إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

سلسلة التفسير العقدي لسور القرآن الكريم

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • سلسلة التفسير العقدي لسور القرآن الكريم

    التعديل الأخير تم بواسطة مهاجر إلى الله ورسوله; الساعة 20-11-2015, 11:18 PM. سبب آخر: اضافة فهرس

    قال الحسن البصري - رحمه الله :
    استكثروا في الأصدقاء المؤمنين فإن لهم شفاعةً يوم القيامة".
    [حصري] زاد المربين فى تربية البنات والبنين



  • #2
    التفسير العقدي لسورة الإخلاص


    بسم الله الرحمن الرحيم

    قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)
    د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي

    ومقصد السورة:
    بيان التوحيد العلمي.
    سورة (الإخلاص) تعدل ثلث القرآن؛ فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ "قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ"، يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ) وفي رواية قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَصْحَابِهِ (أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ) فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَقَالُوا: أَيُّنَا يُطِيقُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: (اللَّهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ الْقُرْآنِ) [رواهما البخاري]

    وإنما كانت تعدل ثلث القرآن؛ لأن القرآن:
    - إما أخبار.
    - وإما عقائد.
    - وإما أحكام.
    فالأحكام: ما يتعلق بالحلال والحرام.
    والعقائد: ما يتعلق بأصول الإيمان.
    والأخبار: ما جرى بين الأنبياء، وأممهم، ونحو ذلك.

    فلما أفردت هذه السورة لثلث العقائد؛ كانت تعدل ثلث القرآن، ولكنها تعدل ثلث القرآن في الفضل، لا في الأجزاء، فلو حلف إنسان، أن يختم القرآن، لم يجزئه أن يقرأ سورة (الإخلاص) ثلاث مرات. ولو قام إنسان في الصلاة، فقرأ الإخلاص ثلاث مرات، لم تجزئه عن قراءة (الفاتحة).

    (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) (الأحد) من أسماء الله الحسنى. وهذا الاسم لا يطلق منَكَراً، ولا على سبيل الإثبات، إلا على الله - عز وجل -، فإذا قيل "أحد" فالمراد به الله - عز وجل -، ولهذا كان يقول بلال: (أَحَدٌ أَحَدٌ) [رواه أحمد]، وكذلك لا يطلق على سبيل الإثبات، فيقال: "هو الأحد"، إلا على الله - عز وجل – لا يقال في حق مخلوق.

    أما إذا جاء في سياق النفي، أو في سياق الشرط، أو في سياق الاستفهام، فإنه قد يطلق على غير الله - عز وجل -:
    - فسياق النفي مثل: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ).
    - وسياق الشرط كما في قوله تعالى (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ).
    - وأما سياق الاستفهام فكقول الله - عز وجل - (هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا). والنكرة في سياق النفي، أو الشرط، أو الاستفهام تدل على العموم.

    (اللَّهُ الصَّمَدُ): (الصَّمَدُ) من أسماء الله الحسنى. قيل فيه عدة أقوال:
    - فقيل: السيد، الذي انتهى سؤدده، يعني: بلغ الغاية في سؤدده، وفي شرفه، فهو السيد المطلق، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم حين جاءه وَفْد بَنِى عَامِرٍ، فقالوا له: أَنْتَ سَيِّدُنَا. فَقَالَ « السَّيِّدُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى » - [رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني]
    - وقيل: الذي تصمد إليه الخلائق في حاجاتها، فجميع الخلائق من أنس، وجن، وطير، ووحش، وبهائم، كلها ترفع حاجتها إلى الله - عز وجل -.
    - وقيل: الذي لا جوف له، يعني أنه مستغن؛ لأن الذي له جوف، محتاج، كالآدميين، والبهائم، ونحوها، فهي خلق أجوف؛ تأكل، وتشرب، وتبول، وتتغوط، ولها شهيق وزفير. أما الرب - سبحانه وتعالى - فهو لا يطعم، ولا يشرب، سبحانه وبحمده، غني بذاته، فلهذا قيل في تفسير (الصمد) هذا المعنى.

    (لَمْ يَلِدْ) يعني أنه سبحانه لا ولد له، لا ابن، ولا بنت، كما ادعى من ادعى من أهل الباطل، فاليهود تقول: عزير ابن الله، والنصارى تقول: المسيح ابن الله، ومشركو العرب يقولون: الملائكة بنات الله، والله تعالى يقول (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ). يعني أنه سبحانه لم يتسلسل من أحد، ولا يتسلسل منه أحد. بل هو الأول، فليس قبله شيء، وهذا لا يكون إلا في حق الله.
    وربما يخطر في بال أحد فيقول: لماذا نفى الله تعالى عن نفسه الولد؟ والجواب عن ذلك: أن يقال: إنما يُتخذ الولد للحاجة، فالناس يستولدون؛ لحاجتهم إلى الولد، ولينفعوهم وقت الكبر، والله غني عن ذلك، و- أيضا - لو كان لله ولد – وحاشاه - لكان الولد من جنس أبيه، والله تعالى ليس كمثله شيء، لكمال وحدانيته سبحانه.

    ثم ختم ذلك بقوله (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) يعني لا مكافئ لله، ولا مماثل له، ولا ند له، ولا نظير.
    فهذه السورة على قصر آياتها، من أعظم سور القرآن، ولهذا كانت تعدل ثلث القرآن، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرنها مع سورة (الكافرون)، في ركعتي الطواف، وراتبة الفجر، وفي الشفع والوتر من الليل؛ لعظم هاتين السورتين.

    وقد جاء في سبب نزول هذه السورة عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَا مُحَمَّد انْسُبْ لَنَا رَبَّكَ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [رواه الترمذي وأحمد وحسنه الألباني]

    الفوائد المستنبطة:
    الفائدة الأولى: بيان صفة الرحمن.
    من أرد أن يمتلئ قلبه بتعظيم الرحمن، فليكثر من قراءة هذه السورة، ومن خطر بباله خاطر شيطاني، فليقل: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ)، فينطرد ذلك الخاطر؛ لأن الشيطان يلقي في قلب ابن آدم، الأوهام، والوساوس، فإذا قرأ هذه السورة البينة، انقشع ما هجم على قلبه من الخطرات.
    الفائدة الثانية: إثبات الأسماء الحسنى (الأحد) و(الصمد).
    الفائدة الثالثة: كمال وحدانية الله – سبحانه - في ذاته، وفي أسمائه، وفي صفاته، فهو واحد في ذاته، واحد في أسمائه، واحد في صفاته، وأفعاله، ليس كمثله شيء.
    الفائدة الرابعة: كمال غناه – سبحانه -، وافتقار الخلائق إليه، وأن جميع الخلائق تصمد بحاجاتها إليه.
    الفائدة الخامسة: تنزهه – سبحانه - عن الوالد، والولد، ومماثلة المخلوقين، ومن لم يكن له ولد، فليس له صاحبة.
    الفائدة السادسة: الرد على اليهود، والنصارى، ومشركي العرب.
    الفائدة السابعة: الإثبات بلا تمثيل، والتنزيه بلا تعطيل.
    الإثبات بلا تمثيل: فالله تعالى أثبت أنه أحد، وأنه صمد، فنثبت هذا لله على وجه لا يبلغ التمثيل؛ كما نفى عن نفسه الوالد والولد، فننزهه عن مماثلة المخلوقين، لكن هذا التنزيه لا يبلغ مبلغ التعطيل.
    الفائدة الثامنة: الجمع بين النفي، والإثبات في صفات الله تعالى.
    وهذا يمر بنا كثيرا في دروس العقائد، أن الله سبحانه وتعالى جمع فيما وصف، وسمى به نفسه، بين النفي والإثبات، كما في هذه الآية (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ) فهذا إثبات، وأما قوله (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) فهذا نفي، ولا يتم العلم بالله إلا بالجمع بين الأمرين، بإثبات صفات الكمال، ونفي صفات العيب والنقص، ومماثلة المخلوقين.
    ومثل ذلك قول الله تعالى: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ) فـ (الْحَيِّ) إثبات، و(الَّذِي لَا يَمُوتُ) نفي.




    قال الحسن البصري - رحمه الله :
    استكثروا في الأصدقاء المؤمنين فإن لهم شفاعةً يوم القيامة".
    [حصري] زاد المربين فى تربية البنات والبنين


    تعليق


    • #3
      رد: التفسير العقدي لسورة الإخلاص

      جزاكم الله خيرًا ونفع بكم
      تفسير قيم


      "اللهم إني أمتك بنت أمتك بنت عبدك فلا تنساني
      وتولني فيمن توليت"

      "وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ"الشورى:36

      تعليق


      • #4
        رد: التفسير العقدي لسورة الإخلاص

        المشاركة الأصلية بواسطة بذور الزهور مشاهدة المشاركة
        جزاكم الله خيرًا ونفع بكم
        تفسير قيم

        وأنتم من أهل الجزاء أختنا الفاضلة
        وفقكم الله لما يُحِب ويرضى


        قال الحسن البصري - رحمه الله :
        استكثروا في الأصدقاء المؤمنين فإن لهم شفاعةً يوم القيامة".
        [حصري] زاد المربين فى تربية البنات والبنين


        تعليق


        • #5
          التفسير العقدي لسورة الفلق

          التفسير العقدي لسورة الفلق

          بسم الله الرحمن الرحيم
          قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5)
          د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي


          مقصد السورة:
          تحقيق الاستعاذة بالله، من الشرور الخارجية.
          سورة (الفلق) وسورة (الناس)، حصنان منيعان، وحرزان عظيمان، لا يستغني عنهما مسلم؛ فسورة (الفلق) حرز من الشرور الخارجية، وسورة (الناس) حرز من الشرور الداخلية. فهما المعوِّذتان. كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ بهما؛ فعن أبي سَعِيدٍ الخُدريِّ - رضي الله عنه -: كَانَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَتَعَوَّذُ مِنَ الجَانِّ ، وَعَيْنِ الإنْسَانِ ، حَتَّى نَزَلَتْ المُعَوِّذَتَانِ ، فَلَمَّا نَزَلَتَا ، أخَذَ بِهِمَا وَتَرَكَ مَا سِوَاهُمَا . [رواه الترمذي، وصححه الألباني]، وقد قال النبي – صلى الله عليه وسلم – للصحابي الجليل ابن عابس الجهني - رضي الله عنه -: يَا ابْنَ عَابِسٍ، أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَفْضَلِ مَا تَعَوَّذَ الْمُتَعَوِّذُونَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ) [رواه النسائي وأحمد وصححه الألباني]
          (قُلْ أَعُوذُ) معنى (أعوذ) أي ألتجأ، وأعتصم، وأستجير.
          (بِرَبِّ الْفَلَقِ) قيل في تفسير الفلق أقوال:
          - الصبح؛ قال الله تعالى (فَالِقُ الْإِصْبَاحِ).
          - وقيل: إنه جبٌ في جهنم - والعياذ بالله -، يعني بئر في جهنم.
          - وقيل: إنه اسم من أسماء جهنم.
          - وقيل إن (الفلق) اسم لعموم الخلق.
          وأقرب هذه الأقوال: أن المراد بالفلق الصبح.
          (رَبِّ الْفَلَقِ) فهذا من إضافة المخلوق وهو الفلق، إلى خالقه وهو الرب. فالمستعاذ به رب الفلق -سبحانه وتعالى-. والمستعاذ منه هو ما يلي.
          (مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ) هذا أولها، و(مَا) اسم موصول بمعنى "الذي"، فيشمل كل مخلوق فيه شر، من إنس، أو جن، أو حيوان، أو جماد، ، دواب، ريح، طير،...، وكل شيء فيه شر، حتى النفس فيها شر يستعاذ منه؛ فقد كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يستعيذ من شرها قائلا: (أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِى، وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ ) [رواه أبو داود وصححه الألباني] فكل ما خطر ببالك وفيه شر، فأنت تستعيذ برب الفلق من شره.
          وليس في الكون إلا خالق، أو مخلوق، فالله الخالق، وهو المستعاذ به، وما سواه مخلوق، وهو مستعاذ من شره. لكن إذا كان الشيء مما يقدر عليه العبد، أو المخلوق، فلا بأس أن يستعيذ به، أما إذا لم يكن مقدورًا للمخلوق عليه، فإن الاستعاذة به: شرك. فما من شيء في الوجود، إلا والله محيط به، والله قادر عليه، فينبغي للعاقل أن يستعيذ بالقادر، لا يستعيذ بالعاجز، فإذا كان الله خالق الأشياء جميعا، وهو ربها، ومالكها، ومدبرها، فالاستعاذة به هي الاستعاذة النافعة.
          فالذي يستعين بصاحب القبر، أو الغائب، أو نحو ذلك، قد وقع في الشرك العظيم. وكذلك من استعان بالجن، قال الله تعالى: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) يعني زادوهم اضطرابا، وشدة في حالهم.
          لكن لو أن أحدا استعاذ بحصن، فقال: "أعوذ بهذا الحصن" يعني: امتنع به. فلا بأس، ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (يَعُوذُ عَائِذٌ بِالْبَيْتِ فَيُبْعَثُ إِلَيْهِ بَعْثٌ فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنْ الْأَرْضِ خُسِفَ بِهِمْ) [رواه مسلم من حديث أم سلمة] والمراد بـ "البيت" في الحديث أي: الحرم، فإنه يعيذ من أوى إليه، إلا من استثني في حديث عمرو بن سعيد حيث قال: (إِنَّ الْحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا، وَلَا فَارًّا بِدَمٍ، وَلَا فَارًّا بِخُرْبَةٍ) [متفق عليه] ، والخربة - كما قال البخاري -: الجناية والبليَّة.
          (وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ) معنى (الغاسق):
          - قيل: إنه الليل.
          - وقيل: إنه القمر.
          - وقيل: إنه اسم لكوكب، أو نجم.
          ومما يدل على أن من معانيه القمر، أن رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أخذ بِيَدِ عَائِشَةَ – رضي الله عنها - ثُمَّ أَشَارَ إِلَى الْقَمَرِ، فَقَالَ: (يَا عَائِشَةُ اسْتَعِيذِي بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا، فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْغَاسِقُ إِذَا وَقَبَ) [رواه الترمذي وأحمد وصححه الألباني]
          ويمكن أن يتسع المعنى لعموم الليل، لكون القمر من جملة الليل؛ لأنه آية ليلية.
          ومعنى (وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ) يعني:
          - من شر الليل إذا أقبل بظلامه.
          - أو أن يكون معناها: من شر القمر إذا طلع.
          - وقيل: من شر القمر إذا غاب.
          وحديث عائشة يدل على أنه طلع. فالشر والضرر يكون في الليل، أكثر من النهار؛ لأنه مع الظلام يحصل شرور، ولهذا تجد أن اللصوص إنما يسرقون ليلا، والوحوش والهوام، إنما تخرج من بيوتها، وجحورها، ليلا، فيقع في الليل من الشر، أكثر مما يقع في النهار.
          (وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ) هذا ثالث المستعاذ منه.
          (النَّفَّاثَاتِ) هن السواحر، جمع ساحرة، اللواتي ينفثن في الخيوط، والعقد، بلا ريق - لأن النفث يكون بلا ريق، والتفل يكون بالريق - فالسواحر - قبحهن الله – يعمدن إلى خيوط، فيعقدنها، وينفثن فيها، بهمهمات شيطانية، ينشأ عنها السحر، الذي يمرِض، أو يقتل. وعبر بجمع المؤنث السالم، لأن السحر أكثر ما يقع من النساء. فأكثر من يتعاطى السحر: النساء، ولهذا قال: (وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ)، ولم يقل: ومن شر النفاثين، وإن كان في الرجال سحرة، ولا ريب، لكن فشوه، وانتشاره، وطلبه، في النساء أكثر، فلهذا عبر بـ (النَّفَّاثَاتِ)، من باب التغليب.
          (وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ) هذا رابع المستعاذ منه.
          * الحسد: هو تمني زوال نعمة غيره.
          ومعنى (إِذَا حَسَدَ) يعني إذا أظهر حسده. وغالباً ما تصيب العين، حال تكيِّف النفس الخبيثة بالحسد، فيقترن بها تأثير الشيطان الحسي، فتؤذي المحسود؛ في نفسه، أو بدنه، أو ماله. لأن الحاسد - أجارنا الله وإياكم - إذا اضطرم الحسد في قلبه، أراد كيد المحسود، وإزالة النعمة عنه، بتدبير المكايد، والحيل، التي يتوصل بها إلى أذاه، أو يصيبه بعين، والعين حق، وذلك بأن تتكيف نفسه تكيُّفًا شيطانيًا، فيقع منه نظرة، يتدخل فيها الشيطان، فيصيب المُعان، أو المعيون، بنوع ضرر، قد يقتله، وقد يمرضه، فلا عصمة، للعبد إلا بهذا العوذ الشرعية، كهذه السورة.
          فهذه السورة العظيمة فيها فرار إلى الله، واعتصام بجنابه، واستجارة به، من الشرور الخارجية، التي شملها قوله: (مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ)، ومن زمانها، كالليل إذا أقبل، أو القمر إذا طلع، ومن أدواتها، كالسحر الذي تصنعه السواحر، في نفثهن في العقد، ومن شر الحاسد، الذي يصيب بعينه المحسود، لهذا كانت هذه السورة حرزا عظيما، وحصنا منيعا، من هذه الشرور، لا يعادلها شيء.
          وهي أنفع مما يصفه بعض الرقاة والقراء، حين يطلبوا من المصابين، أن يقرءوا سورة كذا عدداً معيناً، في وقت معين، على هيئة معينة لم يرد بها أثر.
          وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقراءة هذه السورة، مع سورة الناس، وسورة (الإخلاص) في مواضع منها:
          - في طرفي النهار، في الصباح والمساء، يقولها ثلاث مرات؛ فعن عَبْد اللَّهِ بْنِ خُبَيْبٍ أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْنَا فِى لَيْلَةِ مَطَرٍ وَظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ نَطْلُبُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لِيُصَلِّىَ لَنَا فَأَدْرَكْنَاهُ فَقَالَ « أَصَلَّيْتُمْ ». فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا فَقَالَ « قُلْ ». فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ « قُلْ ». فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ « قُلْ ». فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَقُولُ قَالَ « (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِى، وَحِينَ تُصْبِحُ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ ». [رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني]
          - وكذلك كل ليلة، إذا أوى الإنسان إلى فراشه، جمع كفيه، وقرأ هذه السور الثلاث، ونفث في كفيه، ومسح من أعلى رأسه، إلى أخمص قدميه، يفعل ذلك ثلاث مرات؛ وذلك لما روته عائشة – رضي الله عنها - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ، كُلَّ لَيْلَةٍ، جَمَعَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا، فَقَرَأَ فِيهِمَا (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) وَ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وَ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ [رواه البخاري]
          ففي هاتين السورتين حفظ للعبد من جميع أنواع الشرور. وفي هذه السورة، الحفظ من الشرور الخارجية، المتمثلة بلدغ العقارب، والحيات، وهجوم سبع، أو عدو صائل، والإصابة بالسحر، والإصابة بالعين، وغيرها من الشرور التي لا حصر لها. فكانت الاستعاذة برب الفلق، منها جميعا.
          الفوائد المستبطة
          الفائدة الأولى: أن الاستعاذة عبادة، لا تكون إلا بالله، كما قال تعالى: (وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ).
          الفائدة الثانية: إحاطة الله بكل شيء، وقدرته عليه.
          الفائدة الثالثة: كثرة الشر، والضرر، في الليل.
          الفائدة الرابعة: خطر السحر، وكثرته في النساء.
          الفائدة الخامسة: خطر الحسد، وما ينشأ عنه من العين، والكيد.


          التعديل الأخير تم بواسطة نحري دون نحرك يادين الله; الساعة 24-01-2014, 06:19 PM.

          قال الحسن البصري - رحمه الله :
          استكثروا في الأصدقاء المؤمنين فإن لهم شفاعةً يوم القيامة".
          [حصري] زاد المربين فى تربية البنات والبنين


          تعليق


          • #6
            رد: التفسير العقدي لسورة الفلق

            السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
            جزاكم الله خيرًا وجعله في ميزان حسناتكم


            "اللهم إني أمتك بنت أمتك بنت عبدك فلا تنساني
            وتولني فيمن توليت"

            "وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ"الشورى:36

            تعليق


            • #7
              رد: التفسير العقدي لسورة الفلق

              المشاركة الأصلية بواسطة بذور الزهور مشاهدة المشاركة
              السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
              جزاكم الله خيرًا وجعله في ميزان حسناتكم

              وعليكم السلام ورحمة الله وبركاتة
              اللهم آمين
              وأنتم من أهل الجزاء أختنا الفاضلة
              وفقكم الله لما يُحِب ويرضى


              قال الحسن البصري - رحمه الله :
              استكثروا في الأصدقاء المؤمنين فإن لهم شفاعةً يوم القيامة".
              [حصري] زاد المربين فى تربية البنات والبنين


              تعليق


              • #8
                التفسير العقدي لسورة الناس

                السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة
                التفسير العقدي لسورة الناس

                بقلم فضيلة الشيخ د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي
                بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
                قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)
                سورة الناس هي آخر سورة بين دفتي المصحف.
                ومقصدها: تحقيق الاستعاذة، من الشر الداخلي، ألا وهو الوسواس.
                وشر الوسواس عظيم، حتى لكأن الشرور الخارجية في كفة، وهو في كفة!
                فلو تأملنا لوجدنا عجبا: المستعاذ به في سورة (الفلق) اسم واحد من أسماء لله الحسنى، وهو رب الفلق، والمستعاذ منه أربعة أشياء: (مَا خَلَقَ)، (غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ)، (النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ)، (ِحَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ). وفي سورة (الناس) المستعاذ به ثلاثة أسماء من أسماء الله الحسنى (رَبِّ النَّاسِ)، (مَلِكِ النَّاسِ)، (إِلَهِ النَّاسِ)؛ الرب، والملك، والإله، والمستعاذ منه شيء واحد، وهو (شَرِّ الْوَسْوَاسِ) ، مما يدل على عظم خطره، وأن أذاه بالغ جدًا، ولا يعصم العبد من الوسواس إلا الاستعاذة برب الناس، ملك الناس، إله الناس.
                (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) الرب: هو الخالق، المالك، المدبر، الذي ربى عباده بنعمه. مأخوذ من التربية، وهي التنشئة، والتنمية شيئاً، فشيئاً. ومدار الربوبية على هذه الأوصاف الثلاثة: الخلق، والملك، والتدبير، وإليها تؤول بقية الأوصاف. ويجب توحيد الله بها.
                (النَّاسِ) اختلف المفسرون في لفظة (النَّاسِ)، هل تختص بالإنس، أم يدخل فيهم الجن؟ قولان، حتى قال إمام المفسرين - ابن جرير الطبري -: لا يبعد أن يشمل لفظ الناس الجن؛ كما قال الله تعالى (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ) فإذا كان فيهم رجال ونساء، فلا مانع أن يطلق عليهم ناس.
                ( مَلِكِ النَّاسِ) أي مالكهم، ومدبر أمورهم - سبحانه - فأزِمَّة أمورهم بيده.
                (إِلَهِ النَّاسِ) يعني: معبودهم؛ لأن إله: بمعنى مألوه، أي: معبود، فهو الرب، الملك، الإله، الحقيق أن يستعاذ به من شر الوسواس، الخناس.
                (مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ) قال تعالى (مِنْ شَرِّ)؛ لأنه ربما يقع وسوسة في النفس، لكن لا تكون من قبيل الشر.
                و( الْوَسْوَاسِ) من الوسوسة، والأصل أنها الصوت الخفي؛ كما قال الأعشى:
                تسمع للحلي وسواساً إذا انصرفت *** كما استعان بريح عشرق زجل
                يعني يشبه صوت الريح، حين مرورها بالشجر، والمراد بها هنا: حديث النفس، الذي يلقيه الشيطان، لا يسمعه أحد. يكون الشخص جوارك، تحدثه نفسه بشتى الأحاديث، وأنت لا تسمع شيئًا، بل هو لا يسمع بأذنيه، لكن يعيه بقلبه كما يعي حديث الناس.
                و( الْوَسْوَاسِ) يطلق على الوسوسة ذاتها، ويطلق على الموسوس، أي: الشيطان، ولهذا وصفه بأنه الخناس.
                (الْخَنَّاسِ) أي: أنه ينخنس، وينقبض، ويتأخر عند ذكر الله تعالى، فالشيطان يلتقم قلب ابن آدم، فإذا ذكر الله - عز وجل – انقبض، وانخنس، بسبب ذكر الله تعالى؛ لهذا سمي خناسا.
                (الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ) هذا بيان لمحل الوسوسة، وهي صدور الناس، التي فيها قلوبهم.
                (مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) أي من الجن، وبني آدم، ولهذا الآية محملان عند المفسرين:
                - الأول: أن الموسوس قد يكون تارة من الجن، وقد يكون تارة من الإنس؛ واستدلوا بقول الله تعالى (شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) وعليه فيكون هناك:
                * شياطين إنسيون: وهم رفقاء السوء، من الآدميين.
                *وشياطين جنيون، وهم الشياطين الذين لا نراهم.
                فأما وسواس شيطان الجن: فهو ما يلقيه في قلب الإنسان، من خطرات. وأما وسواس شيطان الإنس: فهو ما يلقيه في الأذن، من كلمات، يزين له الباطل، ويحسن له القبيح.
                - المعنى الثاني: أن الشيطان يوسوس للجن، كما يوسوس للإنس، فقد يوسوس لجني مثله. والله أعلم.
                والجن خلق من خلق الله، ومردتهم هم الشياطين، وهم ذرية إبليس، وأما بقيتهم فهم مكلفون، فمنهم المؤمنون، ومنهم القاسطون، ومنهم الصالحون، ومنهم دون ذلك؛ كما ذكر الله تعالى في سورة (الجن): (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا) وقال قبلها: (وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ).
                وهذا هو الاعتقاد الذي يجب أن يعتمده المؤمن، عن هذا العالم الغيبي، فالجن، مجتنُّون، كما أخبر ربنا (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ) فهم يروننا، ولا نراهم، ولذلك سُمي كل شيء مستخف، بأنه مستجن، كما سميت الجنة جنة، لالتفافها بالأشجار، وسمي الدرع (مِجنَّاً) لأنه يخفي ما تحته.
                والجن عباد، مكلفون، مخاطبون بالشرع؛ قال الله - عز وجل - (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ(29) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ(30) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ). وقد عدهم ابن القيم، رحمه الله، في الطبقة الثامنة عشرة من (طبقات المكلفين) من كتابه: (طريق الهجرتين)، وذكر كلاماً حسناً، وتقريراً مفيداً، ينبغي الرجوع إليه.
                وقد اجتمع الجن بالنبي (صلى الله عليه وسلم) في ليلة من الليالي؛ حيث قال علقمة -رحمه الله - : قلت لابن مسعودٍ : هل صَحِبَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ليلةَ الجِنِّ منكم أحدٌ ؟ قال : ما صحبه منَّا أحدٌ ، ولكنَّا كُنَّا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ذاتَ ليْلَةٍ فَفقَدناهُ ، فالتمسناه في الأودية والشِّعابِ ، فَقُلْنَا : اسْتُطِيرَ ، أَوِ اغْتِيلَ ، فبِتْنا بشرِّ ليْلَةٍ باتَ بها قومٌ ، فلما أَصبحنا إذا هُوَجَاءٍ من قِبلِ حِراءَ، قال : فقُلْنا : يارسول اللّه ، فَقَدْناكَ، فطلبناكَ، فلم نَجِدْكَ ، فَبِتْنا بشَرِّ ليلةٍ باتَ بها قومٌ ، قال : «أتَاني داِعي الجِنِّ، فذَهبْتُ معه ، فقرأتُ عليهم القرآن» قال : فانطَلقَ بنا ، فأرانا آثارهم ، وآثار نِيرَانِهمْ ، وسألُوهُ الزَّادَ ، فقال : «لكم كلُّ عَظْمٍ ذُكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوْفَرَ ما يكون لَحْما،وكلُّ بَعْرَةٍ علَفٌ لِدَوَابِّكم» فقال- رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم : «فلا تَسْتَنْجوا بهما ، فإنهما طعامُ إخوانِكم» [مسلم]
                فنحن نؤمن، ونصدق ما دلت عليه النصوص، وأما ما يتفوه به العامة، ويحكونه من قصص، وحوادث، فلا يؤخذ به، ولا يعتمد عليه، وقد يصيبون وقد يخطئون، فينبغي أن يعرض ذلك على كتاب الله وسنة نبيه – صلى الله عليه وسلم – ولا يقطع العاقل بكل ما سمع، بل يعاملها معاملة الإسرائيليات.
                الفوائد المستنبطة:
                الفائدة الأولى: أن الاستعاذة عبادة، ولا تكون إلا بالله – عز وجل – فيما لا يقدر عليه إلا هو؛ كالاستعاذة من أمر خفي، أو غيبي.
                الفائدة الثانية: إثبات الأسماء الحسنى: الرب، والملك، والإله.، وما تضمنه من صفات: الربوبية، والملك، والألوهية، خلافاً للمعطلة من الجهمية والمعتزلة.
                الفائدة الثالثة: شدة خطر الوسواس.
                الفائدة الرابعة: أن الوسواس قد يقع من شياطين الإنس، كما يقع من شياطين الجن.
                الفائدة الخامسة: أن الجن يتعرضون للوسوسة، كما الإنس.
                وبهذا تم الكلام بحمد الله، على هذا التفسير - تفسير جزء (عم) -، وتبين أن العناية بالقرآن العظيم، من أهم المهمات، ومن أوجب الواجبات، وأن طريق العلم الصحيح: أن يتوجه الإنسان، رأساً، إلى كلام رب العالمين، يتدبره، ويتفهمه، ويستنبط معانيه، فبذلك يحصل على العلم الرصين. وبقية العلوم فروع على علم التفسير. فلابد لطالب العلم أن يجعل لنفسه حظًا حسناً، ونصيبًا وافرًا، من قراءة التفاسير المعتبرة، وينير عقله وقلبه بتدبر كلام الله. قال ربنا - عز وجل - (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ). فلا يكون هم أحدنا أن يكثر الختمات، ويقلب الصفحات، وحسب! ولكن يعمل فكره، وعقله، ونظره، في كلام رب العالمين، مستعينًا ببيان المفسرين المعتبرين، الذين يعتمدون على التفسير بالأثر، وعلى رأسهم إمام المفسرين (محمد بن جرير الطبري) - رحمه الله - وتفسير ابن كثير - رحمه الله - فإنه قد لخص تفسير الطبري، وزاد عليه، وحقق كثيرًا من المسائل. فإن لم يسعفك الوقت، فلا أقل من أن تنظر في تفسير الشيخ عبد الرحمن السعدي - رحمه الله -.
                نسأل لله - عز وجل - أن يرزقنا وإياكم علمًا نافعًا، وعملا صالحًا، وتجارة لا تبور، وأن يحسن عاقبتنا في جميع الأمور. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم.

                المصدر/ العقيدة والحياة

                قال الحسن البصري - رحمه الله :
                استكثروا في الأصدقاء المؤمنين فإن لهم شفاعةً يوم القيامة".
                [حصري] زاد المربين فى تربية البنات والبنين


                تعليق


                • #9
                  رد: التفسير العقدي لسورة الإخلاص

                  ماشاء الله موضوع رااااااائع
                  أسأل الله ان يجعله في ميزان حسناتكم

                  ننتظر منكم المزيد من مواضيعكم المميزة



                  تعليق


                  • #10
                    رد: التفسير العقدي لسورة الإخلاص

                    المشاركة الأصلية بواسطة نحري دون نحرك يادين الله مشاهدة المشاركة
                    ماشاء الله موضوع رااااااائع
                    أسأل الله ان يجعله في ميزان حسناتكم

                    ننتظر منكم المزيد من مواضيعكم المميزة
                    اللهم آمين
                    جزاكم الله خيراً أختنا الفاضلة
                    وفقكم الله لما يُحِب ويرضى

                    ملاحظة : فضلاً أرجو إضافة هذا الرابط
                    المصدر/ العقيدة والحياة للمواضيع التالية :
                    التفسير العقدي لسورة الإخلاص

                    التفسير العقدي لسورة الفلق



                    قال الحسن البصري - رحمه الله :
                    استكثروا في الأصدقاء المؤمنين فإن لهم شفاعةً يوم القيامة".
                    [حصري] زاد المربين فى تربية البنات والبنين


                    تعليق


                    • #11
                      رد: التفسير العقدي لسورة الإخلاص

                      السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
                      جزاكم الله خيرا وبارك الله فيكم
                      حقا تقسير في غاية الروعة
                      سبحان من نزل القران على عبده محمد صلى الله عليه وسلم
                      اللهم احفظ ابنتى واعنا على تربيتها تربية صالحة مصلحة حاملة لكتابك ومطبقة لشرعك
                      اللهم احفظ زوجى من كل سوء والف بين قلوبنا واجعله قره عين لى واجعلنى قرة عينا له
                      وبارك اللهم في أهلى ورفيقاتى واحفظهم من كل سوء

                      تعليق


                      • #12
                        رد: التفسير العقدي لسورة الإخلاص

                        تم وضع الرابط بارك الله فيكم



                        تعليق


                        • #13
                          رد: التفسير العقدي لسورة الإخلاص

                          المشاركة الأصلية بواسطة فاطمة سعد مشاهدة المشاركة
                          السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
                          جزاكم الله خيرا وبارك الله فيكم
                          حقا تقسير في غاية الروعة
                          سبحان من نزل القران على عبده محمد صلى الله عليه وسلم
                          وعليكم السلام ورحمة الله وبركاتة
                          وأنتم من أهل الجزاء أختنا الفاضلة
                          وجزى الله عنا فضيلة الشيخ الدكتور أحمد القاضي كل خير
                          وفقكم الله لما يُحِب ويرضى


                          قال الحسن البصري - رحمه الله :
                          استكثروا في الأصدقاء المؤمنين فإن لهم شفاعةً يوم القيامة".
                          [حصري] زاد المربين فى تربية البنات والبنين


                          تعليق


                          • #14
                            رد: التفسير العقدي لسورة الإخلاص

                            المشاركة الأصلية بواسطة نحري دون نحرك يادين الله مشاهدة المشاركة
                            تم وضع الرابط بارك الله فيكم
                            جزاكم الله خيراً أختنا الفاضلة
                            وفقكم الله لما يُحِب ويرضى


                            قال الحسن البصري - رحمه الله :
                            استكثروا في الأصدقاء المؤمنين فإن لهم شفاعةً يوم القيامة".
                            [حصري] زاد المربين فى تربية البنات والبنين


                            تعليق


                            • #15
                              رد: التفسير العقدي لسورة الناس

                              عليكم السلام ورحمة الله وبركاته
                              جزاكم الله خيرًا وجعله في ميزان حسناتكم
                              وجزي
                              فضيلة الشيخ د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي عنا خير الجزاء


                              "اللهم إني أمتك بنت أمتك بنت عبدك فلا تنساني
                              وتولني فيمن توليت"

                              "وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ"الشورى:36

                              تعليق

                              يعمل...
                              X