سنة أو ألفين أو خمسة آلاف، وأنت مهما عشت فكم سوف تعيش؟ ما بين ستين سنة إلى مائة سنة، وبعد هذا العمر ما الذي سيحصل؟ تذهب وتترك هذه الدنيا، وعند البعث يوم القيامة كيف سيكون الوضع؟ لا يوجد موت آخر، وإنما خلود ولا موت، وعيشة إلى ما لا نهاية، إما جنة وإما نار، وأي شيء فيه ما لا نهاية فكم سيساوي؟ يقول علماء الرياضيات: يساوي صفراً، أي: أنه عندما تقول: حياتك على وجه الأرض كما لو كان أحد يأخذ قيلولة فقط تحت ظل شجرة في يوم من الأيام، فهذه مبالغة؛ لأن هذا كثير جداً، فأنت أقل من هذا، فهذه الفترة تساوي صفراً؛ لأنها تقاس إلى ما لا نهاية يوم القيامة. وروى مسلم عن جابر رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بالسوق، والناس كنفتيه أو كنفيه)، روايتان في ذلك، يعني: أن الناس يحيطون به، من هؤلاء الناس؟ إنهم الصحابة، هذا الجيل الذين نريد أن نقلدهم، فأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعلمهم درساً عملياً: (فمر صلى الله عليه وسلم بجدي أسك ميت)، أي: أن أذنيه صغيرتين، والجدي ذو الأذنين الصغيرتين يكون جَدياً معيباً، والناس لا تشتريه حتى وإن كان حياً فكيف إذا كان ميتاً؟ (فتناوله صلى الله عليه وسلم فأخذ بأذنه)، أي: أنه مسك بالأذن ليعرّف الصحابة بأن هذا الجدي فيه عيب، ثم قال صلى الله عليه وسلم: (أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟)، أي: من يشتري هذا الجدي الذي به عيب وهو ميت أيضاً بدرهم؟ اسأل نفسك نفس السؤال لتعرف ماذا كان رد الصحابة: أتريد أن تشتري جدياً ميتاً في الشارع سواء كان معيباً أو غير معيب بجنيه أو بنصف جنيه؟ (فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ ثم قال صلى الله عليه وسلم: أتحبون أنه لكم؟ -أي: بدون أي مقابل من المال- قالوا: والله لو كان حياً لكان عيباً فيه أنه أسك فكيف وهو ميت؟)، فهم ظنوا أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يعرف بالعيب، فأرادوا أن يوضحوا له الرؤية فقالوا له: إنه لو كان حياً فلن نأخذه، فما بالك وهو ميت؟ والرسول صلى الله عليه وسلم يعرف أن الجدي أسك وفي نفس الوقت ميت، فقال صلى الله عليه وسلم: (والله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم)، أي: أن الدنيا كلها أهون على الله من هذا الجدي المعيب الميت، فلماذا نحن نتصارع من أجل هذه الدنيا؟ ولماذا نخسر بعضنا من أجلها؟ ولماذا نظلم بعضنا من أجلها؟ ولماذا نجد أناساً يكافح مدة عمره فيظلم ويغش ويعصي من أجل أن يكسب كرسياً أو شقة أو وزارة أو ملكاً في هذه الدنيا؟ مع أن الدنيا كلها أرخص من جدي أسك ميت لا يساوي درهماً ولا أقل من درهم. أترون كيف كان المثل الذي ضربه الرسول صلى الله عليه وسلم للدنيا؟ فلماذا كل هذا الصراع على الدنيا؟ لأن الناس لم تفهم قيمة الدنيا، فهي مشغولة بالمظهر عن المخبر، ولا تعرف حقيقتها، ولم تعمل المقارنة بين الدنيا والآخرة، وذلك هو الجهل والحمق والغفلة، والمهم أن الناس ضائعة؛ لأنها لا تستطيع أن تفهم القيمة الحقيقية للدنيا، ولو فهمت فعلاً لم يكن هذا هو حالها أبداً. روى الترمذي عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء)، أي: أن الدنيا لا تعدل بعوضة كاملة، بل لا تعدل ولا تساوي جناح بعوضة، لكن نحن نرى الكفار يشربون ماء في الأرض، فلماذا أهل الأرض جميعاً يتقاتلون ويتصارعون من أجل جزء من جناح بعوضة؟ ولماذا كل أعمالنا للدنيا بينما أعمالنا للآخرة قليلة جداً؟ ولماذا نسهر للشغل وللفسحة وللتلفاز ولا نسهر لقيام الليل؟ ولماذا نذهب للعمل وللنادي وللزيارات الشخصية، ثم لا نجد الوقت للذهاب إلى المسجد، ونقول: لا يوجد عندنا وقت للصلاة في الجماعة؟ ولماذا نصرف في الأكل واللبس والمصيف والشاليه، ولا نصرف لفلسطين ولكشمير وللشيشان؟ لأننا لم نفهم حقيقة الدنيا، فالدنيا هذه دنيا وليست عليا، بل أقل من ذلك كما وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما علّمها لصحابته رضي الله عنهم أجمعين، يقول الله عز وجل في كتابه: إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ [يونس:24]، وصلت لأعلى قمة من القمم، ووصلت إلى أكبر درجة من الرقي، حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا [يونس:24]، وكل شيء بالريموت والليزر وعن طريق الأقمار الصناعية، فهم يظنون أنهم قادرون على الأرض، وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا [يونس:24]، فهي لحظة وليست يوماً أو يومين أو ثلاثة لتُهلك الأرض، وإنما هي كلمة (كن) إما في النهار أو في الليل، ثم ماذا يحصل؟ فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ [يونس:24]وانتهت الدنيا، فهذه كل الدنيا التي نعيش فيها من أولها إلى آخرها، وفي عمق الزمان وفي عمق المكان انتهت الدنيا، فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [يونس:24]. لذا لا بد أن نتفكر في حقيقة هذه الدنيا، وهذه الأمثلة كلها من أجل أن نتفكر في ذلك، ولا بد أن يكون مع التفكر عمل، وإن لم يكن هناك عمل فليس هناك معنى أن تقول لي: جميع الأحاديث التي قلتها أنا أعرفها من أولها إلى آخرها، لكن أين العمل؟ الرسول صلى الله عليه وسلم كان دائم التحذير من أمر الدنيا، وقد رأينا في الأمثلة التي مضت حجم الدنيا، وكان من المفروض أن الناس في ذلك الوقت قد عرفوا حجم الدنيا، وإن شاء الله لن يقعوا فيها، وهل من المعقول أن شخصاً ما يصرف وقته من أجل قطرة ويترك اليم؟ وهل من المعقول أن شخصاً ما يصرف وقته من أجل شجرة فقط ويترك كل الحديقة الواسعة؟ ليس من الممكن ذلك، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم مع أنه قد وضح لهم الحقيقة مرة ومرتين وثلاثاً في أحاديث كثيرة جداً، يكرر مرة أخرى ليحذرهم مرة ومرتين وثلاثاً وأربعاً وعشرة من أمر الدنيا. ......

    قصة قدوم أبي عبيدة بن الجراح من البحرين بالجزية

    تأملوا إلى هذه القصة اللطيفة التي رواها الإمام البخاري و مسلم عن عمرو بن عوف الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه يقول: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه إلى البحرين)، أي: ذهب إلى البحرين ليأتي بالجزية، والبحرين شرق الجزيرة، وليس المقصود بالبحرين مملكة البحرين حالياً. وكان يعيش هناك مجوس يدفعون الجزية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهبأبو عبيدة بن الجراح إلى هناك وأتى بالجزية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمعت الأنصار بقدومأبي عبيدة فوافت صلاة الصبح مع النبي صلى الله عليه وسلم، والمدينة المنورة لها ضواح كثيرة، وكل ضاحية فيها مسجد يصلي الناس فيه؛ لأن بيوتهم كانت بعيدة عن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي في وسط المدينة المنورة، فلم يكونوا يصلون الصبح والعشاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كانوا يصلونها في مساجدهم، ويأتون فقط في الأمور الجامعة، أي: أنه من الممكن أن يأتوا في صلاة الجمعة أو في صلاة العيد أو عندما يكون هناك استنفار لأمر ما، فهم في هذه المرة سمعوا بقدوم أبي عبيدة فوافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده في صلاة الصبح، فلما صلى بهم الفجر انصرف فتعرضوا له، أي: أنهم اعترضوا له في الطريق والرسول صلى الله عليه وسلم خارج من صلاة الصبح، وهو يرى أن هؤلاء الناس ليس من عادتهم أن يصلوا الصبح معه في مسجده، فلما رآهم النبي صلى الله عليه وسلم وعرف سبب مجيئهم تبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوههم وقال: (أظنكم قد سمعتم أن أبا عبيدة قد جاء بشيء؟ قالوا: أجل يا رسول الله! قال: فأبشروا وأملوا ما يسركم) أي: أنه سوف يعطيهم ما يشاءون، لكن في نفس الوقت سيعطيهم درساً تربوياً في غاية الأهمية، فهو صلى الله عليه وسلم يستغل الفرصة لذلك، ففي البداية ابتسم لهم وقال لهم: أبشروا وأملوا، ومن ثم أعطاهم الدرس فقال صلى الله عليه وسلم: (فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبسط عليكم الدنيا)، أي: أن الذي يخاف عليهم منه هو الدنيا، ولو بقوا فقراء فإنه لا يخاف عليهم، لكنه يخاف عليهم من المال، ويخاف عليهم من الدنيا، تجد الفقراء مستريحين، لكن الأغنياء غير مستريحين، فتراهم يتساءلون: بكم الدولار في هذا اليوم؟ لماذا الناس تطمع فيِّ؟ فلان هذا يريد أن يكون أفضل مني، فلان أمواله كثرت على أموالي، فكيف أن أنافسه؟ كيف أضربه في السوق؟ كيف أدفعه من أمامي؟ كيف أتملك وأسيطر؟ فالغني لا يستطيع النوم ولا الراحة؛ لأنه في قلق وحيرة وهم، والفقير ينام في الشارع وهو في منتهى الأمان، بينما الملك أو السلطان يحيط به الحراس الكثيرون من الجنود والكتائب ومع ذلك ينام وهو خائف، فهو يتلفت يميناً وشمالاً، يا ترى هل أحد سوف يعمل لي أي شيء؟ هل هناك من يدبر لي أي شيء؟ تجده في خوف وجزع وهم. فهذه هي الدنيا، وانظر إلى الفقير كيف هو فيها، وانظر إلى الغني كيف هو فيها أيضاً. إذاً: ما هي السعادة؟ وكيف يمكن أن يكون الشخص سعيداً وهو حيران كل هذه الحيرة، وقلق كل هذا القلق؟ (فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبسط عليكم الدنيا كما بُسطت على من كان قبلكم)، ما الذي سوف يحصل إن بسطت علينا الدنيا؟ تأمل هذا الكلام الحكيم، يقول: (فتنافسوها كما تنافسوها فتُهلككم كما أهلكتهم)، فنجد هنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم يخاف علينا من الدنيا، ولم يكن هذا التحذير مرة أو مرتين في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، بل كان كثيراً جداً؛ فقد كان كلما جلس مع الصحابة خوفهم من أمر الدنيا. ......

    تحذير النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه من الدنيا

    روى البخاري و مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وجلسنا حوله، فقال: إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يُفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها)، فلم يكن يخاف عليهم من فارس أو الروم، ولم يكن يخاف عليهم من المشركين أو اليهود؛ لأن هذه الأشياء يستطيعون أن يتصرفوا معها، وإنما الخوف عليهم هو من الدنيا. فانظر إلى نفسك في حياتك، فمن المؤكد أنها قد مرت بك ظروف أو مرت بك أمثلة في الدنيا، فرأيت شخصاً كان مريضاً وكان طائعاً لربنا سبحانه وتعالى، وعندما أغناه سبحانه وتعالى ما الذي وقع؟ كثير منهم ابتعدوا عن طريق الله عز وجل، ونحن نرى هذا كثيراً جداً، وربما يكون قد حصل معنا شخصياً، نسأل الله السلامة. وروى مسلم أيضاً عنأبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الدنيا حلوة خضرة)، أي: أن الدنيا حلوة، وشكلها أخضر كالنبات الجميل الزاهي، لكن هل هناك نبات مهما كان جماله يبقى على الدوام؟ مستحيل، فكل نبات مصيره إلى الفناء ومصيره إلى أن ييبس؛ وهكذا الدنيا حلوة خضرة وسوف تنتهي، ثم يقول: (وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون)، وانظر إلى هذا الفهم العميق، فالله عز وجل قد استخلفنا في هذه الدنيا وهو مراقب لنا في كل خطوة، وما الدنيا إلا اختبار وابتلاء وامتحان، وهذا هو الذي يجب ألا يغيب عن أذهاننا أبداً، فنحن في اختبار دائم، ونحن في اختبار مستمر، والدنيا عبارة عن استخلاف للابتلاء والاختبار، فكل حركة لك في الدنيا ينظر إليها الله، فهل أنت مشيت يميناً أم شمالاً، فلو قال لك: امش يميناً فمشيت فلك حسنة، ولو مشيت شمالاً عليك سيئة، وعُدَّ على هذا جميع خطوات حياتك، فالدنيا اختبار، ولهذا سيأتي في نفس الحديث القليل في كلماته والعميق جداً في معانيه، يقول: (فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء) قد يُفتن الإنسان أولاً بالمال أو بالمنصب أو بالسلطة أو بالصحة أو بالقوة.. أو بأي فتنة أخرى، ثم تأتي جميع الفتن عندما يقع في فتنة من هذه الفتن، نسأل الله السلامة. إذاً: مع أن الحديث قليل جداً في كلماته لكنه عميق جداً في المعنى الذي يوضحه، فالدنيا شكلها جميل ومبهر لكنها إلى زوال، والله سبحانه وتعالى جعلها هكذا جميلة في مظهرها الخارجي؛ لتكون اختباراً حقيقياً للناس، فاحذر يا مؤمن أن تنشغل بجمال الدنيا عن امتحانها، الغاية أنك تدخل الامتحان، وليست الغاية أن تنبهر بالجمال الموجود في الدنيا، والمثال يوضح ذلك: فلو أن طالباً دخل قاعة الامتحان، ثم وزعت بعد ذلك ورق الامتحان، فجلس مبهوراً بحلاوة شكل الورقة وطريقة طباعتها، ونوع المادة التي صنعت منها الورقة، ولون الطباعة والتخطيط الذي في الورقة، وبقي على هذه الحال ساعة وساعتين وثلاثاً حتى انتهى الوقت، ثم قال له شخص: انتهى الوقت ولا يوجد وقت إضافي، عند ذلك لا يستأخر ساعة ولا يستقدم، فما هو رأيكم في هذا الطالب؟ أنا لا أريد منكم استغرابكم من هذا الطالب؛ لأن كثيراً منا مثل هذا الطالب، وكثيراً منا من ينبهر بشكل الورقة وينسى الامتحان، وكثيراً منا من ينبهر بشكل الدنيا وينسى الامتحان، ثم يأتي في وقت ينتهي فيه الامتحان ولا يوجد هناك رجوع ولا يوجد وقت إضافي، وكذلك عندما تنتهي الدنيا تنتهي، سواء كانت هذه النهاية بنهايتك شخصياً أو بنهاية الأرض كلها، ولا يوجد أحد في هذه الأرض سيخلّف: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر:30]. وقال تعالى: أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ [الأنبياء:34] لا يمكن ذلك، فهذه الحقائق لا بد أن نعيها جيداً، والرسول صلى الله عليه وسلم قد اجتهد مرة ومرتين وثلاثاً وعشراً وعشرين على أن يعلمها الصحابة ويعلمنا بعد هذا، فانتبه يا مسلم! أن تنسى هذه الحقائق. وتأملوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يمشي خارج المدينة مع أبي ذر رضي الله عنه وأرضاه، فأخذا يمشيان حتى وصلوا إلى جبل أحد خارج المدينة، روى البخاري و مسلمعن أبي ذر رضي الله عنه قال: (كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرة المدينة، فاستقبلنا أحد، فقال: يا أبا ذر ! قلت: لبيك يا رسول الله، قال: يا أبا ذر أي جبل هذا؟ قلت: أحد، فقال: ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهباً تمضي عليّ ثلاثة أيام وعندي منه دينار، إلا شيئاً أرصده لدين)، يعني: امتلاك جبل من الذهب ليس من أسباب السعادة والسرور، لكن أنا أحتاجه فقط في حالتين: الحالة الأولى: (إلا شيئاً أرصده لدين)، والحالة الثانية: (إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا، عن يمينه وعن شماله ومن خلفه)، أي: أنه يوزع هذا الجبل على جميع عباد الله، فيجعل على اليمين ويجعل على الشمال ويجعل من وراء ظهره ولا يجعل أمامه؛ لأن الدنيا لم يجعلها أمامه مدة عمره، فهو يرمي في كل جهة ولا يأخذ شيئاً من الدنيا، أي: أنه لو لم يكن هناك إنفاق في سبيل الله على عباد الله، فإني أكره وجود المال، فأنا أحبه فقط لينفق في سبيل الله. يقول أبو ذر: (ثم مشى فقال: إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة)، أي: الأكثرين بالمال في الدنيا وفي الملك والسلطان هم الأقلون في الحسنات يوم القيامة، لكن لا يعني أن كل الأغنياء هالكون، لا، فهناك استثناء في الحديث: (إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا، عن يمينه وعن شماله ومن خلفه، ثم قال الرسول صلى الله عليه وسلم: وقليل ما هم)، أي: أنهم قليلون جداً؛ لأن هذه فتنة كبيرة حقاً، ولن ينجو منها إلا الذي يفهم حقيقة هذه الدنيا. إذاً: فالذي عنده مال يحاول أن يتصرف فيه بسرعة، فيحاول أن يسرع بالإنفاق في سبيل الله، ويحاول أن يتخلص من الدنيا بالطريقة التي يريدها الله سبحانه وتعالى، وأوجه الإنفاق في ذلك لا حصر لها ولا عدد، ولو أنك فعلاً مقدر قيمة الدنيا بالنسبة للآخرة لا يمكن أن تدّخر عندك شيئاً، فهذا أبو ذر يتعلم درساً في غاية الأهمية، ولهذا نستطيع أن نفهم زهد أبي ذر بعد ذلك، فهو قد أخذ هنا درساً خصوصياً، والحمد لله على أنه نقله لنا جميعاً؛ لنتعلم جميعاً من الرسول صلى الله عليه وسلم. ......

    حال النبي صلى الله عليه وسلم مع الدنيا

    لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم يحذر الناس من الدنيا ثم يتنعم هو بها، أبداً، فانظروا إلى الصحابة كيف كانت تصف حياة الرسول صلى الله عليه وسلم؟ روى مسلم و الترمذي و أحمد و ابن ماجه واللفظ لـابن ماجه عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتوي من الجوع ما يجد من الدقل -والدقل: رديء التمر- ما يملأ به بطنه)، فكيف من الممكن بعد هذا أن تَكْبُر الدنيا في عيني عمر بن الخطاب وفي عيون الصحابة، لكن تعال وقل ألف كلمة وألف خطاب وألف مقال عن الزهد من غير تطبيق، ليس من الممكن أن يكون لها أي قيمة، فالذي جعل لكلام الرسول صلى الله عليه وسلم قيمة كبيرة جداً أن حياته كانت مثالاً عملياً لكل كلمة يقولها صلى الله عليه وسلم. وروى الترمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير، فقام وقد أثّر في جنبه، فقلنا: يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء، فقال: ما لي وما للدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها)، أرأيتم ما الذي حصل بعد هذا؟ لقد تغيرت الدنيا على الرسول صلى الله عليه وسلم، ذاك الذي كان مُطارداً ومُشرّداً ولم يجد أحداً ينصره، لقد أصبح رئيس دولة، وأصبح مُمَكَّنٌ في الأرض، وأصبح عنده بيت مال، وتأتي له الغنائم والجزية من أماكن كثيرة جداً، فكل الدنيا قد تغيرت من حوله، لكن عليه الصلاة والسلام لم يتغير إلى أن مات، وتأمل عند موته ما الذي حصل؟ فقد روت السيدة عائشة ذلك فتقول: (توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما في بيتي من شيء يأكله ذو كبد)، يعني: أي خلق من إنسان أو حيوان، فهو يشمل جميع الخلق، (وما في بيتي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي)، أي: كل الذي كان عندي هو شطر شعير في رف لي، وأين ذلك؟ في بيت زعيم الأمة وقائد الدولة، ولا تستغربوا من ذلك فالرسول صلى الله عليه وسلم يعرف قيمة الدنيا، والذي يستغرب منه حقاً هو الذي يؤمن بالآخرة وحجمها ولم يعمل لها، وهو الذي يعمل أربعاً وعشرين ساعة في اليوم والليلة في الدنيا وهو يعلم أنها زائلة، وما أنفق في سبيل الله ساعة وهو يعلم أن الآخرة باقية!! هذا الذي بالفعل يستغرب منه، ولا يستغرب من واحد يعرف أن الدنيا كلها قطرات، ولهذا لم يأخذ منها شيئاً وتركها، فهو سائر عمره يركز على أمر الآخرة. ومع كل هذا الوصف لحياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أنه عليه الصلاة والسلام كان يعيش حياة متوازنة، فكان يعمل ويتكسب المال، وكان إذا أفاء الله عليهم بفيء كان له خمسه، والفيء: هي الغنيمة التي تأتي من غير قتال، وكان يتزوج النساء، وكان يُنجب الأطفال، وكان إذا حضر الطعام وفيه شاة أكل من كتفها، وكان إذا أُهديت له بردة من الصوف لبسها صلى الله عليه وسلم، ولم يكن يعتزل الناس أو يعتزل الحياة أو يعتزل الدنيا مع كل هذا الكلام عن الدنيا، وكان يجعل أصحابه على الولايات، وكان يعطيهم من الأموال، وكان يأمرهم بالعمل، وينهى صلى الله عليه وسلم عن الكسل والخمول والدعة فقد كان يعمل في الدنيا أي عمل مهما كان بسيطاً، روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لأن يأخذ أحدكم حبله ثم يغدو إلى الجبل فيحتطب فيبيع فيأكل ويتصدق خير له من أن يسأل الناس)، وفي راوية: (خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه) فانظر إلى هذا التوجيه النبوي، فلو عملت حمّالاً أو بيّاعاً للحطب فليس عيباً ولا حراماً، فهذا خير من أن تمد يديك إلى الناس، وتأمل إلى الجمال في التعليم النبوي: (فيحتطب فيبيع فيأكل ويتصدق)، فليس فقط يأكل، لكنه يأكل ويتصدق، فيُصبح له فضل على غيره، فبدلاً من أن تمد يديك إلى الناس اعمل وتصدق على الناس، ولا تقعد في البيت عاطلاً؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يشجع الناس على العمل، ومع كل هذا التخويف من أمر الدنيا إلا أنه يأمرك ألا تقعد في البيت من غير شغل. فهذا هو التوازن الذي كان يقصده الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته، وبهذه النظرة المتوازنة انطلق الصحابة في أرض الله عز وجل يعملون ويتكسبون، وينفقون على أنفسهم وأهليهم، ويتاجرون، ويزرعون، ويجاهدون في سبيل الله، ويُصيبون الغنائم، ويتولون المناصب والقيادات، ويخالطون الناس.. وغير ذلك، ومع ذلك لم تمثل لهم الدنيا شيئاً في أعينهم، فما أسهل بذلهم لها في سبيل الله، وما أيسر تنازلهم عنها لإخوانهم، حتى لمن لا يعرفون. ......
    نماذج من تعامل الصحابة مع الدنيا وقصة عزل خالد


    تعالوا لنعيش مع الصحابة في تعاملهم مع الدنيا، ونتعلم من الصحابة كيف كانوا يتعاملون مع الدنيا، وسنتحدث عن قصة سبق وأن تحدثنا عنها بالتفصيل في فتوح الشام، وأعطينا لها درساً كاملاً، إنها قصةخالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه عندما عزله عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أول توليه للخلافة، عزله وهو في قمة انتصاره الساحق على جيوش الإمبراطورية الرومانية الرهيبة، وكان ذلك بعد موقعة اليرموك التي انتصر فيها المسلمون بقيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه، فقد كان عدد الروم مائتي ألف رومي، وعدد المسلمين تسعة وثلاثين ألفاً. ولننظر إلى عظمة جميع المشاركين في هذا الحدث، وهو حدث عزل خالد بن الوليد رضي الله عنه، ورضي الله عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعين. ......

    موقف أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه من عزل خالد
    ننتقل إلى موقف أبي عبيدة بن الجراح الذي عُين قائداً بدلاً من خالد بن الوليد رضي الله عنه، ولنرى موقف الزعيم الجديد للشام، فقد أصبح رئيساً لقطاع كبير من الدولة الإسلامية، فهو أمير الشام وما أدراك ما الشام؟ إنها من أغنى الولايات الإسلامية في ذلك الوقت بعد أن فُتحت، فعندما جاءه خطاب التعيين، ما الذي عمله مع هذا الخطاب المهم جداً؟ هذا الخطاب الذي معظم سكان الأرض يتمنى سطراً واحداً منه، فإن الإنسان ليتمنى أن يكون أميراً على شركة صغيرة أو على قطاع أو مصلحة، لكن ماذا كان حال أمير الشام؟ لقد كانت المفاجأة من أبي عبيدة بن الجراح أنه أخفى خطاب العزل لـخالد بن الوليد، فهو لا يريد أن يكون زعيماً، ولم يُعلم خالد بن الوليد بذلك، ثم أتاه خطاباً آخر من عمر بن الخطاب. لأن عمر بن الخطاب كان يعلم أن أبا عبيدة سيأخذ الخطاب ويخبئه ويرفض الإمارة، لكنه رضي الله عنه خبأ الخطاب الثاني حتى انتهت المعركة بقيادة خالد، ووصل الخبر إلى خالد بن الوليد من طريق آخر، أي: أن هناك شخصاً آخر أخبر خالداً بعزل عمر بن الخطاب له، وهو لم يكن يعرف بعد أن أبا عبيدة تم تعيينه أميراً على الجيش، فذهب مسرعاً إلى أبي عبيدة ليلومه على ذلك، فقال أبو عبيدة لـخالد بن الوليد : وما سلطان الدنيا أريد، وما للدنيا أعمل، وما ترى سيصير إلى زوال وانقطاع. أي: ما ترى يا خالد من الملك والإمارة والسلطة سوف يذهب، وإنما نحن إخوان وقوام بأمر الله تعالى، سواء الحاكم والمحكوم، أو القائد والجندي، وما يضر الرجل أن يلي عليه أخوه في دينه لا دنياه، بل يعلم الوالي أنه يكاد أن يكون أدناهما إلى الفتنة. أي: فتنة الإمارة وفتنة الدنيا. ثم قال: وأوقعهما في الخطيئة، لما يعرض له من الهلكة، إلا من عصم الله عز وجل، وقليل ما هم. أي: أن القليل جداً من الأمراء الذين لا يقعون في الدنيا، فلماذا أطلب الإمارة إذا كانت خطرة على ديني، وسوف تصعّب عليّ امتحان الدنيا؟ مسكين فعلاً هذا الذي لا يفهم حقيقة الدنيا. ثم قام أبو عبيدة وخطب في جيش المسلمين يعظّم من أمرخالد فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (خالد سيف من سيوف الله، نعم فتى العشيرة)، فلا يظن ظان أن خالداً عُزل لنقص في دينه أو ضعف في رأيه، أبداً، فالرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه مدحه وسماه: سيف الله. انظروا إلى عظمة أبي عبيدة بن الجراح عندما يقول هذا الكلام في هذا الموضع، يعظّم من القائد الذي عُزل وهو قد جُعل في مكانه، وليس أن يذكر سيئاته السابقة وأنه كان يعمل كذا وكذا، بل يعظم من أمر خالد وغير مسرور لتولي الإمارة، لماذا كل هذا؟ لأنه يعرف قيمة الدنيا، ولو أنه لم يعرفها لكان فرحاً جداً بأنه قد أصبح أميراً على الشام.



    موقف عمر بعد عزله لخالد
    تعالوا لننظر إلى عظمة عمر بن الخطاب الذي عزل خالد بن الوليد ، قال عمر بن الخطاب : إني لم أعزلخالداً عن سخطة ولا عن خيانة، ولكن الناس فُتنوا به، فخشيت أن يوكلوا إليه ويُفتنوا به، فتأمل إلى فهم وتفكير عمر بن الخطاب ، فقد كانت فتوح الشام وسيلة لدخول الناس الجنة، لكن إن كانت هذه الوسيلة ستبعدنا عن الجنة فليس من الضروري فتحها؛ لأن القضية في حياة المسلمين ليست معركة أو موقفاً أو جيشاً، لا، وإنما القضية قضية دنيا وآخرة، فالناس قد فُتنت بـخالد رضي الله عنه، واعتقدت أن النصر من عنده وليس من عند الله عز وجل، فكلما كان خالد بن الوليد موجوداً ينتصرون، وإذا كان خالد بن الوليد في مكان آخر يُغلبون. إذاً: فالنصر جاء من عند خالد! وهذا الفهم في منتهى الخطورة على عقيدة الناس، ولأن سيدنا عمر بن الخطاب حريص على حياة الناس في الجنة وليس على حياتهم في الشام عزل خالد بن الوليد وهو في أشد الاحتياج إليه، فجيوش المسلمين موزعة بين فارس والروم، ونصر خالد نصر لـعمر بن الخطاب ، وكل الأراضي التي أدخلها خالد بن الوليد في ملك المسلمين، هي في ملك عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، فليست المشكلة أن الأراضي تزيد، ولا الانتصارات تتوالى، وإنما القضية قضية دنيا وآخرة، فيا ترى هل هؤلاء الناس الذين سيكسبون المعركة من أهل الجنة أم من أهل النار؟ هذه هي القضية التي شغلت عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، وليس عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي يعزل خالداً من أجل مشاكل شخصية أو خلافات قديمة، كما يقول بعض المستشرقين، أو بعض الناس التي فُتنت بمناهج المستشرقين، وليس عمر الذي يضحي بجيشه من أجل أشياء كانت بينه وبين خالد رضي الله عنه وأرضاه، ويُعلم أيضاً من سيرة عمر بن الخطاب أن الدنيا قد غيّرت في حياة كثير من الناس، لكنها لم تغير شيئاً في عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه. إذاً: فالقضية أن حسابات الدنيا في ذهن عمر لا تساوي شيئاً إلى جوار حسابات الآخرة، فنأخذ الجيوش ونفتح البلاد، ونأخذ الغنائم والسبايا، ونعيش في الدنيا، لكن ليس على حساب الآخرة أبداً، فأوقف عمرالفتوح في فارس سنة سبع عشرة للهجرة؛ لسبب عجيب، وأنا أعتقد أنه لم يتكرر في الأرض ولا مرة إلا في تلك المرة فقط، ألا وهو كثرة الغنائم، فقد فُتن الناس بالدنيا وتغيروا، فأوقف الفتوحات والانتصارات وحافظ على المسلمين من الدنيا؛ لأنه لم ينس كلمة الحبيب صلى الله عليه وسلم: (فاتقوا الدنيا)، فهو على حذر تام طيلة حياته من الدنيا، ولهذا عزل خالد بن الوليد لكي لا يُفتن الناس بالدنيا. فانظروا إلى هذا الفهم العميق الذي كان عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وانظروا إلى هذه التضحية العظيمة، فقد ضحى بعزل أكبر قائد من قواته وفي أحرج اللحظات، فهذا هو القائد الناجح، وهذا هو القائد المسلم الذي ينفع أن يكون قائداً في المسلمين.



    عظمة خالد بن الوليد رضي الله عنه وموقفه من عزل عمر له
    برزت عظمة خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه، هذا الرجل الذي كان في أعظم درجات الملك، وفي أعلى درجات التفوق والانتصار، فقد كان جيش المسلمين في الشام قبل أن يأتي خالد بن الوليد في أزمة خطيرة، ولم يستطع أن يحقق إلا نصراً يسيراً جداً، وظل شهوراً لا يستطيع أن ينتصر، بينما سيدنا خالدكان في العراق له انتصاراته الأولى والثانية والثالثة، ففكر سيدنا أبو بكر بنقل خالد من العراق لينقذ جيوش الشام، وعندما أتى خالد من العراق إلى الشام، وهو في طريقه إلى جيش الشام حقق خمسة انتصارات في الشام، وهذا قبل أن يقابل جيش الشام، وبعد أن قابل جيش الشام كانت موقعة اليرموك الخالدة، أي: أن سيدنا خالداً كان يعمل عملاً لا يستطيع أحد تصوره حتى الناس الذين يعيشون معه، سواء من الصحابة أو غيرهم، وهنا سيدنا أبو بكر يقول: أعجزت النساء أن يلدن مثل خالد؟ فانظروا إلى خالد وهو في قمة هذا الانتصار يعزل، فماذا كان ردة فعله؟ إن خالداً في كل هذا الطريق وفي كل هذه الانتصارات لم يقل كلمة (أنا) مرة واحدة، بل كان دائماً ينسب الأمر إلى الله عز وجل، وتأمل إلى هذا الموقف في موقعة اليرموك لأحد الجنود المسلمين، إذ يقول بعد أن نظر إلى أعداد الروم الهائلة: ما أكثر الروم وأقل المسلمين، فسمعه خالد بن الوليد فقال له في ثقة شديدة، ثقة الرجل الواثق من ربه سبحانه وتعالى: اصمت أيها الرجل، بل ما أقل الروم وما أكثر المسلمين، إنما تكثر الجنود بنصر الله عز وجل، وتقل الجنود بالخذلان لا بعدد الرجال، ووالله لوددت أن الأشقر -أي: فرسه- براء من توجعه وأنهم أُضعفوا في العدد. أي: وددت أن يكون فرسي سليماً والرومان أربعمائة ألف. فـخالد بن الوليد عندما أتاه قرار العزل سلّم الراية بدون تردد إلى أبي عبيدة بن الجراح ، وقال: ما عليّ أن أقاتل في سبيل الله قائداً أم جندياً. أي: ما دام أن ذلك كله في سبيل الله فلا فرق بين أن أكون قائداً أم جندياً؛ لأنه في النهاية كله في سبيل الله، والغاية هي إرضاء الله عز وجل، سواء أرضاه في كرسي الحاكم، أو في كرسي المحكوم، أو في كرسي القائد، أو في كرسي الجندي، ففي النهاية أنت ترضي الله عز وجل. ثم قام يخطب في الجيش ويقول: بعث عليكم أمين هذه الأمة، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح) ولم يقل: بماذا فُضِّل عليّ؟ ولم يقل: ما الذي فعله أبو عبيدة قبل أن آتي من العراق؟ ولم يخبر أنه قد ظُلم بهذا القرار، مع أن كل الجيش كان يحبه حباً لا يوصف، لكن لو كان قال هذا الكلام لأحدث فتنة، لكنه لا يريد ذلك، ولماذا الفتنة؟ من أجل الدنيا، هو يعرف قيمة الدنيا، فهي لا تساوي عنده شيئاً. فقد خاض رضي الله عنه معارك كثيرة جداً، حتى قيل: إنها قد تجاوزت المائة، وانتصر فيها جميعاً دون هزيمة واحدة، وغنم غنائم شتى، وربح أموالاً عظيمة، ولم يترك بعد موته إلا فرساً وسلاحاً وغلاماً فقط من كل هذه الدنيا، بل وأمر بإرسالها إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، وقال: اجعلوها عُدة في سبيل الله، لكن من يستطيع أن يحمل سيفه بعد موته؟ من يستطيع أن يركب خيله؟ أين ذهبت أمواله وغنائمه؟ لقد أنفقها جميعها في سبيل الله، فقد كان جواداً عظيم الجود، كريماً واسع الكرم، يُعطي عطاء من لا يخشى الفقر، ولا عجب فهو تلميذ نجيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ما هو أكثر ما تمتع به خالد بن الوليد رضي الله عنه في حياته؟ قال خالد بن الوليد : ما من ليلة يهدى إليّ فيها عروس أنا لها محب، أو أبشر فيها بغلام أحب إليَّ من ليلة شديدة البرد كثيرة الجليد، في سرية من المهاجرين، أصبّح فيها العدو. فهذه هي متعته في الدنيا، وليست السلطة ولا الإمارة ولا الأموال ولا النساء، بل الجهاد في سبيل الله، وليس أي جهاد، بل الجهاد الصعب الخطير في البرد والليل والجيش القليل والعدو الكثير، فهذا هو خالد بن الوليد وهذه متعته. وقال وهو على فراش الموت: لقد طلبت القتل في مظانه، فلم يقدر لي إلا أن أموت على فراشي، وما من عملي شيء أرجى عندي بعد التوحيد من ليلة بتها وأنا متترس، والسماء تهلني -أي: تمطر علي- ننتظر الصبح حتى نغير على الكفار. ثم قال كلمته المشهورة وهو يبكي: لقد لقيت كذا وكذا زحفاً، وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو رمية بسهم، وها أنا أموت حتف أنفي كما يموت العير، فلا نامت أعين الجبناء. فهذه حياة عظيمة خالدة، أتظنون أن ضرب السيوف أو رمي السهام لم يكن يؤلم خالد بن الوليد؟ بل كان يؤلمه، لكنه فقه حقيقة الدنيا، وعلم أنها أيام قليلة يقضيها ثم يموت، علم أن الله عز وجل إن كتب عليه ألماً فسيناله إن لم يحارب أصلاً، وإن كتب عليه موتاً واجهه وإن كان على فراشه، وإن كتب له نجاة سينجيه الله ولو من مائة معركة. كم عاش خالد بن الوليد في الإسلام؟ أربع عشرة سنة فقط، لكنها أعظم من آلاف الأعوام من أعمار الرجال الآخرين الذين ما فقهوا حقيقة الدنيا، وما فقهوا حقيقة الآخرة، وما فقهوا حقيقة الإسلام. وعندما مات خالد بن الوليد ارتفعت أصوات النساء تبكي بكاء شديداً في بيته وفي المدينة المنورة بكاملها، فقيل لـعمر بن الخطاب أرسل إليهن فانههن، أي: امنع النساء من هذا البكاء، فقال عمر: وما عليهن أن ينزفن من دموعهن على أبي سليمان ، أي: خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه، ثم قال عمر: على مثل أبي سليمان تبكي البواكي، قد ثلم في الإسلام ثلمة لا ترتق. أي: أن الإسلام قد جُرح جرحاً لا يلتئم، ثم قال عمر بن الخطاب : كان والله سداداً لنحور العدو، ميمون النقيبة. ورثته أمه بأبيات من الشعر قالت فيها: أنت خير من ألف ألف من الناس إذا ما كبت وجوه الرجال أشجاع فأنت أشجع من ليث غضنفر يذود عن أشبال أجواد فأنت أجود من سيل غامر يسيل بين الجبال وهذا جزء من قصيدة طويلة، وعندما سمعها عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه قال: من هذه؟ قالوا: أم خالد ، قال عمر : صدقت، والله إن كان لكذلك، أي: أنه كان خير من ألف ألف من الناس. فهذه هي الدنيا في منظور خالد وفي منظور عمر وفي منظور أبي عبيدة وفي منظور صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذاً: فأين الدنيا في عيون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لا قيمة لها، فيستوي عندهم أن يقودوا أو يُقادوا بغيرهم من المسلمين، وإذا قادوا لم يفتنوا بإمارة ولا سلطان، وإذا انقادوا لم يحسدوا قائداً ولم يرغبوا في القيادة، وإذا أتتهم الدنيا لم يفرحوا بها، وعلموا أنها ستأتيهم راغمة لو أرادها الله لهم، وإذا ولّت عنهم الدنيا لم يحزنوا عليها، وعلموا أنهم لا نصيب لهم فيها إن أرادها الله لغيرهم، وعلموا أنما الدنيا ما هي إلا معبر للآخرة، وعلموا أن الدنيا أرض مؤقتة يعيشون فيها فترة مؤقتة ثم يغادرون إلى دار لا زوال فيها ولا فناء، وعلموا أن درجاتهم في الدار الآخرة على قدر ما يحصدون في الدنيا من الأعمال الصالحة.. لذلك لم يضيعوا لحظة في سبيل الله، ولم يهتموا لحظة بزخرف الدنيا الزائل، بل نظروا رضي الله عنهم وأرضاهم إلى الدنيا بعين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالدنيا لا تعدل جناح بعوضة، الدنيا كجدي أسك ميت، الدنيا كشجرة في صحراء كبيرة، والفقر لا يُخشى منه، ولكن يخشى من زهرة الدنيا وزينتها، الدنيا اختبار والله ناظر ما نعمل فيها، والأكثرون هم المقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وشماله ومن خلفه، والتنافس على الدنيا مهلك. معان رسخت في عقول وقلوب ودماء وجوارح الصحابة، فما عادوا يتكلفون ذلك، بل أصبح ذلك لهم فطرة، وأصبح ذلك لهم طبيعة، فهذه طبيعتهم من بداية خطواتهم على الدنيا إلى أن ماتوا في الدنيا وهم على نفس النسق، فقد فهموا وهذا الفهم لم يذهب من أذهانهم، وفي ذات الوقت لم يعتزلوا الدنيا أبداً، وما تركوا الناس دون دعوة، وما تركوا الكفار دون جهاد، وما تركوا بيوتهم دون إنفاق، وما تركوا أنفسهم دون زواج، وما تركوا الأرض دون إصلاح وبناء وإعمار، لقد استخلفهم الله في الأرض واستعمرهم فيها، فقاموا بذلك حق القيام، ولم يصبهم في ذلك وهن ولا دخن. وبهذه النظرة المتوازنة سار الصحابة في طريق الدنيا المليء بالأشواك، لكنهم لم يجرحوا في دينهم، ولم يُصابوا في عقيدتهم، ولم يُنقصوا أبداً من أخلاقهم، لذلك وصل الصحابة إلى ما أرادوا أن يصلوا إليه، وصلوا إلى الجنة وإلى النعيم المقيم: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:100] فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [غافر:44]. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وجزاكم الله خيراً كثيراً. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


  3. #3

    مراقب سابق


    تاريخ التسجيل : Jul 2009
    رقم العضوية : 54901
    الجنس: ذكر
    المشاركات : 1,380
    التقييم : 117
    عبدالعزيز المالكي غير متواجد حالياً

    رد: %% سلسلة كن صحابيا ......%% أضخم سلسلة تكلمت عن الصحابة وأحوالهم "متجدده"

    الصحابة قبل الإسلام وبعده
    تعالوا لنرى نموذجاً لصحابي قبل الإسلام وبعده:

    مصعب بن عمير رضي الله عنه
    مصعب بن عمير رضي الله عنه، ذلك الشاب المترف، يعني: بلغة العصر الحديث: مدلع جداً، فقد كانت أمه غنية، وكانت تأتي له بملذات العيش من مكة ومن خارجها، وتعود على الترف المستورد، فالملابس من اليمن، والعطور من الشام، ولم يكن له هم في حياته إلا البحث عن اللذة المادية، وليس له أي تدخل بالذي يحصل حوله في الدنيا، وليس له في الدين أمر أو شأن، وكذلك في العلم والسياسة والحرب ليس له أي دخل، وليس له في مشاكل الناس أي دخل، فعاش حياة فارغة تماماً، وهذا كحال الشباب اليوم، فكثير من الشباب ليس له أي اهتمام إلا في لبسه وسيارته والنادي الذي يشترك فيه، والموبايل الذي يحمله، ما لونه؟ ما نوعه؟ ما رنته؟ هل فيه كاميرا أم لا؟ هل فيه ألوان أم لا؟ فتنقلب الدنيا حوله مائة مرة وهو لا يدري ما الأمر؟ لأنه مشغول ليل نهار: أغنية، فيلم، مباراة، قصة شعر، صحبة، سهرة، سيجارة، مجلة، ويخيل له أنه سعيد بذلك! وهذه قصة لواحد من هؤلاء الشباب، فقد أزعجني أسبوعين أو ثلاثة وهو يرن لي على الموبايل ويقفل، خمس أو ست مرات في اليوم، ويعتبر هذا نوعاً من المرح، وهو في الحقيقة خفة دم، ثم أخذته الحمية فأصبح يرن لي على الموبايل عشرين مرة في اليوم، بل وفي أوقات صعبة جداً، فقد أكون نائماً أو مشغولاً أو أقرأ شيئاً، ثم تطور معه الموضوع فصار يبعث رسائل: أنا أعرفك، ألست أنت الدكتور راغب ؟ هل عرفتني بعد أم لا؟ والحقيقة أنني فكرت أن أبلغ شرطة التلفونات، لكن لم أعمل ذلك؛ لأن هذا الشاب مسكين، فوقته ضائع، وفكره ضائع، وجهده ضائع، والمشكلة أن هذه الأشياء تسبب له نوعاً من السعادة، سعادة التافهين ولا حول ولا قوة إلا بالله. نعود مرة أخرى لـمصعب بن عمير الذي كان يعيش مثل هؤلاء، لكن لم يكن عنده موبايل، يعني: أنه كان يعيش كهؤلاء ثم ماذا حصل؟ حصل أنه أسلم لله عز وجل، أسلم بالمعنى الذي قلناه، ومن ثم حصل له نقلة هائلة في كيان وتكوين هذا الشخص، فتحول فجأة من الشاب المترف الناعم المدلع إلى شاب صلب قوي عملاق، صاحب تقوى وزهد وعلم وقوة وتضحية وفروسية، فحرمته أمه من كل الدنيا الحلوة التي كانت تأتي بها له، لكنَّ مصعباً ذاق معنى السعادة الحقيقية، وعرف أن السعادة الحقيقة ليست في لبس أو أكل أو عطر، وإنما السعادة الحقيقة في إحساسك أن لك قيمة، وأن لك هدفاً وغاية، وأنك تعرف ربك وتعرف كيف تعبده، وأنك تجاهد في سبيل الله، وأنك تهاجر في سبيل الله، وأنك تضحي في سبيل الله، فقد تغيرت مقاييس السعادة تماماً في حياة مصعب ، فقد هاجر إلى الحبشة الأولى والثانية، ثم ذهب إلى المدينة المنورة ليعلم أهلها الإسلام، وأصبحت سعادته الكبرى أن يرى رجلاً ينتقل من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، حتى وإن كان لا يعرف هذا الرجل من قبل، بل ولم يكتف مصعب بالهجرة إلى الحبشة وتعليم الناس في المدينة ودعوتهم إلى الإسلام، وبأن كان سبباً مباشراً في إسلام مدينة كاملة أصبحت عاصمة للإسلام والمسلمين، لم يكتف بأنه نقل الدعوة من مرحلة إلى مرحلة أخرى، لم يكتف بذلك كله، بل أراد أن يذوق من كل أنواع السعادة في الإسلام، فهو قد ذاق حلاوة العقيدة، وذاق حلاوة الإخوة، وذاق حلاوة الهجرة، وذاق حلاوة الدعوة، فهو يريد أن يذوق حلاوة الجهاد في سبيل الله، وهذه الأمور لها حلاوة لا يعرفها ولن يذوقها إلا الذي جربها، ولن نستطيع أن نصفها لك، فهي حلاوة فيها مشاق ومتاعب، لكن الذين يعملونها يستمتعون بها، بالإضافة إلى أنهم يتعاملون معها على أنها فرض من ربنا سبحانه وتعالى. ثم خرج مصعب يجاهد في سبيل الله، فخرج في بدر، ثم خرج في أحد، وانظروا إلى الشاب مصعب بن عمير الذي كان شاباً يعيش على هامش التاريخ قبل أن يسلم، وانظروا إليه في أحد وهو يحمل راية المسلمين، وانظروا إليه بعد أن أصبح إنساناً قد انتقل من اللاإنسانية إلى الإنسانية، مصعب بن عمير حامل لواء المسلمين في أحد قاتل بضراوة، وجاهد بإخلاص، وحارب بالثبات النادر، فقطعت يده اليمنى، فأمسك اللواء بيده اليسرى، فقطعت يده اليسرى، ثم سقط مصعب على الأرض، لكنه أمسك الراية بعضدية ولم يسمح لها أن تسقط، فلا يمكن أن تسقط راية الإسلام وما زالت به حياة، وأصبحت راية الإسلام هذه قضيةمصعب الكبرى، وخدمة الإسلام ونصرته، أصبحت أهداف وطموحات مصعب ، وإلى آخر نبضة قلب في حياته كان مصعب في سبيل الله، ومن أرض أحد إلى الجنة مباشرة، فقد استشهد رضي الله عنه وأرضاه وذهب إلى النعيم الحقيقي، لا النعيم الدنيوي، فكل هذا لا يساوي غمسة ولحظة واحدة في النعيم المقيم، ففي الجنة خلود ولا موت، فهذه هي حياة مصعب بن عمير ، فيا ترى هل تريد أن تعيش عيشته أيام اللبس والعطر والمتعة والفراغ وكل حياته السابقة للإسلام؟ أم تريد أن تعيش عيشة أيام الهجرة والدعوة والجهاد والتضحية والموت في سبيل الله؟ فـمصعب هو مصعب ، والذي اختلف فقط هو الإسلام لله، والذي غيره هو الكتاب والسنة، ونحن والحمد لله بين أيدينا الكتاب والسنة، فنحن الذين نقدر على التغيير.




    قبيلة غفار
    كل هذه الأمثلة والقصص التي ذكرناها هي لأفراد لامس الإيمان قلوبهم فتغيرت، لكن خذ قصة ومثالاً لقبيلة كاملة لامس الإيمان قلوب أفرادها، فحدثت في حياتها النقلة الهائلة، وليس أي قبيلة، بل قبيلة اشتهرت بالسرقة وقطع الطريق، يعني: أنهم كانوا مجموعة من اللصوص وأبعد الناس عن طريق الهدى والصلاح، قبيلة غفار، القبيلة التي منها الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري رضي الله عنه وأرضاه، هذا الصحابي الجليل الذي هو من أوائل من أسلم وعاد إلى قبيلته يدعوها إلى الإسلام، يدعوهم إلى ترك عبادة الأصنام، يدعوهم إلى أن يعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو، يدعوهم إلى ترك منهج الحياة الذي كانوا عليه تركاً كلياً، يدعوهم إلى أن يسلكوا منهجاً مغايراً تماماً، ومعنى ذلك: أنه يدعوهم إلى أن يغيروا كل شيء في حياتهم، وهذا ليس سهلاً، فبدلاً من أن يقطعوا الطريق على الناس يدعوهم إلى أن تكون رسالتهم في الحياة أن يحفظوا للناس دينهم وأموالهم وحياتهم، وبدلاً من أن يأخذوا من الناس أموالهم سيدعوهم إلى أن يعطوهم من زكاتهم وصدقاتهم، وبدلاً من أن يمتلكوا قلوب الناس بالسطو على الناس بالقوة والبطش والإجرام والظلم يدعوهم إلى امتلاك قلوب الناس بالرفق والدعوة والحلم والحب. فهذه معاني ما أتت في فكر قبيلة غفار قبل هذا نهائياً، وكان أمراً خطيراً على حياة أبي ذر أن يذهب ليغير منهج قبيلة كاملة، قبيلة اعتادت على قطع الطريق، ثم يقول لها: عيشوا حياة ثانية، ويصر على موقفه هذا، وتأملوا أيضاً في قبيلة غفار كيف أن مجموعة من اللصوص تعاونت على الشر والإثم ستغير حياتها كلها، وتنتقل إلى حياة أخرى نظيفة وجميلة وسعيدة بسعادة الإسلام لا بسعادة الدنيا، لا شك أن خطوة قبيلة غفار أصعب من كل خطواتنا، فلا يوجد أحد منا عنده هذه البداية الصعبة التي كانت عند قبيلة غفار، وأريدك أن تقف مع أبي ذر وهو واقف يفكر في كيف أنه سيكلم هؤلاء الناس، وسبحان الله فإن أبا ذر لم يثنه تاريخ القبيلة عن أن يتحدث معهم في أمر الإيمان، والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فآمنت وأسلمت قبيلة غفار كاملة، آمن اللصوص وقطاع الطريق، فانتقلوا بإيمانهم هذا من درجة قطاع الطريق إلى درجة الصحابة مرة واحدة، وكل هؤلاء صاروا صحابة وقبلها بلحظة واحدة كانوا كلهم قطاع طريق، وبعدها بلحظة واحدة صاروا مرة واحدة من الصحابة من أفضل أجيال الخلق، تماماً كالذي ينتقل من الأرض إلى السماء والفارق لحظة واحدة، لحظة صدق، فيا ترى كم واحداً منا كانت بدايته أسوأ من بداية قبيلة غفار؟ أعتقد أنه لا أحد، وحتى لو كان فينا واحد تاريخه كله سرقة واحتيال وإجرام لا يمكن أن يبتدئ بداية كبداية قبيلة غفار، وإنما يكفي أن يعزم على التوبة ويندم على ما فات، ويقرر أن لا يعود إلى المعصية، فتصبح صفحته نقية طاهرة بيضاء. وانظر إلى التعليق النبوي الرائع على إسلام قبيلة غفار، ففي البخاري و مسلم وغيرهما: عن عبد الله بن عمرو بن العاص و أبي هريرة و أبي ذر رضي الله عنهم جميعاً أنهم قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (غفار غفر الله لها)، أي: أن كل الذي فات قد محي، وانظر إلى أي حد الرسول صلى الله عليه وسلم يأتي لهم بمعنى لطيف جداً مناسباً لهم، ويمكن أن يقول أحدهم: تاريخي كله سرقة وقطع طريق وقتل ونهب وظلم، فهل هناك شيء اسمه التوبة؟ نعم، فهذه غفار شغلتها قطع الطريق فغفر الله لها بالتوبة والرجوع إليه، فيا ترى هل نريد أن نعيش حياة غفار قبل الإسلام، أم نريد أن نعيش حياة غفار بعد الإسلام؟ نحن الذي نختار ونقرر.




    عمر بن الخطاب رضي الله عنه
    عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه الذي يُعدُّ شخصية من أروع الشخصيات في تاريخ الإنسانية كلها، هذا الرجل الذي تجسدت فيه كل معاني الكمال البشري، ولا تستغربوا من كلمة: (الكمال)، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر أن كثيراً من الرجال قد كمل، ففي مسند الإمام أحمد و الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، عن أبي موسى الأشعري قال: (كمل من الرجال كثير)، بمعنى: أنه استكمل الفضائل التي يمكن أن تكون موجودة في الرجال، من عقيدة وتقوى وإخلاص وأمانة وعدل وقوة وتواضع وزهد وذكاء وقيادة، فقد كان شخصية متكاملة متوازنة، شخصية نادرة فعلاً، وأنا أريدك أن تستخدم كل وسائل التنقيب والتفتيش وتحاول أن تجد لنا واحداً مثله في أمة من الأمم، كأمريكا مثلاً، أو في أمم كاملة كأوروبا، أو في أمة كاملة كالصين أو اليابان أو روسيا، وعدِّد ما شئت من الأمم غيرها، فمستحيل والله أن تجد واحداً على عشرة منه، أو واحداً على مائة، أو واحداً على ألف من عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، وهذه والله ليست مبالغة، بل ووالله العظيم أن هذا أقل من الواقع بكثير، فـعمر بن الخطاب رضي الله عنه لو وزن بأمة الإسلام -ليس أمريكا ولا الصين ولا روسيا فقط- لرجحت كفته، إذا خلا منها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، فهو في كفة وبقية الأمة في كفة بما فيها عثمان و علي و طلحة و الزبير و حمزة و خالد و سعد وكل الصحابة من المهاجرين والأنصار، وكذلك الذين أتوا من بعدهم، كـالبخاري و مسلم و أبي حنيفة و مالك والشافعي و أحمد ، بل وعلماء الطب والهندسة والفلك والكيمياء، وكذلك بما فيها من المجاهدين والعلماء والدعاة والصالحين، فكل الأمة يرجح بهم عمر رضي الله عنه، وهذا ليس من كلامي، بل من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد جاء عنه بأكثر من رواية، منها: ما جاء في مسند الإمام أحمد بن حنبل عن أبي أمامة رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (وجيء بـعمر فوضع في كفة وجيء بجميع أمتي في كفة فوضعوا فرجح عمر)، إذا: فنحن نتكلم عن رجل أسطورة، وشخصية نادرة تماماً. وتعال لننظر ونتأمل من هو عمر بن الخطاب قبل إسلامه؟ وما هو تاريخ هذه الشخصية النادرة في تاريخ الأرض؟ وكيف كانت بداية هذا العملاق؟ يا ترى هل كانت بدايته كبدايتنا أم أصعب؟ عمر بن الخطاب جلس أكثر من نصف حياته يسجد للأصنام، ويقدم فروض العبادة والطاعة، فهو رضي الله عنه ولد بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة، يعني: أنه كان أصغر من الرسول صلى الله عليه وسلم بثلاث عشرة سنة، فقد كان عمره سبعة وعشرين سنة وقت البعثة، وأسلم بعد ست سنوات كاملة من الرسالة، ومعنى هذا أن عمره عند الإسلام كان ثلاثاً وثلاثين سنة في أصح الروايات، وفي رواية تقول: أن عمره عند الإسلام كان ستاً وعشرين سنة، ومات وعمره ثلاث وستون سنة تقريباً، يعني: أنه ثلاث وثلاثون قعد سنة في الكفر، وثلاثون سنة وهو مؤمن، وضمن سنوات الكفر ست سنوات كاملة وهو يعيش مع الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة، ومع ذلك يصر على كفره وإنكاره لوحدانية الله عز وجل، ويصر على عبادة الأصنام، فهذا هو عمر قبل أن يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولم يكن كافراً عادياً، بل كان من أشد الكفار غلظة على المسلمين، فقد كان يعذب جارية بني مؤمل -وبني مؤمل أحد فروع قبيلة عمر ، وقبيلة عمر هي بني عدي- من الصباح إلى المساء، ويتركها في الليل ليس رحمة بها ولكن يقول: والله ما تركتك إلا ملالة، أي: أنه تعب من تعذيبها، وهذا كان عقل عمر الذي رضي أن يسجد لصنم، فيطلبه ويرجوه ويخافه ويعتمد عليه، هو نفس العقل الذي كان بعد إسلامه، فعرف ربه كما لم يعرفه كثير من الخلق، وهو هذا العقل الذي صار يدير دولة كبيرة كسرت شوكتي فارس والروم اللتين ملكتا المشرق والمغرب، ما هو الذي حصل في عقل عمر ؟ لا إله إلا الله، محمد رسول الله خلقت إنساناً جديداً. وانظر إلى قلب عمر كيف كان يقبل أن يجلد بالسياط امرأة مسكينة ضعيفة، لا لشيء إلا لأنها آمنت بالله وحده، وما نقم منها إلا أنها آمنت بالله العزيز الحميد، وهذا هو قلب عمر نفسه بعد كلمة الإسلام، فقد تغير وصار يخاف خوفاً غير متخيل على كل مسلم في الأرض، سواء كان يعرفه أو لا يعرفه، فقد كان يقول لقواد جيشه: لا تدخلوا بجيش المسلمين في غيضة، يعني: لا تدخلوا الجيش في أي شيء فيه خطورة، فإن رجلاً من المسلمين أغلى عندي من مائة ألف دينار، ويقول هذا الكلام صادقاً من قلبه، فهو الحريص على هذه الدولة الشاسعة، وهو نفسه الذي كان يعذب المرأة التي آمنت بالله وبرسوله، وكان ذلك بزمن قصير قبل إسلامه. إذاً: فنقطة البداية عندنا لا شك أنها أفضل من نقطة بداية عمر رضي الله عنه وأرضاه، فنحن لم نسجد للأصنام نصف حياتنا، ولم نلهب بالسياط أجساد المؤمنات، بينما عمر قبل إسلامه كان حريصاً على صد أخته عن الإسلام، وتعرفون قصة إسلامه مع أخته، وبعد إسلامه كان حريصاً على إدخال أهل الأرض جميعاً إلى هذا الدين، حتى لو فقد حياته وماله ومنصبه وكل ما يملك، فتغير عمرتماماً، وهو الذي لم يكن عنده مانع في قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفض أن يقتل أبا لؤلؤة المجوسي العبد الذي كان يعيش في المدينة المنورة، وذلك عندما توعده بالقتل، لكن عمر أمير المؤمنين يرفض أن يقتله أو يحبسه؛ لأنه لم يكن عنده قرينة قوية ضده، فخشي أن يظلمه، وكانت النتيجة أن قُتِل عمرعلى يد هذا الخبيث، فكان ذلك عدلاً منه بين البشر، وهذا هو الكمال البشري الذي قصده الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث، عمر الذي كره الرسول صلى الله عليه وسلم كراهية حملته على الاستخفاف بكل العقبات التي سيواجهها من بني هاشم قبيلة النبي صلى الله عليه وسلم، والمشاكل الكبيرة التي ستحصل من جراء ذلك، بعد إسلامه أصبح يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من ماله وولده والناس أجمعين، بل وأكثر من نفسه التي بين جنبيه، فهذا هو عمر بعد الإسلام، وهذا هو عمر قبل الإسلام، والفرق بين العمرين لحظة واحدة، لحظة صدق واحدة، قرأ فيها ثمان آيات فقط من صدر سورة طه، ثم بعدها أسلم إسلاماً حقيقياً، فاغتسل ولبس ثوبه وشهد شهادة الحق وصلى ركعتين، ثم أصبح عمر العملاق الأسطورة الفاروق. إذاً: من بدايته أسهل نحن أم عمر ؟ لا شك أن بدايتنا أسهل، فنحن لم نحاول أن نقتل أحداً في حياتنا أصلاً فضلاً عن محاولة قتل رسول الله، أيضاً: عمر قرأ ثمان آيات فقط من صدر سورة طه فصار عمر بعد أن قرأها، بينما نحن بين يدينا الكتاب كله، فيا ترى هل يمكن أن نعمل مثل عمر رضي الله عنه؟ إن لحظة صدق واحدة يمكن أن نغير فيها من مجرى حياتنا كلها، وأنا أريدك أن تتخيل لو أن عمر بن الخطاب مات وهو عنده ثلاثون سنة مثلاً، يعني: قبل أن يسلم أهل الأرض، هل كان سيُسمع عنه؟ وأي خلود كان سيحقق؟ وإلى أي مجد كان سيصل؟ وماذا سيكون موقفه يوم القيامة؟ والآن راجع حياته في الجاهلية والإسلام وقارن بينها، بعد لحظة الصدق المجيدة، وبعد كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله، وبعد تعظيم الهدف، وفهم حقيقة العبودية، وفهم الغاية من الخلق، وفهم حقيقة أن الذي خلق لا بد أن يحكم، بعد كل هذا انظر إلى عمر ، فقد أصبح ملء سمع الدنيا وبصرها، وأصبح ملهم هذه الأمة، وأصبح مخوفاً لكل أعداء الله عز وجل حتى الشيطان، فكانت نقلة هائلة انتقلها عمر عندما قرر أن يسلم لله عز وجل. والقرار في أيدينا، إما أن نعيش على هامش الحياة بلا هدف ولا طموح، وإما أن ننال شرف الدنيا والآخرة، وعز الدنيا والآخرة، ومجد الدنيا والآخرة.




    عمرو بن الجموح رضي الله عنه
    وهذا عمرو بن الجموح رضي الله عنه وأرضاه الذي لم يُسمع عنه شيئاً قبل إسلامه، ولا أحد كان يعرفه في الجزيرة العربية، فعقليته كانت ساذجة وبسيطة ومحدودة جداً، لدرجة أنه قعد سنين طويلة يسجد لصنم من خشب عمله بيديه، لا أقول: عشرين أو أربعين سنة، بل أكثر من ستين سنة وهو يسجد لصنم صنعه بيده، فوهن العظم وخط الشيب في الرأس، وكان المفروض أن يزداد حكمة كما يقولون، لكن كان كبيراً جداً في السن ولا يوجد عقل، وكان يمكن أن يموت في أي لحظة ويغلق الستار على حياة تافهة لا تساوي شيئاً في ميزان الناس، بل ولا في ميزان التاريخ ولا في ميزان الله عز وجل، لكن الله سبحانه وتعالى أراد له الهداية، فآمن بعد الستين، وحدث انقلاب هائل في حياته، أو قل: حدث انعدال هائل في حياته، ففطرته عدلت، وعقله المظلم استنار، وطموحاته التافهة الفارغة عَظُمت. وهنا تأمل في عمرو بن الجموح كيف صار يفكر بعد الإسلام، وكيف أن عرجته الشديدة لم تمنعه من الجهاد في سبيل الله، وكان معذوراً في ذلك، فعندما تجهز المسلمون لغزوة أحد أصر عمرو بن الجموح أن يخرج مع المسلمين للجهاد، وحاول أبناؤه أن يمنعوه من الخروج، لكنه ذهب يشتكيهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقل: أنا معذور بنص القرآن الكريم: لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ [النور:61]، بل ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: (يا نبي الله إن أبنائي هؤلاء يريدون أن يحبسوني عن هذا الخير وهم يتذرعون بأني أعرج، والله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة)، فأنا لا أريد عرجتي هذه أن تمنعني من الجهاد ومن دخول الجنة، وانظروا إلى أي حد هو مشتاق إلى الجهاد، وانظروا إلى الأهداف العالية والطموحات السامية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبنائه: (دعوه لعل الله عز وجل يرزقه الشهادة)، وتأمل قوله: (يرزقه الشهادة)، أي: يرزقه الموت فالشهادة موت، لكنه موت في سبيل الله، فتأمل الهدف الذي صار عند عمرو بن الجموح ، والأمنية التي تمناها الرسول صلى الله عليه وسلم لـعمرو بن الجموح ثم رفع عمرو بن الجموح يده إلى السماء وقال: اللهم ارزقني الشهادة ولا تردني إلى أهلي خائباً. فالخيبة أن يعود إلى أهله سالماً، والغاية والأمنية والمطلب والفوز أن يموت في سبيل الله، فما الذي حصل في عقل وقلب وجوارح عمرو بن الجموح رضي الله عنه؟ وكيف تغير هذا التغيير الهائل؟ فقد قعد أكثر من ستين سنة في الكفر ولم يمض عليه في الإسلام غير ثلاث أو أربع سنوات، وكيف نما فكره وعقله بهذه الصورة؟! لقد صنع الإسلام عمرو بن الجموح وصيَّره إنساناً، فعرف طريق ربه عز وجل، وقبل هذا كان شخصاً آخر، لكن الآن أصبح عمرو يعيش حياة عظيمة، هي حياة الإنسان كما أراده الله عز وجل: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة:30]، فلا ينفع أن يكون خليفة الله عز وجل يعيش حياة الكفر والشرك واللعب والمعصية والتفاهة والفراغ، بل حياة الخليفة حياة جادة، وحياة الخليفة حياة الإنسان. وحقق الله لـعمرو بن الجموح ما تمناه، فمات شهيداً في هذه الغزوة، ولم يمنعه العرج من أن يقوم بشيء عجز عنه كثير من الأصحاء، فيا ترى من كانت نقطة بدايته أسهل نحن أم عمرو بن الجموح ؟ ويا ترى مَنْ منا مرت عليه ستون سنة في أفكار قديمة خاطئة لا يستطيع أن يغيرها الآن؟ ويا ترى من فينا رضي أن يسجد لخشب ستين سنة؟ ويا ترى من فينا شديد العرج ومع ذلك يشتاق إلى جهاد ونضال وشهادة؟ لا شك أن بدايتنا أسهل، ولكن نحتاج إلى لحظة صدق، ونحتاج إلى أن نقبل الإسلام بالمعنى الذي يريده الله عز وجل، لا المعنى الذي تريده أهواؤنا وشهواتنا ورغباتنا، ونعمل كسيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام: إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [البقرة:131]، فتسليم كامل مطلق، فكل حياتنا لله عز وجل وحده، وهذا هو الشيء الذي كان عند الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

  4. #4

    مراقب سابق


    تاريخ التسجيل : Jul 2009
    رقم العضوية : 54901
    الجنس: ذكر
    المشاركات : 1,380
    التقييم : 117
    عبدالعزيز المالكي غير متواجد حالياً

    رد: %% سلسلة كن صحابيا ......%% أضخم سلسلة تكلمت عن الصحابة وأحوالهم "متجدده"

    سلسلة كن صحابياً الصحابة والإخلاص
    الإخلاص سر بين العبد وربه، لا يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وهو أساس قبول الأعمال عند الله عز وجل، فمن أخلص فقد نجا، ومن أشرك فقد هوى، وقد وردت نصوص كثيرة ترغب فيه وتحذر من الشرك، وهو معنى من المعاني العظيمة التي قام بها الصحابة في حياتهم، لأنهم علموا أنه الطريق الموصل إلى الله عز وجل.
    أول الطريق الإخلاص

    أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فهذه هي الحلقة الرابعة من مجموعة: كن صحابياً، وقد تحدثنا في الدروس الثلاثة السابقة عن جيل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فتحدثنا في الدرس الأول عن صفة هذا الجيل العظيم، حيث أنه خير الناس وخير القرون، وتحدثنا أيضاً عن هذا الجيل الذي رأى النبي صلى الله عليه وسلم وعاش معه وتحدث إليه وتعلم منه مباشرة، ثم نقل الرسالة بأمانة إلى من بعده بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما زلنا إلى اليوم ننعم بنقل الصحابة لهذا الدين إلينا. كما تحدثنا في الدرس الثاني عن موضوع بعنوان: (القابضون على الجمر)، فتحدثنا فيه عن إمكانية تقليد جيل الصحابة، لأن بعض الناس تُحبط من تقليد جيل الصحابة؛ لأنه جيل عال جداً! ونحن نقول: إن هذا الجيل جيل قدوة، فنستطيع أن نقلده، نعم الذي يقلده ويعمل بسيرته فكأنه قابض على الجمر، لكنه في المقابل كما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ مثل أجر خمسين من صحابته صلى الله عليه وسلم. وفي الدرس الثالث تحدثنا عن صناعة الإنسان في الإسلام، وكيف كان الصحابي يتحول من إنسان ليس له أي طموح في الدنيا غير الملذات الشخصية وغير حياته الخاصة إلى إنسان يحمل هم هذا الدين على عاتقه، ويحمل هذه الدعوة إلى ربوع الأرض، وتحدثنا أيضاً عن أمثلة للصحابة الكرام وكيف أسلموا، وكيف انتقلوا من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام، وذكرنا أن بدايات الصحابة كانت صعبة، بل هي أصعب من بداياتنا ولا شك، لأن الصحابة كانوا يعبدون إلهاً غير الله عز وجل، ونحن بحمد الله ولدنا مسلمين، فالأب والأم عند الصحابة كانوا من الكفار، ونحن والحمد لله الآباء والأمهات من المسلمين المؤمنين، وانتقال الصحابة من الكفر إلى الإيمان اختبار صعب جداً، ونحن والحمد لله لم نتعرض إلى هذا الاختبار الصعب، فانتقالنا من عدم الالتزام بهذا الدين إلى الالتزام به لا شك أنه أسهل من انتقال الصحابة مما كانوا عليه إلى ما وصلوا إليه. ونحن في هذه المجموعة من المحاضرات ومنها هذه المحاضرة إن شاء الله سوف نأخذ في كل محاضرة بصفة من صفات الصحابة، أو معنى من المعاني التي مارسها الصحابة في حياتهم، وننظر كيف كانوا يفهمونه؟ وكيف تحركوا بهذا المعنى في حياتهم؟ وهو هذا الطريق الذي مشى فيه الصحابة ووصلوا فيه إلى ما وصلوا إليه من نعيم الله عز وجل في الآخرة كما قال الله عز وجل: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )[التوبة:100]. إذاً لا بد أن نكون في هذه الدروس عمليين، فنريد أن نعرف كيف من الممكن أن نقلد جيل الصحابة، وكيف من الممكن أن نمشي في نفس الطريق الذي مشوا فيه؟ وفي هذه المحاضرة سنحاول أن نضع أيدينا على أول الطريق الذي سار فيه الصحابة، وسنتحدث عن أهم صفة من صفات الصحابة، وهو شيء مهم جداً كان يميز جيل الصحابة، وأنا أعتبر هذا الشيء هو أهم شيء في حياة الصحابة مطلقاً، إذ لا يمكن أن يكون هناك مؤمن بغير هذا الشيء وبغير هذه الصفة، بل ولا يمكن أن يُقبل عمل بغير هذه الصفة، إذ أن هذه الصفة صفة خطيرة، هذه الصفة هي: صفة الإخلاص لله عز وجل، وأنا أعرف أن كل واحد منا سوف يقول: أنا مخلص، أو يعتقد اعتقاداً جازماً أنه مخلص تمام الإخلاص، لكن كيف كان مفهوم الصحابة عن الإخلاص؟ وكيف استوعب الصحابة هذه الصفة؟ وكيف مارسوا هذه الصفة في حياتهم؟ وقبل أن أبدأ في وصف فهم الصحابة لصفة الإخلاص، أحب أن أذكر أن هذا الدرس من أهم الدروس وأخطرها في حياة المسلم، ولهذا نريد أن نركز ونفهم كل كلمة في الدرس؛ لأن الذي سيسقط في امتحان الإخلاص سوف يسقط في النار، والذي سينجح فيه سيدخل الجنة إن شاء تعالى. ......

    بعض النصوص المحذرة من الشرك

    تأمل في قول الله تبارك وتعالى وهو يتحدث عن قضية الإخلاص فيقول: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ )[الزمر:65]، يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم، (وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ )[الزمر:65] أي: بقية الأنبياء، (لَئِنْ أَشْرَكْتَ )[الزمر:65] أي: في حالة عدم وجود الإخلاص، (لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ )[الزمر:65] فالقضية خطيرة جداً، ولذلك وجِّه الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، ومستحيل أن النبي صلى الله عليه وسلم سيشرك بالله عز وجل، لكن هذا لتعظيم الجرم، ولتقبيح الفعل، والشرك هو عكس الإخلاص، والذي يُشرك بالله عز وجل ما أخلص لله عز وجل، والإخلاص أن يكون العمل خالصاً من كل شائبة، والشوائب: هي الشركاء، فلو أنك أشركت مع الله عز وجل آخر بنسبة (25%) مثلاً، فهل تظن أنك ستأخذ (75%) من الأجر ويذهب عنك (25%)، أم أنه سيُحبط العمل جميعه بسبب نسبة بسيطة من الإشراك؟ هنا يقول الله عز وجل: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ )[الزمر:65]، وننتقل إلى الحديث الذي يفسّر هذا الموضوع، فقد روى الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) أي: أنه يذهب العمل كله. وحديث آخر يوضح هذا المعنى بصورة أكبر: فقد روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: (أن أعرابياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله الرجل يقاتل للمغنم) أي: من أجل الغنيمة، (والرجل يُقاتل للذكر) أي: ليشتهر أمره بين الناس، (والرجل يُقاتل ليُرى مكانه)، أي: ليقال أنه شجاع، (فمن قاتل في سبيل الله؟) أي: أن الأعرابي يسأل الرسول عليه الصلاة والسلام عن هؤلاء الثلاثة، هل هم من المقاتلين في سبيل الله أم لا؟ فأعرض الرسول صلى الله عليه وسلم عن جميع هؤلاء الثلاثة، حتى أنه لم يناقش هذه القضية، ثم قال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) سواء هؤلاء الثلاثة السابقين أو غيرهم، فكل هذا ليس في ميزان الله عز وجل وليس في سبيله، وكل هذا إشراك وليس من الإخلاص لله عز وجل، وشيء واحد فقط هو الذي يجعله في سبيل الله، ألا وهو: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، والمغنم ليس حراماً، بل إن الله عز وجل شرع في كتابه أن الغنيمة توزع أربعة أخماسها على الجيش، والذكر للخير ليس حراماً، وصفة الشجاعة ليست حراماً، لكن هذا للعبد وهذا للنفس، هذا حظ النفس وليس لله عز وجل، أي: أنك تُقاتل من أجل هذه الأشياء لنفسك وستأخذها في الدنيا، فلا يُحسب عند الله عز وجل، لكن الذي يُقاتل ليرفع كلمة الله عز وجل في الأرض فهو المقاتل في سبيل الله. وهناك حديث آخر وهو أخطر من الحديث السابق، يوضح المعنى بشكل أوضح وأكبر: روى النسائي بإسناد جيد عن أبي أمامة رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر) فهو خرج في سبيل الله عز وجل يريد الأجر منه، لكن إلى جانب هذا الخروج هو يلتمس الذكر أيضاً، أي: لأجل أن يذكروه ويقولوا: فلان قد قاتل وحارب وانتصر وما إلى ذلك من صفات المجاهدين، فهو يريد شيئين: يريد الأجر، ويريد الذكر، ثم قال: (ما له؟) أي: أن الرجل يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم عما لهذا الرجل من الأجر، أي: ما مقدار أجره عند الله عز وجل، فقال صلى الله عليه وسلم كلمة في منتهى الخطورة: (لا شيء)، أي: أنه ليس له من الأجر شيء، فأعادها الرجل مستغرباً على النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثاً: (ما له يا رسول الله؟ ثلاثاً، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يرد عليه في كل مرة: لا شيء، لا شيء) ثم قال صلى الله عليه وسلم ليوضح له الصورة: (إن الله لا يقبل إلا ما كان خالصاً وابتغي به وجهه). كذلك حديث آخر من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وفيه معنى عميق جداً، وأعتقد أننا قد ذكرنا هذا الحديث وتحدثنا عنه في موضوع: (كيفية حفظ القرآن الكريم)، لكن: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ )الذاريات:55] فلا بأس بأن نعيده مرة أخرى. روى مسلم و النسائي و أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أول الناس يُقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد) أي: أول رجل يحكم الله عليه يوم القيامة: رجل استشهد (فأُتي به فعرّفه نعمه فعرفها) أي: أنه يقول له: أعطيتك كذا وكذا من النعم العظيمة والكثيرة التي لا تُحصى، ثم يقول الله عز وجل له: (ما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استُشهدت) أي: أن أرفع الأعمال عند الله عز وجل وذروة سنام الإسلام الجهاد في سبيل الله، (قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل) فهذا الرجل كان يُقاتل للذكر، وكان يقاتل من أجل أن يشتهر بين الناس بأنه مقاتل جريء وشجاع، وقوله: (فقد قيل)، أي: أن الناس قد قالت الذي أردت، (ثم أُمر به فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النار) فهذا أولهم. الرجل الثاني الذي يُقضى عليه يوم القيامة: (ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأُتي به فعرفه نعمه فعرفها، فقال: ما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت القرآن فيك، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليُقال عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ فقد قيل)، أي: أنك لم تكن تعمل لله سبحانه وتعالى، بل كنت تعمل للناس حتى تقول عنك أنك عالم وقارئ، وقد قالت الناس عنك هذا، (ثم أُمر به فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النار). والرجل الثالث: (ورجل وسّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال فأُتي به فعرّفه نعمه فعرفها، فقال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تُحب أن ينفق فيه إلا أنفقت فيها لك، فقال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد فقد قيل، ثم أُمر به فسُحب على وجهه ثم أُلقي في النار). ولذا لا بد أن نقف وقفة مع هذا الحديث الخطير، لأنه كان من الممكن أن الله سبحانه وتعالى يسعّر جهنم أول ما تُسعّر بزان أو قاتل أو مرتكب لكبيرة من الكبائر، أو لمعصية عظيمة من المعاصي! لكن الله سبحانه وتعالى أراد أن يسعّرها أولاً بهؤلاء، لإثبات أن عملهم الذي أشركوا فيه غير الله عز وجل قد أُحبط تماماً، وكأنهم لم يعملوا، وكل هذا من أجل تعظيم قدر الإخلاص لله عز وجل، ولذلك فإن الصحابة قد فهموا هذه النقطة جيداً؛ ولهذا عاشوا حياتهم كلها لله عز وجل، وعاشوا حياتهم بكاملها مخلصين لله عز وجل. وعليه فعندما نعرف هذه الآيات والأحاديث، ونعرف فهم الصحابة لهذه الآيات والأحاديث نستطيع أن نفهم مواقف غريبة جداً في حياة الصحابة. ......

    مواقف من الإخلاص في حياة الصحابة

    ......
    الموقف الأول
    الموقف الأول: روى النسائي عن شداد بن الهاد رضي الله عنه أنه قال: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه)، وهو رجل من الأعراب، (ثم قال: أُهاجر معك)، وهنا نتعلم الإخلاص من هذا الأعرابي البسيط الذي أسلم قريباً، من هذا الرجل الذي أصبح صحابياً وحقق شروط الصحابي كما ذكرناها، وقد قلنا: إن الصحابي هو الرجل الذي آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته ورآه أو اجتمع به ومات على هذا الإيمان، وهذا الصحابي رضي الله عنه عند إسلامه أوصى به الرسول صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه ليعلموه الدين فعلّموه، ثم جاءت غزوة مباشرة بعد هذا التعليم البسيط لأمور الدين، وغنم النبي صلى الله عليه وسلم سبياً -هو النساء- فقسمه بين أصحابه، وجعل لهذا الصحابي قسماً، وقال لأصحابه: عندما يأتي هذا الرجل أعطوا له قسمه، ثم جاء الرجل فدفعوه إليه، فقال: ما هذا؟ فقالوا: قسم قسمه لك النبي صلى الله عليه وسلم. والرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي يقسم، أي: أن هذا حلال خالص، وأيضاً هناك ميل فطري لهذا السبي، ومع ذلك لنتأمل ما كان رد هذا الصحابي الأعرابي البسيط الذي أسلم منذ أيام قليلة؟ فأخذه وجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (ما هذا؟)، قد يظن من يقرأ هذا الحديث أنه مستقل لهذا العطاء، (قال الرسول صلى الله عليه وسلم: قسمته لك، قال: ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أن أُرمى إلى هاهنا)، وأشار إلى مكان في الحلق، وهو مكان مميت لو ضُرب فيه بسهم لقُتل لا محالة، (ولكني اتبعتك على أن أُرمى إلى هاهنا بسهم فأموت فأدخل الجنة)، وهنا نقف وقفة مع فعل هذا الصحابي الذي قد يستغربه البعض، بل وقد يعتقدون أن هذه مبالغة، وهي فعلاً مبالغة لكنها مبالغة في الخير، فالصحابي هذا مع أن عمره في الإسلام قليل جداً، لكن كان فهمه عميقاً جداً، ورؤيته واضحة جداً، والجنة قد كبرت في عينيه، والجهاد عنده يساوي الدنيا كلها، فهو يخاف أن يأخذ شيئاً يشغله عن الجهاد، ومن ناحية أخرى هو يخاف أن تتغير نيته، وعند ذلك سوف يبتدئ عملاً جديداً بنية خالصة لله عز وجل، وبعد أن يكثر المال أو يجد منفعته من هذا العمل تتغير نيته، كالذي ينشئ مدرسة -مثلاً- بنية أن هذا مشروع تربوي إسلامي، وسيفيد به الأمة الإسلامية جميعها، وبعد أن يبدأ المال بالكثرة يغير في نيته، ويبدأ يجعل الدنيا هي همه، ويرفع من أسعار المدرسة، ويعمل رحلات بأسعار عالية ليكسب من ورائها، ويغيّر لبس المدرسة كل سنة ليضطر أولياء الأمور لأن يشتروا الزي المدرسي كل سنة، ويكثِّر عدد الطلبة في كل فصل، أي: فبعد أن كان الفصل فيه عشرين أو خمسة وعشرين طالباً لدوافع تربوية، صار في الفصل خمسون طالباً وأكثر من أجل تكثير المال؛ لأنه يعرف أن الأبعاد التربوية التي كان يرجوها لا يستطيع أن يعملها في ظل هذا العدد الكبير من الطلاب، إذاً تغيرت النية هنا. فالصحابي الأعرابي البسيط لم يكن يريد أن يدخل في هذه التجربة، لأنه يريد أن يعيش حياة مخلصة لله عز وجل وإن قصرت، ولهذا رفض المغنم الحلال، وقرر أن يعمل لله عز وجل بدون أجر، هذا وإن لم يكن فرضاً فهو من فضائل الأعمال، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يُنكر عليه ذلك، ولم يقل: إن هذا تشدد منك، بل قال: (إن تصدق الله يصدقك) أي: لو أنت صادق في نيتك فإن الله سيحقق لك كل الذي تريده، ولهذا يجب على كل واحد منا أن يكون له أعمالُ خيرٍ كثيرة لا يأخذ عليها أجراً من أحد، وذلك ليثبت إخلاص نيته لله عز وجل، كالمدرس يمكن أن يُدرس من غير فلوس للناس المحتاجين، وكذلك الطبيب يمكن أن يعالج من غير فلوس للناس المحتاجين، وأيضاً المحامي يمكن أن يترافع عن مظلوم محتاج من غير فلوس؛ لأنه محامي يعمل لله عز وجل، وهذا ليس فرضاً ولكنها وسيلة لإثبات الإخلاص لله عز وجل. هنا قد يأتي سائل ويسأل فيقول: ما هي الوسيلة التي من الممكن أن تعرف أنك مخلص تماماً لله عز وجل في عملك؟ كلنا نقول: إننا مخلصون، لكن أحياناً قد يكون هناك أجر على العمل، فيا ترى إذا كل واحد منا أخذ أجراً على العمل ليس مخلصاً؟ لا، فالصحابة كانوا يأخذون أجراً على عملهم، فقد أخذوا في هذه الغزوة السبي، وهو من الأجر على عملهم، ومع ذلك فإخلاصهم عالي جداً، والمقياس الحقيقي لتعرف إخلاصك من عدمه هو: أنك تعمل العمل بغض النظر أخذت أو لم تأخذ، أما إذا ربطت عملك بالأجر فهذا يدل على ضعف الإخلاص أو غيابه أصلاً. نرجع مرة أخرى لقصة الصحابي الأعرابي، قال الصحابي: أنا لا أريد أن آخذ من السبي شيئاً، فأنا لم أدخل في الإسلام إلا لأُقتل في سبيل الله، فقال له صلى الله عليه وسلم: (إن تصدق الله يصدقك)، قال راوي الحديث شداد بن الهاد رضي الله عنه وأرضاه: (فلبثوا قليلاً ثم نهضوا في قتال العدو، فأُتي به النبي صلى الله عليه وسلم يُحمل) أي: أتوا به شهيداً رضي الله عنه، (قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أهو هو؟)، فاستغرب النبي صلى الله عليه وسلم من أن السهم أتى له في نفس المكان الذي أشار إليه، (قالوا: نعم، قال: صدق الله فصدقه)، هذا هو الإخلاص، (ثم كفّنه النبي صلى الله عليه وسلم في جبّته، ثم قدّمه فصلى عليه، فكان فيما ظهر من صلاته: اللهم هذا عبدك خرج مهاجراً في سبيلك فقُتل شهيداً، وأنا شهيد على ذلك)، فيا ترى هل هناك مكافأة أفضل من هذا؟ ثم ما أدراك لعلك تعمل عملاً خالصاً لله عز وجل وتكون النهاية في هذا العمل، فتموت على هذا الإخلاص، فيكون هذا العمل هو سبب سعادتك في الدنيا والآخرة.

    الموقف الثاني
    الموقف الثاني: لـأبي بكر الصديق رضي الله عنه وهو يعتق العبيد في بداية الدعوة، فقد كان يشتري العبيد بكثرة ويدفع أموالاً كبيرة لذلك، وكان رضي الله عنه يشتري العبيد الضعفاء والفقراء، من الرجال ومن النساء على السواء، فقال له أبوه أبو قحافة وكان لا يزال مشركاً: يا بني أراك تعتق رقاباً ضعافاً، فلو أنك أعتقت رجالاً أشداء يمنعونك، فقال الصديق رضي الله عنه وأرضاه: يا أبت إنما أبتغي وجه الله عز وجل، أي: أنا لا أريد غير رضا الله سبحانه وتعالى، وهذا هو الإخلاص، فأنزل الله عز وجل قوله: (وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى )[الليل:17]، وهذه من أعظم مناقب الصديق رضي الله عنه وأرضاه بأن الله عز وجل يشهد له بأنه الأتقى، (الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى )[الليل:18-20] أي: لا يريد غير رضا الله سبحانه وتعالى فقط، (لَسَوْفَ يَرْضَى )[الليل:21] وهذه هي نتيجة الإخلاص أن يرضى الله عنه.


    كيفية الإخلاص

    وهنا من الممكن أن يقول أحدهم: والله إن هذا الكلام سهل، لكن التطبيق صعب بل عسير، فأقول له: صدقت، فهو شيء صعب فعلاً، وأحد التابعين كان يقول: ما عالجت شيئاً أشد عليّ من نيتي. أي: أكثر شيء صعب عليَّ النية والإخلاص، لكن لا بد أن تكون هناك طريقة لزرع الإخلاص، فالله سبحانه وتعالى لم يطلب منا شيئاً إلا وهو يعلم أنا نقدر على فعله، فمن الممكن أن يقول شخص: قل لي طريقة عملية إذا فعلتها زرعت الإخلاص في قلبي، سأقول له: أعط لله قدره تخلص له، فأبرز هذه العبارة واجعلها دائماً صورة في خيالك، لأننا إذا عرفنا قدر الله عز وجل فليس من الممكن أن نشتغل بغيره، يقول الله سبحانه وتعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ )[الزمر:67] فهذا المرض: أن الناس لم يعطوا لله عز وجل قدره، (وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ )[الزمر:67]، وهذه بعض علامات قدرة الله عز وجل، وهذا الذي يمكن أن نفعله: تعظيم وتقدير وإجلال لله عز وجل، (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ )[الزمر:67] فالذين لم يعطوا لله عز وجل قدره فقد أشركوا معه، لأن الشرك لا يأتي إلا عندما لا يعطي العبد لله عز وجل قدره، لكن عندما عرف الصحابة هذا القدر لله عز وجل أخلصوا في أعمالهم، ولذلك علموا أن مَنْ يعطي لله قدره ويعمل لإرضاء غيره أنه نوع من السفه والحماقة. ......
    كيفية إعطاء الله عز وجل قدره


    هنا سؤال: كيف يمكن أن نعطي لله عز وجل قدره؟ الجواب: أكثر من النظر والتدبر في كتاب الله عز وجل المقروء والمنظور. ......

    النظر في الكتاب المنظور
    الكتاب الثاني هو كتاب الله المنظور، أي: الكون والخلق، فتفكر في خلق السماوات والأرض، وتأمل قول الله عز وجل: (لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ )[غافر:57] فهذا الكون فسيح جداً لدرجة يتوه العقل فيه تماماً، وليس من الممكن أن تتخيله، فلو أن هناك طائرة خيالية تسير بسرعة ثلاثمائة ألف كيلو متر في الثانية الواحدة!! فكم من الوقت تحتاج للسير في أرجاء الكون؟ قد تحتاج إلى ألف مليون سنة، وفي الأخير أيضاً لا تستطيع، لماذا؟ لأن الكون يتمدد ويتوسع كما قال الله عز وجل: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ )[الذاريات:47]، ولو تأملنا في بعد الشمس عن الأرض، فإن البُعد بينهما يساوي مائة وخمسين مليون كيلو متر، والأرض تدور في محورها بسرعة ألف وستمائة كيلو متر في الساعة، والدائرة التي تدور فيها الأرض قطرها ثلاثمائة مليون كيلو متر، فتخيل الرقم ثلاثمائة مليون كيلو متر وتكمل الدورة في سنة كاملة، وكذلك إذا كانت الأرض مع ثمانية كواكب أخرى مع الشمس في المجموعة الشمسية، أي: أن المجموعة الشمسية كما تعلمون تسعة كواكب، وأبعدها هو كوكب بلوتو، فإنه يدور في دائرة قطرها اثنا عشر ألف مليون كيلو متر وكل هذه المجموعة الشمسية فقط، والشمس نفسها ليست ثابتة، فهي تدور في فلك ومعها كل الكواكب التي حولها ومن ضمنها الأرض، وسرعة دوران الشمس تسعمائة وستون ألف كيلو متر في الساعة، والشمس هذه هي أحد الشموس في مجرة هائلة اسمها مجرة درب التبانة، وهناك شموس أخرى تحيط بها كواكب، وحجمها كالأرض وأكبر وأصغر، وعدد الشموس في مجرة درب التبانة أربعمائة ألف مليون شمس كشمسنا في مجرة درب التبانة، والكون كله ليس مجرة درب التبانة فقط! فهذه المجرة هي إحدى المجرات الهائلة في الكون، والمجرات في الكون تبلغ مائتين ألف مليون مجرة كمجرة درب التبانة، وارجع وراجع هذه المعلومات، وانظر إلى هذه الأرقام، فإنها جزء من ملكوت ربنا سبحانه وتعالى، فهذا هو جزء الكون الذي نحن رأيناه بالتليسكوبات، وكلما نخترع تليسكوباً أكبر كلما نرى أكثر، وكل هذه المليارات من النجوم والكواكب تدور في الكون دون تصادم، والعجيب أن بعض المجرات تدخل في مجرات أخرى بكاملها دون أن تصطدم، فانظر إلى عظمة هذا الكون، صنع من هذا إنه صنع الله عز وجل، (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ )[لقمان:11]، إذاً: فكيف يعرف الواحد منا جميع هذه المعلومات والحقائق ولا يعبد ربه سبحانه وتعالى حق العبادة؟ وكيف من الممكن أن يعرف كل هذا ولا يعمل لله عز وجل! وكيف من الممكن أن يعرف كل هذا ويعمل لغيره، أو يشرك به أحداً أو شيئاً؟! مستحيل ذلك. هذه كانت أكبر شيء في الكون: السماوات، ولنأت لنتدبر أشياء صغيرة جداً في الكون وهي الذرة، هذا الشيء الصغير الذي لا نستطيع بالمناظير الكبيرة جداً التي تكبر ملايين المرات أن نراه، هذه الذرة العجيبة تحتوي على نفس نظام الكواكب السيارة المحيطة بالشمس، ونفس نظام النجوم الدائرة في المجرة، وهذا يثبت أن خالق هذا الكون هو خالق واحد، لأن كل الكون فيه أشياء متشابهة جداً، وهذه الذرة الدقيقة جداً تحتوي على إلكترونات تدور حول البروتونات، كما تدور الأرض والكواكب حول الشمس، فيا ترى ما هو حجم الإلكترون في الذرة؟ وما هي نسبة حجم الإلكترون إلى حجم الذرة؟ الإلكترون واحد على ألف مليون من حجم الذرة، والإلكترون يدور حول البروتون بلايين المرات في الثانية الواحدة، والإلكترون أكثر من الذرة بكثير جداً، ولهذا نستطيع أن نفهم كلام ربنا سبحانه وتعالى: (لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ )[سبأ:3]، والعلماء السابقون كانوا يعتقدون أن هذه صيغة مبالغة، (وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ )[سبأ:3]، لأنه في اعتقادهم أنه لا يوجد شيء أصغر من الذرة، لكن هذا العلم الذي منَّ الله به علينا أثبت أن الإلكترون أصغر من الذرة بألف مليون مرة، ولا نعرف ما الذي سيأتي غداً، وأنا متأكد أنا سنجد بعد هذا أن الإلكترون هذا الجسيم الصغير جداً أمام الذرة، داخله عالم كبير من الأحداث نحن لا نزال لم نعرفها، وغداً سنعرفها. ولو أتينا للتفكر في أنفسنا وفي أجسامنا لرأينا العجب، قال تعالى: (وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ )[الذاريات:21]، فالإنسان قد ينبهر بنظام الاتصالات في العصر الحديث، من تليفونات ونت وأقمار صناعية وأشياء كثيرة غيرها، لكن لو نظرت إلى داخلك وإلى نظامك العصبي -نظام الاتصالات بداخلك- لوجدت أن النظام العصبي في الإنسان يضم ألف مليون خلية عصبية، وهذا في الطفل والشاب والشيخ الكبير، فهذا هو نظام الاتصالات الرهيب الذي خلقه الله سبحانه وتعالى بداخلك، ومن كل خلية تخرج أسلاك تنتشر في أنحاء الجسم المختلفة، لتتحكم في كل وظائف الجسم، فهناك خلايا تذهب إلى الرئة، وخلايا تذهب إلى العين، والقلب وهكذا، فتذهب لكل عضو في الجسم، والأخبار تمشي في هذه الأسلاك بسرعة أكبر من مائة كيلو متر في الساعة، وعندما تريد التذوق عندك عشرة آلاف شعيرة في لسانك لتتذوق، وعندما تريد السمع عندك في كل أذن عشرة آلاف خلية سمعية، وعندما تريد النظر عندك في كل عين مائة وثلاثون مليون خلية ملتقطة للضوء لترى جيداً، ولو كنت لديك حرارة فعندك ثلاثة مليون غدة عرقية تفرز لك عرقاً بارداً لتلطيف حرارة الجسم، وإذا كنت تشعر ببرودة فعندك ربع مليون خلية تلتقط الأشياء الباردة فتبعثها للمخ فيبعث أوامره بتوسيع الشرايين ليكثر الدم والحرارة في الجسم، وهذا جزء من الجهاز العصبي، وهناك الجهاز الهضمي والبولي والتنفسي والدوري وغيرها من الأجهزة، عالم ليس له نهاية، وكل هذا داخل جسمك، وصدق الله إذ يقول: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ )[فصلت:53] فهذا هو ربنا، وهذا هو الإله الذي نعبده، وهذا هو الإله الذي يجب أن نُخلص له، كيف نطلب رضا غيره بسخطه؟ وكيف نخشى غيره؟ إن هؤلاء المتكبرين المتجبرين الظالمين ما هم إلا أجسام بسيطة جداً لا تُرى على وجه الأرض فقط، فكيف إذا تخيلت الكون الفسيح؟! وكيف يخشى المؤمن رجلاً يعلم أنه خُلق لفترة مؤقتة ثم حتماً سيموت؟ وكيف لا يخشى المؤمن الله الحي الذي لا يموت؟ وكيف يحب المؤمن أحداً ينهاه أن يسير في طريق هذا الإله العظيم الجليل القدير سبحانه وتعالى؟ هذا هو ربنا الذي من المفروض أن نخلص له في أعمالنا كلها، وهذا هو ربنا الذي من المفروض أن نعبده، وما أسهل أن يفني الله الخلق أجمعين، فهناك أناس كثيرون مغرورون يعتقدون أنهم ملكوا شيئاً، فإذا بهم يناطحون الله عز وجل في ملكه ويحاربونه في شرعه، ويعذّبون أولياءه، ويتقربون إلى أعدائه، فإليهم أهدي قول الله عز وجل: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [إبراهيم:19-20]. يا أهل الأرض أجمعين، والله لو زادت الكرة الأرضية من سرعتها قليلاً لقُذف الخلق كلهم أجمعون من فوق سطحها، ولقُذفت معهم أبنيتهم وأدواتهم وأسلحتهم وكل ما يملكون، ولكنه سبحانه وتعالى يؤخرهم إلى أجل مسمى، وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [النحل:61]. الصحابة رضوان الله عليهم عرفوا قدر الله عز وجل، عرفوا قدر الله بمعطيات أقل بكثير من المعطيات التي معنا، فلم يكن معهم كل هذه العلوم التي تُعطي كل هذه التفاصيل، لكن أي تفكّر -ولو كان بسيطاً- في خلق الله عز وجل فإنه يقود إلى الإيمان به والإخلاص له، واستمع إلى كلام الله عز وجل في كتابه: (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ )[الغاشية:17] فانظر إلى الشكل الخارجي للإبل من غير أن تعرف التفاصيل الداخلية من الجهاز التنفسي والدوري والهضمي والبولي وغيرها من التفاصيل التي قلناها، (وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ )[الغاشية:18] بدون الدخول في تفاصيل الأرض وحجمها، والسماوات وحجمها، والشمس وحجمها، والمجرات وحجمها، (وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ )[الغاشية:19-20] فهذه آيات معجزة، لكن نحن قد تعودنا على هذه الآيات، وهذا التعود لا يمنع هذا الإعجاز الرهيب في هذه الأشياء إن تدبرت فيها على ضحالة العلوم، فإنك لا شك ستُعظّم الله عز وجل الذي خلق هذه الأشياء، فما بالك لو تبحّر الناس في علومهم؟ لذا كان التفكر في غاية الأهمية لتثبيت الإخلاص في نفس المؤمن، ولذلك لما سألوا أم الدرداء رضي الله عنها وأرضاها فقالوا لها: ما كان أكثر شأن أبي الدرداء؟ قالت: كان أكثر شأنه التفكر، ثم قيل لـأبي الدرداء : أفترى التفكر عملاً من الأعمال؟ قال: نعم، هو اليقين بالله عز وجل، فإذا تفكرت في خلق الله عز وجل لا شك أنك ستخلص له، ولذلك كان الحسن البصري رحمه الله يقول: تفكر ساعة خير من قيام ليلة، وقد رأيتم الأعرابي الذي عرف وجود ربنا سبحانه وتعالى بمعلومات بسيطة جداً ألا وهي قوله: البعرة تدل على البعير، أي: أنك لو رأيت روث بعير تأكد لديك أن هناك بعيراً قد مر من هنا، والأثر يدل على المسير، أي: أثر الأقدام يدل على أنه قد مشى أحد من هنا، فسماء ذات أفلاك، وأرض ذات فجاج، أفلا تدلان على العليم الخبير؟ فانظروا إلى هذا الأعرابي كيف استطاع بمعلومات بسيطة جداً أن يعرف ربه سبحانه وتعالى، فما بالك بالذي يعرف كل هذه المعلومات التي ذكرنا منها طرفاً قليلاً!! إن الصحابة عندما فقهوا قدر الله عز وجل عن طريق القراءة في كتابي الله عز وجل المقروء والمنظور استصغروا كل ما هو دون الله عز وجل، فعملوا لله عز وجل ولم يعملوا لغيره، وخافوا منه ولم يخافوا من غيره، واعتصموا به ولم يعتصموا بغيره، والكلام هذا يفسّر لنا مواقف كثيرة جداً في حياة الصحابة تتعجب لها كثيراً. ولننظر مثلاً في موقف عبد الله بن حذافة رضي الله عنه أمام هرقل ، وذلك عندما وقع أسيراً في يد الروم سنة تسع عشرة للهجرة، و هرقل هذا كان قد سمع كثيراً جداً عن ثبات أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمع عن عزوفهم عن الدنيا، وسمع عن استهانتهم بكل قوى الأرض، سواء الفرس أو الرومان أو غيرهم، فأراد أن يختبر هذا الأمر بنفسه وأن يعرف طبيعة هؤلاء الناس الذين هزموا جميع جيوش الأرض بهذه الصورة الغريبة جداً، فبدأ يسأل عبد الله بن حذافة بعض الأسئلة، فقال له: إني أعرض عليك أمراً، فقالعبد الله : وما هو؟ فقال هرقل : أعرض عليك أن تتنصر، والثمن أن أخلي سبيلك وأكرم مثواك، فقالعبد الله -وانظر إلى الثبات والإخلاص لله سبحانه وتعالى-: هيهات! إن الموت لأحب إليّ ألف مرة مما تدعوني إليه، فلم ييأس هرقل وقال له: إني لأراك رجلاً شهماً، فإن أجبتني إلى ما أعرضه عليك -أي: النصرانية- أشركتك في أمري وقاسمتك سلطاني، أي: سأعطيك نصف الإمبراطورية الرومانية، وانظروا إلى هذا العرض الرهيب جداً، وتأملوا في الذين يبيعون دينهم بأشياء تافهة حقيرة لا تساوي واحداً على ألف مليون من الذي عُرض على عبد الله بن حذافة رضي الله عنه، فرد عليه وهو يبتسم ساخراً منه: والله لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما ملكته العرب على أن أرجع عن دين محمد صلى الله عليه وسلم طرفة عين ما فعلت، أي: ولو حتى لحظة بسيطة، ثم بعدها أرجع إلى الإسلام مرة أخرى، ثم بدأ هرقل باستخدام السلاح الأخير عنده وقال: إذاً أقتلك، فقال عبد الله بمنتهى البساطة: أنت وما تريد، فأمر به هرقل فصُلب، ثم أمر الرامي أن يرمي جوار يديه ورجليه حتى لا يقتلوه، وهذا نوع من الإرهاب، فهو لا يريد له الموت، بل يريد أن يكسر إرادته وأن يكسر إخلاصه لله عز وجل، وكل ذلك وهو يعرض عليه النصرانية وهو يرفض ويقول لهم: أنتم وما تريدون، فلا يمكن أن أرجع عن دين الإسلام، ثم انتقل هرقل إلى خطة إرهابية أعظم من هذا أيضاً، فطلب قدراً كبيراً ثم صب فيها الزيت ورُفعت على النار حتى أخذ الزيت في الغليان وأتى باثنين من أسارى المسلمين أمام عبد الله بن حذافة ورمى أحدهما في الزيت المغلي، و عبد الله بن حذافة رضي الله عنه يرى هذه الأحداث، يقول: فإذا بعظامه عارية وقد تساقط لحم جسمه، ثم عرض هرقل على عبد الله بن حذافة النصرانية من جديد، و عبد الله رضي الله عنه أشد لها رفضاً، وعندما يأس هرقل من عبد الله بن حذافة أمر رجاله أن يلقوه في القدر المملوء بالزيت المغلي، فلما ذهبوا بـعبد الله بن حذافة دمعت عيناه، ففرح رجال هرقل وقالوا: إنه قد بكى، أي: أنه قد بدأ يتأثر، فظن هرقل أنه قد جزع من الموت، فقال هرقل : ردوه إليّ، فلما جاءه عرض عليه النصرانية مرة أخرى فأبى، فقال هرقل : ويحك فما الذي أبكاك إذاً؟ فقال عبد الله : أبكاني أني قلت في نفسي -واستمع إلى كلام عبد الله بن حذافة وهو يتكلم مع هرقل ملك الروم- تلقى الآن في هذه القدر فتذهب نفسك، وقد كنت أشتهي أن يكون لي بعدد ما في جسدي من شعر أنفس، فتُلقى كلها في هذا القدر في سبيل الله، أي: أنه يريد أن يموت أكثر من مرة في سبيل الله عز وجل، فانظروا إلى هذا الإخلاص في سبيل الله سبحانه وتعالى، فهو رضي الله عنه لا يرى هرقل أبداً، لكنه يرى عمله لربنا سبحانه وتعالى، فأُحبط هرقل تماماً، ثم عرض على عبد الله بن حذافة عرضاً جديداً، وهذا العرض يبين مدى الإحباط الذي عند هرقل ملك الروم، قال: هل لك أن تُقبّل رأسي وأخلي عنك؟ فقال عبد الله بن حذافة : وعن جميع أسارى المسلمين أيضاً؟ أي: أنه سوف يقبّل رأسه بشرط أن يفك عن جميع أسرى المسلمين، فقالهرقل : وعن جميع أسارى المسلمين أيضاً، فقال عبد الله في نفسه: عدو من أعداء الله أقبّل رأسه فيخلي عني وعن أسارى المسلمين جميعاً لا ضير في ذلك عليّ، فقمت فقبّلت رأسه، فأطلق هرقلعبد الله بن حذافة وأطلق معه جميع أسارى المسلمين، وعندما سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه بهذه القصة سُر أعظم السرور وقال: حق على كل مسلم أن يقبِّل رأس عبد الله بن حذافة وأنا أبدأ بذلك، وقام أمير المؤمنين بنفسه يقبّل رأس عبد الله بن حذافة . ففي هذا الموقف رأينا أن عبد الله بن حذافة رضي الله عنه فقه قدر الله عز وجل وجلاله، فلم ير هرقل إلى جوار الله عز وجل، ولم يهتم بجيوش هرقل ، ولا قناصة هرقل ، ولا وزراء هرقل ، ولا أمراء هرقل ، ولا سهام هرقل ، ولا الزيت المغلي عند هرقل ، وكل هذه الأشياء لم ينظر إليها، وبيت القصيد أن تعرف لله قدره، فإن عرفت ذلك لن تشرك بالله شيئاً، وهكذا فإن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفوا قدر الله عز وجل فأخلصوا له ولم يطلبوا إلا منه، ولم يرجوا إلا إياه، ولم يعتمدوا إلا عليه، ولم يلجئوا إلا إليه، وهكذا وحدوا الله عز وجل التوحيد الكامل، وأخلصوا له الإخلاص الصادق، فوصلوا إلى الإخلاص الذي هو طريق مهم جداً من طرق الوصول إلى الله عز وجل. نسأل الله عز وجل أن يبصرنا بمعالم الطريق المستقيم، وأن يطهّر نوايانا من أي شائبة، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يعظّم قدره في قلوبنا، حتى لا نرى أحداً سواه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. (فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ )[غافر:44]، وجزاكم الله خيراً كثيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.




    النظر في الكتاب المقروء

    الكتاب المقروء هو القرآن الكريم، واقرأ أي سورة أو أي آية لا بد أنك ستعطي لله قدره، لكن مع التدبر والتأمل في كل آية، والرسول صلى الله عليه وسلم كان أحياناً يقوم الليل كله بآية واحدة، فقد قام ليلة كاملة بقوله سبحانه وتعالى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة:118] فلو فكرت في هذه الآية فليس من الممكن أن تعمل لغير الله سبحانه وتعالى، لأن كل شيء بيده، فكيف ستعمل لغيره؟ الرزق بيده سبحانه وتعالى، وقلوب العباد بيده سبحانه وتعالى، والمقادير كلها بيده سبحانه وتعالى، والحياة بيده، والموت بيده، والجنة بيده، والنار بيده، ولن تجد أحداً سوف يحاسبك يوم القيامة غير الله، فكيف تعمل لغيره سبحانه وتعالى؟! فهو الأول وهو الآخر، وهو المحيي وهو المميت، وهو النافع وهو الضار، وهو المبدئ وهو المعيد، وهو الملك الذي يملك كل شيء، وأي ملك من ملوك الأرض فملكه نسبي غير مطلق، وإن كان يطلق عليه لقب: (ملك) لكن نهاية المطاف الآخر هو ملك نسبي، فقد يملك أشياء ولا يملك أشياء أخرى، وقد يعتريه الفقر والمرض والضعف والحزن، وسيعتريه الموت لا محالة، فلا يستطيع أن يملك سعادة الناس ولا حب الناس ولا أعمار الناس ولا أرزاق الناس، فهو ملك بسيط حقير تافه، ولا بد أن يترك ملكه أو أن ملكه سيتركه، لكن الله سبحانه وتعالى ملكه مطلق، فكيف تعمل لغيره؟! واقرأ مثلاً في كتاب الله عز وجل: (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ )[الأنعام:13-14] هذا هو الإخلاص، وتسألني أأتخذ ولياً غير الله سبحانه وتعالى؟ كيف؟ (وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ )[الأنعام:14] هذا هو سبب الإخلاص، فأي شيء غيره يُطعِم ولا يُطعَم، سواء رئيس المصلحة أو مدير المدرسة أو الملك أو السلطان أو الشرطي أو غير ذلك، فلا أحد يُطعِم ولا يُطعَم غير الله عز وجل، ثم قال تعالى: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ )[الأنعام:14] فالذي يشرك بالله عز وجل هو الذي يتخذ ولياً غير الله عز وجل، (قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ )[الأنعام:15] وهذا سبب ثاني للإخلاص، وكل الناس تملك أشياء بسيطة في الدنيا، لكن لا تملك شيئاً مطلقاً في الآخرة، فالله عز وجل يملك الآخرة بكاملها، ثم اسمع لكلام ربنا وهو يقول: (مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )[الأنعام:16-17] وهذا سبب ثالث للإخلاص، فلن ينفعك أحدٌ غيره، وما دام أنه يُطعِم ولا يُطعَم إذاً فالرزق كله أتى من عنده، وهو يملك يوم القيامة ولا أحد من البشر أو الخلق يملك هذا اليوم إلا هو سبحانه، ورابعاً أنه هو الذي ينفع ويضر سبحانه وتعالى، وخامساً: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام:18]، حتى وإن لم يكن بإرادتك فسوف يكون غصباً عنك، فهو القاهر فوق عباده، وأنت تريد أن تُخلص أو لا تُخلص فالذي يريده سبحانه وتعالى سوف يكون، وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [الأنعام:18]، ثم كيف من الممكن أن تقرأ مثل هذا الكلام في كتاب ربنا سبحانه وتعالى ولا تُخلص لله عز وجل؟! واقرأ أيضاً: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ )[لقمان:26-27] فلو تقف لحظة وتتخيل جميع أشجار الأرض، بغاباتها وجبالها وسهولها التي سمعت عنها في أمريكا وفي أوروبا وفي مصر وفي غيرها من البقاع، ثم تخيل أن كل هذه الأشجار أقلام (وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ )[لقمان:27] أي: أن البحر عبارة عن مداد ليكتب آيات الله عز وجل، فالشجر أقلام والبحر مداد، ومع ذلك: (مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ 9[لقمان:27]، أي: ما نفدت آيات الله عز وجل في الأرض، ثم يقول الله عز وجل: (مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ )[لقمان:28]، فليس هناك شيء يصعب على الله سبحانه وتعالى، فخلق البشر جميعاً كخلق إنسان واحد، وليس هناك شيء سهل أو صعب عند الله عز وجل، وكل قوله إنما هو: كن، فيكون، ثم قال سبحانه: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ [لقمان:29] وهذه آية تراها كل يوم، ولأنك تراها كل يوم فالكون كله يمشي بنظام معين، ولو الأرض غيّرت من سرعتها بدرجة بسيطة جداً، أو الشمس غيّرت من سرعتها بدرجة بسيطة جداً، لن ترى الليل في وقته ولن ترى النهار في وقته، لكن هذا لن يحصل، وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [لقمان:29-30]. فاقرأ القرآن بتدبر، وقف عند كل كلمة وكل آية، واقرأ كلام ربنا سبحانه وتعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ [سبأ:22] يخاطب أولئك الذين لا يعملون لله عز وجل، أولئك الذين يقولون: أنا عبد الرئيس أو المدير، فيمارسون المنكر والظلم والخطأ؛ لأن هناك من البشر من أمرهم بذلك، وبعد ذلك بدأ سبحانه يعدد أموراً تدل على ضعف هؤلاء الذين يدعونهم من دون الله عز وجل، فقال: لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ [سبأ:22]، هذا أول شيء، وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ [سبأ:22] يعني: لا يُشركون في حكم أي جزء في السماوات ولا في الأرض، وهذا ثاني شيء، ثم قال سبحانه: وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ [سبأ:22] أي: ليس هناك مساعد ولا معين يساعد ربنا سبحانه وتعالى في حكمه للسماوات والأرض، وهذا ثالث شيء، وأما الشيء الرابع فهو قوله تعالى: وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ:23] أي: حتى وإن كانوا لا يحكمون ولا يملكون ولا يساعدون في الحكم فكذلك لا يستطيعون الشفاعة يوم القيامة، فهم لا يملكون شيئاً في المقدمة ولا في المؤخرة، ولا يملكون شيئاً في الدنيا، ولا في الآخرة، إذاً فلماذا يُعمل لهم؟! وبعد ذلك تمر الآيات وراء الآيات ويأتي في الأخير فيقول: قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [سبأ:27]. ثم اقرأ مثلاً قول الله عز وجل:وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة:255] ولك أن تتخيل الكرسي الذي وسع السماوات والأرض، فقد روى البيهقي و ابن كثير وقالا: صحيح، عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده)، وتأمل في كلمات الرسول صلى الله عليه وسلم، (ما السماوات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة)، أي: هذه السماوات السبع -كل الكون الذي نراه لم يصل إلى السماء الدنيا- والأرضون السبع بالنسبة للكرسي كحلقة حديد ملقاة في صحراء واسعة، فكيف بعرش الرحمن سبحانه وتعالى! ثم يقول صلى الله عليه وسلم: (وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة) أي: أن العرش بالنسبة للكرسي كالصحراء بالنسبة للحلقة الصغيرة الملقاة، فكل السماوات وكل الأرض لا تساوي شيئاً بالنسبة لكرسي الله عز وجل، إذاً فكيف من الممكن بعد أن تعرف كل هذا لا تبقى مخلصاً لله سبحانه وتعالى؟ وكيف يمكن أن تطلب من غيره ولا تطلب منه؟ وكيف يمكن أن تخاف من غيره ولا تخاف منه؟ وكيف يمكن أن تتوكل على غيره ولا تتوكل عليه؟ وكيف يمكن أن تلجأ إلى غيره ولا تلجأ إليه؟ الخلاصة: أنه إلى الآن قد ذكرنا سبع أو ثمان آيات، وتأمل وتخيل كم سنبقى مخلصين لله عز وجل لو قرأنا كتاب الله كله بتدبر وبفهم وبوعي؟ ويكفي أن تفكر فقط في أن هذا الكلام هو كلام الله عز وجل، وهو رسالة من الله عز وجل إليك، واهتمامك بقراءة الرسالة بتدبر وتفهم يعني: تعظيمٌ وتقديرٌ للذي أرسل إليك هذه الرسالة، وبالتالي لنبحثَ عن الإخلاص لا بد أن نقرأ الرسالة التي تأتينا من ربنا سبحانه وتعالى بتأمل وتدبر وتفكر، وهذا هو الكتاب الأول، أعني: الكتاب المقروء.


  5. #5

    مراقب سابق


    تاريخ التسجيل : Jul 2009
    رقم العضوية : 54901
    الجنس: ذكر
    المشاركات : 1,380
    التقييم : 117
    عبدالعزيز المالكي غير متواجد حالياً

    رد: %% سلسلة كن صحابيا ......%% أضخم سلسلة تكلمت عن الصحابة وأحوالهم "متجدده"

    سلسلة كن صحابياً الصحابة والدعوة
    إن من أشرف وأعظم الأعمال التي يقوم بها المؤمن الدعوة إلى الله عز وجل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهي وظيفة الأنبياء والمرسلين الأولى، ولا يستقيم أمر هذه الأمة إلا بنشر الدعوة بين الناس، وقد نقل لنا التاريخ صفحات بيضاء من حياة الصحابة في التضحية بالنفس والمال من أجل هذه الدعوة المباركة.
    أهمية الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فمع الدرس الحادي عشر من دروس مجموعة: كن صحابياً، والذي سيكون بعنوان: الصحابة والدعوة. إن الدعوة إلى الله عز وجل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من أشرف الأعمال التي يقوم بها المؤمن، فالله عز وجل يقول في كتابه الكريم: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ )[فصلت:33]، أي: أن كلمة الدعوة ستظل هي أحسن من كل الكلمات التي يمكن أن تنطق بها، هذه الكلمة العظيمة -كلمة الدعوة- هي وظيفة الأنبياء الأولى، يقول الله عز وجل في كتابه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ ) [إبراهيم:4]، لماذا؟ (لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ) [إبراهيم:4]، أي: ليوضح وليبلغ لهم، (فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ )[إبراهيم:4]، فالهداية بيد الله عز وجل، لكن لا بد أن تقام الحجة على العبد، ولا بد أن تصل الدعوة إلى العبد، والذي يوصل الدعوة إلى العباد هم الأنبياء، ثم بعد آخر الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم يوصل الدعوة إلى الناس أتباعه، أي: المؤمنون بهذا الدين، والمسلمون به إسلاماً حقيقياً صادقاً، فهم الذين يتحركون بدعوة الأنبياء، لأنه ليس هناك نبي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا بد أن يحمل المؤمنون الصادقون هذه المهمة العظيمة التي كان يحملها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن سبقه من أنبياء الله عز وجل: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )[إبراهيم:4]، ويقول تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ )[النحل:44]، وغيرها من الآيات الكثيرة على هذا المنوال، وعلى هذا المعنى: فالذي يبين للناس الحلال والحرام، والذي يعرف الناس المعروف ويأمرهم به، والذي يبين للناس المنكر وينهاهم عنه، هو الذي يعمل بعمل الأنبياء، لذلك جعل الله عز وجل صفة الدعوة أو صفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صفة لازمة لكل من حمل لقب مؤمن، فما دام وصفك مؤمناً فلا بد أن تكون داعية إلى الله عز وجل، وإذا أردت أن تستثمر صفة الإيمان لا بد من الدعوة إلى الله عز وجل، يقول سبحانه وتعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )[التوبة:71]. لاحظ تقديم صفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، مع أن من المعلوم أن الصلاة هي عمود الدين، بل هي أعظم شيء في هذا الدين، من أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين، ومع ذلك يقدم الله عز وجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على أمر الصلاة، وكذلك الزكاة التي هي من أحكام الإسلام الأساسية، قد قدّم الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليها، لأن الله عز وجل يريد أن يربي المؤمنين على أن لا يعيشوا لأنفسهم فقط، فلا ينفع أن تجلس تصلي وتزكي وتعمل أعمالاً فردية بينك وبين نفسك، وليس لك اتصال بالناس، أو شأن بالآخرين، لأنك إذا شعرت بعظم هذه الرسالة لا بد أن تنقلها إلى غيرك، فهذه هي الغاية من هذه الأمة ومن هذه الرسالة، فلا يكفي أنك تستوعبها فقط، بل لا بد بعد هذا الاستيعاب أن تنتقل بهذه الرسالة إلى من حولك من الناس ومن البشر، سواء كانوا من المسلمين أو كانوا من غير المسلمين. ثم لاحظ التعليق الرباني اللطيف والجميل جداً على هذه الآيات فيقول: (أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ )[التوبة:71]، أي: أولئك الذين يتصفون بهذه الصفات، من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الله عز وجل ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم سيرحمهم الله عز وجل؛ لأنهم رحموا عباد الله عز وجل، والجزاء من جنس العمل، ولأنهم لما رأوا الناس تتجه إلى هاوية سحيقة، تتجه إلى النيران، تتجه إلى البعد عن الله عز وجل، تتجه إلى المعيشة الضنك، ما استراحوا إلا بعد أن أوضحوا لهم طريق الدعوة، وطريق الإسلام، وطريق الله عز وجل، لذا كان لا بد أن يرحمهم الله عز وجل ويهديهم طريقهم، ويدخلهم الجنة والجزاء من جنس العمل. ......

    عظم أجر الدعوة إلى الله تعالى

    لا شك أن المسلمين جميعاً يفقهون قيمة الدعوة، وقيمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن نحن في هذه المجموعة نريد أن نتعرف على نظرة الصحابة لقضية الدعوة إلى الله عز وجل، لقضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكيف تكون صحابياً في دعوتك؟ وكيف تكون صحابياً في أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر؟ إنها قضية في غاية الأهمية، وأنا أعتبر هذا الدرس من أهم الدروس في هذه المجموعة، لأنه ليس هناك أمة يمكن أن تبنى من غير دعوة، نعم قد يوجد أفراد عظماء جداً من غير دعوة، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، لكن هو في حاله ومشغول بنفسه، فلا ينشر هذا الكلام إلى من حوله، لذا كان من المستحيل أن تقوم أمة بغير نشر الدعوة بين الناس وبين عموم المسلمين وغير المسلمين، وممكن أن يقوم فرد واحد، لكن أمه مكونة من أفراد كثيرين ومجتمع هائل من البشر، لا بد أن تصل الدعوة للناس جميعاً، وتعالوا بنا لنرى كيف كان الصحابة يفكرون في قضية الدعوة؟ وكيف جعلوها قضية أساسية تماماً في حياتهم؟ إنه ليس من الممكن أن تقرأ في سيرة أي صحابي إلا وتجد الدعوة ركناً أساسياً من أركان حياته، وليس من الممكن أن تجد عنده يوماً أو يومان أو عشرة أو عشرين أو سنة أو سنتين من حياته من غير دعوة، وإنما كل حياته موجهه إلى تعليم الآخرين، وكل حياته موجهة إلى دعوة الآخرين للإيمان بالله عز وجل وطاعته وطاعة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم. إن الشيء المهم جداً في نظرة الصحابة إلى الدعوة أنهم كانوا يعلمون أن المستفيد الأول من عملية الدعوة هو الداعية نفسه لا المدعو، فالرجل الذي يقوم الدعوة أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو المستفيد الأول من الدعوة، وحتى ولو لم يستفد الشخص الذي دعاه ولم يسمع كلامه، فالداعية مستفيد أيضاً على كل الأحوال، فكما أنه يصلي ويصوم ويزكي ويجاهد في سبيل الله، ويقوم بأنواع الخير المختلفة، ويطلب من الله عز وجل ثواب هذا العمل، فهو أيضاً يطلب ثواب هذه الدعوة من الله عز وجل، وثواب الدعوة لا يمكن لعقل أن يتخيله، لأنه يمكن أن تتخيل ثواب الصلاة أو ثواب الزكاة أو ثواب الإخلاص في سبيل الله، وقد أخبرنا ربنا عز وجل كثيراً عن هذه الطاعات وثوابها في كتابه الكريم، وكذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في السنة، لكن ثواب الدعوة لا يمكن أن تتخيله؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال كما في صحيح مسلمعن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً)، فإذا دعوت شخصاً إلى الخير وعلمته الصلاة، وبدأ يصلي بعد أن دعوته إلى الله عز وجل، فكل الصلوات التي يصليها هذا الرجل والتي تخفى عليك تماماً هي في ميزان حسناتك، وسواء عاش عشرين سنة أو ثلاثين سنة أو أربعين سنة أو مائة سنة، فكل السنوات التي يعيشها ويصلي فيها فرضاً أم نفلاً في الليل أو في النهار يحصل لك من الأجر مثل أجره تماماً، وإذا علم الرجل أولاده الصلاة، فكل صلوات أولاده في ميزان حسناتك أنت أيضاً، وإذا علم جيرانه الصلاة، فكل صلوات جيرانه في ميزان حسناتك أنت أيضاً، ثم بعد ذلك لو أصبح -الذي علمته الصلاة- داعية إلى الله في بلد آخر وفي أي زمان وفي أي مكان فكل الناس الذين سيدعوهم إلى هذا الأمر في ميزان حسناتك، وممكن أن هذه الدائرة ستظل تعمل بعد أن تموت بسنوات طويلة، بل قد تظل تعمل حتى قيام الساعة. وهذا شيء عظيم أن تصل إليك حسنات من أناس لم ترهم ولم تعرفهم ولم تعش في زمانهم، وأعظم من ذلك أن هذا الأمر يستمر إلى قيام الساعة، ونحن الآن على مدى كل هذه السنين نضيف حسنات لمن دعوا هذه الأمة إلى هذا الخير الذي نحن عليه، كـأبي بكر الصديق و عمر و عثمان و علي وبقية الصحابة والتابعين، وكذلك الناس الذين حملوا هذه الرسالة وأوصلوها إلينا، فكم من الخير يمكن أن يكون في أمر هذه الدعوة إلى الله عز وجل؟! لأجل ذلك كان يضحي الداعية بعمره كله، لكن لا يضحي بأمر الدعوة أبداً إلى الله عز وجل، ولأجل ذلك كان يبذل النفس والروح والوقت والعرق والمجهود وأي شيء آخر، لكن لا يمكن أن يضحي بقضية الدعوة؛ لأن ثوابها لا يمكن أن يتخيله أحد أبداً، ومن هنا نستطيع أن نفهم كلام ربنا سبحانه وتعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33]، من أحسن من هذا؟ مستحيل مهما قلت وعددت من الأعمال الصالحة: الذاكر لله عز وجل، والقائم يصلي، والقارئ للقرآن، وغيرها من الأعمال الفاضلة جداً، لكن تبقى قيمة الدعوة أعلى وأعظم، لأن الداعية لا يعمل هذه الأشياء فقط، بل يجعل غيره يعملها، وهذا فضل عظيم وكبير. ......

    عقوبة ترك الدعوة إلى الله

    وعلى الناحية الأخرى لو لم نقم بالدعوة، ماذا ستكون النتيجة؟ ليس مجرد أنه لا يوجد حسنات فقط بل ستكون النتيجة صعبة جداً، فسيُترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا أمر في منتهى المشقة على العبد وعلى الأمة؛ ويدل على ذلك: الحديث الذي رواه الترمذي رحمه الله وقال: حسن. عن حذيفةرضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده!)، وعندما يقسم الرسول صلى الله عليه وسلم فهو يقصد شيئاً مهماً جداً؛ مع أننا نصدقه، لكن هو يريد أن يعمق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فينا، فيقسم على أهمية هذا الأمر فيقول: (والذي نفسي بيده! لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذاباً منه)، وفي رواية: (عقاباً منه)، إما هكذا وإما هكذا، إما أن تدعوا إلى الله عز وجل، وتأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر، وإما أن يبعث الله عز وجل عليكم عذاباً منه، وبعد ذلك: (ثم تدعونه فلا يستجيب لكم)، عندما تجد ربنا سبحانه وتعالى يؤخر إجابة دعوتك مرة ومرتين وعشرة.. ولديك أزمات كثيرة لم تحل، وأنت رافع يديك إلى الله سبحانه وتعالى، يمكن أن تكون هذه هي المشكلة المعيقة للإجابة، يمكن أن تكون هذه هي المشكلة الكبيرة التي هي عند كثير منا أنهم يعبدون ربنا سبحانه وتعالى، لكن ليس لهم شأن بالناس، فجاره يكون بعيداً عن الله وليس له شأن به، وزميله في العمل بعيد عن ربنا وليس له شأن به، حتى أحياناً أن زوجته وأولاده وأمه وأباه وإخوانه بعيدون عن ربنا عز وجل، ومع ذلك ليس له شأن بهم! فهل أنت عايش لنفسك فقط؟! إن هذه ليست حياة وما استحق أن يولد من عاش لنفسه فقط، فالصحابة كانوا يعيشون لأهل الأرض أجمعين، وليس فقط لأنفسهم وأولادهم وزوجاتهم وإخوانهم وقبيلتهم وعشيرتهم. روى الإمام أحمد و ابن ماجه وابن حبان وحسنه الألباني عن عائشة رضي الله عنها قالت: (دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرفت في وجهه أن قد حفزه شيء) يعني: همه وأحزنه شيء، (فتوضأ ثم خرج فلم يكلم أحداً، فدنوت من الحجرات فسمعته يقول:) أي: بدأ يخاطب الناس في المسجد بخطبة شديدة قال فيها : (يا أيها الناس! إن الله عز وجل يقول: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر)، وبعد ذلك يهدد تهديداً في منتهى الخطورة. فيقول: (من قبل أن تدعوني فلا أجيبكم، وتسألوني فلا أعطيكم، وتستنصروني فلا أنصركم). أليس من الممكن أن إهمال المسلمين لقضية الدعوة هو السبب في حالة الانهيار الكبير الذي وصلت إليه الأمة اليوم؟ والذي نراه أمام أعيننا من أزمات طاحنة في الأمة الإسلامية في كل مكان، وتأخير النصر عنا، ونحن ندعو ربنا سبحانه وتعالى، ويجوز أن يكون عندنا مشاكل أخرى هي التي تؤخر النصر، فقد تكون في مرحلة الإعداد، -يجوز أن يكون هناك تقصير- أو في عملية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا من الممكن أن يؤخر قيام أمة، بل ويستأصل أمة بكاملها، لأنها لا تأمر بالمعروف ولا تنهى عن المنكر، وهذه كانت أول مشكلة وقعت في بني إسرائيل، حيث أن المؤمنين لم يقوموا بواجبهم على الوجه الأكمل، فكانت الهلكة لبني إسرائيل جمعياً، وتعالوا لنرى وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر بني إسرائيل وكيف سقطوا؟ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الترمذي و أبو داود و ابن ماجه عنعبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل)، أي: أول مشكلة ظهرت في بني إسرائيل، وكان بعدها الهلكة واللعنة لهم، (كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك)، أي: يأتي الرجل المؤمن فيرى رجلاً يقوم بمعصية ما، فيقول له: يا أخي اتق الله فإن هذا لا يحل لك أن تفعله، فيجده مرة يسرق، ومرة يزني، ومرة يقتل، ومرة يعمل كذا أو كذا من الموبقات والمعاصي، وينهاه عن هذا الفعل ويقول له: لا تعمل هذا، فإنه لا يحل لك في دينك، (ثم يلقاه من الغد) أي: يأتي اليوم الثاني ويمشي المؤمن من جوار العاصي، (فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده) يعني: يأتي في اليوم الثاني ويلقاه على نفس المعصية والجرم الذي كان يقوم به، والذي نهاه عنه الرجل المؤمن قبل ذلك، ثم بعد ذلك تجد الرجل المؤمن الذي كان داعية إلى الله عز وجل لا يمتنع عن أن يأكل معه ويشرب معه ويقعد معه، وكأن شيئاً لم يكن، وليس هناك ثمة مشكلة، فهو نهاه مرة عن المنكر وأمره بالمعروف، ثم بعد ذلك نسي، وعاشت هذه الأمة -بني إسرائيل- بهذه الطريقة، فماذا حصل عندما تركت الأمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض)، فبدأت الأزمات في بني إسرائيل قليلاً قليلاً إلى أن هلكت هذه الأمة التي مُكِّنت في الأرض في زمن من الأزمان. (ثم قرأ صلى الله عليه وسلم: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [المائدة:78-81]) ثم قال صلى الله عليه وسلم ملخصاً هذا الدرس بعد هذه الموعظة الرائعة لأمة الإسلام وللمسلمين ولصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعين: (كلا والله! لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يدي الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا، ولتقصرنه على الحق قصرا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعنكم كما لعنهم). وانتبه هنا لهذا الكلام العظيم، فنحن أمة ليس لنا كرامة معينة من أجل عرق أو نسب، وإنما نحن أمة الإسلام، خير أمة أخرجت للناس لأسباب معروفة جداً ولصفات معروفة جداً، ولنهج معروف أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن نمشي فيه، ولو خالفنا فإنه سيحصل لنا مثل ما حصل في بني إسرائيل وغيرهم من الأقوام السابقة، فنحن لسنا بقريبين من ربنا سبحانه وتعالى من أجل أننا عرب، أو لأننا أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم اسماً لا فعلاً، لا، وإنما لابد من العمل في الله، لأنا إذا اتبعنا هذه الصفات التي ذكرها ربنا سبحانه وتعالى في خيرية هذه الأمة فإنه سيكرمنا، ولو لم نتبعها ستكون اللعنة منه كما لعن بني إسرائيل من قبل. ......

    إصلاح الأوضاع من مهام هذه الأمة

    إن هذه الأمة لا تُهلك بكاملها، ولا يستأصلها الله عز وجل بأجمعها؛ لأنها الأمة التي تحمل الرسالة الباقية إلى الخلق أجمعين وذلك إلى يوم القيامة، ولكن من الممكن أن تستبدل -كلمة في منتهى الخطورة- فالله عز وجل يستبدل جيلاً بجيل آخر، فيذهب جيل فاسد ويأتي جيل صالح، وكذلك يذهب فرد فاسد ويجيء فرد صالح، وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم من المسلمين أيضاً، لكن من المسلمين الذين فهموا دينهم جيداً، قال تعالى: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ )[محمد:38]، أي: أن الأمة التي لم تستوف شروط الخيرية ستستبدل بأمة مسلمة ثانية، وذلك مثلما استبدل ربنا سبحانه وتعالى أمماً كثيرة من الأمم الإسلامية السابقة، فدول إسلامية قامت ودول إسلامية سقطت، وهذا السقوط كان متبوعاً بقيام أمة تحافظ على شروط الخيرية، وأهم شروط الخيرية لهذه الأمة التي ذكرها الله عز وجل في كتابه: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110]، ومن أول صفات هذه الأمة الخيرية: تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110]، وتأمل هنا: مع أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جزء من الإيمان بالله عز وجل، لكن الله سبحانه وتعالى قدمه لكي يُعظِّم قيمته، ولكي تعرف أنه من غير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -حتى لو كنت تعمل عبادات كثيرة جداً- لا خيرية لهذه الأمة أبداً. إن من مهام هذه الأمة إصلاح الأوضاع على وجه الأرض بكاملها، وليس فقط في بلاد المسلمين فحسب، بل من واجب هذه الأمة أن تُعِّلم كل الأرض، سواء الذين يعيشون في الصين، أو الذين يعيشون في روسيا، أو الذين يعيشون في أوروبا، أو في أمريكا واستراليا، أو الذين يعيشون في الجزر النائية في أعماق المحيطات، فواجب عليك أن توصل لهم هذا الدين وتعلمهم وتصبر على أذاهم إن حاربوك أو رفضوك فهذا هو واجبك، وأنت لا تتفضل عليهم بذلك، لأنك من أمة الخيرية المأمورة بذلك، وإذا كنت لا تريد أن تكون من خير الأمم فاترك أمر الدعوة، لكن لا تقول: أنا خير أمة أخرجت للناس. يقولأبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه -يصف أمة الإسلام- كما جاء في صحيح البخاري : خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام. ويقصد بذلك: الفتوحات الإسلامية التي كان أول همها تعليم الناس، ودعوة الناس إلى الله عز وجل، وكان هناك أناس كثيرون جداً يكرهون الفتوحات الإسلامية، فغزت جيوش المسلمين هذه الأمم، وكانت ترفض دخول الجيوش الإسلامية إليها، لكن مع مرور الوقت دخل الناس في الإسلام، ويمكن أنها دخلت في بدية الإسلام، لأن الإسلام دين عظيم وكبير ومهيمن على الأرض في ذلك الزمن، لكن بعد ذلك اكتشفوا عظمة هذا الدين، فأسلموا وحسن إسلامهم، وأصبحوا من أهل الجنة، وكان من الممكن أن يدخلوا النار لو بقوا طول عمرهم يعبدون النار أو يعبدون المسيح أو يعبدون الشجر أو الحشرات كما كان يحصل في الهند، وقد كانوا عبدوا كل شيء إلا الله عز وجل، فكان واجب المسلمين أن يعلموهم ويدلوهم على الطريق الحق. وانظر كم من خير؟! تأتون بهم بالسلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام، وهذا هو سبب خيرية هذه الأمة، ليس لأنها أمة تقيم العدل في إطار توليها فقط، وفي إطار حدودها فقط، وتترك العالم من حولها يعبد ما شاء، ويعيش كما يشاء، ويظلم كما يشاء، ويسرق كما يشاء، ويعصي ربنا سبحانه وتعالى كما يشاء، لا، فهذه ليست مهمة أمة الإسلام، وإنما مهمة أمة الإسلام أنها تعلم جميع الناس الخير. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: (عجب الله من قوم يدخلون الجنة بالسلاسل)، أي: الناس الذين آمنوا بدين الله عز وجل بعد حرب طويلة، فالمسلمون قد حاربوا أناساً كثيرين، وأسروا أناساً كثيرين، وهؤلاء الأسرى بعد أن جاءوا إلى بلاد الإسلام، ورأوا الإسلام على حقيقته أحبوا هذا الدين، ودخلوا في دين الإسلام، ودخلوا الجنة بعد ذلك، ولم يكونوا يريدون ذلك، لكن أمة الإسلام كانت هي السبب في دخولهم الجنة، وهذا فضل كبير جداً، لذلك قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110]. ......

    ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إيذان بفساد الأرض

    الصحابة كانوا يفهمون هذه الحقائق جيداً، وكانوا يعرفون أنه إذا لم يحصل دعوة، ليس فقط سيخسر الداعية والمدعو، بل المجتمع كله سيخسر، وكذلك فهموا هذا الحديث الرائع للنبي صلى الله عليه وسلم عندما ضرب مثالاً للناس بيِّن فيه حال تلك الأمة التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، أو تلك التي لا تأمر بالمعروف ولا تنهى عن المنكر. فقد روى البخاري عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة) أي: أن هناك أناساًَ ركبوا سفينة ثم أقرعوا فيما بينهم، فصار بعضهم في أعلى السفينة والآخرين في أسفل السفينة، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : (فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم) فالماء موجود عند الناس الذين كانوا في أعلى السفينة، والذين في أسفلها كلما أرادوا أن يشربوا لا بد أن يصعدوا إلى أعلى السفينة ويمشون من جوارهم، فقد يزعجونهم وهم نائمون، أو وهم مستيقظون، وفي كل وقت أزعجوهم، فعملوا لهم نوعاً من القلق، فأحبوا أن يحلوا هذا الموضوع بحسن نية، فقالوا: (لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا) يعني: يخرمون في السفينة خرماً من الأسفل حتى يشربون منه! فهم يفكرون في حدود تفكيرهم ونيتهم سليمة، لأنهم لا يريدون أن يضروا الناس الذين في الأعلى، فسيخرمون خرماً في أسفل السفينة ويشربون من ماء البحر مباشرةً، فيقول صلى الله عليه وسلم: (فإن يتركوهم -الناس الذين في الأعلى- وما أرادوا هلكوا جميعاً)، أي: عندما تغرق السفينة سيغرق الذين في الأعلى والأسفل وليس الأسفل فقط، ثم قال صلى الله عليه وسلم: (وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً)، فكل السفينة ستنجو بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا ما كان يريد أن يوضحه النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة، والصحابة قد استوعبوه تماماً، وبدءوا يتحركون في حياتهم بهذا المفهوم. إذاً: تولد عن هذه المشاعر التي دخلت في نفوس الصحابة إحساس عميق جداً، ألا وهو: إذا كنت مؤمناً لا بد أن تدعو غيرك إلى الخير، وأن تدعو غيرك إلى الإسلام، وأن تدعو غيرك إلى الله عز وجل، وليس مجرد تكثير حسنات وتثقيل ميزان فقط، وإن كان هذا شيئاً مهماً جداً، لكن الأمر أعظم من ذلك، إنها وظيفة إجبارية، فلا ينفع أن لا تصلي وأن لا تزكي، بل لا بد أن تصلي ولا بد أن تزكي، وكذلك لا بد أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، لأن بدونها ستفسد الأفراد وتفسد الأمة، بل وتفسد الأرض بكاملها، ولذلك كان هناك شيء مهم جداً في الدين اسمه: (فتوح إسلامية) فتوح فارس، فتوح الروم، فتوح شمال أفريقيا، فتوح الأندلس، فتوح الهند، وكل منطقة فتحت بالإسلام كان الغرض الأساسي أنك تعلم الناس الدين، والصحابة كانوا يرون هذا الشيء واجباً عليهم، وليس مجرد فضل من فضائل الأعمال. ......
    فهم الصحابة لأهمية دور المسلم في الدعوة إلى الله


    ......

    موقف خالد بن الوليد رضي الله عنه يوم اليرموك
    وسأذكر مثالاً أخيراً في هذه المحاضرة لـخالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه في موقف من أعجب المواقف في التاريخ الإسلامي، هذا الموقف في موقعة اليرموك وقد كانت بقيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه، و أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم أجمعين. تقول الرواية: خرج قائد روماني اسمه جرجة -بفتح الجيم والراء وفتح الجيم الثانية- مكتوب اسمه هكذا في الكتب الإسلامية القديمة، وقد تكون تحريفاً لكلمة جورج، فوقف القائد بين الصفين، وفي ذلك الوقت كان الجيش الإسلامي يقف في ناحية، والجيش الروماني يقف في الناحية الأخرى وبينهم فراغ، وكان في أول اللقاء يحصل مبارزة أو نوع من النزال الفردي، وهو نوع من إظهار القوة، فخرج هذا القائد الروماني ونادى وقال: ليخرج إلي خالد بن الوليد ، وكان من الممكن أن يقول خالد بن الوليد : إن هذه مكيدة ومؤامرة، لكنه رضي الله عنه ما كان يتردد أبداً عن طلب للقتال أو النزال، فخرج رضي الله عنه وهو قائد الجيش، (فوافقه بين الصفين حتى اختلفت أعناق دابتيهما) يعني: أنهم وقفوا أمام بعض حتى التصقت الدواب ببعضها البعض، (وقد أمن أحدهما صاحبه)، يعني: أن كل واحد منهم قال للآخر: أنا لا أريد قتالاً، وإنما نريد أن نتكلم ونتفاهم ونتحاور ونتناقش في وسط أرض القتال، وكل واحد منهم رافعاً ترسه أمام صدره لكي يحمي نفسه من خيانة الطرف الآخر، فقال جرجة : يا خالد اصدقني ولا تكذبني؛ فإن الحر لا يكذب، ولا تخادعني؛ فإن الكريم لا يخادع المسترسل بالله. يعني: أنا أستحلفك بالله أن لا تخون الأمانة ولا تكذب، وإنما قل الصدق. ثم قال: (هل أنزل الله على نبيكم سيفاً من السماء فأعطاكه فلا تسله على قوم إلا هزمتهم؟) سؤال في منتهى الغرابة، أي: يا ترى هل أنزل الله على نبيك سيفاً وأنت أخذت هذا السيف، فلا تقاتل به أحداً إلا انتصرت؟ ومعلوم أن انتصارات خالد بن الوليد كانت انتصارات مذهلة، والرومان كانوا لا يتخيلون أن رجلاً ينتصر بهذه الصورة، سواء في بلاد فارس أو في بلاد الروم، وانتصارات وراء انتصارات، وبأعداد وعدة قليلة جداً على جيوش هائلة جداً، فـجرجة الروماني مستغرب جداً فيستحلفه بالله، هل هو يقاتل بسيف غير سيوف أهل الأرض، بسيف رباني وليس سيفاً طبيعياً ولذلك ينتصر؟ فقال خالد بن الوليد : لا. قال: فبم سميت سيف الله؟ وانتبه لرد خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه، فهو رد في منتهى البراعة والحكمة والفقه لقضية الدعوة، ولأنه شعر أن جرجة هذا يتكلم بلسان غريب عن قومه، وفي قلبه نوع من الميل إلى الإسلام، وفي قلبه نوع من الشك فيما عليه الرومان من دين، وعنده نوع من التفاؤل، ونوع من الطموح، فسيدنا خالد بن الوليد يكلمه كلاماً في منتهى الروعة، وفي أرض اليرموك، والجيوش مصطفة عن ناحيتين، هذا جيش الرومان أمامه وهذا جيش المسلمين خلفه. قال سيدنا خالد : (إن الله عز وجل بعث فينا نبيه صلى الله عليه وسلم فدعانا، فنفرنا عنه ونأينا منه جميعاً، ثم إن بعضنا صدقه وتابعه، وبعضنا باعده وكذبه، فكنت فيمن كذبه وباعده وقاتله)، فيقول له هذا الكلام، لأن تاريخه مثل تاريخه، ومثلما هو الآن يحارب الإسلام، فهو قد حارب الإسلام من قبل، ولكن الله سبحانه وتعالى غيَّره وممكن أن يغيِّر جرجة ، ونقله هذه النقلة العظيمة حتى أصبح رجلاً منصوراً متبعاً لكلام الله عز وجل، وممكن أن يغيِّر جرجة أيضاً حتى وإن كان يحارب المسلمين سنين وسنين. يقول: ( ثم إن الله أخذ بقلوبنا ونواصينا، فهدانا به فتابعناه، فقال صلى الله عليه وسلم: أنت سيف من سيوف الله سله على المشركين، ودعا لي بالنصر)، فهذا هو سبب النصر، وليس مهارة مني ولا شطارة ولا حرفة. ثم قال: (فسميت سيف الله بذلك، فأنا من أشد المسلمين على المشركين. قال جرجة : صدقتني)، أي: أن الكلام فيه صدق، ودخل الكلام قلب جرجة ، لأنه كان عنده النية والطموح لأن يُسلم، فدخل الكلام في قلبه وقال: صدقتني. ثم أعاد عليه جرجة وقال: يا خالد ! أخبرني إلام تدعو؟ قال خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، والإقرار بما جاء من عند الله. قال جرجة : (فمن لم يجبكم؟ قال: فالجزية ونمنعهم. قال: فإن لم يعطها؟ قال: نؤذنه بحرب ثم نقاتله. قال جرجة : فما منزلة الذي يدخل فيكم ويجيبكم إلى هذا الأمر اليوم؟) وهنا أصبح ظن سيدنا خالد في محله، فالرجل فعلاً كان يفكر في الإسلام والكلام قد دخل في قلبه. قال خالد : (منزلتنا واحدة فيما افترض الله علينا، شريفنا ووضيعنا، وأولنا وآخرنا)، أي: كلنا مثل بعض. (ثم أعاد عليه جرجة السؤال وقال: هل لمن دخل فيكم اليوم يا خالد مثلما لكم من الأجر والذخر؟) أي: هل من المعقول أن أدخل في الإسلام الآن وأصبح مثلكم وأنتم الذين دخلتم قبلي بعشر سنين وبعشرين سنة. فقال خالد كلمة في منتهى الروعة: (نعم، وأفضل. قال: وكيف يساويكم وقد سبقتموه؟ قال خالد : إنا دخلنا في هذا الأمر، وبايعنا نبينا صلى الله عليه وسلم وهو حي بين أظهرنا، تأتيه أخبار السماء، ويخبرنا بالكتب، ويرينا الآيات، وحق لمن رأى ما رأينا وسمع ما سمعنا أن يسلم ويبايع، وإنكم أنتم لم تروا ما رأينا، ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحجج، فمن دخل في هذا الأمر منكم بحقيقة ونية، كان أفضل منا. قال جرجة : بالله لقد صدقتني، ولم تخادعني، ولم تألفني). يعني: أنت تقول لي هذا الكلام لكي تقرب قلبي من الإسلام، أم أن هذه هي الحقيقة؟ (قال: بالله! لقد صدقتك وما بي إليك ولا إلى أحد منكم وحشة). يعني: أنا لست بحاجة إليك ولا إلى هذه الناس كلها، وإنما أنا أريد مصلحتك، (وإن الله لولي ما سألت عنه)، يعني: ربنا شاهد على كلامي إذا كنت أنا أقول صدقاً أو كذباً، فقال جرجة وقد أيقن أن الصدق في كلام خالد : (صدقتني، ثم قلب الترس)، وهو طوال مدة الحوار ممسك ترسه بيده وحامي صدره من خالد بن الوليد ، يخاف من أي خيانة، والآن ينزل الترس ومال مع خالد ، ودخل مع خالد في جيش الإسلام وقال: (يا خالد ! علمني الإسلام، فمال به خالد إلى فسطاطه)، أي: راح به إلى خيمته. (فشن عليه قربة من الماء لكي يغتسل، ثم صلى جرجة ركعتين دخول الإسلام، وحملت الروم مع انقلابه مع خالد )، أي: عندما رأى الرومان جرجة قد دخل في الجيش الإسلامي، وعرفوا أنه قد غير دينه ودخل في دين الإسلام، هجمت الروم على جيش المسلمين، ودخل خالد بن الوليد مع جرجة الروماني يقاتلان في سبيل الله، ودارت الحرب الشرسة بين المسلمين وبين الرومان في موقعة اليرموك الشهيرة، فضرب فيهم خالد و جرجة من ارتفاع النهار إلى غروب الشمس، ثم أصيب جرجة فاستشهد رحمه الله تعالى، ولم يصل صلاة سجد فيها إلا ركعتين، فهذه هي الدعوة في نظر الصحابة، وليس هناك ظروف تمنع الدعوة، لذلك كان إيمان الأفراد أغلى عند الصحابة من كنوز الدنيا جميعاً، والعدو الكافر الذي يبغضونه ينقلب إلى أحب الناس إلى قلوبهم لو آمن بالله عز وجل، فيحبون الخير لأهل الأرض جميعاً، ومهمتهم تعبيد الناس جميعاً لرب العالمين، وهي مهمة واضحة جداً، ووظيفتهم استنقاذ الناس من نار الجحيم، ماذا لو قاتل جرجة في صفوف الرومان؟ ماذا لو لم يعطه خالد من وقته وجهده وفكره ودعوته؟ ماذا ستكون النتيجة؟ كان سيصبح جرجة من قتلى الرومان، وكانت ستنتهي حياته على حرب ضد الإسلام والمسلمين، وماذا لو فقدت هذه الأمة هذه الصفة النبيلة، صفة الدعوة إلى الله عز وجل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ هذا هو مفهوم الدعوة عند الصحابة، وهذا هو الصدق في قضية الدعوة إلى الله عز وجل، وقضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى قدر هذا الفقه كان عمل الصحابة، ولذلك سبق الصحابة رضي الله عنهم أجمعين. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا هداة مهديين، وأن يبصرنا بسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [غافر:44]. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وجزاكم الله خيراً كثيراً.




    الموقف الدعوي للطفيل بن عمرو مع دوس
    مثال آخر: الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه، فإن قصة إسلامه قصة لطيفة، والمجال لا يتسع لذكر القصة بكاملها، لكن أنا سأقف على موقف في آخر هذه القصة، ألا وهو: أنه بعد إسلامه مباشرة، وبعد أن سمع من الرسول آيات قليلة جداً، وصار مؤمناً بالله عز وجل، وقال: فوالله ما سمعت قولاً قط أحسن ولا أمراً أعدل منه. يعني: من كلام الله عز وجل، ثم قال: فأسلمت وشهدت شهادة الحق، ثم قال: يا نبي الله! وانظر هنا فـالطفيل بن عمرو الدوسي ليس من أهل مكة، وإنما هو من قبيلة دوس في اليمن، فيقول: يا نبي الله! إني امرؤ مطاع في قومي، وأنا راجع إليهم، وداعيهم إلى الإسلام. وتأمل إلىالطفيل ، فهو رضي الله عنه لم يكن يعرف في الإسلام شيئاً، وأنا على يقين من أن أي واحد في الحضور، أو أي واحد يسمع هذا الكلام عنده علم أكثر من الذي كان عند الطفيل بن عمرو الدوسيعندما قال هذا الكلام، فهو رضي الله عنه سمع كلمات في الإسلام وبعض الآيات، ونحن قد قرأنا القرآن مرات ومرات، وقرأنا أحاديث كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرفنا الصلاة والصوم والزكاة وأحكام كثيرة، فهل تحركنا مثلما تحرك الطفيل بن عمرو الدوسي ؟ فرق كبير جداً بين الطفيل بن عمرو الدوسي بعلمه المحدود في ذلك الوقت، ولكن الحمية العالية جداً لنشر هذا الدين، وبين من عنده علم عظيم وكبير، ولكن لا ينقله ولا يتحرك به إلى من حوله من الناس، فرق عظيم جداً بمجرد أن شعرالطفيل بن عمرو الدوسي بحلاوة هذا الدين، فهو رضي الله عنه يريد أن ينقلها إلى أهله وإلى أحبابه وإلى عشيرته وإلى الناس أجمعين، ولا تتحمل نفسه أن ينفرد بهذا الخير وحده، ولكن يريد أن يدعو الآخرين إلى ما علمه من هذا الدين، يريد أن يعرف الناس أمر الإسلام، وسبحان الله ما أسلم إلا منذ دقائق، لكن أصبح داعية، وفقه حقيقة الدعوة وأهميتها وقيمتها في هذا الدين. يقول الطفيل رضي الله عنه: فلما نزلت -أي: وصلت بلادي- أتاني أبي وكان شيخاً كبيراً فقلت: إليك عني يا أبت، فلست مني ولست منك، فاستغرب أبوه وقال: ولم أي بني؟ قال: قلت: أسلمت وتابعت دين محمد صلى الله عليه وسلم، يعني: أن ديني غير دينكم الآن. والطفيل رضي الله عنه كان سيداً ومطاعاً في قومه، وكان له رأي وحكمة، وأبوه كان يعظم من قدره، ولذلك لما وجد ابنه يقول له: إليك عني، لا أنا منك ولا أنت مني، قال أبوه مباشرة: ديني دينك، ودخل معه في دين الإسلام، فاغتسل ولبس ثيابه وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. ومعلوم أن هذه الطريقة ليست الطريقة المثلى للدعوة؛ لأن فيها نوعاً من الحدة الكبيرة والقسوة الشديدة، لكن الحمد لله جاءت بنتيجة، فلما رأى النتيجة مع والده جرب نفس الأسلوب مع زوجته، فجاءت إليه امرأته فقال لها: إليك عني، فلست منك ولست مني، قالت: ولم بأبي أنت وأمي؟! قال: قلت: فرَّق بيني وبينك الإسلام، فأسلمت. ثم خرج إلى قومه وقال لهم: إليكم عني، لست منكم ولستم مني، لكن قومه لم يستجيبوا له ورفضوا الدخول في الإسلام، وذلك لأن في طريقته معهم حدة فلم تنفع أن تكون هذه طريقة دعوة، لأنه كان ما يزال علمه في الدعوة قليل، وما زال تعليم الإسلام عنده ضعيفاً، لذلك رفضت الناس الدعوة، وجلس يدعو بهذه الحدة والناس ترفض ذلك، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة، وقال: (يا رسول الله! إن دوساً عصت وأبت، فادع الله عليها). كلمة قالها من قلبه رضي الله عنه، وهو الذي كان يحب العشيرة ويحب قبيلة دوس، لكن بمجرد أن عرف حلاوة هذا الدين أراد أن ينقلها لقومه، ولما رفض قومه هذه الدعوة انقطعت الرابطة القلبية بينه وبين هؤلاء، وأصبحت الرابطة القلبية التي تربط بين الطفيل وبين الناس هي رابطة الإيمان بالله عز وجل، وهو الذي منذ أيام يتمنى أن يدعوهم إلى الخير الذي هو عليه لحبه لهم، فلما أبوا الإيمان وأصروا على الكفر أصبح يكرههم في الله، إلى درجة أنه يطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو عليهم، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده وظن الناس أنه سيدعو عليهم وقالوا: هلكت دوس؛ لكن الرسول صلى الله عليه وسلم الرحمة المهداة، والحريص على كل نفس، والحريص على كل البشر، سواء كان يعرفه أو لم يعرفه، رآه أو لم يره مطلقاً في حياته، يحرص على قوم الطفيل أكثر من حرص الطفيل نفسه على قومه، فرفع الرسول صلى الله عليه وسلم يديه وقال: (اللهم! اهد دوساً وأت بهم، ثم قال للطيفل: ارجع إلى قومك فادعهم)، وبعد ذلك قال له كلمة في منتهى الرحمة : (وارفق بهم)، والظاهر أن الطفيل قد حكى له ماذا عمل مع والده ومع زوجته، فرأى الرسول صلى الله عليه وسلم أن هذه الطريقة لا تنفع مع بقية القوم، فقال: (وارفق بهم)، والرفق بالناس أي: الرحمة بهم، حتى تصل الدعوة إلى الناس بألطف طريقة يمكن أن تتقبلها. يقول الطفيل رضي الله عنه وأرضاه: (فرجعت فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الإسلام حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة)، وهذا الكلام والنبي صلى الله عليه وسلم والصحابة في مكة، فمرت الأيام والشهور ومرت السنين في مكة، والطفيليدعو قومه في اليمن، ويعلم الناس الخير، ويعلم الناس الإسلام بعيداً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم لم يذهب الطفيل من دوس إلى المدينة المنورة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يظل هناك يدعو إلى الله عز وجل. يقول الطفيل : (وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بدراً وأحد والخندق)، وكل هذه المعارك العظيمة جداً والطفيل عنده مهمة من أعظم المهمات، إنها مهمة الدعوة إلى الله عز وجل، وتعليم قبيلة دوس الإيمان والخير والإسلام. ثم يقولالطفيل بن عمرو الدوسي : (ثم قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن أسلم معي من قومي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر)، أي: أنه جلس في دوس عشر سنوات يعلم الناس الإسلام، والرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة على بعد مئات الأميال منه، لكنه يقوم بدور في منتهى الأهمية حتى قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في السنة السابعة للهجرة وذلك عام خيبر. يقول: (حتى نزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتاً من دوس)، وتأمل هنا في كلامه: ليس سبعين رجلاً بل سبعين بيتاً، وتخيلوا عندما كل واحد من هؤلاء السبعين أو الثمانين يعمل لله عز وجل فإن الطفيل بن عمرو الدوسي يأخذ حسنات مثلهم، فيصلي أحدهم والطفيل يأخذ حسنات، ويصوم أحدهم والطفيل يأخذ حسنات، ويجاهد أحدهم في سبيل الله والطفيل يأخذ حسنات، وينفق أحدهم في سبيل الله والطفيل يأخذ حسنات، ويستشهد أحدهم في سبيل الله والطفيل يأخذ مثل أجر الشهادة. ثم احسب معي الخير الذي حققه الطفيل بن عمرو الدوسي بعلم قليل وفي عشر سنوات، ونحن كم من العلم نعلمه، فهل أدينا زكاة العلم؟! هل أدينا زكاة الإسلام؟! هل أدينا زكاة الهداية إلى دين الله عز وجل؟! هل أدينا زكاة الإيمان بالله عز وجل، كم أوصلنا هذا الدين إلى أشخاص؟ وكم عرفنا الإسلام لأشخاص؟ وكم شخصاً من الذين نعرفهم حببناه في الدين؟! إن من ضمن الناس الذين دعاهم الطفيل بن عمرو الدوسي أمير المؤمنين في الحديث: أبا هريرة رضي الله عنه وأرضاه، وتخيل كل الخير الذي جاء من أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، فقد نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من سبعة آلاف حديث، وفي بعض الأقوال: أكثر من عشرة آلاف حديث، فانظر إلى هذا العلم العظيم والكثير الذي جاء لنا منه رضي الله عنه، وكل هذا العلم في ميزان الطفيل بن عمرو الدوسي ، وأريدك أن تتخيل معي حياة أبي هريرة لو لم يوجه إليه الطفيل هذه الدعوة، فقد كان رضي الله عنه يعيش كرجل فقير معدم في قبيلة دوس في اليمن بعيداً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ماذا كان سيفعل أبو هريرة لو لم تصله هذه الدعوة؟ كان سيعيش حياة لا معنى لها ولا هدف لها ولا قيمة لها، ولن ينتفع به أحد، ثم يموت ولن يسمع به أحد، ولن يحفر اسمه في صفحة واحدة من صفحات التاريخ. لكن بعد أن كلَّمه الطفيل في أمر الإيمان وآمن، فافتح الآن صفحات التاريخ، فافتح صحيح البخاري و مسلم ، وافتح سنن الترمذي و النسائي و أبي داود و ابن ماجه ، وافتح مسندأحمد بن حنبل وموطأ مالك ومعجم الطبراني ، وافتح أي كتاب من كتب السيرة، أو أي كتاب من كتب السنة، أو أي كتاب تسمع عنه، وانظر كلمة: ( أبو هريرة ) تتكرر أمام عينيك، وقلما تجد صفحة ليس فيها كلمة أبي هريرة ، وكل هذا في ميزان الطفيل بن عمرو الدوسي ، وكل هذا لم يكن ليحصل لولا الدعوة إلى الله عز وجل، ولولا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذه هي قيمة الدعوة: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33]، وعندما نرى كل هذه الأشياء نستطيع أن نفهم هذه الآية.



    موقف ربعي بن عامر مع رستم قائد الفرس
    تأمل لكلام ربعي بن عامر رضي الله عنه وأرضاه -من صحابة رسول لله صلى الله عليه وسلم الذين فتحوا فارس- وهو يكلم رستم -بفتح الراء وإسكان السين، وليس بضم الراء كما هو مشهور، فهو لفظ أعجمي عند الفارسيين وأتى بعد ذلك إلى العرب- كلاماً يدل على الفهم الدقيق لمهمة المسلم في هذه الحياة، فيقول: (لقد ابتعثنا الله)، وكلمة: (ابتعثنا) تدل على أنه ابتعثنا مثل الرسل، فالله سبحانه وتعالى كلفنا بمهمة كان الرسل مكلفين بها، وبما أنه لم يعد هناك أنبياء ورسل، فنحن الذين نتحمل هذه المهمة إلى يوم القيامة. ثم قال: (لنخرج العباد) أي: أن كل العباد في مشارق الأرض ومغاربها على اختلاف الأزمنة والأمكنة مسئولية في رقبة كل المسلمين. ثم قال: (من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد)، فأهل فارس لم يكونوا يعبدون كسرى ، وأهل الروم لم يكونوا يعبدون قيصر ، لكن كان هؤلاء الزعماء كسرى وقيصر ومن كان على شاكلتهم يشرع لقومه، ويضع قوانين مخالفة لما أمر الله عز وجل به، فهذا التشريع هو عبادة لهم، فلما أتى الإسلام أمر الله عز وجل المسلمين أن ينتقلوا إلى هؤلاء ليعلموهم أن الله قال كذا وكذا وكذا، وأن الحكم لله عز وجل، وأن الأمر بيد الله عز وجل، وأن الناس أجمعين لا بد أن يسيروا على ما أمر به الله عز وجل، ويبتعدوا عن ما نهى الله عز وجل عنه، هذه هي العبادة الحقيقية، والمسلمون لهم مهمة في منتهى الوضوح، وهي: إخراج العباد من عبادة العباد، -سواء كانت عبادة حسية أو كانت طاعة مخالفة لما أمر الله عز وجل به- إلى عبادة رب العباد. وقوله: (ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة)، هذه هي مهمة المسلمين التي كان يفهمها الصحابي الجليل الذي خاطب رستم في موقعة القادسية، وكان يفهمها كل الصحابة، وهذا هو الفهم الذي نريد أن نزرعه بداخلنا. وهناك شيء آخر مهم جداً في قضية الدعوة عند الصحابة، ألا وهو: أنهم لم يكن عندهم يأس أبداً من قضية الدعوة، فتدعو الإنسان مرة وثانية وثالثة وعشرة وعشرين ومائة ولا تيأس، لأنه ليس هناك جهد ضائع كما يقولون، ولا أحد يقول: لا تضع وقتك مع فلان، فهذا لن يهتدي أبداً ف (القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء)، وأجرك ستأخذه في كلا الحالتين، سواء استجاب هذا المدعو لله عز وجل أو لم يستجب، فأجرك واقع على الله عز وجل ما دام أن الكلام قد خرج من فمك، وما دام أنك أخذت بكل الأسباب التي تستطيع أن تصل بها الكلمة إلى قلب ذلك المدعو، وبعد ذلك: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56]. إذاً: كل الناس بلا استثناء سندعوهم إلى الله عز وجل، وكل المسلمين البعيدين عن طريق الله عز وجل سيُدعون إلى الله عز وجل، وكل اليهود والنصارى والمشركين والمجوس والهنود سيُدعون إلى الله عز وجل، وهذه هي مهمة المسلمين جميعاً.



    المواقف الدعوية للصديق رضي الله عنه
    وانظروا إلى الصحابة كيف كانوا يتعاملون مع قضية الدعوة، فانظروا مثلاً إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، ونحن قد تكلمنا بالتفصيل عن أبي بكر الصديق في مجموعة الصديق ، وتكلمنا عنه في مجموعة السيرة، فلن نفصل الآن في دعوة الصديق ، فـالصديق قد قضى حياته كلها على قضية الدعوة، فهو من أول يوم آمن بالله عز وجل تحرك بهذه الدعوة، ومن أول ما شعر بحلاوة هذا الدين أراد أن ينقل هذه الحلاوة إلى كل من يعرف، حمية عظيمة جداً لنشر هذا الدين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يكن عمره في الإسلام كثيراً، بل كان عمره ساعات وبدأ يتحرك، ففي أول يوم يأتى بـعثمان بن عفان و الزبير بن العوام و سعد بن أبي وقاص و طلحة بن عبيد الله و عبد الرحمن بن عوف ، وهؤلاء الخمسة أصبحوا من أعظم علماء المسلمين، ومجاهدي المسلمين، وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين حملوا الدين على أكتافهم، وعلموا أهل الأرض الدين، ولم يتوقف في اليوم الثاني، بل أتى بـأبي عبيدة بن الجراح و عثمان بن مظعون و الأرقم بن أبي الأرقم و أبو سلمة بن عبد الأسد ، وكل هؤلاء جميعاً في ميزان الصديق ، فعندما يقوم أحدهم بعمل الخير فإن أبا بكر يحصل على مثل أجر هذا الخير. وانظروا إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه عندما تبرع بتجهيز جيش العسرة، وعندما بنى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندما اشترى بئر رومة، فإن أبا بكر يأخذ مثله من الحسنات، وهذا شيء لا يمكن أن تتخيله. وأيضاً الزبير بن العوام عندما حارب وجاهد ودافع عن دين الله عز وجل في شمال مصر وفي الشام وفي العراق وهنا وهناك، وعندما يربي ابنه عبد الله بن الزبير على الخير، وعندما يقوم بأي عمل من أعمال الخير، فإن الصديق يأخذ مثلها من الحسنات. وتأمل معي أجر هؤلاء الرجال الذين أسلموا على يد أبي بكر ، وتخيل أنه أعتق عبيداً بكميات كبيرة، وصرف كل ماله على إعتاق العبيد، وكانت أمنيته أن يجمع المسلمين، وبعض الناس اليوم عنده هواية جمع الطوابع، وجمع التحف وغيرها، بينما الصديق رضي الله عنه وأرضاه كان فاهماً للدنيا جيداً، وكان فاهماً لرسالته في الأرض تماماً: (ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد). وانظر إلى بلال وهو يعبد إلهاً غير الله عز وجل، فيذهب الصديق ويدعوه إلى الله عز وجل، فيؤمن بلال ، ويعذب، وبعد ذلك يدفع قيمته الصديق رضي الله عنه، لكي يستنقذ بلالاً من العذاب، وهو مع ذلك لا يرجو منه جزاءً ولا شكوراً، وإنما يرجو وجه الله عز وجل. و عامر بن فهيرة يعتقه أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، ويدخله في دين الله عز وجل، و الزنيرة وابنتها رضي الله عنهن، وكثير من الصحابيات، وكثير من المعذبين والمعذبات في أرض مكة، وكثير من العبيد أدخلهم الصديق رضي الله عنه وأرضاه في دين الإسلام ثم أعتقهم. فأي خير وأي عظمة لهذا الرجل؟! وكل ذلك ببركة الدعوة إلى الله عز وجل، وأدخل جميع عائلته إلى الإسلام، فأدخل زوجته أم رومان رضي الله عنها، وأدخل أولاده أسماء و عبد الله ، وأما السيدة عائشة فولدت في الإسلام، وبعد ذلك أدخل أمه وابنه الأكبر عبد الرحمن ، مع أنه تأخر ولكنه دخل في الإسلام، وكذلك أبوه تأخر في الدخول في الإسلام، لكنه أسلم بعد ذلك. فخير عظيم جداً لهذا الرجل، لذلك لو وزن إيمان الصديق بإيمان الأمة لرجح إيمان الصديق ، لأن كل الأمة عندما تعمل تضيف حسنات إلى الصديق رضي الله عنه، فأي واحد منا الآن يعمل فهو يعمل من خلال دعوةالصديق في البداية، فهو يعطي حسنات للصديق ، يعني: أنت الآن لو قمت وصليت ركعتين لله، فـالصديقيأخذ ثواباً مثل ثوابك، وكذلك لو دفعت مبلغاً في سبيل الله، أو جاهدت في فلسطين، أو في الشيشان، أو أي عالم كتب كتاباً أو سجل شريطًا أو علم معلومة، فهل أنت متخيل حجم الثواب؟! فهذه هي الدعوة إلى الله عز وجل، وهذا هو الصديق ، وهؤلاء هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.




    موقف علي رضي الله عنه يوم خيبر

    لذلك لم يترك الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم أمر الدعوة إلى الله تعالى حتى في أحلك الظروف، كالحروب مع أعدائهم، فهم يحاربون وأمامهم العدو، والعدو حريص على قتلهم، والصحابي حريص على أن يدخله في دين الله سبحانه وتعالى، وهذا النهج الأخلاقي الرفيع تعلموه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ففي يوم خيبر يقول النبي صلى الله عليه وسلم لسيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه: (انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم)، وهذا في ميدان المعركة مع اليهود، وبعد إجلاء بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة من المدينة، وبعد خيانات كثيرة جداً منهم، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يزال يدعوهم إلى الإسلام ثم يقول له صلى الله عليه وسلم: (فوالله لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)، وحمر النعم هي: إبل عظيمة جداً كانت تتفاخر بها العرب، فهم كانوا يعظمون جداً من هداية إنسان واحد، يعني: لو ذهبت إلى حصن خيبر وفيه آلاف اليهود فآمن منهم واحد فقط خير عظيم جداً، وفي رواية: (خير لك مما طلعت عليه الشمس أو غربت) يعني: شيء في منتهى العظمة، بل أعظم من الدنيا بأسرها أن يهدي الله بك رجلاً واحداً، فما بالك لو عشرة أو عشرين أو مائة أو ألف أو آلاف الملايين، فلذلك كان الصحابة لا يفوتون فرصة من غير دعوة إلى الله عز وجل.

  6. #6

    مراقب سابق


    تاريخ التسجيل : Jul 2009
    رقم العضوية : 54901
    الجنس: ذكر
    المشاركات : 1,380
    التقييم : 117
    عبدالعزيز المالكي غير متواجد حالياً

    رد: %% سلسلة كن صحابيا ......%% أضخم سلسلة تكلمت عن الصحابة وأحوالهم "متجدده"

    الصحابة بشر وليسوا نماذج أسطورية


    أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فمع الدرس الثاني عشر من دروس مجموعة: كن صحابياً، وسيكون حديثنا -بمشيئة الله تعالى- عن الصحابة والتوبة، فالصحابة هم أفضل الأجيال على الإطلاق، جاء ذلك تصريحاً في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه البخاري و مسلم عن عبد الله بن مسعودرضي الله عنه أنه قال: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)، والأحاديث في هذا الأمر أكثر من أن تحصى، أثبتت الخيرية لهذا الجيل، وأنه أفضل من كل أجيال الأرض، ومع ذلك فالصحابة بشر ليسوا بمعصومين من الخطأ، بل كانوا أحياناً يخطئون أخطاء كبيرة جداً، والإنسان فعلاً قد لا يتخيل أن الصحابي يمكن أن يخطئ مثل هذا الخطأ، لكن حدث ذلك، لأنهم بشر، لكن كانوا يتوبون من هذه الأخطاء. والحقيقة أنه قد أخطأ بعض الناس في المبالغة الشديدة في أحوال الصحابة، ونقلوا عنهم القصص العجيبة الضعيفة جداً، بل أحياناً والموضوعة، والتي تظهرهم بصورة ملائكية، وترفعهم فوق صور البشر، والصحابة لا يحتاجون إلى المبالغة حتى يعظموا، وإنما يكفي أن تنقل الصورة الحقيقة عنهم، وفي هذا كل التعظيم لهذا الجيل، لأنه كان جيلاً فريداً وعظيماً ومتميزاً، لكن المبالغة فيه خسارة كبيرة جداً، لأنها تصيب اللاحقين باليأس من إمكانية الوصول إلى مثل هذه الصورة الفريدة. وسأذكر هنا حكاية جاءت في أحد الكتب، لرجل ليس بصحابي، تقول هذه القصة: رأيت بدوياً بمكة يقول: كنت بالبادية، وإذا بغلام حاف مكشوف الرأس، ليس معه زاد ولا ركوة ولا عصا، فقلت في نفسي: أدرك هذا الفتى، فإن كان جائعاً أطعمته، وإن كان عطشان أسقيته، فبادرت إليه حتى ما بقي بيني وبينه إلا مقدار ذراع، فذهب عني حتى غاب عن عيني، وهذا أول شيء، فالغلام الصغير قد طار، قال: فقلت: هذا شيطان، فإذا به ينادي فيقول: لا، بل سكران، أي: أن هذا الغلام يرد عليه من بعيد فيقول له: لا، بل سكران، قال: فنادينه يا هذا، وسألته بالذي بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق إلا وقف، فقال: أتعبتني وأتعبت نفسك، فقلت له: رأيتك وحدك فأردت خدمتك، فقال: من يكن الله معه كيف يكون وحده! فقلت له: ما أرى معك زاداً! فقال لي: إذا جعت -تأمل هذه المبالغة غير المقبولة- فذكره زادي، وإن عطشت فمشاهدته سؤالي ومرادي، يعني: أن الرجل لا يأكل ولا يشرب، فقلت له: أنا جائع فأطعمني، أي: إذا كنت لا تجوع فتأكل فأنا جائع فأطعمني! فقال: أولم تؤمن بكرامة الأولياء، فقلت: بلى، ولكن ليطمئن قلبي، قال: فضرب بيده الأرض وكانت أرض رمل، ثم قبض قبضة منها وقال: كل يا مخدوع، فإذا به سويق ألذ ما يكون، والسويق هو: الدقيق الناعم، أي: أنه لقي خبزاً طعمه لذيذ جداً، فقلت: ما ألذه، فقال لي: في البادية عند الأولياء من هذا كثير، يعني: أن هناك أناساً في الصحراء عندهم من هذا الخبز الكثير، فقلت له: اسقني، فركض برجله الأرض فإذا بعين تنبع من الأرض، عين من عسل وماء، جنة على الأرض!! فجلست لأشرب، ثم رفعت رأسي فلم أره، أي: أنه قد اختفى مرة أخرى، فلم أدر كيف غاب؟ ولا إلى أين ذهب؟ فأنا أخدم الفقراء من ذلك اليوم إلى الآن لعلي أرى مثل ذلك الولي!! فهذه الحكاية وما شابهها فوق أنها واضحة الافتراء، لها أثر سلبي كبير على طرق التربية والتوجيه، والناس من المستحيل أن تصل إلى مثل هذه الأساطير، فيصيبها نوع من الإحباط، ونحن عند ذلك سنتعامل مع نوعيات ليست من البشر، فليس من الممكن تقليدها، لأننا لم نفهمها ونعرفها، لكن لو فهمنا أن الصحابي بشر يمكن أن يخطئ ويمكن أن يصيب، يمكن أن يختار الأولى أو خلاف الأولى، حسب الموقف والظرف الذي هو فيه، وساعتئذ نستطيع أن نقلدها، وهنا قد نتساءل، فنقول: أيمكن أن أيحدث هذا مع غلام ولا يحدث ذلك مع أكابر الصحابة؟! فهل إذا أراد أبو بكر -مثلاً- رضي الله عنه أن يأكل يقبض من الرمل قبضة فإذا هي خبز ولحم؟! وهل إذا أراد ابن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه أن يشرب أن يضرب الأرض برجليه من أجل يطلع منها عسل وماء؟! وهل إذا أراد عثمان رضي الله عنه أن ينتقل من مكان إلى مكان لبس طاقية الإخفاء وطار كما طار ذلك الغلام!؟ ثم ذهب إلى مكان لا يراه الناس ولا يعرفونه!! فهذا منهج عجيب جداً في التلقي، وأسلوب مبتدع في التربية، ووسيلة من وسائل التعجيز للناس، وليس من ورائها أي حقيقة. والمعلوم أن الصحابة كانوا بشراً، فإذا أرادوا الأكل بحثوا عنه وجدوا في طلبه، ثم اجتهدوا في طبخه وإعداده، ثم أكلوا بعد ذلك، وإذا أرادوا الشرب حفروا الآبار، وإذا سافروا حملوا معهم الماء الذي يكفيهم، واختاروا الطريق السهل، وأعدوا العدة الكافية لذلك، نعم قد تحدث لهم كرامات، لكن هذه الكرامات كرامات ثابتة، ومواقف معدودة ومعينة، ولم تكن بإرادة منهم، بل كان الله عز وجل يهبها لمن يشاء في الوقت الذي يريده، ولأن الصحابة كانوا بشراً فقد كانوا يخطئون أحياناً، ولا ضير في ذلك ما دامت الخطيئة ستتبع بتوبة، والإنسان كما هو معروف من خصائصه الخطأ. روى مسلم عنأبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم)، هذه ليست دعوة لاقتراف الذنوب، لا، إنما هي دعوة للتوبة، وتقريب للواقع، واقع أن الإنسان لا بد أن يخطئ، وأن الكمال لله عز وجل وحده، والمعصوم هو من عصمه الله عز وجل، وحتى الأنبياء فإنهم أحياناً يختارون خلاف الأولى ويلامون على ذلك من الله عز وجل؛ وذلك لإثبات بشرية هؤلاء، وإلى هذا المعنى أشار الرسول صلى الله عيه وسلم فقال: (كل -على سبيل العموم- بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون). ......
    الشروط الأساسية للتوبة

    من المعلوم أن شروط التوبة عند كل البشر ثلاثة، وهذا في حق الله تعالى، فلو أن إنساناً أخطأ في حق الله سبحانه وتعالى، وذلك بأن ترك الصلاة فترة من الزمن لزمه ثلاثة أمور حتى يتوب إلى الله عز وجل: الأول: أن يقلع فوراً عن المعصية، فيرجع فيصلي مرة أخرى. الثاني: أن يندم على فعل ذلك، أي: بأن يكون هناك حزن وبكاء شديد، وألم في النفس. الثالث: أن يعزم على أن لا يعود إليها أبداً، وهذا العزم لا بد أن يكون عزماً صادقاً، لأن الله سبحانه وتعالى مطلع على القلوب. أما إذا كان هذا الذنب متعلق بحق آدمي فإنه يضاف إليه شرط رابع، ألا وهو: أن ترجع الحقوق إلى أصحابها، فلو سرقت مالاً لزمك رده، أو شهدت شهادة الزور لزمك أن تكذب نفسك أمام القضاء، أو أخطأت في حق إنسان لزمك أن تذهب إليه فتستسمحه وتطلب العفو منه. ......

    التوبة من قريب من السمات الأساسية للتوبة عند الصحابة رضوان الله عليهم

    لكن التوبة في حق الصحابة كانت تتميز بصفات وسمات رائعة فوق هذه الصفات الأساسية، يعني: زيادة على هذه الثلاثة الأشياء التي هي في حق الله سبحانه وتعالى، والشرط الرابع الذي يتعلق بما بين الآدميين من حقوق، فالأشياء هذه كانوا يعملونها كلها، لكن فوق هذا كان هناك سمات واضحة جداً لتوبة هؤلاء الناس، وسنذكر خمس سمات بمشيئة الله تعالى: السمة الأولى: التوبة من قريب، يعني: أنه لم يكن هناك إصرار على المعصية عند الصحابة، فإذا ضعف الصحابي فارتكب ذنباً رجع سريعاً وعاد إلى رشده وتاب إلى الله عز وجل، وهذا كان مما يوجب لهم المغفرة الكاملة من الله عز وجل، يقول ابن عباس رضي الله عنهما: لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار، وهناك مثل لطيف قاله الإمام الغزالي رحمه الله في إحياء علوم الدين: إن قطرات الماء الصغيرة إن وقعت على حجر بصورة متتالية، وعلى فترة طويلة من الزمن، نقطة نقطة، فإنها تؤثر في الحجر وتترك فيه خرماً، بينما لو جمعت كل هذه القطرات التي هي نازلة على مدار السنة والسنتين والثلاث ثم سكبتها مرة واحدة على الحجر فإنها لا تؤثر فيه شيئاً. إذاً لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار، لذلك فإن الله عز وجل يفتح باب التوبة باستمرار لكل البشر؛ حتى يعودوا إليه في الوقت الذي يذنبون فيه، ولا تؤجل توبتك إلى رمضان أو إلى الحج، أو إلى أن تبلغ في السن مبلغاً كبيراً، لا، فباب التوبة مفتوح في كل وقت. روى الإمام مسلم رحمه الله عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها) يعني: الليل كله فرصة لمسيء النهار ليتوب، والنهار كل فرصة لتوبة مسيء الليل، حتى العلامة الأخيرة لقيام الساعة. لذلك فإن الصحابة كانوا يعلمون أن التوبة المتقبلة حقاً هي التي يسرع بها الإنسان المخطئ إلى الله عز وجل، وذلك امتثالاً لقوله سبحانه وتعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ )[النساء:17]، قال قتادة رحمه الله: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون كل ذنب هو جهالة، ثم قال تعالى: (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ )[النساء:17]، أي: بسرعة فلا يؤجلون التوبة، (فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا )[النساء:17-18]. إذاً أول سمة من سمات التوبة عند الصحابة أنهم كانوا يتوبون من قريب، فهم يقعون في أخطاء، وقد تكون هذه الأخطاء جسيمة، لكنهم يعودون سريعاً إلى الله عز وجل، وليس العيب أن نخطئ، لكن العيب كل العيب أن نصر على هذا الخطأ. ......
    مسارعة عمار بن ياسر إلى التوبة بعدما نال من النبي إثر تعذيب كفار قريش له
    وهذا مثال آخر: عمار بن ياسر رضي الله عنه وأرضاه، وقصته معروفة مع المشركين، وذلك عندما سلط عليه المشركون أشد أنواع التعذيب في مكة، ولم يكن ذلك العذاب له وحده، بل لكل العائلة، لأبيه ولأمه، فقد وضعوا الصخر الملتهب على صدره، وضربوه ضرباً شديداً، وقاموا بقتل والديه أمامه، ياسروزوجته سمية رضي الله عنهما، وطلبوا منه أن يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمام هذا القهر والتعذيب والإكراه الحقيقي، والقتل الفعلي الذي حدث لأعز الناس لديه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمام الألم الرهيب الذي كان يحس به في كل ذرة من جسده، قال ما أراده الكفار منه، وسب محمداً صلى الله عليه وسلم، سبه بلسانه مع أن قلبه لا يُقِّدم عليه أحداً من خلق الله ولا حتى نفسه التي بين جنبيه، ومع أن الموقف سليم شرعاً، يعني: لو أن أحدنا تعرض للتعذيب والإكراه ليقول هذه الكلمة لجاز له ذلك ما دام القلب مطمئناً بالإيمان، لكن هو رضي الله عنه لم يكن يعلم أن هذا الموقف سليم شرعاً، فحسب أن هذا العمل كان خطأ، وإن كان ليس خطأ في حق الشرع، فجاء مسرعاً باكياً معتذراً تائباً لمجرد أن تركه الكفار، فشكى حاله للنبي صلى الله عليه وسلم وهو يبكي ويعتذر إليه مما فعل، وقال له: قد قلت فيك كذا وكذا، فقال الرحيم الحكيم صلى الله عليه وسلم الرحيم: (كيف تجد قلبك، قالعمار : أجده مطمئناً بالإيمان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن عادوا فعد، فأنزل الله عز وجل قوله: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا [النحل:106] إلى آخر الآيات). لذلك فإن قضية التوبة من قريب قضية في منتهى الخطورة بالنسبة للمؤمنين، لأن مرتكب الذنب حال ارتكابه يكون على خطر عظيم، وتأمل هذا الحديث المخوف الذي ورد في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن) . يعني: لا يسرق سرقة والناس تنظر إليه ولا تكلمه، لأنه صاحب سلطان وقهر، لا يكون مؤمناً، وليس المقصود أنه صلى الله عليه وسلم يكفر المؤمن بهذه المعاصي وإنما المراد أن إيمانه ينتقص انتقاصاً شديداً، فيتذبذب إلى الحد الذي قد يخرجه بعد ذلك من الإيمان إلى الكفر. وفي الحديث أيضاً الذي رواه البيهقي و ابن حبان وصححه، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث) ، وفي آخر الحديث قال: (وإنها لا تجتمع هي والإيمان إلا وأوشك أحدهما أن يخرج صاحبه) فالمعصية الكبيرة التي يصر عليها الإنسان مرة ومرتين وثلاث، يكون بها متذبذب الإيمان، ويوشك أحدهما أن يخرج الآخر، إما أن المعصية تخرج الإيمان بالكلية فيصير الإنسان كافراً، وإما العكس، فموقف خطير جداً، نعم ارتكاب المعاصي ليس مكفراً في حد ذاته، لكنه قد يقود إلى الكفر، وبالذات لو باغت الموت إنساناً وهو يرتكب المعصية، ولذلك فكثيراً ما نسمع عمن مات وهو يشرب الخمر، أو مات وهو يزني، أو مات وهو يسرق أو يقتل، أو ما إلى ذلك من الموبقات، وفي كل هذه الأحوال يكون على خطر عظيم، روى الإمام مسلم رحمه الله عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يبعث كل عبد على ما مات عليه)، فجرم عظيم أن يموت الإنسان على معصية ثم يبعث عليها، من أجل ذلك فإن قضية التوبة من قريب قضية في منتهى الأهمية، والصحابة كانوا فاهمين جداً، لهذه السمة أو الصفة.

    مسارعة أبي لبابة إلى التوبة بعد إفشائه لسر رسول الله عند بني قريظة
    تعالوا لنرى موقفاً يوضح لنا هذه الصورة السريعة في التوبة إلى الله عز وجل: قصة أبي لبابة بن عبد المنذر رضي الله عنه وأرضاه، وذلك عندما خانت ونقضت بنو قريظة العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم -في غزوة الخندق- قرر أن يذهب إليها ويحاصرها، وبالفعل حاصر بني قريظة خمسة وعشرين ليلة متصلة حتى أصابهم اليأس والفزع، فطلبت بنو قريظة من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرسل إليهم رجلاً ليتفاوض معهم، بل واختاروا هم أبا لبابة بن عبد المنذر رضي الله عنه وأرضاه، لأنه كان حليفاً لهم في الجاهلية، وهو من قبيلة الأوس من الأنصار، ولظنهم أنه سيشفق عليهم ويرحمهم، بل وسيشفع لهم عند النبي صلى الله عليه وسلم. بينما الرسول صلى الله عليه وسلم كان قد عزم على أن يقتل بني قريظة جميعاً؛ لأنهم أقدموا على خيانة عظيمة جداً، إذ كانوا سيدخلون قريشاً إلى المدينة ليستأصلوا كل من فيها، فكان الجزاء من جنس العمل، لكن عندما طلبوا أبا لبابة من أجل أن يذهب إليهم للتفاوض معهم نبهه الرسول ألا يخبرهم بقراره لأنهم لو عرفوا القرار فإنهم لن يفتحوا الأسوار وسيضطر المسلمون لمحاصرتهم لفترة طويلة، ومعلوم أن حصون بني قريظة كانت حصوناً كبيرة جداً، وفيها الغذاء والماء، ويمكن أن يطول الحصار شهراً وشهرين، بل شهوراً، فذهب أبو لبابة رضي الله عه وأرضاه إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجال، وأخذت النساء والصبيان في البكاء، فرق لهم عندما رأى ذلك الموقف، فقالوا له: يا أبا لبابة ! أترى أن ننزل على حكم محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: نعم، لكنه أشار إلى حلقه، يعني: أن جزاءهم الذبح، وكأنه يقول لهم: إن الرسول صلى الله عليه وسلم عازم على ذبحكم، وهنا أفشى سر الرسول صلى الله عليه وسلم، وخان العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه جريمة كبرى جداً، وتأمل هنا أيضاً: فهذا الرجل من الأنصار، ومن الصحابة الثابتين في الإسلام، والعظماء في التاريخ الإسلامي، وله تاريخ فيما سبق وفيما لحق، لكن سبحان الله فإن النفس ضعيفة، فهو قد أخطأ في لحظة ووقع فيما قد لا يقع فيه كثير من المسلمين. يقول أبو لبابة رضي الله عنه: فوالله مازالت قدماي من مكانهما حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله، وهنا عرف أنه قد أذنب ذنباً كبير جداً، لكن ما هو الحل؟ التوبة من قريب، فانطلق أبو لبابة رضي الله عنه مباشرة على وجهه، ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل ذهب إلى مسجد رسول الله صلى الله وربط نفسه في عمود من أعمدة المسجد وقال: لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب الله علي مما صنعت، يعني: أنه ربط نفسه في سارية من سواري المسجد، وقرر أنه لا يفك نفسه حتى يفكه رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، وكان من الممكن أن يكتم هذا الخبر، لأنه لا أحد يعرف هذا الأمر غير اليهود، لكنه عرف أنه قد ارتكب ذنباً عظيماً، وأنه لابد عليه أن يتوب من هذا الذنب، ولأنه علم أن فرصته في التوبة هي في الدنيا، ولو مات قبل أن يتوب الله عليه لذهبت الفرصة، ولذلك قيل أنه قد نزل قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال:27]. وعندما وصل الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلم أن أبا لبابة قد عمل هذا العمل، وأنه رضي الله عنه قد ربط نفسه في إحدى سواري المسجد، وأقسم على أن لا يبرح هذا المكان حتى يتوب الله عليه، ومع هذا العقاب الشديد لم يفكر رضي الله عنه أبداً في صورته أمام الناس، ولم يشغله ذلك، في هذا الوقت الذي أصبح مفضوح الذنب أمام الناس، بل ولم يكن همه صورته حتى أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن يهمه الآن الأعمال التي انقطع عنها، بل كان همه الأعظم أن يتوب الله عز وجل عليه، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم لما وصله خبره: (أما إنه لو جاءني لاستغفرت له)، رحمة مهداة صلى الله عليه وسلم، أي: لو كان جاء إليَّ قبل أن يربط نفسه لسامحته ولاستغفرت له، لكن مادام أقسم أنه لن يفك نفسه حتى يتوب الله عليه، فلن أستطيع أن أذهب إليه حتى تنزل التوبة من الله عز وجل، يقول صلى الله عليه وسلم: (فأما إذ قد فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه)، يعني: ما دام أنه ربط نفسه، وقد ظل أبو لبابة محبوساً بالقيد لمدة ستة أيام متوالية، وامرأته في وقت كل صلاة تفك القيد عنه حتى يصلي، ثم تقوم بإعادة القيد عليه ألم شديد في النفس، وأوبة سريعة إلى الله عز وجل، وتوبة صادقة من ذنب كبير، وبعد مضي الستة الأيام نزلت توبة الله على أبي لبابة بن عبد المنذر رضي الله عنه وأرضاه، نزلت التوبة على رسول الله صلى عليه وسلم وهو في بيت أم المؤمنين أم سلمةرضي الله عنها، تقول أم سلمة رضي الله عنها: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك، أي: أنه ضحك فرحاً بتوبة الله على أبي لبابة ، وهذا يبين لنا الحب الشديد الذي كان بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين عموم الصحابة، فقالت له أم سلمة : لماذا تضحك؟ فقال: تاب الله على أبي لبابة ، فقالت: أفلا أبشره يا رسول الله، قال: بلى إن شئت، وهذا الأمر كان قبل أن يفرض الحجاب على نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوقفت على باب الحجرة وقالت: يا أبا لبابة -وكانت حجرات الرسول صلى الله عليه وسلم تطل على المسجد- أبشر فقد تاب الله عليك، قالت: فنهض الناس إليه ليطلقوه، أي: أن كل الناس ذهبت بسرعة لتفك قيده، فقال: لا والله حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقني بيده، فلما مر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر أطلقه، وقصة أبي لبابة لها تكملة لطيفة سنذكرها في آخر المحاضرة. والشاهد من القصة: أن أبا لبابة أخطأ خطأً كبيراً جداً عندما أفشى سر الرسول صلى الله عليه وسلم، ورغم ذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نبهه لذلك، لكن مع ذلك وقع في الخطأ، وليست هذه مشكلة، المشكلة أن الإنسان يقع في هذا الخطأ أو في هذه المعصية ويصر عليها، لكن أبا لبابة لم يكن هكذا، والصحابة كلهم لم يكونوا هكذا، بل بمجرد ما يخطئ أحدهم يرجع بسرعة إلى ربه عز وجل، لأنه يشعر بالذنب مباشرة، وليس معنى ذلك أنه عند المعصية نذهب إلى سارية في المسجد ونربط أنفسنا فيها حتى يتوب الله علينا! عند ذلك سوف نظل قاعدين إلى يوم القيامة، لأن رسول الله لم يعد موجوداً بين أظهرنا ليخبرنا بالتوبة: لكن الشاهد أنه تاب توبة سريعة إلى الله عز وجل، وهذه التوبة السريعة هي السبب في أن الله سبحانه وتعالى تاب عليه بسرعة (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ )[النساء:17].

    عدم تبرير الذنب من السمات الأساسية لتوبة الصحابة رضوان الله عليهم

    السمة الثانية: عدم تبرير الذنب والجدل فيه، أي: عند الذنب يلزمك الإسراع إلى التوبة من غير جدال، ولا تقول: لا والله ما غلطت، لأن كثيراً من الناس لا يريد أن يظهر بمظهر المذنب أمام الناس، فهذا الصنف لا يفقه أهمية دور النصيحة لإصلاح الفرد والمجتمع، والمسلم مرآة أخيه، فلو أن شخصاً قال لك: إنك أذنبت ذنباً. ففكر في الذنب بدل أن تجادل وتقول في نفسك: هل أنا حقاً أذنبت أم لا؟ وتبقى تبرئ نفسك أمام الناس، لا، فالصحابة لم يكونوا هكذا، لكن نجد كثيراً بعض الناس يبررون لجرائم خطيرة وكبيرة، فيبرر الاختلاس -مثلاً- من أموال الدولة، ويبرر الظلم الذي يوقعه على خلق الله عز وجل، ويبرر السباب والشتائم والقذف والغيبة، ويبرر كل جريمة وإن عظمت، ويبرر كل معصية وإن كانت مثل ضوء الشمس، والصحابة لم يكونوا كذلك، أي: لم يكونوا يجادلون في ذنوبهم أبداً، ولم يكونوا يبررون معاصيهم، إلا بالتبرير الذي كانوا يعتقدونه أحياناً، لكن لو ظهر لهم الحق اتبعوه مباشرة دون تردد، والصحابة كانوا يرحبون بمن يهدي لهم عيوبهم، ويجلون من يوضح لهم أخطاءهم، فخير أن يبصرك أي إنسان بعيبك وذنبك، فيكون عندك لتتوب من الذنب، بدل أن تستمر فيه اليوم والاثنين والشهر والشهرين، بل والعمر كله، فكان الأفضل والأحسن النصح بالتوبة، أمَّا أن كل إنسان يترك الآخر على هواه إلى أن يلقى العقاب من الله عز وجل فخطأ، لأنه ربما قد يموت وليس هناك وقت للرجعة فيتوب. ......
    توبة أسامة بعد قتل الرجل الذي نطق بكلمة التوحيد
    وهذا موقف آخر لأحد الصحابة نرى منه أنهم ما كانوا يجادلون في الذنب، إلا فقط في تبرير الموقف الفعلي الذي كان فيه، لكن لما يتضح له أنه ذنب يسرع بالتوبة، هذا الموقف لـأسامة بن زيد رضي الله عنهما، كما عند البخاري و مسلم وغيرهما أنه قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية، فصبحنا الحرقات من جهينة- مكان- فأدركت رجلا، وفي رواية: فكان منهم رجل إذا أقبل القوم كان من أشدهم علينا، وإذا أدبروا كان من أشد الناس حماية لهم، يعني: أن هذا الرجل عندما يهجم مع المشركين على جيش المسلمين يكون من أشد الناس ضرراً بالمسلمين، وعندما يرجع وينسحب جيش المشركين يكون من أشد الناس حماية لهذا الجيش. وفي رواية أخرى: أنه قتل عدداً كبيراً من المسلمين، يعني: أنه كان رجلاً شديد السطوة، وشديد القوة على الإسلام والمسلمين، يقول أسامة : فغشيته أنا ورجل من الأنصار، أي: استحكمنا منه ولم يبق لنا إلا قتله، فقال: لا إله إلا الله، وانظر إلى الموقف، فقد كان في منتهى الوضوح في عيون كل المشاهدين للحدث، فسيدنا أسامة بن زيد يجري وراءه من أول القتال حتى أمسك به هو والأنصاري، ووضعوه أمامهم من أجل أن يقتلوه، والرجل إلى هذه اللحظة كان شديداً جداً على المسلمين، وقد قتل عدداً كبيراً من المسلمين، فقتله أسامة وكف عنه الأنصاري عندما سمع منه كلمة: لا إله إلا الله، يقول أسامة : فوقع في نفسي من ذلك، وخفت لو أني عملت ذنباً، فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (أقال لا إله إلا الله وقتلته! فقال أسامة : يا رسول الله، إنما قالها خوفاً من السلاح)، يقول المبرر الحقيقي الذي عنده، وفي رواية: (يا رسول الله أوجع في المسلمين، وقتل فلاناً وفلاناً وفلاناً، وسمى له نفراً، وإني حملت عليه فلما رأى السيف قال: لا إله إلا الله، فقال صلى الله عليه وسلم: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها متعوذاً أم لا)، وفي رواية: (وكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة) . وهنا أسامة بن زيد رضي الله عنه لم يكرر التبرير عندما وضح له بالفعل أنه لم يشق عن قلبه، ولأنه لا يعلم خفايا القلوب إلا الله عز وجل، واحتمال أنه قالها فعلاً من قلبه، لكن الشواهد كلها تشير إلى غلبة الظن من أن الرجل قال الكلمة خوفاً من السلاح، وكل هذا يبقى ظناً ولا سبيل إلى التيقن من صدق الرجل أو كذبه، وعند ذلك قال أسامة مباشرة: يا رسول الله استغفر لي. ولم يعمد إلى افتعال جدل طويل ومناقشات ومحاورات، وإنما اعتراف بالخطأ، ثم قال أسامة: حتى تمنيت أني لم أسلم قبل ذلك، أي: يا ليتني أسلمت هذا اليوم، حتى لا يكون في صحيفتي هذه الجريمة الكبرى، فلم يجلس يبرر فيها، مع أنه كما نرى كل الملابسات تقول: إن الغالب على الظن أن الرجل قال الكلمة خوفاً من السلاح، لكن لا أحد كشف لنا عن قلبه.

    توبة أسامة بعد شفاعته في المرأة المخزومية
    كذلك: أسامة بن زيد عندما ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشفع في المخزومية التي سرقت، وذلك حتى لا تقطع يدها -وبنو بني مخزوم قبيلة قوية وشريفة- قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غاضب: (أتكلمني في حد من حدود الله). ولم يأت أسامة بن زيد رضي الله عنه بالمبررات ويقول: إن هذه المرأة من عائلة كبيرة، وسيحدث مشاكل في المجتمع المسلم، وهذه أول مرة لها، لا، كل هذا الكلام لم يفكر فيه، بل قال: استغفر لي يا رسول الله، فمباشرة عرف أنه قد أخطأ، فلا جدال، ولا محاورات ولا مناقشات، ولذا فإن المستفيد من ذلك هو الشخص المخطئ، لأنه هو الذي سيتوب من الذنب، ولأنه الذي كان سيحاسب عليه، فالله رحمه بأن يسر له من ينصحه في الله، ويقول له: أنت أخطأت، ومن أجل هذا نريد أن نوسع صدورنا عند النصيحة، لما يأتيك أحد ويقول لك: إنك مخطئ، ففكر في الذنب ولا تفكر بصورتك أمام هذا الرجل، بل تب بسرعة لعل الله عز وجل أن يقبض روحك وأنت تائب خير لك من أن يقبضها وأنت على معصية.

    إعتاق أبي مسعود الأنصاري لغلامه بعدما ضربه
    وتأمل كيف كان الصحابة يتعاملون مع الذنب عندما يعرفوه من أحدهم، ففي مسلم عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: (كنت أضرب غلامًا لي فسمعت من خلفي صوتاً يقول: اعلم أبا مسعود لله أقدر عليك منك عليه، فالتفت فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم)، فهنا في هذا الوقت حصل ذنب، فقد كان الرجل يضرب غلاماً له، والرسول صلى الله عليه وسلم قاله له: (لله أقدر عليك منك عليه) أي: يحذره، فقال أبو مسعود الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه عند ذلك: هو حر لوجه الله يا رسول الله، فأعتق الغلام، ولم يقل له: والله إن الغلام عمل كذا وكذا، وأنت لا تعرف ذلك يا رسول الله، وأنا قد رأيت ذلك منه، والبارحة قد عمل أيضاً كذا، ويمكن أن يذكر له مبررات كثيرة جداً، وقد تكون بعض هذه المبررات صحيحة، لكنه عرف أنه قد تجاوز، وعند اكتشافه لذلك لم يتردد لحظة في التوبة إلى الله عز وجل، ولم يجادل دقيقة واحدة، ثم قال له صلى الله عليه وسلم: (أما لو لم تفعل للفحتك النار)، وفي رواية (لمستك النار)، يعني: كان خطأً يستحق العقاب الشديد من الله عز وجل، لكن الإنسان مجرد أن تاب إلى الله عز وجل تاب الله عليه، وهذا هو المقصود.

    مسارعة أبي بكر إلى استرضاء بلال وسلمان وصهيب
    وانظر إلى موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه عند الإمام مسلم و أحمد عن عائذ بن عمرورضي الله عنه: أن أبا سفيان أتى على سلمان و صهيب و بلال في نفر -و سلمان و صهيب و بلال كانوا من الموالي، وإنما أعتقوا بعد الإسلام- وكان ذلك بعد صلح الحديبية في زمن الهدنة، فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها، يعني: نحن كنا نتمنى أن نرى السيوف تقطع في رقبة عدو الله، فقال راوي الحديث عائذ بن عمرو : فقال أبو بكر رضي الله عنه وكان واقفاً بجوارهم: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم، وبدأ يلوم الثلاثة الضعفاء الذين قالوا هذه الكلمات، وأتى أبو بكر النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره، فقال له صلى الله عليه وسلم: (يا أبا بكر لعلك أغضبتهم) ، أي: قد تكون أغضبتهم، ثم قال صلى الله عليه وسلم: (ولئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك)، لمكانة وقدر بلال و سلمان وصهيب عند الله عز وجل. فالرسول صلى الله عليه وسلم يقدر موقف الصحابة الثلاثة الضعفاء عندما رأوا رأس الكفر يمشي أمامهم، وتذكروا كل ما فعل بهم في أرض مكة، وأنهم الآن يسكنون في المدينة؛ لأنهم شردوا من ديارهم بمكة، وكل هذا بسبب أهل الكفر الذين يحاربونهم ويصدونهم عن دينهم، ففي هذا الوقت قالوا هذه الكلمات جراء المعاناة الشديدة التي كان يعاني منها هؤلاء الصحابة في مكة، فالرسول يقدر موقفهم، ويقدر القهر والتعذيب والبطش والطرد والحرب المستمرة التي كانت من قريش، فيقدر كل هذا، وتأمل ماذا عمل أبو بكر رضي الله عنه؟ هل كان يمتلك المبررات؟ وهل كان يمتلك الوسيلة التي يمكن أن يرد فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ كل هذا لا، ورغم ذلك كان باستطاعة أبي بكر أن يذكر بعض المبررات، ومنها: أولاً: أن هذا زمن هدنة، ولا داعي لإثارة أمور قد تثير الحرب بين الطرفين. ثانياً: أن هذا سيد قريش، ويرجى إسلامه، ولو أسلم لأسلمت قريش من ورائه، لكن بهذه الكلمات قد يكون ذلك سبباً في نفرته من الإسلام. ثالثاً: أنه لا داعي لسب الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عز وجل بغير علم. رابعاً: الدعوة بالتي هي أحسن. وأسباب ومبررات كثيرة كان باستطاعة أبي بكر -وهو لا تنقصه حجة ولا بلاغة- أن يذكرها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك فقد أعرض عن كل هذه المبررات، ولم يفكر إلا في الذنب الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (لعلك أغضبتهم، ولئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك) ثم أسرع أبو بكر رضي الله عنه إلى إخوته سلمان و صهيب و بلال وقال لهم: يا إخوتاه أأغضبتكم؟ خوف من الذنب، ورجل كـأبي بكررضي الله عنه وأرضاه صفحته بيضاء تماماً، وأي خدش فيها يؤذيه، من أجل هذا ذهب سريعاً إلى إخوانه ليتجنب هذا الذنب الذي وقع منه، أو احتمال الذنب الذي وقع منه، فرد عليه واحد منهم فقال: لا، ثم قال: يغفر الله لك يا أخي. فالشاهد من القصة أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان عنده من المبررات الكافية التي يدافع بها عن نفسه، ويحسن صورته وهيئته أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمام الثلاثة الضعفاء، وأمام المجتمع المسلم بأكمله، لكنه رضي الله عنه ما أراد كل ذلك، وإنما أراد أن يتوب من الذنب، وذلك بعد أن اتضح له أنه ذنب.

    تعظيم الذنب وإن صغر من السمات الأساسية لتوبة الصحابة رضوان الله عليهم

    السمة الثالثة: تعظيم الذنب وإن صغر، وهذا عكس ما يفعله كثير من الناس، فمعظم الناس تهون الذنب مهما عظم، لكن الصحابة كانوا يعظمون الذنب مهما صغر، وانظر لقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه في صحيح البخاري : إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه -فالمؤمن يتخيل الذنب كالجبل الذي سيقع عليه، فكيف سيكون حاله!- وإن الفاجر يرى ذنوبه كالذباب مر على أنفه فعمل به هكذا، وأشار بيده فوق أنفه. يعني: أبعده وطيره بيده. وتأمل أيضاً قول أنس بن مالك رضي الله عنه عند البخاري وكيف كان مفهومه عن الذنب: إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر -يعني: أنتم ترونها بسيطة جداً- وإن كنا لنعدها على عهد النبي صلى الله عيه وسلم من الموبقات، أي: من المهلكات، وهذا أمر مهول جداً، ففرق واضح بين جيل الصحابة والجيل الذي لحق بهم كما يقول أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه، فهم كانوا يفرقون بين عظم الذنب وصغره بحسب قوة الإيمان، إذاً ما بالكم بالأجيال التي تلت؟! وكلام أنس بن مالك هذا كان للجيل الذي تلا جيل رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة، وعليه فلا وصول إلى ما وصل إليه هؤلاء إلا بالاهتمام بالتوبة من كل ذنب مهما صغر. وقال بلال بن سعد رحمه الله: لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت. وموقف آخر لـأبي بكر الصديق رضي الله عنه مع ربيعة بن كعب رضي الله عنه عندما قال في حقه كلمة شعر أنه قد أغضبه بها، يعني: أن الصديق أغضب ربيعة بن كعب بكلمة بسيطة، فطلب منه الصديق أن يردها عليه، وانظر هنا: فقد كان الصديق الوزير الأول لرسول الله صلى الله عليه وسلم وساعده الأيمن، بينما ربيعة بن كعب هو خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففرق كبير وبون شاسع بين الاثنين، لكن الصديق شعر أنه قد عمل جريمة لدرجة أنه يطلب من خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرد عليه الكلمة التي قالها في حقه، فأبى عليه ربيعة ، ورفض أن يسب أو يشتم، أو يقول كلمة فيها نوع من الخطأ، أو فيها نوع من التعدي على الصديق رضي الله عنه وأرضاه، وهو المتربي في بيت النبوة، فذهب أبو بكر -تخيل- يشتكي ربيعةعند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقر ربيعة على رفضه وقال له: (قل له: يغفر الله لك، يغفر الله لك ياأبا بكر) ، فقال ربيعة : يغفر الله لك يا أبا بكر ، فولى أبو بكر وهو يبكي، إحساس منه أنه لم يكفر الذنب الذي عمله، وحساسية مفرطة لأي ذنب مهما صغر. وروى مسلم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى خاتماً من ذهب في يد رجل فنزعه فطرحه)، والذهب محرم على الرجال، ثم قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده) ، ثم قيل للرجل بعدما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذ خاتمك وانتفع به، قال: لا والله لا آخذه أبداً وقد طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالذنب ليس بذنب كبير، وليس من الكبائر، والرجل لعله قد يكون جاهلاً بالحكم، وكان بإمكانه أن يأخذه ليبيعه أو يعطيه لزوجته أو يدخره لزمن، لكن إحساس الرجل بعظم الذنب جعله يزهد في الخاتم، وحجة الصحابة في هذا الإحساس المفرط لقضية الذنب: حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه الإمام أحمد رحمه الله عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إياكم ومحقرات الذنوب) أي: الذنوب البسيطة التي يستحقرها الإنسان لصغرها في ظنه، ثم قال: (فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه). ......

    إتباع السيئة الحسنة من السمات الأساسية لتوبة الصحابة رضي الله عنهم

    السمة الرابعة: اتباع السيئة بالحسنة، أي: محاولة معادلة السيئة بحسنة بعدها، فيبطل أثر السيئ، وإلى هذا المعنى أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. عنأبي ذر رضي الله عنه وأرضاه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اتق الله حيثما كنت) ، نصيحة في منتهى العظمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي ذر وإلى الأمة جميعاً، ثم قال: (وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس) ، وكان هذا المعنى واضحاً جداً في حياة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فبمجرد ما الإنسان يذنب ذنباً يحاول أن يتبع الذنب بحسنة، بحيث يعادل هذه السيئة بالحسنة. وانظر الموقف الذي رواه البخاري و مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه قال: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني عالجت امرأة في أقصى المدينة، وإني أصبت منها ما دون أن أمسها) ، وفي رواية (أصبت منها قبلة)، يعني: أنه ارتكب معها شيئاً لا يستوجب الحد، فشعر الرجل أنه فعل جريمة كبيرة جداً فقال للنبي: فهأنذا فاقضي في ما شئت، فقال له عمر : لقد سترك الله لو سترت نفسك، لكن الرجل من داخله يريد أن يتخلص من الذنب الذي عليه، قال راوي الحديث عبد الله بن مسعود : فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً، أي: لم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم بشيء، ولم يأت الوحي بعد في ذلك، فقام الرجل فانطلق، والرجل مهموم لم يعرف كيف يتخلص من الذنب، فأتبعه النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً ودعاه، أي: أمره بالرجوع إليه مرة أخرى، وتلا عليه آية تعالج مشكلته ومشكلة وموقف الذين يفعلون مثله، أو أي ذنب من الذنوب قال: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ )[هود:114]، قوله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ )[هود:114]، أي: أكثر من النوافل، وقوله: (وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ )[هود:114]، أي: صل قيام الليل، (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ )[هود:114]، فهذا شيء عظيم جداً، فقال رجل من القوم. قيل أنه معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه، (يا نبي الله هذا له خاصة؟ قال: بل للناس كافة) ، أي: لكل واحد يرتكب ذنباً، فيبادر لعمل المعروف، حتى يكفر عنه ذنبه الذي عمله. وهذا كعب بن مالك رضي الله عنه وأرضاه عندما تاب من أمر التخلف عن الجهاد في سبيل الله عز وجل، ونزلت توبته بصريح القرآن، إلا أن كعب بن مالك رضي الله عنه وأرضاه قال: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، علامة على صدق التوبة الشديدة، فهو يريد أن يتخلص من المال الذي أقعده، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: (أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك) ، فقال كعب : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. وتصدق بكل ماله عدا هذا السهم، وتخيل واحداً دفع كل ماله من أجل أن يتخلص من ذنب واحد، إحساس عظيم جداً؛ لأنه فعلاً يريد أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى. و أبو لبابة رضي الله عنه وأرضاه عندما تاب الله عليه قال: يا رسول الله إن من توبتي أن أهجر ديار قومي، وفي رواية: أهجر هذه الدار التي أصبت فيها الذنب وأساكنك، يعني: أنه سيترك المكان الذي كان يعيش فيه، وكان بعيداً عن المدينة المنورة، ويأتي يعيش بجوار الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، وأيضاً شيء آخر وأني أنخلع من مالي صدقة لله ولرسوله، أي: سأتبرع بكل مالي في سبيل الله، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم الرحيم بأمته وبـأبي لبابة ، والعارف باحتياجات الحياة قال: (يجزئ عنك الثلث)، أي: يكفي أن تتبرع بثلث مالك فقط، وهذا بحد ذاته كثير جداً، وهنا أقر الرسول صلى الله عليه وسلم مبدأ التصدق لتكفير الذنوب، وفعل الخير بصفة عامة لمحو السيئات. وموقف آخر لـعمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما وقف يجادل الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديبية، ونحن نعرف الجدال الطويل الذي دار بينه وبين الرسول في قضية صلح الحديبية، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه: مازلت أصوم وأتصدق وأصلي وأعتق خوفاً من الذي صنعته مع النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ، حتى رجوت أن يكون خيراً، وفي رواية لـابن عباس رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب قال: لقد أعتقت بسبب ذلك رقاباً وصمت دهراً، يعني: أنه عمل كثيراً من الطاعات حتى يكفر عن ذنبه الذي عمله. والخلاصة: أن هذه السمة سمة مهمة جداً، ومفروض أن تكون سمتنا جميعاً، فإذا أحدثنا ذنباً نبادر بعمل الخير، من صدقة وقيام ليل وعفو عن آخر أخطأ في حقنا حتى يكفر الله ذنبنا. ......

    عدم القنوط من رحمة الله تعالى من السمات الأساسية لتوبة الصحابة رضوان الله عليهم

    السمة الخامسة: عدم القنوط من رحمة الله تعالى مهما عظم الذنب، فلا يكون هناك يأس أبداً من رحمة الله سبحانه وتعالى، للحديث الذي رواه الإمام أحمد و ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو أخطأتم حتى تبلغ خطاياكم السماء ثم تبتم لتاب الله عليكم)، وفي رواية أحمد (حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض)، لا أحد أذنب بهذا المقدار الكبير من الذنوب، إذاً: فكل الذنوب يتوب الله سبحانه وتعالى عليها. روى البخاري عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: (إن ناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا، وزنوا وأكثروا، فأتوا محمداً صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة)، أي: نحن عملنا جرائم كثيرة جداً في الجاهلية، فهل إذا دخلنا في الإسلام يعفو الله عنا؟ قال: فنزل قول الله عز وجل في سورة الفرقان (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا )[الفرقان:68-69]، ثم يقول: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا )[الفرقان:70]، فكل هذه السيئات السابقة تبدل إلى حسنات بمجرد التوبة (فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا )[الفرقان:70]، وقال ابن عباس : ونزل أيضاً قول الله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)[الزمر:53]. وروى البزار و الطبراني بإسناد جيد عن أبي طويل شطب الممدود رضي الله عنه وأرضاه: (أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت رجلاً عمل الذنوب كلها ولم يترك منها شيئاً، وهو في ذلك لم يترك حاجة ولا داجة إلا فعلها -والحاجة: الأمر الصغير، والداجة: الأمر الكبير- فهل لذلك من توبة؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهل أسلمت؟ قال: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: تفعل الخيرات وتترك السيئات يجعلهن لك خيرات كلهن. قال: وغدراتي وفجراتي؟ قال رسول الله: نعم، فقال الرجل: الله أكبر فما زال يكبر حتى توارى) فخير عظيم بأن تمحى كل الذنوب السابقة، وليس فقط تمحى الخطايا بل تتحول إلى حسنات. وثواب من الله عز وجل، فأمر مهم جداً أن الإنسان لا يقنط من رحمة الله عز وجل، وخاصة أن الله عز وجل دعا إلى التوبة من لا يتخيل الناس أبداً أن تقبل توبته عند الله عز وجل. قال ابن عباس رضي الله عنهما: دعا الله عز وجل إلى مغفرته من زعم أن المسيح هو الله، ومن زعم أن المسيح هو ابن الله، ومن زعم أن الله فقير، ومن زعم أن يد الله مغلولة، ومن زعم أن الله ثالث ثلاثة، فقال الله عز وجل لهؤلاء: (أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ )[المائدة:74]، فبعد كل هذه الجرائم العظيمة جداً يدعوهم إلى التوبة وإلى الاستغفار. كما دعا الله عز وجل كفار بدر إلى التوبة فقال: (إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ )[الأنفال:38]، ودعا الله أصحاب الأخدود إلى التوبة وذلك بعد ما أحرقوا المؤمنين، فقد أحرقوا سكان قرية بكاملها ليست لهم جريمة إلا أن قالوا: ربنا الله، قال سبحانه وتعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا )[البروج:10] يعني: لو تابوا لغفر الله لهم، (فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ )[البروج:10]، ودعا الله عز وجل فرعون إلى التوبة بعد أن قال كلمته الفاجرة (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى )[النازعات:24] وبعد أن قال: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي )[القصص:38]، وبعد هذه السلسلة الكبيرة من القتل للأطفال والاستحياء للنساء قال الله عز وجل في حقه: (فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى )[طه:44] فأمر الله نبيه موسى وهارون بالتودد إليه في الكلام، لعله أن يؤمن ويرجع إلى ربه سبحانه وتعالى، (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا )[النساء:27]. ولذلك فإن الصحابة ما كانوا يرون ذنباً -مهما تعاظم- لا تصلح فيه التوبة، ولم يكن عندهم قنوط أبداً من التوبة ما دام في العبد نفس يتردد، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)، فأطلقها صلى الله عليه وسلم بأن الله يقبل توبة العبد من أي ذنب ما لم يغرغر، أي: لم يكن في لحظات الموت الأخيرة، فأي وقت قبل هذا يتوب الله سبحانه وتعالى على عباده إن أرادوا أن يتوبوا إليه. وخلاصة القول: أن الصحابة كانوا يصيبون ويخطئون، يحسنون ويسيئون، يذنبون ويتوبون إلى الله عز وجل، لكن توبتهم كانت ذات طابع خاص جداً، فقد كانوا يتوبون من قريب، ولا يصرون على معصية، فقد كانوا لا يحبون أن يبيتوا على ذنب، وقد كانوا لا يبررون ذنباً ولا يجادلون فيه، من نصحهم في الله قبلوا منه، بل وأحبوه وقدروه، وكيف لا وقد أرشدهم إلى صلاح الدنيا والآخرة، وكانوا لا يستحقرون ذنباً ولا يستصغرونه، بل يتوبون بسرعة من كل ذنب؛ لأنهم يقدرون الله عز وجل حق قدره، وكانوا يكفرون عن ذنوبهم بالأعمال الصالحة، فيبذلون في سبيل ذلك الغالي والثمين، من صدقة وصيام وصلاة وعتق رقاب، ولو كلف أحدهم أن ينفق كل ماله لمحو سيئاته، وكان ذلك هدفاً واضحاً عندهم، وكانوا لا يقنطون أبداً من رحمة الله عز وجل، ولا ييأسون من عفو الله مطلقاً، لأنهم علموا أن لهم رباً يغفر الذنوب جميعاً إلا أن يشرك به، وأنه سبحانه وتعالى يفرح بتوبتهم، وأنه يناديهم ليستغفروه، ويطلب منهم أن يسألوه، إله رحيم غفور ودود، سبقت رحمته غضبه، وفتح باب التوبة إلى أن تطلع الشمس من مغربها، رحمته وسعت كل شيء، فهذا هو الإله الذي عبدوه، وهذا هو الإله الذي نعبده، ولا إله غيره سبحانه وتعالى، فإن فقهنا نظرة الصحابة للذنب والتوبة وصلنا إلى ما وصلوا إليه، وغفر لنا ما غفر لهم، وكنا معهم على طريق واحد ليس في آخره إلا الجنة. نسأل الله عز وجل إقلاعاً عن كل ذنب، وندماً على كل خطيئة، وعزماً على عدم العودة إلى ذنوبنا أبداً، ومغفرة تامة لكل سيئاتنا، وأن يلحقنا بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنات الخلد جنات النعيم (فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ )[غافر:44]. وجزاكم الله خيراً كثيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ......

  7. #7

    مراقب سابق


    تاريخ التسجيل : Jul 2009
    رقم العضوية : 54901
    الجنس: ذكر
    المشاركات : 1,380
    التقييم : 117
    عبدالعزيز المالكي غير متواجد حالياً

    رد: %% سلسلة كن صحابيا ......%% أضخم سلسلة تكلمت عن الصحابة وأحوالهم "متجدده"

    سلسلة كن صحابياً الصحابة والأخوة
    الأخوة منحة ربانية وإشراقة قدسية، وصمام أمان لهذه الأمة من الذلة والضعف والهوان، وقد ترجم ذلك الرعيل الأول في مفاهيم عدة، فانتشر الحب والوئام فيما بينهم، وسادوا الدنيا بأجمعها، لأنهم علموا أن أمة الإسلام لا يستقيم أمرها ولا يكون لها شأن إلا بالتآلف والتآخي بين أبنائها.
    الأخوة صمام أمان لهذه الأمة وضرورة حتمية لإقامة كيانها

    أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فمع المحاضرة العاشرة من محاضرات: كن صحابياً، وما زلنا نبحث عن معالم الطريق الذي سار فيه الصحابة، والذي نسأل الله عز وجل أن يلحقنا بهم في أعلى عليين، وسنتحدث بمشيئة الله تعالى عن مفهوم جديد من المفاهيم الإسلامية، وكيف تعامل الصحابة مع هذا المفهوم، هذا المفهوم الذي لا يستقيم لأمة الإسلام أن تقوم بغيره، والذي بعدُّ من دعامات المجتمع الصالح، ولبنة أساسية من لبنات إقامة الأمة الإسلامية الصالحة، ألا وهو: مفهوم الأخوة، فأي مجتمع صالح لابد أن يقوم على أساس الأخوة. روى البخاري و مسلم عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً)، وانظروا إلى هذا التشبيه الجميل، فبنيان الأمة الإسلامية مثل العمارة الضخمة الكبيرة، فهل تستطيع أن تبني عمارة بأن تضع طوبة بجانب طوبة فوق طوبة من غير إسمنت وغيره من المواد؟ لا يمكن ذلك، لأنه لابد أن يكون هناك شيء يربط بين كل طوبة وأخرى، وإذا فرضنا أنك تستطيع أن تعمل ذلك في ارتفاع متر أو مترين فإنك لن تستطيع أن تعمله في عمارة ضخمة، والإسمنت الذي بين طوبة وطوبة أخرى، أو الخرسانة التي بين دور ودور آخر هي الأخوة، فلا تستطيع أن تبني عمارة كبيرة من غير إسمنت، أو من غير خرسانة، وكذلك الأمة الإسلامية، فلا تستطيع أن تبني أمة من غير أخوة، لذا قال ربنا عز وجل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10]، حصر منه عز وجل، فلا ينفع أن تكون أمة المؤمنين من غير أخوة، ولذلك كان من أوائل الأساسات التي أنشأها رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة بعد هجرته أساس الأخوة، فأقام المؤاخاة بين الأوس والخزرج، وفك النزاع القديم الأصيل في المدينة، وليس فقط ذلك، بل جعل كل طرف يحب الطرف الثاني، ووجدت المحبة والمودة في المدينة لأول مرة، ونحن لا نريد مجرد التعايش السلمي، بل نريد الأخوة في الله، والحب في الله. ثم أقام النبي صلى الله عليه وسلم المؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين، ووصلت هذه المؤاخاة إلى حد الميراث، يعني: كأنها أخوة حقيقية تماماً، بل أشد من الأخوة الحقيقية، والغريب أن الأوس والخزرج قحطانيون من اليمن، بينما قريش عدنانيون من مكة، لكن الإسلام جمع بينهم، وليس فقط أقام لهم دولة، بل جعل كل فرد في هذه الدولة يحب الفرد الآخر، وهذا هو ما عمله الإسلام في المدينة، ولذلك نجد أن معظم شعائر الإسلام تقوم على الجماعة، أي: على المجتمع، ولذا كان لابد لهذا المجتمع أن يكون فيه أواصر أخوة ومحبة، فمثلاً: صلاة الجماعة تفضُل على صلاة الرجل في بيته بسبع وعشرين درجة، وذلك حتى يرتبط المسلم بجماعة المسلمين، وكذلك الزكاة، لابد أن تكون من واحد لمجموعة، أو من واحد لواحد، ولا ينفع أن تكون الزكاة شيئاً فردياً، والحج أيضاً مؤتمر جماعي كبير، يأتي إليه الناس من كل أقطار الأرض، ليجتمعوا وليعملوا هذا المؤتمر العظيم كل سنة، وكذلك الجهاد لابد أن يقوم به مجموعة من الناس، ولا ينفع أن يكون الجيش فرداً أو فردين أو ثلاثة، لأنه عمل يشمل كل الأمة في أقطارها، وفي الدعوة لابد أن يكون هناك داعية ولابد أن يكون هناك مدعوون، وفي العلم لابد أن يكون هناك عالم ومتعلمون، والشورى أيضاً لابد أن تكون بين مجموعة من المسلمين، فكل شيء محتاج إلى مجموعة من الناس، وكل شيء في الإسلام محتاج إلى العمل الجماعي، وأعظم دليل على ذلك: قضية الاستخلاف على الأرض، فلن تقوم إلا بعمل جماعي، فهناك من يزرع، وهناك من يبني، وهناك من يبيع، وهناك من يعالج، وهناك من يخترع، وهناك من يحارب ويدافع، ولابد من تفاعل وتنسيق بين كل هؤلاء، وذلك حتى يخرجوا بعمل طيب ونافع، وهذا كله لا يحصل إلا إذا وجدت محبة بين المسلمين، وفوق ذلك هناك صراع حتمي بين أهل الحق وأهل الباطل، وهو سنة من سنن الله عز وجل في الأرض، وهذا الصراع سيحتاج إلى وحدة بين أهل الحق في مواجهة أهل الباطل، ولا يمكن أن يتصارع أهل الحق مع أهل الباطل وهناك فرقة وبغضاء وشحناء بين أهل الحق، ولذلك فإنه إذا تصارع أهل الحق فيما بينهم فلن يكون هناك شرائع ولا جهاد ولا شورى ولا استخلاف، ولذا أوجب الله عز وجل الأخوة والحب في الله بين أفراد المجتمع المسلم، ونهاهم عن الشحناء والبغضاء والكراهية، وبذلك يستطيع المؤمنون بالله أن يقوموا بأمر الاستخلاف كما أراد الله عز وجل، ومن هنا فقه الصحابة أهمية الأخوة بين بعضهم البعض دون ارتباط بنسب ولا مال ولا مصلحة، فهموا أنه لن تقوم لهم أمة، ولن يعبدوا الله حق عبادته، ولن يقوموا بأمر الاستخلاف كما ينبغي إلا بالأخوة فيما بينهم. إن قيمة الأخوة والألفة والمحبة في بناء المجتمعات الصالحة لا ينكرها أحد، لكن لكل مجتمع نظرته الخاصة لموضوع الأخوة، والناس تفهمها بطريقتها الخاصة، لكن ماذا كانت نظرة الصحابة للأخوة؟ ويا ترى ما هو مفهومهم عن قضية الحب في الله؟ ويا ترى ما هو مفهوم مجتمع الصحابة عن قضية الحب بين أفراد المجتمع، أو الأخوة بين أفراد المجتمع؟ من هنا سأتحدث عن أربعة مفاهيم أعتقد أنها كانت تميز نظرة الصحابة لمعنى الأخوة، وأتمنى لو نتعلم ونطبق هذه المفاهيم في حياتنا. ......

    من المفاهيم الأساسية التي ميزت نظرة الصحابة للأخوة أنها طريق إلى الجنة

    المفهوم الأول: أن الصحابة فهموا أن الأخوة طريق إلى الجنة، مثلها مثل: الصلاة والصوم والجهاد والدعوة إلى الله عز وجل، وكل هذا فهموه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يعطينا قيمة وقدراً عالياً لها. ......
    الأحاديث النبوية التي تربط بين الأخوة ودخول الجنة
    انظر إلى هذا الحديث الذي رواه الإمام مسلم و الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا)، الرسول يقسم أن البشر لن يدخلوا الجنة حتى يؤمنوا، وهذا أمر مفهوم، لكن التي ستأتي بعدها قد يستغربها كثير من الناس، قال صلى الله عليه وسلم: (ولن تؤمنوا حتى تحابوا)، إذاً هذا شرط من شروط الإيمان، وعليه فإن العبد يخاطر بقضية الإيمان، ويخاطر بدخول الجنة إذا قطع علاقته مع كل الناس، ثم يعطيك النبي صلى الله عليه وسلم أحد الطرق لزيادة المحبة أو لتأصيل المحبة بين المسلمين فقال: (أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم). وانظر أيضاً إلى الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي، اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي)، تخيل في هذا اليوم الصعب العسير، والشمس تدنو من الرءوس قرابة ميل -والميل: ميل المسافة أو الميل الذي تكتحل به العين- ومع ذلك هناك طائفة من الناس لا تشعر أبداً بهذا الحر، ألا وهم المتحابون بجلال الله عز وجل، الذين كان يحب بعضهم بعضاً دون نسب ودون مصالح ودون منافع. وتأمل هذا الحديث الخطير الذي رواه الترمذي وقال: صحيح. عن أنسرضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، يا ترى كم واحداً منا يحب أن صديقه أو جاره يكون عنده من الأموال مثل الذي عنده، أو يحب أن ابن جاره أو ابن صاحبه يأخذ وظيفة جيدة مثل التي عند ابنه، أو أن أولاد جاره يكونون متفوقين تماماً مثل ابنه بل وأحسن؟ يا ترى هل هناك أحد منا يعمل بهذه العواطف أو المشاعر، أم يريد دائماً أن يكون أحسن وأعظم وأذكى من كل الذين حوله؟ إذاً فالقضية خطيرة جداً، ولذلك كان ثوابه أكبر وأعظم من الذي يمكن أن نتخيله. وتأمل أيضاً في هذا الحديث الذي يُعظِّم من ثواب أولئك الذين أحبوا بعضهم البعض إلى درجةٍ وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الذي رواه أبو داود عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن من عباد الله لأناساً ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله تعالى) فتعجب عندما ترى الأنبياء والشهداء يغبطون هؤلاء الذين أعطوا درجة عالية جداً يوم القيامة بمكانهم من الله تعالى، وقربوا منه سبحانه وتعالى، لكن يا ترى ماذا عمل هؤلاء؟ وما هو العمل العظيم الذي أوصلهم إلى هذه الدرجة؟ لذا فإن الصحابة تشوقوا لمعرفة هؤلاء الناس: (قالوا: يا رسول الله! تخبرنا من هم؟ قال: هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها). فلا يوجد بينهم نسب ولا مصالح، (فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم على نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]). فهؤلاء هم أولياء الله عز وجل، وليس الولي الذي يمشي فوق الماء أو يطير في الهواء، إنما الأولياء هم الذين يتحابون بروح الله على غير أنساب بينهم، ولا أرحام ولا أموال يتعاطونها. إذاً فهذه هي القيمة العالية للأخوة في الله.
    التباغض والشحناء سبب لتأخر المغفرة وتخلف الثواب
    وانظر إلى الناحية الأخرى عندما توجد الشحناء والبغضاء محل الأخوة في الله، وخطر منعها مغفرة الله تعالى: روى الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً إلا رجل كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا)، فتخيل لو أنك تشاجرت مع جارك أو صاحبك أو قريبك فإن مغفرة الله عز وجل تؤجل لك ولصاحبك إلى أن تتصالحا، ثم الله أعلم هل ستموت قبل أن يغفر لك أم ستلحقك المغفرة في الدنيا؟! إذاً علاقتك بإخوانك هي التي تحدد مغفرة الله لك، وهذا شيء في منتهى الخطورة. لذا كان الشافعي يقول أبيات رائعة: أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة وقوله: إنه ليس من الصالحين إنما هو تواضع منه رحمه الله تعالى. وأكره من تجارته المعاصي وإن كنا سوياً في البضاعة فيقول رحمه الله تعالى: بأن حبه للصالحين هو الذي يمكن أن يدخله الجنة، وهذا مفهوم راقٍ جداً عند الإمام الشافعي رحمه الله، ولذا نجد أن تلميذه الإمام أحمد بن حنبل عندما سمعه يقول هذين البيتين قال له: تحب الصالحين وأنت منهم ومنكم سوف يلقون الشفاعة وتكره من تجارته المعاصي وقاك الله من شر البضاعة فهذا هو الكلام الذي ينفع مع أمثال الشافعي أو أحمد بن حنبل رحمهما الله.
    سلامة الصدر وحب الخير للآخرين صفة ترتقي بصاحبها في درجات الجنان
    إن معنى الأخوة والحب في الله قد زرعه النبي الله صلى الله عليه وسلم في قلوب أصحابه من خلال التربية والتعليم من المواقف، وذلك بأسلوب سهل وبسيط، فعند الإمام أحمد بسند صحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كنا جلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة)، والصحابة في شوق إلى معرفة هذا الرجل، فيا ترى هل هو أبو بكر ؟ أم عمر ؟ أمعثمان ؟ أم علي ؟ أم غيرهم من كبار الصحابة؟ لا، يقول أنس بن مالك راوي الحديث: (فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه قد علق نعليه في يده الشمال)، وانظروا إلى وصف أنس بن مالكرضي الله عنه وأرضاه للرجل، فهو رجل بسيط جداً، وليس معروفاً بين الصحابة، وإنما هو مجرد رجل من الأنصار كما يقول أنس ، ولو كان هذا الرجل معروفاً لقال أنس : فطلع سعد بن معاذ أو سعد بن عبادة أو أسيد بن حضير وذكره باسمه، لكن هو رجل غير معروف، خرج لتوه من الوضوء ولحيته تقطر ماء، وواضع نعله في يده الشمال، والصحابة لا يرون فيه شيئاً غريباً، فهو رجل متوضئ مثلما هم يتوضئون وذاهب ليصلي مثلما هم يصلون، وليس معروفاً بين الصحابة بعمل كبير أو عمل عظيم. قالأنس راوي الحديث: (فلما كان من الغد قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى -وبنفس الهيئة- فلما كان اليوم الثالث قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل مقالته أيضاً: يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى)، وكان باستطاعة النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم بمنتهى الوضوح ما هو العمل الذي عمله هذا الرجل وانتهى الأمر، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن يشوقهم إلى معرفة عمل هذا الرجل الذي أهله لأن يكون من أهل الجنة، ثم في الأخير أراد أحد الصحابة أن يعرف ما خبر وقصة هذا الرجل؟ وما الذي جعله من أهل الجنة وهو رجل بسيط لا أحد يعرفه؟ قال راوي الحديث: فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص . يعني: أن عبد الله بن عمرو بن العاص تبع هذا الرجل ومشى خلفه وقال له: إني لاحيت أبي. يعني: تشاجرت مع والدي، فأقسمت ألا أدخل عليه ثلاثاً أي: قلت: أنا لن أدخل البيت لثلاثة أيام، فأريد أن أبر بالقسم، ولا أجد مكاناً أقعد فيه، فأريد أن أقعد عندك، ولذلك قال له: فإن رأيت أن تأويني إليك حتى تمضي فعلت حتى تنقضي الثلاثة الأيام، فقال: نعم. وأخذ الرجل الموضوع ببساطة ورحب به في بيته. قال أنس : وكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث، يعني: أن أنساً راوي الحديث رضي الله عنه وأرضاه يحكي أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يحكي حكايته مع هذا الرجل الذي هو من أهل الجنة، والذي لا يعرفه أحد من الصحابة، فيقول أنس بن مالك يروي رواية عبد الله بن عمرو بن العاص : أنه لم يره يقوم من الليل شيئاً، وإنما ينام حتى طلوع الفجر، فلم يره يقوم من الليل شيئاً غير أنه إذا تعار، أي: استيقظ من نومه، وتقلب في فراشه ذكر الله عز وجل وكبر، أي: يذكر الله ويكبر حتى يقوم لصلاة الفجر، ثم قال عبد الله : غير أني لم أسمعه يقول إلا خيراً يعني: كل كلامه كان خيراً. فلما مضت الثلاث الليالي وكدت أن أحتقر عمله، وليس المقصود هنا أن عمله ليس جيداً، فالرجل يصلي ويذكر الله عز وجل ولا يقول إلا خيراً، لكن كل الصحابة كانوا على هذه الصورة، فلماذا هذا الرجل بالذات يؤكد الرسول صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات أنه من أهل الجنة، وكان هذا الذي دعا عبد الله بن عمرو بن العاص إلى الاستغراب وعبد الله بن عمرو بن العاص كان من عباد الصحابة، كان يصوم معظم الأيام، ويقوم معظم الليالي، ويقرأ القرآن يختمه في ثلاثة أيام، فهو لم ير العمل الكبير عند هذا الرجل الأنصاري حتى جعله من أهل الجنة بشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم وتأكيده لذلك، فبدأ يصارحه فقال له: إني لم أتشاجر مع والدي ولكن أردت أن أعرف قصتك، يقول عبد الله : قلت: يا عبد الله إني لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجر ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لك ثلاث مرار: يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة، فطلعت أنت الثلاث مرار، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني: احتمال أن يكون هناك عمل خفي بينك وبين الله أردت أن أعرفه فأقتدي بك، فقال الرجل: ما هو إلا ما رأيت، أي: هذا هو كل عملي، فلا يوجد أي شيء مخفي. وعند ذلك شعر عبد الله بن عمرو بن العاص بإحباط شديد عندما لم يجد الذي يريد، قال: فلما وليت دعاني، أي: لما مشيت قال لي: تعال، ثم قال له: غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشاً، أي: في حياتي ما غششت أحداً من المسلمين، ولا أحسد أحداً على خير أعطاه الله إياه. أي: وفي حياتي أيضاً ما حسدت أحداً على شيء أعطاه الله له، فقال عبد الله : هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق، أي: هذا صعب جداً أن تحب الخير لكل الناس، لكن لو عملتها تكون من أهل الجنة، حتى ولو كنت رجلاً بسيطاً لست من العلماء، ولست عظيماً من العظماء. إذاً: ترسخ في أذهان الصحابة أن دخول الجنة مقرون بحبك لأخيك دون مصلحة ولا منفعة، وترسخ لديهم أن الشحناء والبغضاء والهجر معوقات واضحة لدخول الجنة، وعلى قدر حبهم للجنة أحبوا بعضهم البعض، وعلى قدر اشتياقهم للجنة غفر بعضهم لبعض.

    من المفاهيم الأساسية التي ميزت نظرة الصحابة للأخوة أنها مسئولية أمام الله تعالى

    المفهوم الثاني: مفهوم في منتهى الخطورة، ألا وهو: أن الأخوة مسئولية، وليست مجرد كلمة تقال أو إحساس يشعر به الإنسان، الأخوة ليست أخذاً بلا عطاء، وليست مصالح تقضى لك كلما ازدادت معارفك، وليست قوة في سلطانك كلما ازدادت علاقاتك، يعني: أنت عندما يكون لك معرفة في رئاسة الحي تستطيع أن تحصل على ترخيص، ولو عندك معرفة في المرور تستطيع الحصول على الرخصة لو كانت مسحوبة منك، ولو عندك معرفة في وزارة التربية والتعليم تستطيع أن تدخل طفلاً قبل السن القانوني، ليس هذا هو المقصود من الأخوة ومن كثرة المعارف، إنما الأخوة تبعات ومسئولية، وهذا على العكس من المفهوم السائد عند كثير من الناس، فالأخوة تضحية وبذل وعطاء وإنفاق، إنفاق بلا مردود أو بلا طلب مردود، الأخوة إيثار على النفس، الأخوة حب خالص من القلب لا يراد به إلا وجه الله تعالى. ......
    من نصر مسلماً أو ذب عن عرضه نصره الله في موطن يحتاج فيه إلى نصرته
    أيضاً: الصحابي لم يكن يقبل أن يقال في حق أخيه وهو غائب كلمة قدح أو جرح، وإنما لابد أن يرد عنه في غيبته، وأن يدفع عنه. فقد روى أبو داود و أحمد عن جابر بن عبد الله و أبي طلحة بن سهل الأنصاري رضي الله عنهما أنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من امرئ يخذل امرأ مسلماً في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته)، وفي المقابل (وما من امرئ ينصر مسلماً في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب نصرته)، هذا هو أحد المفاهيم التي ترسخت عند الصحابة. وفي البخاري ومسلم عن كعب بن مالك رضي الله عنه وأرضاه أحد المخلفين في غزوة تبوك أنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما علم بغيابه في الغزوة قال: ما فعل كعب ؟)، اطمئناناً منه صلى الله عليه وسلم على أصحابه، فهو يسأل لماذا لم يأت كعب معنا؟ فقال رجل من بني سلمة -بكسر اللام- يا رسول الله! حبسه برداه أي: حبسته ثيابه، ونظره في عطفيه يعني: في حسن وبهاء الثوب الذي عليه، والمراد من ذلك: أن الدنيا قد شغلته عن القدوم إلى الغزوة. فرد عليه معاذ بن جبل رضي الله عنه قائلاً: (بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً)، والشاهد أن معاذاً دافع عن أخيه كعب ، وإن كان كعبمتخلفاً عن أهم غزوة في حياة المؤمنين، لكن معاذاً عذر أخاه حتى يعرف سبب تخلفه عن هذه الغزوة هذه هي الأخوة الحقيقية وهذا هو المعنى الذي فهمه الصحابة عن الأخوة. كذلك: لما وقع الناس فيعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها في حادثة الإفك المشهورة قالت أم أيوب لزوجها أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنهما: يا أبا أيوب أما تسمع ما يقول الناس في عائشة ؟ قال: نعم، وذلك الكذب، وتأمل كيف يدافع عن عائشة وهو جالس في بيته ولا أحد يراه، ثم قال كلمة شديدة لامرأته أكنتِ فاعلة ذلك يا أم أيوب ، يعني: أكنت تفعلين هذا الفعل الذي يقوله الناس على السيدة عائشة رضي الله عنها؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله، قال: فـعائشة والله خير منك، فهكذا قال أبو أيوب الأنصاري مدافعاً عن السيدة عائشة في غياب كل الناس، وهو قاعد مع امرأته فقط، ولذا كان من حق السيدة عائشة رضي الله عنها على أبي أيوب الأنصاري أن يدافع عنها في غيبتها، وبهذا فعلاً تُحفظ حرمة المؤمنين وحرمة المؤمنات من السوء. والخلاصة: أن الأخوة مسئولية وتضحية، ولن نستطيع أن نستفيض بذكر كل الروايات التي أتت في هذا الموضوع؛ لأن هذا يعني أننا سنتكلم عن حياة الصحابة من أولها إلى آخرها، لنرى مدى عملهم من أجل إخوانهم ومن أجل أخواتهم.
    ابن عباس وقيامه بحق الأخوة طلباً لثواب الله
    وأخرج الطبراني و البيهقي و الحاكم وقال: صحيح، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه كان معتكفاً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أن المعتكف لا يخرج من معتكفه إلا لضرورة شديدة، فما بالك إذا كان معتكفاً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأتاه رجل فسلم عليه ثم جلس إلى جنبه، وكان يظهر على الرجل الكآبة والحزن، فقال له ابن عباس رضي الله عنهما: يا فلان أراك مكتئباً حزيناً، وفي هذا ينبغي للمسلم أن يطمئن على أحوال إخوانه وإن لم يتكلموا، قال: نعم، يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم لفلان علي حق وحان أجله وليس معي ما يقضيه، أي: إن هناك ديناً علي، وليس معي ما يقضيه، فقال له ابن عباس رضي الله عنهما: إن أحببت أن أكلمه لك، فـابن عباس هنا يعمل شيئاً إيجابياً لينفع صاحبه، فهو لا يستطيع أن يساعده بالإنفاق، لكن يمكن أن يكلم الرجل الذي عنده دين فيصبر عليه قليلاً، فقال الرجل: نعم، لأنه مضطر لذلك، فخرج ابن عباس رضي الله عنهما من اعتكافه ليقضي حاجة الرجل، فقال الرجل: أنسيت ما كنت فيه، أي: أنت في اعتكاف فكيف تخرج؟ فقالابن عباس رضي الله عنهما: سمعت صاحب هذا القبر -هذا الكلام كان بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم- يقول: (من مشى في حاجة أخيه وبلغ فيها كان خيراً له من اعتكاف عشر سنين) يعني: ظل مجتهداً في حاجته حتى قضاها، لأن الاعتكاف يعود نفعه على الفرد، وخدمة الآخرين تعود على المجتمع بأسره.
    السعي في حاجات المسلمين كالجهاد والصيام والقيام في الأجر
    ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري و مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: (الساعي على الأرملة والمسكين)، وهذا أمر قد يتساهل فيه بعض الناس، فقد يعطيهم نقوداً قليلة في السنة مرة واحدة ويكفي، لا، ثم بين الجزاء فقال: (كالمجاهد في سبيل الله أو كالذي يصوم النهار ويقوم الليل). فتأمل تعظيم الناس لأمر الجهاد في سبيل الله -وهو أمر عظيم حقاً- وتعظيمهم للصيام والقيام، لكن ما مقدار ما يُعظِّم الناس السعي على الأرملة والسعي على المسكين! والسعي على الأرملة أو المسكين ليس فقط بأن تعطيهم بعض النقود كل سنة مرة، لا، فالساعي متكفل بالمسكين من أول ما يولد إلى أن يدخله الجامعة، وكذلك ينفق على الأرملة إلى أن يكبر عيالها، وهذا هو المجتمع المسلم الذي بني على أسس راسخة متينة. وهذا لم يكن كلاماً فقط، بل كان أفعالاً متكررة في حياة الصحابة، وانظروا إلى موقف الرسول صلى الله عليه وسلم عندما جاءه نعي جعفر ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعاماً) لأن أهل جعفر عندهم مصيبة الموت، فقد مات جعفر رضي الله عنه (فإنه قد جاءهم ما يشغلهم)، فانظر إلى الرفق والفقه والرحمة، وهذا على عكس ما هو منتشر في كثير من البلاد، حيث أن أهل الميت يصنعون طعاماً للناس التي تأتي إليهم، فتجتمع عليهم مصائب عدة: مصيبة الموت، ومصيبة الإنفاق ومصيبة التجهيز والتحضير واستقبال الناس، وهذا كله مخالف للسنة، فالأخوة مسئولية وبذل وعطاء، وليس المقصود أنك تذهب فتكسب من أخيك أو تستفيد من أخيك وانتهى الأمر.
    فهم عثمان بن عفان لمفهوم الأخوة وتطبيقه له
    وذكر أيضاً ابن عباس رضي الله عنهما: أن الناس قحطوا في زمن أبي بكر وحصل قحط شديد، وفي هذا الوقت جاءت قافلة لـعثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه، فجاء التجار يريدون شراءها في هذا القحط الشديد، فسألهم عثمان : كم تربحونني؟ قالوا: في العشرة اثنا عشر، يعني: مقابل كل عشرة دراهم سنعطيك اثني عشر درهماً، قال: قد زادني غيركم، يعني: أنا أتاجر مع آخر وقد زادني على هذا الربح، فقالوا: في العشرة خمسة عشر، وهذا ربح عظيم جداً، ففي مقابل كل عشرة سيكون مكسب خمسة عشر، قال: قد زادني، قالوا: من الذي زادك؟ ونحن تجار المدينة، ولا يوجد أحد آخر غيرنا، فقال: الله عز وجل، زادني بكل درهم عشرة، فهل لديكم مزيد على ذلك؟ ثم قال: اللهم إني وهبتها لفقراء المدينة بلا ثمن وحساب، وتبرع بكل القافلة لفقراء المدينة، لأنه فهم معنى الأخوة، ولو كان رجلاً آخر ليس عنده مشاعر الأخوة في الله لأعطى زكاته 2.5 %، ثم لا دخل له بعد ذلك، لكن الصحابي الجليلعثمان بن عفان فقه معنى الأخوة في الله، وأنها مسئولية وتضحية وبذل وعطاء لفقراء المسلمين، بل ولعموم المسلمين ولأمة الإسلام، فهذه هي حياة عثمان بن عفان رضي الله عنه، فهذه هي حياة الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم.
    فهم معاذ وسلمان لحقيقة الأخوة وتطبيقهما لها
    لم تكن مسئوليتهم تنحصر في المسئولية المادية فقط، بل كان الصحابي يعين أخاه على طاعة الله عز وجل. ففي البخاري أن معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه كان يقول للرجل من إخوانه: اجلس بنا نؤمن ساعة. فليس كله عمل، وليس كله شغل، وليس كله مادة، وليس كله انغماس في الدنيا، وإنما مساعدة على طاعة الله عز وجل، وهذا هو المعنى الذي ذكره الله عز وجل على لسان موسى عليه الصلاة والسلام في سورة طه فقال: (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي *وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي )[طه:29-32]، لماذا كل هذا؟ كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا [طه:33-34]، فالمؤمن يتعاون مع أخيه، وأخوه يعينه في يوم من الأيام، وكل واحد يتبادل مع أخيه منفعة المعاونة على الطاعة، وهذا هو العون الحقيقي، ولذا لم يقل الصحابي سلبياً أبداً في تعليم إخوانه الخير الذي عرفه. ففي البخاري عن وهب بن عبد الله رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان و أبي الدرداء ، وهي المؤاخاة التي حصلت في المدينة المنورة بعد الهجرة فزارسلمانأبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة أي: رثة الهيئة، وهذا كان قبل فرض الحجاب فقال لها: ما شأنك؟ أي لماذا تعملين بنفسك هكذا؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، يعني: أن أخاهأبا الدرداء يقوم الليل ويصوم النهار وليس له حاجة في أهل بيته، فلا حاجة لأن تتزين، فهي تعيش حياتها بهذا التبذل أو بهذه الهيئة الرثة، وعندما سمع سلمان الفارسي رضي الله عنه وأرضاه هذا الكلام عرف أن هذا البيت على شفى حفرة، فقرر أن يكون إيجابياً فينصح أخاه. يقول الراوي وهب بن عبد اللهرضي الله عنه يقول: فجاء أبو الدرداء ، يعني: أن سلمان دخل البيت وأتاه أبو الدرداء فصنع له طعاماً، أي أن أبا الدرداء صنع لـسلمان طعاماً، فقال له سلمان : كل، أي: كل معي، قال: فإني صائم، وأبو الدرداء كان يسرد الصوم قال سلمان : ما أنا بآكل حتى تأكل، قال: فأكل استحياء من ضيفه، ولأنه صيام تطوع، قال: فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم أي: يصلي صلاة الليل، قال له سلمان : نم، فنام قليلاً، ولم يستطع أن ينام، لأنه متعود على القيام، (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ )[السجدة:16]، فقام مرة أخرى لكي يصلي فقال له سلمان : نم، ومرة أخرى أمره بالنوم، فلما كان من آخر الليل، قال سلمان : قم الآن أي: لما كان آخر جزء من الليل قال له سلمان : تعال نصلي القيام، فصليا، فقال له سلمان بعد أن أكملوا الصلاة - فـسلمان يعلمه درساً في منتهى الرقي- إن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، وفي رواية الترمذي قال: وإن لضيفك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه. فكل واحد لابد أن يأخذ حقه، ولا ينفع أن تعطي الوقت كله لطاعة ربنا سبحانه وتعالى -على عظم هذا الأمر- ثم تترك أهلك من غير رعاية، أو تترك نفسك من غير رعاية، أو تترك ضيفك من غير رعاية، وكأن هذا الكلام لم يعجب أبا الدرداء ، ولم يكن مقتنعاً، فهو يريد أن يعتكف طول حياته ليعبد ربه عز وجل، فذهب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يشكو سلمان ، وذكر له كل هذه القصة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدق سلمان .. صدق سلمان ، فأقر النبي صلى الله عليه وسلم سلمان على هذا التعليم اللطيف الذي عمله مع أبي الدرداء رضي الله عنهم أجمعين. والشاهد أن سلمان الفارسي رضي الله عنه أعطى من وقته يوماً وليلة ليعلم أخاه درساً ينفعه، ولكي يحافظ له على بيته، وهذا من سلمان شيء في منتهى الروعة، وذلك أن الإنسان يوقف شغله ويوقف حياته ويوقف نظامه كله من أجل أنه يحافظ على بيت أخيه، أما أن يرى الأخ أو يسمع بمشاكل طاحنة في بيت أخيه وحياته لا تسير بصورة طبيعية، ثم لا يتدخل لحلها فليست بأخوة، فالأخوة مسئولية، ولذلك لو اضطررت لأن تقطع حياتك يوماً وليلة من أجل أن تسافر إلى أخيك، أو تدخل مع أخيك في قضية من القضايا تحلها له فافعل.

    حرص الأشعريين على مواساة بعضهم ومدح النبي لهم
    ولنتأمل في قبيلة الأشعريين التي منها أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، هذه القبيلة كان لها عادة جميلة جداً، والرسول عليه الصلاة والسلام علق على هذه العادة وشكرها. روى البخاري و مسلم عنأبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو) أي: فني زادهم، وطعامهم في الغزو (أو قل طعام عيالهم بالمدينة) سواء كانوا في سفر أو في غزو، أو حتى وهم في المدينة مع بعضهم البعض، ماذا يعملون؟ (جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد)، أي: جمعوا كل الأكل من كل البيوت، أو جمعوا كل الأكل الذي معهم السفر (ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية) أي: أن كل واحد يأخذ نصيباً مساوياً للآخر، لكن قد يقول قائل: ما ذنبي أنا؟ لقد بقيت أجمع الطعام يومين وثلاثة وشهر وشهرين وجاري هذا لم يجمع شيئاً، فلماذا أتحمل أنا المسئولية؟ أيضاً: أنا صاحب عيال وزوجة، ولا أدري ماذا سيحدث غداً؟ لا، فقد كانوا يضعون الأكل في إناء واحد، ثم يقسمونه بينهم بالسوية، ولا يبقى هناك فضل لأحد على أحد، يعني: لا أحد يعرف من الذي كان أكله كثير ومن الذي كان أكله قليل، وهذا منتهى الإخلاص، وانظروا الرسول صلى الله عليه وسلم يعلق على هذا فيقول: (فهم مني وأنا منهم) أي: أن الأشعريين من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منهم، وهذه منقبة عظيمة لهم، مع أن الأشعريين من اليمن، يعني: أنها قبيلة بعيدة جداً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن الفعل يرقى بهم إلى أن يكونوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منهم صلى الله عليه وسلم.
    إعانة المسلم وكشف كربته سبب لإعانة الله للعبد وكشف كربته يوم القيامة
    وهذا المعنى قد ذكره الصحابي الجليل: النعمان بن مقرن رضي الله عنه وأرضاه في خطبته المشهورة في موقعة نهاوند: ولا يكل أحدكم قرنه إلى أخيه -كلمة في منتهى الصعوبة- أي: لا أحد يرمي مسئوليته على أخيه الذي بجواره، وإنما كل واحد يحمل مسئوليته، بل لو استطاع أن يحمل مسئولية أخيه فليفعل، ثم قال: كلمة في منتهى الخطورة: فإن الكلب يدافع عن صاحبه. سبحان الله! الكلب يدافع عن صاحبه، فلماذا لا يدافع المؤمن عن أخيه المؤمن؟! صعب جداً أن يتدنى المؤمن إلى درجة أقل من الحيوان، فالحيوان يدافع عن صاحبه، والمؤمن لا يدافع عن إخوانه، هذا هو مفهوم المسئولية عند النعمان بن مقرن صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة) فالجزاء من جنس العمل، بل الجزاء عظيم على هذا العمل، فإذا كنت أنت الذي تنفس عن مؤمن كربة فربنا سبحانه وتعالى بنفسه هو الذي سينفس عنك يوم القيامة، وإذا كنت تيسر على معسر فربنا سبحانه وتعالى أيضاً هو الذي سييسر عليك في الدنيا وفي الآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم جملة في منتهى الجمال هي ملخص لكل ما فات: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)، أي: ما دام أنك تساعد إخوانك فإن الله سيساعدك، وعلى قدر ما تعطي لإخوانك المسلمين يعطيك الله عز وجل ويكون في عونك، وتخيل لو أن عندك مسألة أو قضية أو مشكلة في حياتك فإن الله عز وجل يجعل لك من ذلك مخرجاً، ولذلك كان الصحابة باذلين حياتهم كلها لنفع الآخرين ولمساعدة الآخرين وللتضحية من أجل الآخرين، لأنهم علموا المردود لذلك، وأن ربهم هو الذي سيعوضهم وليس البشر.
    الحقوق الأخوية أمر إلهي يترتب عليه ثواب الدنيا والآخرة
    وتعالوا بنا نرى كيف أن الرسول صلى الله عليه وسلم غرس في فهم الصحابة معنى الأخوة، أو معنى الحب في الله، أو معنى أنك تعيش في مجتمع متعاون مع إخوانك، ففي الحديث اللطيف الذي أتى بروايات كثيرة، وكلها في البخاري و مسلم و أبي داود و الترمذي وغيرهم. ففي رواية البخاري عن أبي هريرةرضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل سلامى عليه صدقة) والسلامى: هو العظم أو المفصل، وهناك حديث آخر يبين أن عدد المفاصل في الجسم 360 مفصلاً، يعني: عليك كل يوم 360 صدقة، ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم الصدقة فقال: (كل يوم يعين الرجل في دابته يحامله عليها أو يرفع عليها متاعه صدقة)، أي: تساعد الرجل في أن يصعد على دابته، أو تحمل متاعه وترفعه فوق الدابة، ثم يقول: (والكلمة الطيبة صدقة)، وهذه الكلمة الطيبة صادرة لشخص وليست صادرة هكذا للهوى، فأنت تكلم إنساناً لا جماداً، ثم قال: (وكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة)، وهذا عمل من الأعمال الفردية، والمراد بذلك: أنه ذاهب إلى صلاة الجماعة، يعني: ذاهب يلتقي بالمسلمين، (ودل الطريق صدقة) أي: تدل التائه على الطريق الذي يريده. فهذه هي روايات الحديث عند البخاري . وهناك روايات أخرى غيرها، ففي رواية يقول: (يعدل بين الاثنين صدقة)، أي: تصلح بين اثنين متخاصمين صدقة، وفي رواية: (ويميط الأذى عن الطريق صدقة)، أي: تبعد الأذى عن طريق الناس صدقة، وفي رواية: (يعين ذا الحاجة الملهوف)، وفي رواية: (فليعمل المعروف وليمسك عن الشر فإنها له صدقة)، أيضاً هذا خير تعمله في الناس، أو شر تكفه عن الناس، وفي رواية: (تسليمه على من لقي صدقة)، وفي رواية: (وتبسمك في وجه أخيك صدقة)، وفي رواية: (وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة) يعني: تدل الرجل الأعمى على طريقه أو تمسكه بيده وتأخذه إلى المكان الذي يسأل عليه صدقة، فكأن عينيك أصبحت بصراً له، وفي رواية: (وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة). فهذه أعمال خيرٍ قالها الرسول صلى الله عليه وسلم مرة في مجلس، ومرة في مجلس آخر، والمهم أن الصدقة الحقيقية التي يمكن أن تدفعها عن أعضائك وعن النعم التي أعطاك إياها ربنا جل وعلا هي أن تساعد غيرك، وأن تشعر بمسئوليتك تجاه الناس الذين تعيش معهم، أو المجتمع الذي تعيش بداخله، أو الأمة التي تعيش فيها، وعند ذلك تخيل مجتمعاً يفقه الأخوة بهذه الصورة، على أنها اختبار وامتحان وبذل وعطاء ومجهود، وهذا فعلاً ما فقهه الصحابة من أن الأخوة مسئولية، وليست منافع ومصالح، أو أن معارفي كثيرة فسأستطيع أن أكسب كثيراً، لا، إنما المراد أنك ستشتغل للمسلمين كثيراً، وستضحي من أجلهم كثيراً، حتى يشفق عليك مَنْ ليس له إخوان يتعب من أجلهم.


    من المفاهيم الأساسية التي ميزت نظرة الصحابة للأخوة أنها تكون لكل مؤمن

    المفهوم الثالث: أن الأخوة لكل من آمن بالله العظيم رباً، وبرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم نبياً، وبدين الإسلام ديناً. فهي لمن قرب ولمن بعد، وهي لمن كان عربياً أو كان أعجمياً، لمن كان حديث الإسلام أو سابقاً بالإيمان، لمن تعرف ولمن لا تعرف، فهي لكل واحد من المسلمين ممن يستحق كل حقوق الأخوة، حتى وإن كنت لا تعرفه قبل ذلك، وهذا شمول رائع في مفهوم الأخوة. فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه (يطرق الباب على رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الأرقم يوم أن أسلم)، يطرقه وله تاريخ طويل ومؤلم مع المسلمين، تعذيب وإيذاء ومعاداة وكراهية، وفي آخر لحظة من لحظات كفره أراد قتل الرسول صلى الله عليه وسلم، وإذا به يطرق الباب فيقول حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه: افتحوا له الباب، فإن كان يريد خيراً بذلناه له، وإن جاء يريد شراً قتلناه بسيفه، ثم دخل عمر وآمن بالله عز وجل. فانظر مقدار ما حصل في حياة الصحابة، وكيف تحولت الكراهية الشديدة في قلوب المؤمنين التي كانت لـعمر بن الخطاب إلى حب لـعمر رضي الله عنه، وكيف رضوا أن يخرجوا خلف عمر بن الخطاب وخلف حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنهما في صفين إلى الكعبة، وهو لا يزال قبل يوم أو يومين أو ثلاثة يحاربهم، وكيف أن قلوبهم تغيرت وتحولت، فهذه هي معجزة هذا الدين, وأصبح عمر أخاً لكل المسلمين يدافع عنهم ويدافعون عنه. وهذه هي الأمة التي رضي الله عز وجل عنها، والتي أنعم عليها بهذه النعمة، أي: نعمة الأخوة، ولذا فقد استفاد عمر رضي الله عنه وأرضاه من هذا الدرس الذي فعله معه المؤمنون، وذلك عندما رأى المؤمنين كلهم يحبونه -رغم ما فعله بهم- بمجرد أنه أطلق كلمة الإيمان، وأصبح مقياس الحب والكره في قلب عمر مربوطاً بالإيمان. وهذا مثال آخر: فعند الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه: في إسلام ثمامة بن أثال رضي الله عنه، و ثمامة بن أثال أسلم في أواخر حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك بعد حياة طويلة من محاربة الرسول صلى الله عليه وسلم، فيروي أبو هريرة عن عمر بن الخطابأنه قال: لقد كان -يقصد ثمامة بن أثال - والله في عيني أصغر من الخنزير، وإنه في عيني الآن أعظم من الجبل، أي: بعد أن آمن بالله رباً اختلفت النظرة، وأصبح له كل حقوق الأخوة، وأولها الحب والبغض في الله. وانظر أكثر فقد تحدث هذه العاطفة الأخوية الراقية مع مؤمن لم تره من قبل مطلقاً، فتشعر بهذه العاطفة القوية تجاهه، ففي الحديث الذي رواه البخاري و مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، والرجل هذا لا أحد يعرفه، فقال: يا رسول الله! أصابني الجهد يعني: أنا فقير معدم لا أجد شيئاً آكله، وليس معي نقود لأشتري طعاماً فأرسل صلى الله عليه وسلم إلى نسائه يطلب أكلاً لهذا الرجل فلم يجد عندهن شيئاً فهذا بيت رئيس المدينة المنورة، وزعيم الأمة الإسلامية في زمانه، ورغم ذلك لا يوجد في بيته طعام يكفي رجلاً واحداً فقط، ورغم ذلك لم ينس الرسول صلى الله عليه وسلم القضية، وقال: أنا ليس معي شيء، ولا أستطيع أن أعطي. لا، بل شعر بحقيقة الأخوة ولم يتركه، ثم قال: (ألا رجل يضيفه هذه الليلة يرحمه الله) فيطلب من الصحابة أن يضيف أحدهم هذا الرجل، والجزاء يرحمه الله، فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله! فذهب إلى أهله ودخل على امرأته -لوحده في المرة الأولى- فقال لها: ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تدخريه شيئاً يعني: أي شيء عندك أعطيه إياه، فقالت المرأة -مفاجأة قاسية-: والله ما عندي إلا قوت الصبية يعني: ليس عندي أكل الذي يكفي الأطفال فقط، حتى أنا وأنت لا طعام لنا، فقال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم فالرجل أيضاً لم ييأس، فقال لامرأته: عندما يأتي وقت عشاء الأطفال اجعليهم ينامون، ونطعم ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس فقط ذلك، بل قال: وأطفئي السراج وأريه أنا نأكل، حتى يشعر الضيف أن الطعام كثير، وأننا نأكل معه، وحتى لا يشعر أيضاً بالحرج، وفعلاً ناما جائعين، قال: ونطوي بطوننا الليلة، ففعلت، أي: أن المرأة وافقت زوجها في ذلك، (ثم غدا الرجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الثاني فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: لقد عجب الله عز وجل، صنيعكما بضيفكما الليلة)، فكان ذلك أمراً عظيماً من هذا الصحابي، ولمن؟ لشخص لا يعرفه وأصابه الجهد، وهذا هو مفهوم الأخوة عند الصحابة، وليس مهماً أن تعرف الإنسان، بل المهم أن هذا الإنسان مؤمن بالله عز وجل، ولذا فإنه من أجل هذه الأخوة دون سابق معرفة فإن الله عز وجل أوجب على المسلمين أن ينفروا لنجدة إخوانهم المسلمين في البلاد الأخرى إن احتاجوا إلى مساعدة، والفقهاء اتفقوا على أنه لو وقعت امرأة من أهل المشرق، امرأة من أهل المشرق في السبب -وهذه المرأة لا تعرفها ولم ترها من قبل- وجب على كل المسلمين تخليصها، فإذا لم يستطيعوا وجب ذلك على أهل المغرب، أي: أن كل المسلمين يجب تحرير امرأة واحدة فقط، فما بالك عندما يسبى شعب من المسلمين!! الرسول صلى الله عليه وسلم أجلى بني قينقاع من المدينة دفاعاً عن رجل مسلم واحد قُتِل، وعن امرأة مسلمة واحدة كشفت عورتها، فهذه هي المسئولية، وهذا هو المفهوم الذي زرعه النبي صلى الله عليه وسلم بين الصحابة، وممكن أن يكون جيش المسلمين الذي ذهب لإجلاء بني قينقاع من المدينة المنورة لا يعرف هذا الرجل الذي قتل، كذلك قد لا يعرف هذه المرأة التي انكشفت عورتها، لكنها المسئولية عند الأخ لأخيه، فهذا المعتصم أخرج جيشاً لإنقاذ امرأة واحدة في بلاد الروم، امرأة مؤمنة صفعت في بلاد الروم، لم تقتل بل صفعت في بلاد الروم، وهذا الحاجب المنصور -كما رأينا في دروس الأندلس، وكان في الخلافة الأموية في الأندلس -أخرج جيشاً لفك أسر ثلاث نساء مؤمنات، فهذا هو مفهوم الإسلام عن الأخوة في الإيمان، لا فرق بين مصري ولا سوري ولا فلسطيني ولا شيشاني ولا كشميري ولا بسنوي ولا أي أحد من المسلمين، فالكل إخوة في الله.. إخوة في الإيمان.. إخوة في الإسلام، والله عز وجل سائلك عن أي تقصير في حقوق من ارتبطوا معنا برباط عقائدي واحد. ......

    من المفاهيم الأساسية التي ميزت نظرة الصحابة للأخوة أنها تورث السعادة في الدنيا والآخرة

    المفهوم الرابع: أن الأخوة في الله نعمة من الله عز وجل نسعد بها في دنيانا وكذلك نسعد بها في آخرتنا، فالمسلم عندما يؤاخي أخاه في الله لا من أجل الثواب في الآخرة فقط، بل من أجل الحصول على السعادة في الدنيا، لأنه أن يكون أهل الأرض جميعاً يتصارعون على الدنيا ولا يجدون هذه السعادة التي يحس بها المسلم مع أخيه المسلم، وانظر إلى قول الله عز وجل: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ )[آل عمران:103]، فهذه نعمة واضحة أمامك، (إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا )[آل عمران:103]، فنعمة الأخوة في الله لا تعدلها أموال الأرض جميعاً ولا نعيم الدنيا كلها، وهذه ليست مبالغة أقولها، بل هذا كلام ربنا عز وجل، واسمع إلى كلامه في كتابه سبحانه وتعالى إذ يقول: (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ )[الأنفال:63]، فهذه نعمة واحدة فقط، ولو أنفقت كل ما في الأرض لن تستطيع أن تعملها، فهي أغلى من كل ما في الأرض، ولا يدرك فضلها وقيمتها إلا الذي فقدها، لذا فإن أمم الأرض جميعاً تحسد المسلمين على هذه المنة العظيمة، والعجب أن كل من في الأرض يضحي من أجل إخوانه إلا المسلمين، قال الله عز وجل في حق اليهود: (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى )[الحشر:14]، وقال في حق النصارى: وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [المائدة:14]، لكن أمة الإسلام شيء آخر، فهي تعيش في نعمة وسعادة في الدنيا بسبب هذه الأخوة، فكيف يمكن أن نفقد هذه السعادة! وكيف يمكن أن نضحي بهذه الأخوة! ليس ممكناً أبداً لمؤمن فاهم عاقل أن يضحي بهذه السعادة ويطلب أي نعيم في الدنيا أو أي مال في الدنيا في نظير هذه الأخوة، إن أعلى معدلات الاكتئاب النفسي التي توجد عند الرجال والنساء أو الأطفال الذين يعانون من الوحدة في البلاد التي يقولون عنها بأنها راقية عالية جداً، وراجعوا إحصائيات الاكتئاب النفسي الموجودة في أمريكا وإنجلترا والسويد والدنمارك وغيرها من البلاد التي يقولون عنها بأنها بلاد راقية جداً، وكل ذلك بسبب أنه ليس فيها أخوة، وليس فيها من يسأل عن الآخر، فالابن عندما يكبر قليلاً ويصل إلى السادسة عشرة أو السابعة عشرة يترك بيت أبيه وأمه ولا يسأل عنهم أبداً، والكبار قد يضعوهم في دار مسنين ولا يسأل أحد عنهم، فتخيل مجتمعاً بهذه الصورة، وعلى النقيض تخيل مجتمعاً إسلامياً بالصورة التي ذكرناها، سعادة ما بعدها سعادة، فهذه نعمة الإسلام الكبرى، أعني: نعمت الأخوة في الله، ولذلك كان من المستحيل أن يضحي الصحابة بهذه السعادة من أجل أي شيء في الدنيا مهما كان كبيراً في أعين الناس. والخلاصة: مفاهيم الصحابة عن الأخوة، وهكذا تعاملوا مع هذه المسألة الهامة في بناء الأمة الإسلامية، ففهموا أن الأخوة طريق للجنة، وأن الأخوة مسئولية لكل مؤمن مهما بعد أو قرب، عرفوه أم لم يعرفوه، وأن الأخوة تورث السعادة في الدنيا وفي الآخرة. وأختم حديثي بالحديث القدسي الذي رواه الإمام أحمد عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: (حقت -وفي رواية: وجبت- محبتي للمتحابين في وحقت محبتي للمتباذلين في، وحقت محبتي للمتزاورين في، وحقت محبتي للمتجالسين في). أسال الله عز وجل حبه وحب من أحبه وحب عمل يقربنا إلى حبه، (فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ )[غافر:44]. وجزاكم الله خيراً كثيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ......

  8. #8

    مراقب سابق


    تاريخ التسجيل : Jul 2009
    رقم العضوية : 54901
    الجنس: ذكر
    المشاركات : 1,380
    التقييم : 117
    عبدالعزيز المالكي غير متواجد حالياً

    رد: %% سلسلة كن صحابيا ......%% أضخم سلسلة تكلمت عن الصحابة وأحوالهم "متجدده"

    سلسلة كن صحابياً الصحابة واتباع الرسول
    ضرب لنا الصحابة رضي الله عنهم أروع الأمثلة في اتباعهم لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وحرصهم عليها، وموقفهم الصارم ممن لم يلتزم بها، فسادوا بذلك الدنيا كلها، ثم خلف من بعدهم خلف تطاولوا على السنة، وطعنوا فيها وألقوا الشبه عليها، واتبعوا المتشابه منها، وأعرضوا عن المحكم، ونسي هؤلاء أن الفوز والسعادة في الدنيا والآخرة هو باتباعهم لسنة نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم.
    نظرة الصحابة ومن بعدهم للسنة

    أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: فمع الدرس التاسع من دروس المجموعة التي أطلقنا عليها اسم: كن صحابياً. حديثنا إن شاء الله تعالى عن الصحابة رضوان الله عليهم وكيف كان اتباعهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولسنته، وكيف كان تعاملهم مع هذه السنة المطهرة. إن نظرة الصحابة رضوان الله عليهم إلى السنة كانت نظرة فريدة حقاً، فقد كانوا يعظمونها إلى درجة لا يتخيلها إلا من درس حياتهم بعمق، فدرس كل نقطة من نقاط حياتهم رضوان الله عليهم أجمعين. ثم مع مرور الزمن تفاوتت نظرة الناس الذين جاءوا من بعد الصحابة، فاختلفت نظرتهم للسنة، فمنهم من عظمها ولكن كشيء نظري، فيأخذ ويترك منها ما شاء. ومن الناس من اعتقد أنها شيء من الكماليات لا من الضروريات. ومن الناس من اعتقد أن السنة أشياء وأمور خاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم، وليست لعموم الأمة، فإذا قلت لأحدهم: كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعمل كذا، أو يقول كذا، أو كان يتعامل بالطريقة الفلانية في هذا الأمر، يقول لك: هذا الرسول، أما أنا فلست برسول!! ومن الناس من تطاول على السنة، فطعن فيها وألقى بالشبهات، واتبع المتشابه منها وأعرض عن المحكم. فهذا تفاوت كبير في تعظيم السنة في الأجيال التي لحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم، لذا فنحن نريد أن نرى نظرة الصحابة للسنة النبوية، وكيف كان تعاملهم معها. إن ارتباط الصحابة بالسنة كان سبباً مباشراً لوصولهم إلى رضا الله عز وجل، وإلى حب الله عز وجل، فالله عز وجل لن يحب عبداً حتى يتبع سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى مصرحاً بذلك: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ[آل عمران:31]، فحياة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت التفسير العملي للقرآن الكريم، والتطبيق الواقعي لما أراده الله عز وجل من العباد، فكل صغيرة وكبيرة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت لهدف مقصود ومتابعة بالوحي، ولذا تستطيع أن تقول بمنتهى الاطمئنان: إن كل أفعال النبي صلى الله عليه وسلم كانت متابعة بالوحي الكريم من الله عز وجل، فإما أن الله سبحانه وتعالى يقول له: اعمل كذا وكذا، وإما أنه صلى الله عليه وسلم فعل فعلاً ونزل الوحي بالتأكيد أو بتعديله إلى شيء آخر. فإذاً: كل شأن من شئون حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت متابعة بالوحي، وليس هذا إلا للرسول صلى الله عليه وسلم والأنبياء فقط، وهذا يعني: أنه لا يجوز تقليد إنسان تقليداً مطلقاً، وإنما ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن كل إنسان غير النبي صلى الله عليه وسلم قد يصيب ويخطئ، وكل إنسان يؤخذ من كلامه وأفعاله ويرد، إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم. ......

    مفهوم السنة وضرورة اتباعها والتمسك بها

    السنة: هي الطريقة، يقال: سنة فلان. أي: طريقة فلان في الحياة، سواء كانت هذه الطريقة محمودة أم مذمومة، ومعلوم أن طريقة الله وسنته محمودة، أما من كانت طريقته سيئة فسنته مذمومة، وتأمل قول الله عز وجل في كتابه: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ[الأنفال:38]، فسنة الأولين: التكذيب لأنبيائهم، فكان العذاب والهلكة لهم، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه وأرضاه: (من سن في الإسلام سنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء). والمعنى: أن أي شخص عمل شيئاً حسناً وقلدته الناس في ذلك، فإنه يأخذ مثل أجورهم، مع عدم نقصان أجورهم، ونفس الأمر إذا عمل الرجل شيئاً سيئاً. ولذلك فإنه من الخير العظيم أن المسلم عندما يقلد النبي صلى الله عليه وسلم فيقلده أناس آخرون، فإن ذلك يضاف إلى حسناته، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. إذاً عندما نقول: سنة الرسول صلى الله عليه وسلم. فإننا نقصد بذلك: طريقته ومنهجه وأسلوبه في الحياة، لا نقصد السنة التي بمعنى النوافل، والتي تعد أحد الأحكام التكليفية الخمسة عند الفقهاء: الواجب، والحرام، والسنة، والمكروه، والمباح، وإنما نقصد السنة عند علماء أصول الفقه، وأصول التشريع، وأصول الحديث، إذ إنهم عرّفوا السنة بقولهم: هي كل ما نقل عن الرسول الله صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير. فأي شيء نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو سنة، سواء كان فرضاً أو نفلاً، لا فرق في ذلك. فقولهم: (من قول) أي: أي كلمة تكلم بها النبي صلى الله عليه وسلم، فمثلاً: قوله صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات)، وقوله: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا).. وغيرهما من الأحاديث التي ينطبق عليها أنها من قوله صلى الله عليه وسلم. وقولهم: (أو فعل) أي: ما نقله الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أفعال فعلها، فمثلاً: أداء الصلاة، فقد كان صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر أربعاً، يقرأ في كل ركعة بالفاتحة، ويركع ويسجد، وعند ركوعه يقول: الله أكبر، وعند الرفع يقول: سمع الله لمن حمده، وهكذا ينتقل من فعل إلى فعل، فهذه الأفعال منها ما هو فرض ومنها ما هو نافلة، لكن كلها تدخل تحت أفعال النبي صلى الله عليه وسلم، وكلها سنة من سنن الرسول صلى الله عليه وسلم. وقولهم: (أو تقرير) أي: أي شيء أقره الرسول صلى الله عليه وسلم، بمعنى: أن الصحابي إذا عمل عملاً وعلمه الرسول صلى الله عليه وسلم وسكت عنه واستحسنه صار ذلك سنة؛ لأنه ليس من الممكن أن يسكت النبي صلى الله عليه وسلم عن باطل أو يستحسنه. إذاً: كل كلمة خرجت من فمه صلى الله عليه وسلم، وكل حركة تحركها، وكل سكنة سكنها، وكل ابتسامة ابتسمها، أو غضبة غضبها صلى الله عليه وسلم، وكل أمر حصل أمامه أو علمه وسكت عنه صار سنة يقتدى به، وكل أمر حدث أمامه أو علمه ونهى عنه صار عكس السنة، أي: يكون منهياً عنه؛ ولذا فإن المسلم مطالب بأن يعرف كل حياة الرسول؛ حتى يصير متبعاً له ولسنته عليه الصلاة والسلام. وهناك أمر لم يحدث في حياة أي إنسان على وجه الأرض إلا في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا وهو أنه ليس في حياته مطلقاً أي سر، فكل حياته مكشوفة أمامنا، وذلك من أجل أن نتعلم كيف يمكن أن نقتدي به عليه الصلاة والسلام، وكيف يمكن أن نقلده، ولعل هذا هو إحدى الحِكَم التي من أجلها تزوج الرسول صلى الله عليه وسلم بإحدى عشرة زوجة، مع أنه عليه الصلاة والسلام لم يجمع أكثر من تسع في وقت واحد، لكن هذا العدد من الأزواج استطاع أن ينقل لنا كل صغيرة وكبيرة في حياته صلى الله عليه وسلم الشخصية .. وغيرها، فقد كن معه في البيت، ونقلن لنا كل ما كان يعمله في بيته، ولو كانت زوجة واحدة لما استطاعت أن تنقل لنا كل هذا الكم الهائل من المعاملات، وكل أموره الشخصية التي تجري في بيته، لذا شاء الله عز وجل أن تكون حياة نبيه كاملة مكشوفة للأمة؛ لأن كل حركة في حياته ستكون مفيدة في شيء ما، وبذلك لم يعد يوجد أي أمر أو خبر في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم مخفياً عنا، وصدق الله إذ يقول: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21]. إذاً: فسنة الرسول صلى الله عليه وسلم هي الحياة بأسرها، فله سنةٌ صلى الله عليه وسلم في كيفية الاعتقاد في الله عز وجل، ولا بد أن نعتقد في الله كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو خرجنا عن طريقه لضللنا. وله سنة في الشعائر، كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وقيام الليل.. وغيرها. وله سنة في قراءة القرآن لا بد أن تتبع. وله سنة في طلب العلم ونقله، ولذلك ضوابط وشروط معينة لا بد من السير عليها، وهذه الضوابط منها ما هو نفل ومنها ما هو فرض. وله سنة في الدعوة، وطريقة في امتلاك قلوب الآخرين، والتأثير عليهم والوصول إليهم بدعوة الله عز وجل. وله سنة في الطعام والشراب والذبح والصيد، وليس معنى سنته في الطعام أن نقصد فقط طريقته في الأكل، لا، وإنما نجتنب كل ما حرمه النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يأت تحريمه في القرآن الكريم؛ لأن ما حرمه النبي صلى الله عليه وسلم صار حراماً، وليست السنة أمراً اختيارياً، فيأخذ منها المسلم ما يشاء ويدع منها ما يريد. وله سنة في البيع والتجارة والزراعة والشركة، ولذلك قوانين وتشريعات وأصول، ينبغي للتاجر المسلم أن يعرفها. وله سنة في القضاء، وفي فض المنازعات والخصومات بين الناس. وله سنة في الجهاد والقتال والغزو والتعامل مع العدو، متى تحارب؟ ومتى تعاهد؟ وله سنة في التعامل مع زوجاته وأولاده وأصحابه وجيرانه وضيوفه، حتى مع أعدائه، سنة في كل أمر من الأمور التي تقابل الإنسان المسلم في حياته كلها، وعليه نستطيع أن نقول: إن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم كلها مهمة، وليس فيها أمور خاصة وأمور عامة، فكل شيء قاله أو فعله أو أقره فهو سنة من سننه صلى الله عليه وسلم؛ فنحن لا نتكلم عن حياة إنسان أو تاريخ إنسان عادي، لا، وإنما نتكلم ونتحدث عن دين، نتكلم عن شرع، عن قانون متكامل، عن دستور محكم، عن وحي من رب العالمين سبحانه وتعالى. وهذا هو المقصود من السنة. وروى الإمام أحمد و ابن ماجةعن العرباض بن سارية رضي الله عنه وأرضاه، قال: (وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، قلنا: يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ قال: قد تركتكم على البيضاء -أي: الشريعة- ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك). قوله: (تركتكم على البيضاء) أي: الملة الواضحة النقية، ليس فيها شيء واضح وشيء مبهم، فكلها نهار ساطع أبيض، ليس فيها ليل أسود. ثم بعد هذا الكلام يحذر تحذيراً خطيراً جداً ويقول: (وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً) أي: من سيطول به العمر إلى الأزمان اللاحقة كزماننا هذا سيرى اختلافاً كثيراً، فالشرق يقول: كذا، والغرب يقول: كذا، والمسلمون أنفسهم منهم من يقول: كذا أو كذا، فوجدت اختلافات وآراء عديدة، فمنهم من يقول: إن (الباليه) فن راق، وإن العري والإباحية نوع من قمة الإبداع الفني الجميل. ومنهم من يقول: الرشوة هذه إكرامية أو عمولة أو سمسرة. ومنهم من يقول: إن كان لك عند الكلب حاجة فقل له: يا سيدي حتى يقضي لك حاجتك. ومنهم من يقول: هذا ليس من شأننا، فهل نحن سنصلح الكون؟! فاتركني في حالي! والعجب أن كل واحد من هؤلاء عنده حجة ومنطق لكلامه هذا! وممكن أن يجادلك ساعة وساعتين، بل والعمر كله. وهنا السؤال: ماذا يمكن أن نعمل عند الاختلاف وكثرة الآراء؟ تأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي)، هنا ليس من المعقول أن معنى السنة: النافلة، وإنما معناها: طريقته وحياته ومنهجه عليه الصلاة والسلام في كل أمر من أمور الدنيا. ثم قال: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين)، والخلفاء الراشدون هم: سيدنا أبو بكر ، وسيدنا عمر ، وسيدنا عثمان ، وسيدنا علي رضي الله عنهم أجمعين، فأنت تخيل أن الرسول صلى الله عليه وسلم أو أبا بكر أو عمر أو عثمان أو علياً مكانك عند الاختلاف وتعدد الآراء، ماذا كان سيعمل؟ يا ترى لو كان هناك حفلة سيئة، هل كان سيحضرها الرسول صلى الله عليه وسلم؟ وهل كان من الممكن أن يسلم على الراقصين والراقصات، ويوزع لهم الهدايا والجوائز، ويقول: ما شاء الله على الفن الجميل، والإبداع الراقي، أم سيمنع ذلك ويحرمه؟ فتخيل أنه مكانك وساعتها ستعرف الإجابة، والكلام هذا ليس بالسهل؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (عضوا عليها بالنواجذ)، أي: تمسكوا بكل ما تملكون من قوة وعزيمة بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، السنة التي أتت في الحديث الشريف الذي رواه الحاكم و البيهقي و ابن عبد البر والإمام مالك عن عمرو بن عوف رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي)، (فالسنة في هذا الحديث ليس المقصود بها النافلة، وإنما المقصود بها حياة الرسول صلى الله عليه وسلم كلها، ولذا عندما نفهم السنة بهذا المعنى الواسع نستطيع أن نفهم هذا الحديث المخوف الذي رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، فقالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ -أي: من يرفض أن يدخل الجنة؟- قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)، فالمسألة في غاية الخطورة، والذي لا يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم يخاطر بالجنة، والذي يخاطر بالجنة على خطر كبير وعظيم. وعليه فإن السنة من هذا المنطلق هي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، وهي المصدر الثاني للقانون والدستور في الإسلام، بل هي أصل القانون والدستور في الإسلام، وقبل ذلك القرآن الكريم، فلا ينفع أن يوجد دستور أو قانون في الإسلام من غير قرآن وسنة، فالاثنان لا غنى أبداً عن أحدهما، ومع كل هذا فإن هناك أناساً يعترضون على السنة ويقولون: إن القرآن يكفيهم، فيطعنون في قضايا كثيرة جداً جاءت بها السنة المطهرة، فمنهم من يطعن في الشفاعة، ومنهم من يطعن في الحياة في القبر، ومنهم من يطعن في الهدي الظاهر، ومنهم من يطعن في الحدود، والعجيب أن يتاح لهؤلاء في الإعلام لبث سمومهم هذه، مع أن الرد عليهم ميسور وسهل جداً، ومستحيل أن يوجد مؤمن واحد حريص على دينه يستطيع أن يستغني عن السنة. ......

    حرص الصحابة على اتباع السنة

    هذه أمثلة تبين لنا كيف كان الصحابة رضي الله عنهم يتعاملون مع السنة؟ وكيف كانوا يتبعون الرسول صلى الله عليه وسلم؟ ومعرفة مدى حرصهم على أن يعرفوا عن رسولهم كل شيء، وذلك حتى لا تفوتهم أي سنة من سنن نبيهم صلى الله عليه وسلم.......
    حرص عمر بن الخطاب على سنة النبي صلى الله عليه وسلم
    روى البخاري و مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد، وهذا الجار هو عتبان بن مالك رضي الله عنه وأرضاه، فكان سيدنا عمرو عتبان رضي الله عنهما في مكان بعيد عن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، واسمه: عوالي المدينة، قال: وكنا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فينزل يوماً وأنزل يوماً، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي .. وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك. ومع ذلك كان سيدنا عمر رضي الله عنه يعيش حياته الطبيعية، فكان يتاجر ويشتغل، وكان صاحب زوجة وأولاد، لكن كان حريصاً كل الحرص على أن يعرف كل شيء عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، ونحن عندما نقرأ أو نسمع مثل هذه القصص نظن أن سيدنا عمر كان ليله ونهاره مع الرسول صلى الله عليه وسلم، لا يتركه أبداً، سواء في الجامع أو غيره، لا، بل كانت حياته سائرة بصورة طبيعية، لكن في نفس الوقت هو حريص على أن يعرف كل شيء عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو يروح يوماً والثاني يروح يوماً وهكذا، فلماذا لا نعمل كعملهم هذا؟ وخاصة نحن في زمن لم يعد كل الناس لديها الوقت لأن تقعد فتدرس، فلماذا لا يقرأ أحدنا شيئاً من الشرع ثم ينقلها لجاره؟ وجاره يقرأ شيئاً وينقلها له، وثالث يقرأ شيئاً وينقلها للاثنين وهكذا، وهذا العمل من عمر من باب التعاون على البر والتقوى، مع أن جار عمرهذا ليس صحابياً معروفاً هو ليس كـأبي بكر ، وعثمان.. وغيرهما، ومع ذلك كان سيدنا عمر يستفيد منه، وعمر رضي الله عنه أيضاً كان يفيده، فلماذا لا نتعاون في مثل هذه الأشياء: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى )[المائدة:2]، وهل هناك أحسن من التعاون على معرفة سنة الحبيب صلى الله عليه وسلم؟
    حرص ابن عباس على سنة النبي صلى الله عليه وسلم
    كذلك عبد الله بن عباس رضي الله عنهما كان حريصاً على السنة، فقد كان ينام على باب أحد الصحابة، فيحكي عن نفسه فيقول كما عند الدارمي بسند صحيح: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت لرجل من الأنصار: يا فلان هلم فلنسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فإنهم اليوم كثر. أي: في هذا الوقت قد مات الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه كثر، ولو لم نسألهم الآن فإنه سيأتي يوم يموتون هم أيضاً، فلا بد أن نسألهم ونتعلم منهم، وذلك حتى نعرف العلم الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له صاحبه الأنصاري مستغرباً: وا عجباً لك يا ابن عباس، أترى الناس يحتاجون إليك. وفيهم كبار الصحابة، كأمثال أبي بكر و عمر و عثمان و علي و طلحة و الزبير وغيرهم؟ وكان عُمْرُعبد الله بن عباس عندما توفي الرسول صلى الله عليه وسلم أربع عشرة سنة، وكأن الأنصاري استقله لصغر سنه. يقول عبد الله بن عباس : فترك ذلك. أي: أن صاحبه الأنصاري لم يذهب فيسأل الصحابة، قال ابن عباس : وأقبلت أنا على المسألة، وإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتيه في قيلولته، فأتوسد ردائي على بابه، فتسف الريح التراب على وجهي. فيخرج فيراني فيقول: يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء بك؟ ألا أرسلت إلي فآتيك. فأقول: لا، أنا أحق أن آتيك. فأسأله عن الحديث. وبعد مرور فترة من الزمن على طلب العلم يقول ابن عباس رضي الله عنهما: فبقي الرجل - أي: صاحبه الأنصاري- حتى رآني وقد اجتمع الناس عليّ يسألونني العلم. أي: صار ابن عباس رضي الله عنهما من علماء المسلمين، ورحل الناس إليه لطلب العلم، بينما صاحبه الأنصاري ندم على ذلك، ولذا جاء عنه أنه قال: كان هذا الفتى - أي عبد الله بن عباس - أعقل مني. لكن الندم عند ذلك لا ينفع، والوقت الذي يذهب منك لا يرجع مرة أخرى، والذكي هو الذي لا يضيع وقته، وكل شيء يمكن أن يعوض إلا الأيام والليالي.
    حرص أبي هريرة على حفظ سنة النبي صلى الله عليه وسلم
    روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة . يعني: الناس يستغربون من أن أبا هريرة يقول كل هذه الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أن أبا هريرة روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من سبعة آلاف حديث، وكان إسلامه في السنة السابعة من الهجرة، أي: أنه لازم الرسول صلى الله عليه وسلم أربع سنوات فقط، وروى عنه هذا الكم الهائل من الأحاديث، بينما غيره من الصحابة قد يكون لازم الرسول صلى الله عليه وسلم عشرين سنة أو أكثر من عشرين سنة، ولم يرو عنه هذا الكم الهائل من الأحاديث. يقول أبو هريرة رضي الله عنه: ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:159-160]، في الآيتين تحذير خطير جداً للذي يكتم آيات الله عز وجل، أو يكتم أي علم وصل إليه عن طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو هريرة بسبب هذا التحذير كان يقول كل معلومة عرفها من الرسول صلى الله عليه وسلم. وهنا سؤال: لماذا كان أبو هريرة رضي الله عنه يعرف كل هذه الأحاديث وغيره من الصحابة لم يعرف هذا الكم الهائل منها؟ يفسر ذلك أبو هريرة فيقول: إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق -يعني: التجارة-، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإني كنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشبع بطني. يعني: كنت أبقى مع النبي صلى الله عليه وسلم لا أفارقه وأكتفي من الأكل بما يشبعني، وقد كان أبو هريرة من أهل الصفة رضي الله عنهم أجمعين. لكن قد يقول قائل: هل يمكن أن نترك أشغالنا وتجارتنا وأعمالنا ونقعد نتعلم الأحاديث ونتعلم السنة ونتعلم الشرع؟ أقول له: لا، لأن كل الصحابة لم يكونوا معتكفين على باب الرسول صلى الله عليه وسلم ليعرفوا منه الأحاديث، لكن كان أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه يسد ثغرة مهمة جداً ألا وهي نقل الأحاديث النبوية لوحده، فقد نقل لنا أكثر من سبعة آلاف حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقعدته هذه كانت مفيدة جداً للمسلمين، وهناك أناس سدت ثغرات أخرى، وهذا الذي نريده، أناس تسد ثغرات السنة، وأناس تسد ثغرات أخرى، وفي الأخير يتعاون الكل ويستفيد بعضهم من بعض.
    حرص عقبة بن الحارث على التثبت في الأمر وطلب سنة النبي صلى الله عليه وسلم
    إن الصحابة الكرام لم يكن عندهم مانع من أن يقطعوا المسافات الكبيرة، ويجوبوا البلاد العديدة ليعرفوا رأي الرسول صلى الله عليه وسلم في قضية من القضايا. ففي البخاري عن عقبة بن الحارث رضي الله عنه وأرضاه الذي كان يسكن في مكة والرسول في المدينة، فتزوج ابنة لـأبي إيهاب بن عزيز رضي الله عنه، فأتته امرأة فقالت له: إني قد أرضعتك وامرأتك. فقال لها عقبة : ما أعلم أنك أرضعتني. أي: أنا لم أكن أعرف أنك أرضعتني قبل هذا، ولم تخبريني بذلك قبل الزواج، فركب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وسأله، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (كيف وقد قيل؟ ثم أمره أن يفارقها، ففارقها عقبة ونكحت زوجاً غيره). الشاهد من ذلك هو حرص الصحابة الشديد على معرفة رأي الرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقل: أنا قد تزوجت وانتهى الأمر، ولم يكتف بسؤال أصحابه في مكة، لا، وإنما رحل من مكة إلى المدينة، وقطع (500) كيلو في الصحراء ذهاباً وإياباً؛ من أجل أن يسأل عن مسألة واحدة؛ وذلك لأن المسألة مهمة وتستحق هذا السفر الطويل، وليس كل شخص يكون حريصاً على معرفة رأي الدين في أي مسألة، فكثير من الناس يأتون إلي ويسألونني عن مسائل في الطلاق أو الزواج، فتعرف منه حكايته وقصته، فمنهم من يسألك وهو قد طلق قبل هذا مرة ومرتين وثلاثاً، وهو لا يزال مع امرأته! فتسأله: كيف؟ فيقول لك: والله أنا سألت أحد معارفي فقال لي: أنت كنت غضبان عند طلاقك لزوجتك؟ فقلت: نعم، فقال لي: إذن لا تحسب طلقة. فيأخذ الموضوع ببساطة، وهناك قضايا وأمور ضخمة جداً في حياة الناس يأخذونها ببساطة، وليس هذا هو الذي نريده، فنحن محتاجون لأن نبذل مجهوداً كبيراً حتى نعرف رأي الدين في كل قضية من القضايا، صغرت هذه القضية في أعيننا أم لا، ولا بد أن نعرف أنه ليس هناك حاجة اسمها صغيرة أو كبيرة، إنما هناك حاجة اسمها حلال وحاجة اسمها حرام، وهذا هو الذي نريد أن نفهمه وندرسه في حياة الصحابة.
    حرص جابر بن عبد الله واجتهاده في طلب حديث النبي صلى الله عليه وسلم
    روى الإمام أحمد و الطبراني و أبو يعلى رحمهم الله جميعاً عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: بلغني حديث عن رجل سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الرجل هو عبد الله بن أنيسرضي الله عنه وأرضاه، وهو من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم المستقرين في الشام، بينما سيدنا جابر كان في المدينة، وقد سمع أن عبد الله بن أنيس يقول حديثاً فيه كذا وكذا، وهو لم يسمع هذا الحديث منه، وقبل ذلك لم يسمعه من الرسول صلى الله عليه وسلم، فيريد أن يتأكد من الحديث، مع أن الذي نقل له هذا الحديث يمكن أن يكون ثقة، لكن أراد أن يذهب إلى الشام فيسمع الحديث بنفسه من عبد الله بن أنيس ، وهذا ما يسمى عند علماء الحديث بـ: علو السند. فهو لا يريد أن يسمع من فلان عن فلان عن عبد الله بن أنيس، بل يريد أن يسمع منه مباشرة، فيكون أوثق في المعرفة، فاشترى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما بعيراً ليركب عليه من المدينة إلى الشام، ثم شدّ عليه رحله وسار شهراً حتى قدم الشام، وقدم على بيت عبد الله بن أنيس الأنصاري رضي الله عنه، فقال لحاجبه: قل لسيدك: جابرعلى الباب، فقال: ابن عبد الله ؟ قلت: نعم، فخرج يجر ثوبه، فاعتنقني واعتنقته، والعجب أن أول شيء قال له بعد هذا الفراق الطويل بينهما: حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في القصاص، فخشيت أن تموت أو أموت قبل أسمعه. فقال عبد الله بن أنيس : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يحشر الناس يوم القيامة عراة غرلاً بهماً، قالوا: وما بهم؟ قال: ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وله عند أحد من أهل النار حق، حتى أقصه منه، حتى اللطمة)، تهديد وتخويف عظيم، فما بالك بالناس التي تظلم وتعذب وتشرد وتسجن من غير وجه حق، يا ترى ماذا ستعمل هذه الناس يومذاك؟! فيقول عبد الله بن أنيس : (قلنا: كيف هو وإنما نأتي الله عز وجل عراة غرلاً بهماً؟ -يعني: ليس معنا شيء فكيف سنخلص حقوق بعض- فقال صلى الله عليه وسلم: بالحسنات والسيئات). وعند هذا انتهى الحديث، فأخذه جابر بن عبد الله ثم رجع إلى المدينة المنورة، وكل هذا من أجل حديث واحد، فيا ترى كم عندنا كتب في المكتبة فيها أحاديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم نقرأها؟ أليس لدينا وقت لذلك؟ ولماذا وجد جابر بن عبد الله وقتاً حتى يقطع المسافات الكبيرة من أجل أن يعرف حديثاً واحداً؟ لاشك أنه أعطى للموضوع أهمية، فلذلك استطاع أن يجد وقتاً، وكذلك ما دام العبد يعطي لموضوع أهمية، فإنه يستطيع أن يجد له وقتاً، كالواحد منا يستطيع أن يجد أسبوعاً كاملاً يذهب فيه إلى عطلة الصيف؛ لأنه عرف قيمة المصيف عنده، وكذلك يستطيع أن يجد ساعتين يتفرج فيها على المباراة؛ لأنه عرف قيمة المباراة عنده، وعليه فعلى قدر أهمية الموضوع عندك ستجد له وقتاً.
    حرص أبي أيوب الأنصاري ورحلته في طلب حديث النبي صلى الله عليه وسلم
    روى أحمد و البيهقي عن التابعي عطاء بن أبي رباح رحمه الله تعالى أنه قال: إن أبا أيوب الأنصاريرضي الله عنه وأرضاه رحل إلى عقبة بن عامر رضي الله عنه ليسأله عن حديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو أيوب كان يسكن المدينة المنورة، وعقبة بن عامر كان في مصر، قال عطاء: فلما قدم في أثناء طريقه على منزل مسلمة بن مخلّد الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه، وكان أمير مصر في ذلك الوقت، خرج إليه فعانقه، ثم قال له مسلمة : ما جاء بك يا أبا أيوب ؟ فقال: حديث واحد سمعه عقبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ستر المؤمن، فدلني على عقبة ، فقال: نعم، فذهب معه إلى سيدنا عقبة رضي الله عنه، ثم ذكر لهما الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من ستر مؤمناً في الدنيا ستره الله يوم القيامة) ، وانتهى الحديث، فتأمل سطراً واحداً جعل أبا أيوبيرحل من المدينة المنورة إلى مصر! واسمع راوي الحديث ماذا يقول: ثم انصرف أبو أيوب بعدما سمع الحديث إلى راحلته فركبها راجعاً إلى المدينة، فلم يقعد في مصر ولا لحظة واحدة، لم يقعد ليشاهد الأهرامات، ولا ليشاهد نهر النيل، ولا حتى يرى أهل مصر أو يتكلم معهم، بل جاء ليتعلم سنة واحدة من سنن الرسول صلى الله عليه وسلم ثم يرجع إلى بلده، فكان الهدف واضحاً جداً عنده، ألا وهو أنه يعرف سنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم، وليس عنده وقت يصرفه في أي شيء آخر. وأنا بذكر هذه القصص والأحاديث لا أريد أن تصاب بالحزن والكآبة، ولا أريد أن تسافر من بلد إلى بلد آخر لتتعلم السنة، وإن كان هذا أحياناً قد يكون مطلوباً، لكن أنا أريد أن تخرج الكتب التي في بيتك وتقرأها، أو أن تشتري كتباً إن لم يكن عندك في البيت، وأريد أن تحضر درساً في العلم الشرعي في منطقتك أنت، لا المناطق البعيدة، وأريد أن تسأل المشايخ الذين تعرفهم عن القضايا التي تعترضك في حياتك اليومية، وما أكثر هذه القضايا؛ لأن هذه القضايا هي عمرك كله، فكل صغيرة وكبيرة في حياتك للدين فيها رأي، فهذا هو المقصود من سماع مثل هذه الحكايات عن جيل الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم.

    موقف الصحابة ممن لم يلتزم بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وحرصهم عليها

    إن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كانوا يقاطعون من لم يلتزم بالسنة، أي: مقاطعة من يصر على مخالفة نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته، وليس المراد الذي لا يعمل النوافل، لأن السنة ليست هي النافلة فقط، بل السنة هي حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي أوامره ونواهيه عليه الصلاة والسلام. ......
    موقف عبد الله بن مغفل ممن أصر على مخالفة سنة النبي صلى الله عليه وسلم
    من أمثلة ذلك: ما رواه البخاري و مسلم.. وغيرهما عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه: (أنه رأى رجلاً يخذف)، أي: أنه يضع حجراً بين الإصبع الوسطى وبين الإبهام ويرمي، أو يكون ذلك بالمقلاع، وهي أداة مشهورة معروفة - فنهاه عبد الله بن مغفل رضي الله عنه عن هذا الفعل، وقال له: (لا تخذف، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف)، فأوصل له المعلومة، ثم ذكر له الحكمة من النهي في الحديث: (إنه لا يصاد به صيد)، أي: أن معظم الطيور لن تقع بالنبلة هذه، (ولا ينكى به عدو)، أي: أن تعلمه لن يفيدك في تعلم الرماية، ولن ينفع في الجهاد، وفوق هذا أيضاً يمكن أن يضر، لذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (ولكنها تكسر السن، وتفقأ العين)، فلا يوجد أي مصلحة في استعمال هذا الخذف، وأيضاً فهذا الطير الذي خذف بالحجارة لو سقط ميتاً لا يجوز أكله في الشرع؛ لأنه موقوذة، وأكل الوقيذ محرم كما في سورة المائدة: وَالْمَوْقُوذَةُ [المائدة:3]؛ ولأنه مات بقوة الرمي ولم يمت بحدها، إلا إذا لحقه وذبحه قبل أن يموت، وعليه فلا توجد أي مصالح في ذلك وأيضاً هو ممنوع من أكثر من وجه. والشاهد: أن عبد الله بن مغفل رأى الرجل مرة أخرى يخذف، بعد أن نبهه كل هذا التنبيه، فقال له عبد الله بن مغفل: (أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الخذف وأنت تخذف، لا أكلمك كذا وكذا). وفي رواية لـمسلم قال: (لا أكلمك أبداً). ففي بداية الأمر نصحه، لكن لما رآه يعمل شيئاً في نظره كبيرة جداً قرر أن يقاطعه، ولذلك أجاز العلماء مقاطعة الذي يخالف السنة عمداً، حتى وإن كانت المقاطعة أكثر من ثلاثة أيام؛ وهذا بعد النصح والإرشاد له. والشيء العظيم أيضاً في الصحابة أنهم كانوا يتبعون الرسول الله صلى الله عليه وسلم دون أن يسألوا عن الحكم، أي: لو لم يروا الحكمة من الفعل فإنهم يقلدون الرسول صلى الله عليه وسلم ويتبعونه.
    التزام عمر بن الخطاب بأفعال النبي مع عدم ظهور الحكمة له منها
    من أمثلة ذلك: ما رواه البخاري و مسلم.. وغيرهما عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله، فقال: والله إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك) ، هذه الجملة من الفاروق تنفع دستور حياة ومنهج حياة. فالرسول صلى الله عليه وسلم إذا عمل عملاً ينبغي للمسلم أن يعمله، حتى ولو لم يفهم الحكمة من ذلك، وكذلك الأمر إذا منع النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً أو كرهه، ولذا كانت الحياة سهلة عند الصحابة، ومواطن الحيرة كانت عندهم قليلة جداً، فيصبح كل الهم هو البحث عن فعل الرسول أو قول الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا عرفوا رأيه في أي مسألة من المسائل زال الإشكال، وتصير الرؤية واضحة. مثال آخر: ما رواه البخاري عن عمر رضي الله عنه أنه قال: فما لنا وللرمل؟ فما لنا وللرمل؟ إنما كنا راءينا به المشركين، وقد أهلكهم الله، والرمل هو: الإسراع مع تقارب الخطى، وهو من مناسك الحج، وفي رواية يقول: فيم الرمل والكشف عن المناكب، أي: عن الأكتاف، وأول ما كان هذا في عمرة القضاء، في السنة السابعة، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يريد أن يري الكفار قوة المسلمين، فأمر الصحابة بالكشف عن الأكتاف، والجري الخفيف الذي هو كالجرية العسكرية؛ وذلك حتى يخوف المشركين من قوة المسلمين، لكن بعد ذلك ظن عمر أن الشرك قد انتهى، وأنه لا يوجد مشركون، وكل الجزيرة قد أسلمت، وكل الحجاج مسلمون، وعليه فلا فائدة من الرمل والكشف عن المناكب، فهذا كان ظن عمر في بداية الأمر، ثم رجع لنفسه فقال: شيء صنعه النبي صلى الله عليه وسلم فلا نحب أن نتركه. أي: شيء عمله النبي صلى الله عليه وسلم فلا بد أن نعمله، حتى ولو كان العقل يقول غير ذلك، فالمهم أن أعمل ما عمله النبي صلى الله عليه وسلم.

    تقيد الصحابة بفعل النبي صلى الله عليه وسلم في لبس خاتم الذهب ثم نزعه
    روى البخاري و مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم خاتماً من ذهب -وهذا قبل أن يحرم الذهب على الرجال- فاتخذ الناس خواتيم من ذهب -تقليداً للنبي صلى الله عليه وسلم لا أمراً منه لهم- ثم بعد زمن قال النبي صلى الله عليه وسلم: إني كنت قد اتخذت خاتماً من ذهب، ثم رمى به وقال: إني لن ألبسه أبداً، فنبذ الناس خواتيمهم)، وقبل ذلك تكلف الناس بشرائها، لكن ذلك لم يكن في عقولهم، وإنما المهم الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم، فكانت المسألة في غاية البساطة عند الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
    تقيد الصحابة بفعل النبي صلى الله عليه وسلم في خلع النعلين في الصلاة
    روى أبو داود و أحمد و الدارمي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه قال: (بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره -وكان ذلك في أثناء الصلاة- فلما رأى ذلك القوم خلعوا نعالهم ووضعوها عن شمائلهم، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته قال: ما حملكم على إلقاء نعالكم؟ -أي: لماذا خلعتم نعالكم- قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن جبريل عليه السلام أتاني فأخبرني أن فيهما قذراً أو قال أذىً) ، يعني: أنه خلعهما لسبب مؤقت، والسبب هذا لم يكن موجوداً عند الصحابة، فما كان المفروض على الصحابة أن يخلعوا نعالهم، لكن الشاهد هو حرص الصحابة على الاتباع، فهم لم ينتظروا إلى انتهاء الصلاة ثم بعد ذلك يسألونه، لا، وإنما بمجرد رؤية الرسول يفعل شيئاً فعلوه. وهنا قد يظن بعض الناس أن هذا الكلام فيه مبالغة من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، لا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس مجرد شخص يعجبون به، وليس مجرد شخص ينبهرون بأفعاله، وإنما هو رسول رب العالمين، فكل خطوة من خطواته بأمر من الوحي أو مراجعة بالوحي، ونحن عندما نقلده، فإننا نعمل الذي أراده الله منا، وعندما نعمل الذي أراده الله منا، فإننا سنسعد في الدنيا والآخرة إن شاء الله تعالى، وسندخل الجنة التي هي منتهى أحلام المؤمنين، لذا كان الصحابة حريصين كل الحرص على أن يقلدوا الرسول صلى الله عليه وسلم في كل حركة من حركاته والرسول صلى الله عليه وسلم كان حريصاً جداً على ترسيخ هذا المعنى في قلوب وعقول الصحابة.

    وجوب اتباع النبي صلى الله عليه وسلم في كل أمر لم يثبت اختصاصه به

    روى الإمام مالك في موطئه عن التابعي الكبير عطاء بن يسار رحمه الله، وكان ممن يسكن المدينة: (أن رجلاً قبل امرأته وهو صائم في رمضان، فوجد من ذلك وجداً شديداً)، يعني: حزن حزناً كبيراً جداً، وخاف أن يكون قد ارتكب محظوراً يأثم به، مع أن هذا ليس بحرام، لكن الرجل لم يكن يعرف ذلك، فأرسل امرأته لتسأل له عن ذلك، وهنا نلحظ أن الرجل عنده مراقبة داخلية لله عز وجل، وحريص على أن يعرف رأي الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة، لكنّ حياءه منعه من ذلك، (فبعث امرأته لتسأل إحدى زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم، فدخلت زوجته على أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك لها، فأخبرتها أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم، فرجعت المرأة وأخبرت زوجها بذلك، فزاده ذلك شراً، يعني: زاده حزناً، وقال: لسنا مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالله يحل لرسوله صلى الله عليه وسلم ما شاء). وهذا كان اجتهاداً من الرجل، ولو سحبنا هذا الاجتهاد على كل قواعد الدين لضاع الدين، فرجعت المرأة إلى أم سلمة فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما لهذه المرأة؟ فأخبرته أم سلمة بقصتها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أخبرته أني أفعل ذلك؟ فقالت له أم سلمة: قد أخبرتها، وذهبت إلى زوجها فأخبرته فزاده ذلك شراً، وقال: لسنا مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالله يحل لرسوله ما شاء. فغضب الرسول صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً)، وهنا نجد أن مواطن الغضب في حياة الرسول كانت قليلة جداً؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لا يغضب إلا إذا انتهكت حرمات الله عز وجل، لكن كان هذا الرجل مشدداً على نفسه، لكن ذلك لا ينفع، فلا بد من تقليد الرسول في كل نقطة من نقاط حياته، ثم قال صلى الله عليه وسلم: (والله إني لأتقاكم لله، وأعلمكم بحدوده). إذاً: فالذي عمله رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الحلال، والذي منع منه هو الحرام من غير أي تكلف، فأي شيء عمله في العبادة والطاعة والتقرب إلى الله وأمر به المسلمين ولم يقل: إنه خاص به فعلى المسلمين أن يعملوه ولا يزيدوا عليه شيئاً، فالذي عمله النبي صلى الله عليه وسلم هو الصحيح من غير زيادة ولا نقصان. وتأمل موقف الصديق من إنفاذه لبعث أسامة بن زيد رضي الله عنهما؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث جيشاً لحرب الروم قبل أن يموت بأيام قليلة، ثم مات صلى الله عليه وسلم وارتدت جزيرة العرب بكاملها إلا ثلاث مدن وقرية، وخاف الناس على المدينة، بل تخوفوا على الإسلام، وفي هذا الجو المشحون بالفتن والردة والخوف على المدينة أصر أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه على إنفاذ جيش أسامة بن زيد لمحاربة الروم، ولم يلتفت رضي الله عنه إلى المرتدين وما يشكلونهم من خطر، لأن الذي أنفذ جيش أسامة هو الرسول صلى الله عليه وسلم، وجاءت الناس تخاطب الصديق رضي الله عنه وأرضاه وتقول له: دع الجيش في المدينة حتى يقوم بحمايتها، فرد عليهم قائلاً: لو تخطفتنا الطير وأكلتنا السباع حول المدينة، وجرت الكلاب بأرجل أمهات المؤمنين، ما رددت جيشاً وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا حللت لواءً عقده. فانظر كيف أن الصديق لم يخالف النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر؛ ولذا كان من أعظم صفات الصديق رضي الله عنه وأرضاه الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم. ......

  9. #9

    مراقبة سابقة


    تاريخ التسجيل : May 2010
    رقم العضوية : 80300
    الجنس: أنثى
    المشاركات : 6,875
    التقييم : 4362
    محبة المساكين غير متواجد حالياً

    رد: %% سلسلة كن صحابيا ......%% أضخم سلسلة تكلمت عن الصحابة وأحوالهم "متجدده"



    بارك الله فيكم و جعله في ميزان حسناتكم

  10. #10

    مراقب سابق


    تاريخ التسجيل : Apr 2011
    رقم العضوية : 99329
    الجنس: ذكر
    المشاركات : 3,803
    التقييم : 1438
    ابو عادل المغربي غير متواجد حالياً

    رد: %% سلسلة كن صحابيا ......%% أضخم سلسلة تكلمت عن الصحابة وأحوالهم "متجدده"

    جزاكم الله خيراً ، وبارك الله فيكم ، ونفع بكم.

المواضيع المتشابهه

  1. سلسلة السيرة النبوية للدكتور راغب السرجانى "" رائعة"" رابط واحد مباشر
    بواسطة طالب التوبه في المنتدى الصوتيـــــــات الإسلاميــــــة
    مشاركات: 10
    آخر مشاركة: 02-11-2013, 01:09 PM
  2. [صوتي] تحميل سلسلة الخطب النادرة للشيخ عبد الراضى أمين ـ " 1 " سلسلة الاسلام هو الحل " رائعة "
    بواسطة masjedna في المنتدى المرئـيــــــــات الإسلاميــــــة
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 03-02-2012, 09:59 PM
  3. منزلة الصحابة فى السنة 2 "سلسلة السرداب " لفضيلة الشيخ حسن ابو الاشبال
    بواسطة أبو مسلم المصري في المنتدى المرئـيــــــــات الإسلاميــــــة
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 27-03-2010, 05:37 PM

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •