إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

أول سفراء الاسلام

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • أول سفراء الاسلام

    :lll:

    اخترت لكم هذه السيرة العطرة لأحد صحابة رسول الله وهو:

    ،،،،مصعب بن عمير ،،،،،،

    هذا رجل من أصحاب محمد ما أجمل أن نبدأ به الحديث.

    غرّة فتيان قريش، وأوفاهم جمالا، وشبابا..

    يصف المؤرخون والرواة شبابه فيقولون:" كان أعطر أهل مكة"..

    ولد في النعمة، وغذيّ بها، وشبّ تحت خمائلها.

    ولعله لم يكن بين فتيان مكة من ظفر بتدليل أبويه بمثل ما ظفر به "مصعب بن عمير"..

    ذلك الفتى الريّان، المدلل المنعّم، حديث حسان مكة، ولؤلؤة ندواتها ومجالسها، أيمكن أن يتحوّل الى أسطورة من أساطير الايمان والفداء..؟

    بالله ما أروعه من نبأ.. نبأ "مصعب بن عمير"، أو "مصعب الخير" كما كان لقبه بين المسلمين.

    انه واحد من أولئك الذين صاغهم الاسلام وربّاهم "محمد" عليه الصلاة والسلام..

    ولكن أي واحد كان..؟

    ان قصة حياته لشرف لبني الانسان جميعا..

    لقد سمع الفتى ذات يوم، ما بدأ أهل مكة يسمعونه من محمد الأمين

    "محمد" الذي يقول أن الله أرسله بشيرا ونذيرا. وداعيا الى عبادة الله الواحد الأحد.

    وحين كانت مكة تمسي وتصبح ولا همّ لها، ولا حديث يشغلها الا الرسول عليه الصلاة والسلام ودينه، كان فتى قريش المدلل أكثر الناس استماعا لهذا الحديث.

    ذلك أنه كان على الرغم من حداثة سنه، زينة المجالس والندوات، تحرص كل ندوة أن يكون مصعب بين شهودها، ذلك أن أناقة مظهره ورجاحة عقله كانتا من خصال ::ابن عمير:: التي تفتح له القلوب والأبواب..

    ولقد سمع فيما سمع أن الرسول ومن آمن معه، يجتمعون بعيدا عن فضول قريش وأذاها.. هناك على الصفا في درا "الأرقم بن أبي الأرقم" فلم يطل به التردد، ولا التلبث والانتظار، بل صحب نفسه ذات مساء الى دار الأرقم تسبقه أشواقه ورؤاه...

    هناك كان الرسول يلتقي بأصحابه فيتلو عليهم القرآن، ويصلي معهم لله العليّ القدير.

    ولم يكد مصعب يأخذ مكانه، وتنساب الآيات من قلب الرسول متألفة على شفتيه، ثم آخذة طريقها الى الأسماع والأفئدة، حتى كان فؤاد ابن عمير في تلك الأمسية هو الفؤاد الموعود..!

    ولقد كادت الغبطة تخلعه من مكانه، وكأنه من الفرحة الغامرة يطير.

    ولكن الرسول بسط يمينه الحانية حتى لامست الصدر المتوهج، والفؤاد المتوثب، فكانت السكينة العميقة عمق المحيط.. وفي لمح البصر كان الفتى الذي آمن وأسلم يبدو ومعه من الحكمة ما يفوق ضعف سنّه وعمره، ومعه من التصميم ما يغيّر سير الزمان..!!!

    **

    كانت أم مصعب "خنّاس بنت مالك" تتمتع بقوة فذة في شخصيتها، وكانت تهاب الى حد الرهبة..

    ولم يكن مصعب حين أسلم ليحاذر أو يخاف على ظهر الأرض قوة سوى امه.

    فلو أن مكة بل أصنامها وأشرافها وصحرائها، استحالت هولا يقارعه ويصارعه، لاستخف به مصعب الى حين..

    أما خصومة أمه، فهذا هو الهول الذي لا يطاق..!

    ولقد فكر سريعا، وقرر أن يكتم اسلامه حتى يقضي الله أمرا.

    وظل يتردد على دار الأرقم، ويجلس الى رسول الله ,وهو قرير العين بايمانه، وبتفاديه غضب أمه التي لا تعلم خبر اسلامه خبرا..

    ولكن مكة في تلك الأيام بالذات، لا يخفى فيها سر، فعيون قريش وآذانها على كل طريق، ووراء كل بصمة قدم فوق رمالها الناعمة اللاهبة، الواشية..

    ولقد أبصر به "عثمان بن طلحة" وهو يدخل خفية الى دار الأرقم.. ثم رآه مرة أخرى وهو يصلي كصلاة محمد ,فسابق ريح الصحراء وزوابعها، شاخصا الى أم مصعب، حيث ألقى عليها النبأ الذي طار بصوابها...

    ووقف مصعب أمام أمه، وعشيرته، وأشراف مكة مجتمعين حوله يتلو عليهم في يقين الحق وثباته، القرآن الذي يغسل به الرسول قلوبهم، ويملؤها به حكمة وشرفا، وعدلا وتقى.

    وهمّت أمه أن تسكته بلطمة قاسية، ولكن اليد التي امتدت كالسهم، ما لبثت أن استرخت وتنحّت أمام النور الذي زاد وسامة وجهه وبهاءه جلالا يفرض الاحترام، وهدوءا يفرض الاقناع..

    ولكن، اذا كانت أمه تحت ضغط أمومتها ستعفيه من الضرب والأذى، فان في مقدرتها أ، تثأر للآلهة التي هجرها بأسلوب آخر..

    وهكذا مضت به الى ركن قصي من أركان دارها، وحبسته فيه، وأحكمت عليه اغلاقه، وظل رهين محبسه ذاك، حتى خرج بعض المؤمنين مهاجرين الى أرض الحبشة، فاحتال لنفسه حين سمع النبأ، وغافل أمه وحراسه، ومضى الى الحبشة مهاجرا أوّابا..

    ولسوف يمكث بالحبشة مع اخوانه المهاجرين، ثم يعود معهم الى مكة، ثم يهاجر الى الحبشة للمرة الثانية مع الأصحاب الذين يأمرهم الرسول بالهجرة فيطيعون.

    ولكن سواء كان مصعب بالحبشة أم في مكة، فان تجربة ايمانه تمارس تفوّقها في كل مكان وزمان، ولقد فرغ من اعداد صياغة حياته على النسق الجديد الذي أعطاهم محمد نموذجه المختار، واطمأن مصعب الى أن حياته قد صارت جديرة بأن تقدّم قربانا لبارئها الأعلى، وخالقها العظيم..

    خرج يوما على بعض المسلمين وهم جلوس حول رسول الله، فما ان بصروا به حتى حنوا رؤوسهم وغضوا أبصارهم وذرفت بعض عيونهم دمعا شجيّا..

    ذلك أنهم رأوه.. يرتدي جلبابا مرقعا باليا، وعاودتهم صورته الأولى قبل اسلامه، حين كانت ثيابه كزهور الحديقة النضرة، وألقا وعطرا..

    وتملى رسول الله مشهده بنظرات حكيمة، شاكرة محبة، وتألقت على شفتيه ابتسامته الجليلة، وقال:

    " لقد رأيت مصعبا هذا، وما بمكة فتى أنعم عند أبويه منه، ثم ترك ذلك كله حبا لله ورسوله".!!

    لقد منعته أمه حين يئست من ردّته كل ما كانت تفيض عليه من نعمة.. وأبت أن يأكل طعامها انسان هجر الآلهة وحاقت به لعنتها، حتى ولو يكون هذا الانسان ابنها..!!

    ولقد كان آخر عهدها به حين حاولت حبسه مرّة أخرى بعد رجوعه من الحبشة. فآلى على نفسه لئن هي فعلت ليقتلن كل من تستعين به على حبسه..

    وانها لتعلم صدق عزمه اذا همّ وعزم، فودعته باكية، وودعها باكيا..

    وكشفت لحظة الوداع عن اصرار عجيب على الكفر من جانب الأم واصرار أكبر على الايمان من جانب الابن.. فحين قالت له وهي تخرجهمن بيتها: اذهب لشأنك، لم أعد لك أمّا. اقترب منها وقال:"يا أمّاه اني لك ناصح، وعليك شفوق، فاشهدي بأنه لا اله الا الله، وأن محمدا عبده ورسوله"...

    أجابته غاضبة مهتاجة:" قسما بالثواقب، لا أدخل في دينك، فيزرى برأيي، ويضعف غقلي"..!!

    وخرج مصعب من النعمة الوارفة التي كان يعيش فيها مؤثرا الشظف والفاقة.. وأصبح الفتى المتأنق المعطّر، لا يرى الا مرتديا أخشن الثياب، يأكل يوما، ويجوع أياماو ولكن روحه المتأنقة بسمو العقيدة، والمتألقة بنور الله، كانت قد جعلت منه انسانا آخر يملأ الأعين جلال والأنفس روعة...

    **

    وآنئذ، اختاره الرسول لأعظم مهمة في حينها: أن يكون سفيره الى المدينة، يفقّه الأنصار الذين آمنوا وبايعوا الرسول عند العقبة، ويدخل غيرهم في دين الله، ويعدّ المدينة ليوم الهجرة العظيم..

    كان في أصحاب رسول الله يومئذ من هم أكبر منه سنّا وأكثر جاها، وأقرب من الرسول قرابة.. ولكن الرسول اختار مصعب الخير، وهو يعلم أنه يكل اليه بأخطر قضايا الساعة، ويلقي بين يديه مصير الاسلام في المدينة التي ستكون دار الهجرة، ومنطلق الدعوة والدعاة، والمبشرين والغزاة، بعد حين من الزمان قريب..

    وحمل مصعب الأمانة مستعينا بما أنعم الله عليه من رجاحة العقل وكريم الخلق، ولقد غزا أفئدة المدينة وأهلها بزهده وترفعه واخلاصه، فدخلوا في دين الله أفواجا..

    لقد جاءها يوم بعثه الرسول اليها وليس فيها سوى اثني عشر مسلما هم الذين بايعوا النبي من قبل بيعة العقبة، ولكنه لم يكد يتم بينهم بضعة أشهر حتى استجابوا لله وللرسول..!!

    وفي موسم الحج التالي لبيعة العقبة، كان مسلمو المدينة يرسلون الى مكة للقاء الرسول وفدا يمثلهم وينوب عنهم.. وكان عدد أعضائه سبعين مؤمنا ومؤمنة.. جاءوا تحت قيادة معلمهم ومبعوث نبيهم اليهم "مصعب ابن عمير".

    لقد أثبت "مصعب" بكياسته وحسن بلائه أن رسول الله عرف كيف يختار..

    فلقد فهم مصعب رسالته تماما ووقف عند حدودها. عرف أنه داعية الى الله تعالى، ومبشر بدينه الذي يدعوا الناس الى الهدى، والى صراط مستقيم. وأنه كرسوله الذي آمن به، ليس عليه الا البلاغ..

    هناك نهض في ضيافة "أسعد بم زرارة" يفشيان معا القبائل واالبيوت والمجالس، تاليا على الناس ما كان معه من كتاب ربه، هاتفا بينهم في رفق عظيم بكلمة الله {.. إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ ..}
    النساء

    ولقد تعرّض لبعض المواقف التي كان يمكن أن تودي به وبمن معه، لولا فطنة عقله، وعظمة روحه..

    ذات يوم فاجأه وهو يعظ الناس "أسيد بن خضير" سيد بني عبد الأشهل بالمدينة، فاجأه شاهرا حربتهو يتوهج غضبا وحنقا على هذا الذي جاء يفتن قومه عن دينهم.. ويدعوهم لهجر آلهتهم، ويحدثهم عن اله واحد لم يعرفوه من قبل، ولم يألفوه من قبل..!

    ان آلهتهم معهم رابضة في مجاثمهاو اذا حتاجها أحد عرف مكانها وولى وجهه ساعيا اليها، فتكشف ضرّه وتلبي دعاءه... هكذا يتصورون ويتوهمون..

    أما إله محمد الذي يدعوهم إليه باسمه هذا السفير الوافد اليهم، فما أحد يعرف مكانه، ولا أحد يستطيع أن يراه..!!

    وما ان رأى المسلمون الذين كانوا يجالسون مصعبا مقدم أسيد ابن حضير متوشحا غضبه المتلظي، وثورته المتحفزة، حتى وجلوا.. ولكن مصعب الخير ظل ثابتا وديعا، متهللا..

    وقف اسيد أمامه مهتاجا، وقال يخاطبه هو وأسعد بن زرارة:

    "ما جاء بكما الى حيّنا، تسهفان ضعفاءنا..؟ اعتزلانا، اذا كنتما لا تريدان الخروج من الحياة"..!!

    وفي مثل هدوء البحر وقوته..

    وفي مثل تهلل ضوء الفجر ووداعته.. انفرجت أسارير مصعب الخير وتحرّك بالحديث الطيب لسانه فقال:

    "أولا تجلس فتستمع..؟! فان رضيت أمرنا قبلته.. وان كرهته كففنا عنك ما تكره".

    الله أكبر. ما أروعها من بداية سيسعد بها الختام..!!

    كان أسيد رجلا أريبا عاقلا.. وها هو ذا يرى مصعبا يحتكم معه الى ضميره، فيدعوه أن يسمع لا غير.. فان اقتنع، تركه لاقتناعه وان لم يقتنع ترك مصعب حيّهم وعشيرتهم، وتحول الى حي آخر وعشيرة أخرى غير ضارّ ولا مضارّ..

    هنالك أجابه أسيد قائلا: أنصفت.. وألقى حربته الى الأرض وجلس يصغي..

    ولم يكد مصعب يقرأ القرآن، ويفسر الدعوة التي جاء بها محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام، حتى أخذت أسارير أسيد تبرق وتشرق.. وتتغير مع مواقع الكلم، وتكتسي بجماله..!!

    ولم يكد مصعب يفرغ من حديثه حتى هتف به أسيد بن حضير وبمن معه قائلا:

    "ما أحسن هذا القول وأصدقه.. كيف يصنع من يريد أن يدخل في هذا الدين"..؟؟

    وأجابوه بتهليلة رجّت الأرض رجّا، ثم قال له مصعب:

    "يطهر ثوبه وبدنه، ويشهد أن لا اله الا الله".

    فغاب أسيد عنهم غير قليل ثم عاد يقطر الماء الطهور من شعر رأسه، ووقف يعلن أن لا اله الا الله، وأن محمدا رسول الله..

    وسرى الخبر كالضوء.. وجاء سعد بن معاذ فأصغى لمصعب واقتنع، وأسلم ثم تلاه سعد بن عبادة، وتمت باسلامهم النعمة، وأقبل أهل المدينة بعضهم على بعض يتساءلون: اذا كان أسيد بن حضير، وسعد ابن معاذ، وسعد بن عبادة قد أسلموا، ففيم تخلفنا..؟ هيا الى مصعب، فلنؤمن معه، فانهم يتحدثون أن الحق يخرج من بين ثناياه..!!

    **

    لقد نجح أول سفراء الرسول صلى الله عليه وسلم نجاحا منقطع النظير.. نجاحا هو له أهل، وبه جدير..

    وتمضي الأيام والأعوام، ويهاجر الرسول وصحبه الى المدينة، وتتلمظ قريش بأحقادها.. وتعدّ عدّة باطلها، لتواصل مطاردتها الظالمة لعباد الله الصالحين.. وتقوم غزوة بدر، قيتلقون فيها درسا يفقدهم بقية صوابهم ويسعون الى الثأر،و تجيء غزوة أحد.. ويعبئ المسلمون أنفسهم، ويقف الرسول صلى الله عليه وسلم وسط صفوفهم يتفرّس الوجوه المؤمنة ليختار من بينها من يحمل الراية.. ويدعو مصعب الخير، فيتقدم ويحمل اللواء..

    وتشب المعركة الرهيبة، ويحتدم القتال، ويخالف الرماة أمر الرسول عليه الصلاة والسلام، ويغادرون موقعهم في أعلى الجبل بعد أن رأوا المشركين ينسحبون منهزمين، لكن عملهم هذا، سرعان ما يحوّل نصر المسلمين الى هزيمة.. ويفاجأ المسلمون بفرسان قريش تغشاهم من أعلى الجبل، وتعمل فيهم على حين غرّة، السيوف الظامئة المجنونة..

    حين رأوا الفوضى والذعر في صفوف المسلمين، ركزا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لينالوه..

    وأدرك مصعب بن عمير الخطر الغادر، فرفع اللواء عاليا، وأطلق تكبيرة كالزئير، ومضى يجول ويتواثب.. وكل همه أن يلفت نظر الأعداء اليه ويشغلهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه، وجرّد من ذاته جيشا بأسره.. أجل، ذهب مصعب يقاتل وحده كأنه جيش غزير..

    يد تحمل الراية في تقديس..

    ويد تضرب بالسيف في عنفوان..

    ولكن الأعداء يتكاثرون عليه، يريدون أن يعبروا فوق جثته الى حيث يلقون الرسول..

    لندع شاهد عيان يصف لنا مشهد الخاتم في حياة مصعب العظيم..!!

    يقول ابن سعد: أخبرنا ابراهيم بن محمد بن شرحبيل العبدري، عن أبيه قال:

    [حمل مصعب بن عمير اللواء يوم أحد، فلما جال المسلمون ثبت به مصعب، فأقبل ابن قميئة وهو فارس، فضربه على يده اليمنى فقطعها، ومصعب يقول: وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل..

    وأخذ اللواء بيده اليسرى وحنا عليه، فضرب يده اليسرى فقطعها، فحنا على اللواء وضمّه بعضديه الى صدره وهو يقول: وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل..

    ثم حمل عليه الثالثة بالرمح فأنفذه وأندق الرمح، ووقع مصعب، وسقط اللواء].

    وقع مصعب.. وسقط اللواء..!!

    وقع حلية الشهادة، وكوكب الشهداء..!!

    وقع بعد أن خاض في استبسال عظيم معركة الفداء والايمان..

    كان يظن أنه اذا سقط، فسيصبح طريق القتلة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم خاليا من المدافعين والحماة..

    ولكنه كان يعزي نفسه في رسول الله عليه الصلاة والسلام من فرط حبه له وخوفه عليه حين مضى يقول مع كل ضربة سيف تقتلع منه ذراعا:

    (
    وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) آل عمران

    هذه الآية التي سينزل الوحي فيما بعد يرددها، ويكملها، ويجعلها، قرآنا يتلى..

    **

    وبعد انتهاء المعركة المريرة، وجد جثمان الشهيد الرشيد راقدا، وقد أخفى وجهه في تراب الأرض المضمخ بدمائه الزكية..

    لكأنما خاف أن يبصر وهو جثة هامدة رسول الله يصيبه السوء، فأخفى وجهه حتى لا يرى هذا الذي يحاذره ويخشاه..!!

    أو لكأنه خجلان اذ سقط شهيدا قبل أن يطمئن على نجاة رسول الله، وقبل أن يؤدي الى النهاية واجب حمايته والدفاع عنه..!!

    لك الله يا مصعب.. يا من ذكرك عطر الحياة..!!

    **

    وجاء الرسول وأصحابه يتفقدون أرض المعركة ويودعون شهداءها..

    وعند جثمان مصعب، سالت دموع وفيّة غزيرة..

    يقول خبّاب بن الأرت:

    [هاجرنا مع رسول الله في سبيل الله، نبتغي وجه الله، فوجب أجرنا على الله.. فمنا من مضى، ولم يأكل من أجره في دنياه شيئا، منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد.. فلم يوجد له شيء يكفن فيه الا نمرة.. فكنا اذا وضعناها على رأسه تعرّت رجلاه، واذا وضعناها على رجليه برزت رأسه، فقال لنا رسول الله :" اجعلوها مما يلي رأسه، واجعلوا على رجليه من نبات الاذخر"..]..

    وعلى الرغم من الألم الحزين العميق الذي سببه رزء الرسول صلى الله عليه وسلم في عمه حمزة، وتمثيل المشركين يجثمانه تمثيلا أفاض دموع الرسول عليه السلام، وأوجع فؤاده..

    وعلى الرغم من امتاتء أرض المعركة بجثث أصحابه وأصدقائه الذين كان كل واحد منهم يمثل لديه عالما من الصدق والطهر والنور..
    على الرغم من كل هذا، فقد وقف على جثمان أول سفرائه، يودعه وينعاه..

    أجل.. وقف الرسول صلى الله عليه وسلم عند مصعب بن عمير وقال وعيناه تلفانه بضيائهما وحنانهما ووفائهما:


    {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ....}الأحزاب

    ثم ألقى في أسى نظرة على بردته التي مفن بها وقال لقد رأيتك بمكة، وما بها أرق حلة، ولا أحسن لمّة منك. "ثم هأنتذا شعث الرأس في بردة"..؟!

    وهتف الرسول عليه الصلاة والسلام وقد وسعت نظراته الحانية أرض المعركة بكل من عليها من رفاق مصعب وقال:

    "ان رسول الله يشهد أنكم الشهداء عند الله يوم القيامة".

    ثم أقبل على أصحابه الأحياء حوله وقال:

    "أيها الناس زوروهم،وأتوهم، وسلموا عليهم، فوالذي نفسي بيده، لا يسلم عليهم مسلم الى يوم القيامة، الا ردوا عليه السلام"..

    **

    السلام عليك يا مصعب..

    السلام عليكم يا معشر الشهداء..

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

    رجال حول الرسول


    التعديل الأخير تم بواسطة عطر الفجر; الساعة 07-06-2014, 11:47 PM. سبب آخر: تمييز الآيات وتعديل الخط


    أعصاك فتسترنى وانساك فتذكرنى فكيف أنساك يا من لست تنسانى

  • #2
    مصعب الخير من أحب الصحابة الى قلبى :neutral:
    اللهم اجمعنا بالنبى والصحابه الكرام فى الجنة

    تعليق


    • #3
      :LLL:
      مصعب من احب اصحاب الرسول الى قلبى
      يكفى انه كان الشاب الداعيه
      جزاكم الله خيرا
      لا اله الا الله

      تعليق


      • #4
        أول فرسان الاسلام

        اخترت لكم سيرة هذا الصحابى من صحابة رسول الله وهو:

        المقداد بن عمرو

        تحدث عنه أصحابه ورفاقه فقالوا:

        " أول من عدا به فرسه في سبيل الله، المقداد بن الأسود..

        والمقداد بن الأسود، هو بطلنا هذا المقداد بن عمرو كان قد حالف في الجاهلية الأسود بن عبد يغوث فتبناه، فصار يدعى المقداد بن الأسود، حتى اذا نزلت الآية الكريمة التي تنسخ التبني، نسب لأبيه عمرو بن سعد..

        والمقداد من المبكّرين بالاسلام، وسابع سبعة جاهروا باسلامهم وأعلنوه، حاملا نصيبه من أذى قريش ونقمتها، في شجاعة الرجال وغبطة الحواريين..!!

        ولسوف يظل موقفه يوم بدر لوحة رائعة كل من رآه لو أنه كان صاحب هذا الموقف العظيم..

        يقول عبدالله بن مسعود صاحب رسول الله:

        " لقد شهدت من المقداد مشهدا، لأن أكون صاحبه، أحبّ اليّ مما في الأرض جميعا".
        في ذلك اليوم الذي بدأ عصيبا. حيث أقبلت قريش في بأسها الشديد واصرارها العنيد، وخيلائها وكبريائها..

        في ذلك اليوم.. والمسلمون قلة، لم يمتحنوا من قبل في قتال من أجل الاسلام، فهذه أول غزوة لهم يخوضونها..

        ووقف الرسول يعجم ايمان الذين معه، ويبلوا استعدادهم لملاقاة الجيش الزاحف عليهم في مشاته وفرسانه..

        وراح يشاورهم في الأمر، وأصحاب الرسول يعلمون أنه حين يطلب المشورة والرأي، فانه يفعل ذلك حقا، وأنه يطلب من كل واحد حقيقة اقتناعه وحقيقة رأيه، فان قال قائلهم رأيا يغاير رأي الجماعة كلها، ويخالفها فلا حرج عليه ولا تثريب..



        وخاف المقداد أن يكون بين المسلمين من له بشأن المعركة تحفظات... وقبل أن يسبقه أحد بالحديث همّ هو بالسبق ليصوغ بكلماته القاطعة شعار المعركة، ويسهم في تشكيل ضميرها.

        ولكنه قبل أن يحرك شفتيه، كان أبو بكر الصديق قد شرع يتكلم فاطمأن المقداد كثيرا.. وقال أبو بكر فأحسن، وتلاه عمر بن الخطاب فقل وأحسن..

        ثم تقدم المقداد وقال:

        " يا رسول الله..
        امض لما أراك الله، فنحن معك..
        والله لا نقول لك كما قالت بنو اسرائيل لموسى
        اذهب أنت وربك فقاتلا انا هاهنا قاعدون..
        بل نقول لك: اذهب أنت وربك فقاتلا انا معكما مقاتلون..!!
        والذي بعثك بالحق، لو سرت بنا الى برك العماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه. ولنقاتلن عن يمينك وعن يسارك وبين يديك ومن خلفك حتى يفتح الله لك"
        ..

        انطلقت الكلمات كالرصاص المقذوف.. وتهلل وجه رسول الله وأشرق فمه عن دعوة صالحة دعاها للمقداد.. وسرت في الحشد الصالح المؤمن حماسة الكلمات الفاضلة التي أطلقها المقداد بن عمرو والتي حددت بقوتها واقناعها نوع القول لمن أراد قولا.. وطراز الحديث لمن يريد حديثا..!!



        أجل لقد بلغت كلمات المقداد غايتها من أفئدة المؤمنين، فقام سعد بن معاذ زعيم الأنصار، وقال:

        " يا رسول الله..
        لقد آمنا بك وصدّقناك، وشهدنا أنّ ما جئت به هو الحق.. وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا، فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك.. والذي بعثك بالحق.. لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا غدا..
        انا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء.. ولعل الله يريك منا ما تقر عينك.. فسر على بركة الله"..


        وامتلأ قلب الرسول بشرا..

        وقال لأصحابه:"
        سيروا على بركةِ اللهِ وأبشروا ، فإنَّ اللهَ قد وعدني إحدَى الطَّائفتين ، واللهِ لكأنِّي الآن أنظرُ إلى مصارعِ القومِ".. صححه أحمد شاكر في عمدة التفسير

        والتقى الجمعان..

        وكان من فرسان المسلمين يومئذ ثلاثة لا غير: المقداد بن عمرو، ومرثد بن أبي مرثد، والزبير بن العوّام، بينما كان بقية المجاهدين مشاة، أو راكبين ابلا..
        **
        ان كلمات المقداد التي مرّت بنا من قبل، لا تصور شجاعته فحسب، بل تصور لنا حكمته الراجحة، وتفكيره العميق..
        وكذلك كان المقداد..
        كان حكيما أريبا، ولم تكن حمته تعبّر عن نفسها في مجرّد كلمات، بل هي تعبّر عن نفسها في مبادئ نافذة، وسلوك قويم مطرّد. وكانت تجاربه قوتا لحكته وريا لفطنته..
        ولاه الرسول على احدى الولايات يوما، فلما رجع سأله النبي:

        " كيف وجدت الامارة"..

        فأجاب في صدق عظيم:

        " لقد جعلتني أنظر الى نفسي كما لو كنت فوق الناس، وهم جميعا دوني..
        والذي بعثك بالحق، لا اتآمرّن على اثنين بعد اليوم، أبدا"..


        واذا لم تكن هذه الحكمة فماذا تكون..؟

        واذا لم يكن هذا هو الحكيم فمن يكون..؟

        رجل لا يخدع عن نفسه، ولا عن ضعفه..

        يلي الامارة، فيغشى نفسه الزهو والصلف، ويكتشف في نفسه هذا الضعف، فيقسم ليجنّبها مظانه، وليرفض الامارة بعد تلك التجربة ويتتحاماها.. ثم يبر بقسمه فلا يكون أميرا بعد ذلك أبدا..!!

        لقد كان دائب التغني بحديث سمعه من رسول الله.. هوذا:

        " ان السعيد لمن جنّب الفتن".. صححه الألباني

        واذا كان قد رأى في الامارة زهوا يفتنه، أو يكاد يفتنه، فان سعادته اذن في تجنبها..

        ومن مظاهر حكمته، طول أناته في الحكم على الرجال..

        وهذه أيضا تعلمها من رسول الله.. فقد علمهم عليه السلام أن قلب ابن آدم أسرع تقلبا من القدر حين تغلي..



        وكان المقداد يرجئ حكمه الأخير على الناس الى لحظة الموت، ليتأكد أن هذا الذي يريد أن يصدر عليه حكمه لن يتغير ولن يطرأ على حياته جديد.. وأي تغيّر، أو أي جديد بعد الموت..؟؟

        وتتألق حكمته في حنكة بالغة خلال هذا الحوار الذي ينقله الينا أحد أصحابه وجلسائه، يقول:



        " جلسنا الى المقداد يوما فمرّ به رجل..

        فقال مخاطبا المقداد: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله صلى اله عليه وسلم..
        والله لوددنا لو أن رأينا ما رأيت، وشهدنا ما شهدت


        فأقبل عليه المقداد وقال:
        ما يحمل أحدكم على أن يتمنى مشهدا غيّبه الله عنه، لا يدري لو شهده كيف كان يصير فيه؟؟ والله، لقد عاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوام كبّهم الله عز وجل على مناخرهم في جهنم. أولا تحمدون الله الذي جنّبكم مثلا بلائهم، وأخرجكم مؤمنين بربكم ونبيكم"..


        حكمة وأية حكمة..!!
        انك لا تلتقي بمؤمن يحب الله ورسوله، الا وتجده يتمنى لو أنه عاش أيام الرسول ورآه..!
        ولكن بصيرة المقداد الحاذق الحكيم تكشف البعد المفقود في هذه الأمنية..
        ألم يكن من المحتمل لهذا الذي يتمنى لو أنه عاش تلك الأيام.. أن يكون من أصحاب الجحيم..
        ألم يكون من المحتمل أن يكفر مع الكافرين.
        وأليس من الخير اذن أن يحمد الله الذي رزقه الحياة في عصور استقرّ فيها الاسلام، فأخذه صفوا عفوا..
        هذه نظرة المقداد، تتألق حكمة وفطنة.. وفي كل مواقفه، وتجاربه، وكلماته، كان الأريب الحكيم..
        **

        وكان حب المقداد للاسلام عظيما..

        وكان الى جانب ذلك، واعيا حكيما..

        والحب حين يكون عظيما وحكيما، فانه يجعل من صاحبه انسانا عليّا، لا يجد غبطة هذا الحب في ذاته.. بل في مسؤولياته..

        والمقداد بن عمرو من هذا الطراز..

        فحبه الرسول. ملأ قلبه وشعوره بمسؤولياته عن سلامة الرسول، ولم يكن تسمع في المدينة فزعة، الا ويكون المقداد في مثل لمح البصر واقفا على باب رسول الله ممتطيا صهوة فرسه، ممتشقا مهنّده وحسامه..!!

        وحبه للاسلام، ملأ قلبه بمسؤولياته عن حماية الاسلام.. ليس فقط من كيد أعدائه.. بل ومن خطأ أصدقائه..



        خرج يوما في سريّة، تمكن العدو فيها من حصارهم، فأصدر أمير السرية أمره بألا يرعى أحد دابته.. ولكن أحد المسلمين لم يحط بالأمر خبرا، فخالفه، فتلقى من الأمير عقوبة أكثر مما يستحق، أ، لعله لا يستحقها على الاطلاق..

        فمر المقداد بالرجل يبكي ويصيح، فسأله، فأنبأه ما حدث

        فأخذ المقداد بيمينه، ومضيا صوب الأمير، وراح المقداد يناقشه حتى كشف له خطأه وقال له:

        " والآن أقده من نفسك..
        ومكّنه من القصاص"..!!

        وأذعن الأمير.. بيد أن الجندي عفا وصفح، وانتشى المقداد بعظمة الموقف، وبعظمة الدين الذي أفاء عليهم هذه العزة، فراح يقول وكأنه يغني:

        " لأموتنّ، والاسلام عزيز"..!!



        أجل تلك كانت أمنيته، أن يموت والاسلام عزيز.. ولقد ثابر مع المثابرين على تحقيق هذه الأمنية مثابرة باهرة فرضي الله عنه وأرضاه...

        رجال حول الرسول

        التعديل الأخير تم بواسطة خادمة الملك; الساعة 12-02-2015, 11:48 AM. سبب آخر: التنسيق وتخريج الأحاديث


        أعصاك فتسترنى وانساك فتذكرنى فكيف أنساك يا من لست تنسانى

        تعليق


        • #5
          رد: أول فرسان الاسلام

          صلى الله عليه وسلم
          باركِ الله فيكِ
          وجزاكِ الجنه
          وجعل هذا العمل في موزين حسناتكـ
          اللهم آمين



          تعليق


          • #6
            رد: أول سفراء الاسلام

            جزاكم الله خيرا



            تعليق


            • #7
              رد: أول سفراء الاسلام

              جزاكم الله خيرا
              ونفع بكم
              ورضي الله عن الصحابة اجمعين
              وحشرنا معهم مع النبي صلي الله عليه وسلم
              ... جرِّد الحجة من قائلها، ومن كثرة القائلين وقلّتهم بها، ومن ضغط الواقع وهوى النفس، واخلُ بها والله ثالثكما، تعرف الحق من الباطل . ( الطريفي )




              تعليق


              • #8
                رد: أول فرسان الاسلام

                اللهم صلِّ على سيدنا محمد
                ورضى الله على الصحابى الجليل
                المقداد بن عمرو
                وأحسن الله إليكم ورزقكم الجنة

                التعديل الأخير تم بواسطة عطر الفجر; الساعة 16-04-2015, 10:56 AM. سبب آخر: تعديل صيغة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
                لا إلله إلا الله
                أكبر ولله الحمد

                تعليق


                • #9
                  رد: أول فرسان الاسلام

                  جزاك الله كل خير

                  تعليق


                  • #10
                    رد: أول فرسان الاسلام

                    جزاكِ الله خيرا
                    رضى الله عن الصحابى الجليل المقداد بن عمرو
                    وعن الصحابه أجمعين
                    بارك الله فيكِ
                    جعله الله فى ميزان حسناتك

                    تعليق


                    • #11
                      أول سفراء الاسلام

                      مصعب بن عمير
                      أول سفراء الاسلام
                      هذا رجل من أصحاب محمد ما أجمل أن نبدأ به الحديث.

                      غرّة فتيان قريش, وأوفاهم جمالا, وشبابا..

                      يصف المؤرخون والرواة شبابه فيقولون:" كان أعطر أهل مكة"..

                      ولد في النعمة, وغذيّ بها, وشبّ تحت خمائلها.

                      ولعله لم يكن بين فتيان مكة من ظفر بتدليل أبويه بمثل ما ظفر به "مصعب بن عمير"..

                      ذلك الفتى الريّان, المدلل المنعّم, حديث حسان مكة, ولؤلؤة ندواتها ومجالسها, أيمكن أن يتحوّل الى أسطورة من أساطير الايمان والفداء..؟

                      بالله ما أروعه من نبأ.. نبأ "مصعب بن عمير", أو "مصعب الخير" كما كان لقبه بين المسلمين.

                      انه واحد من أولئك الذين صاغهم الاسلام وربّاهم "محمد" عليه الصلاة والسلام..

                      ولكن أي واحد كان..؟

                      ان قصة حياته لشرف لبني الانسان جميعا..

                      لقد سمع الفتى ذات يوم, ما بدأ أهل مكة يسمعونه من محمد الأمين صلى الله عليه وسلم..

                      "محمد" الذي يقول أن الله أرسله بشيرا ونذيرا. وداعيا الى عبادة الله الواحد الأحد.



                      وحين كانت مكة تمسي وتصبح ولا همّ لها, ولا حديث يشغلها الا الرسول عليه الصلاة والسلام ودينه, كان فتى قريش المدلل أكثر الناس استماعا لهذا الحديث.

                      ذلك أنه كان على الرغم من حداثة سنه, زينة المجالس والندوات, تحرص كل ندوة أن يكون مصعب بين شهودها, ذلك أن أناقة مظهره ورجاحة عقله كانتا من خصال "ابن عمير التي تفتح له القلوب والأبواب..



                      ولقد سمع فيما سمع أن الرسول ومن آمن معه, يجتمعون بعيدا عن فضول قريش وأذاها.. هناك على الصفا في درا "الأرقم بن أبي الأرقم" فلم يطل به التردد, ولا التلبث والانتظار, بل صحب نفسه ذات مساء الى دار الأرقم تسبقه أشواقه ورؤاه...

                      هناك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يلتقي بأصحابه فيتلو عليهم القرآن, ويصلي معهم لله العليّ القدير.
                      ولم يكد مصعب يأخذ مكانه, وتنساب الآيات من قلب الرسول متألفة على شفتيه, ثم آخذة طريقها الى الأسماع والأفئدة, حتى كان فؤاد ابن عمير في تلك الأمسية هو الفؤاد الموعود..!

                      ولقد كادت الغبطة تخلعه من مكانه, وكأنه من الفرحة الغامرة يطير.

                      ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم بسط يمينه الحانية حتى لامست الصدر المتوهج, والفؤاد المتوثب, فكانت السكينة العميقة عمق المحيط.. وفي لمح البصر كان الفتى الذي آمن وأسلم يبدو ومعه من الحكمة ما يفوق ضعف سنّه وعمره, ومعه من التصميم ما يغيّر سير الزمان..!!!



                      **



                      كانت أم مصعب "خنّاس بنت مالك" تتمتع بقوة فذة في شخصيتها, وكانت تهاب الى حد الرهبة..

                      ولم يكن مصعب حين أسلم ليحاذر أو يخاف على ظهر الأرض قوة سوى امه.

                      فلو أن مكة بل أصنامها وأشرافها وصحرائها, استحالت هولا يقارعه ويصارعه, لاستخف به مصعب الى حين..

                      أما خصومة أمه, فهذا هو الهول الذي لا يطاق..!

                      ولقد فكر سريعا, وقرر أن يكتم اسلامه حتى يقضي الله أمرا.

                      وظل يتردد على دار الأرقم, ويجلس الى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهو قرير العين بايمانه, وبتفاديه غضب أمه التي لا تعلم خبر اسلامه خبرا..

                      ولكن مكة في تلك الأيام بالذات, لا يخفى فيها سر, فعيون قريش وآذانها على كل طريق, ووراء كل بصمة قدم فوق رمالها الناعمة اللاهبة, الواشية..

                      ولقد أبصر به "عثمان بن طلحة" وهو يدخل خفية الى دار الأرقم.. ثم رآه مرة أخرى وهو يصلي كصلاة محمد صلى الله عليه وسلم, فسابق ريح الصحراء وزوابعها, شاخصا الى أم مصعب, حيث ألقى عليها النبأ الذي طار بصوابها...



                      ووقف مصعب أمام أمه, وعشيرته, وأشراف مكة مجتمعين حوله يتلو عليهم في يقين الحق وثباته, القرآن الذي يغسل به الرسول قلوبهم, ويملؤها به حكمة وشرفا, وعدلا وتقى.

                      وهمّت أمه أن تسكته بلطمة قاسية, ولكن اليد التي امتدت كالسهم, ما لبثت أن استرخت وتنحّت أمام النور الذي زاد وسامة وجهه وبهاءه جلالا يفرض الاحترام, وهدوءا يفرض الاقناع..

                      ولكن, اذا كانت أمه تحت ضغط أمومتها ستعفيه من الضرب والأذى, فان في مقدرتها أن تثأر للآلهة التي هجرها بأسلوب آخر..

                      وهكذا مضت به الى ركن قصي من أركان دارها, وحبسته فيه, وأحكمت عليه اغلاقه, وظل رهين محبسه ذاك, حتى خرج بعض المؤمنين مهاجرين الى أرض الحبشة, فاحتال لنفسه حين سمع النبأ, وغافل أمه وحراسه, ومضى الى الحبشة مهاجرا أوّابا..

                      ولسوف يمكث بالحبشة مع اخوانه المهاجرين, ثم يعود معهم الى مكة, ثم يهاجر الى الحبشة للمرة الثانية مع الأصحاب الذين يأمرهم الرسول بالهجرة فيطيعون.

                      ولكن سواء كان مصعب بالحبشة أم في مكة, فان تجربة ايمانه تمارس تفوّقها في كل مكان وزمان, ولقد فرغ من اعادة صياغة حياته على النسق الجديد الذي أعطاهم محمد نموذجه المختار, واطمأن مصعب الى أن حياته قد صارت جديرة بأن تقدّم قربانا لبارئها الأعلى, وخالقها العظيم..

                      خرج يوما على بعض المسلمين وهم جلوس حول رسول الله, فما ان بصروا به حتى حنوا رؤوسهم وغضوا أبصارهم وذرفت بعض عيونهم دمعا شجيّا..

                      ذلك أنهم رأوه.. يرتدي جلبابا مرقعا باليا, وعاودتهم صورته الأولى قبل اسلامه, حين كانت ثيابه كزهور الحديقة النضرة, وألقا وعطرا..

                      وتملى رسول الله مشهده بنظرات حكيمة, شاكرة محبة, وتألقت على شفتيه ابتسامته الجليلة, وقال:

                      " لقد رأيت مصعبا هذا, وما بمكة فتى أنعم عند أبويه منه, ثم ترك ذلك كله حبا لله ورسوله".!!

                      لقد منعته أمه حين يئست من ردّته كل ما كانت تفيض عليه من نعمة.. وأبت أن يأكل طعامها انسان هجر الآلهة وحاقت به لعنتها, حتى ولو يكون هذا الانسان ابنها..!!

                      ولقد كان آخر عهدها به حين حاولت حبسه مرّة أخرى بعد رجوعه من الحبشة. فآلى على نفسه لئن هي فعلت ليقتلن كل من تستعين به على حبسه..

                      وانها لتعلم صدق عزمه اذا همّ وعزم, فودعته باكية, وودعها باكيا..

                      وكشفت لحظة الوداع عن اصرار عجيب على الكفر من جانب الأم واصرار أكبر على الايمان من جانب الابن.. فحين قالت له وهي تخرجه من بيتها: اذهب لشأنك, لم أعد لك أمّا. اقترب منها وقال:"يا أمّه اني لك ناصح, وعليك شفوق, فاشهدي بأنه لا اله الا الله, وأن محمدا عبده ورسوله"...

                      أجابته غاضبة مهتاجة:" قسما بالثواقب, لا أدخل في دينك, فيزرى برأيي, ويضعف غقلي"..!!

                      وخرج مصعب من النعمة الوارفة التي كان يعيش فيها مؤثرا الشظف والفاقة.. وأصبح الفتى المتأنق المعطّر, لا يرى الا مرتديا أخشن الثياب, يأكل يوما, ويجوع أياما ولكن روحه المتأنقة بسمو العقيدة, والمتألقة بنور الله, كانت قد جعلت منه انسانا آخر يملأ الأعين جلال والأنفس روعة...

                      **
                      وآنئذ, اختاره الرسول لأعظم مهمة في حينها: أن يكون سفيره الى المدينة, يفقّه الأنصار الذين آمنوا وبايعوا الرسول عند العقبة, ويدخل غيرهم في دين الله, ويعدّ المدينة ليوم الهجرة العظيم..

                      كان في أصحاب رسول الله يومئذ من هم أكبر منه سنّا وأكثر جاها, وأقرب من الرسول قرابة.. ولكن الرسول اختار مصعب الخير, وهو يعلم أنه يكل اليه بأخطر قضايا الساعة, ويلقي بين يديه مصير الاسلام في المدينة التي ستكون دار الهجرة, ومنطلق الدعوة والدعاة, والمبشرين والغزاة, بعد حين من الزمان قريب..

                      وحمل مصعب الأمانة مستعينا بما أنعم الله عليه من رجاحة العقل وكريم الخلق, ولقد غزا أفئدة المدينة وأهلها بزهده وترفعه واخلاصه, فدخلوا في دين الله أفواجا..
                      لقد جاءها يوم بعثه الرسول اليها وليس فيها سوى اثني عشر مسلما هم الذين بايعوا النبي من قبل بيعة العقبة, ولكنه ام يكد يتم بينهم بضعة أشهر حتى استجابوا لله وللرسول..!!

                      وفي موسم الحج التالي لبيعة العقبة, كان مسلمو المدينة يرسلون الى مكة للقاء الرسول وفدا يمثلهم وينوب عنهم.. وكان عدد أعضائه سبعين مؤمنا ومؤمنة.. جاءوا تحت قيادة معلمهم ومبعوث نبيهم اليهم "مصعب ابن عمير".

                      لقد أثبت "مصعب" بكياسته وحسن بلائه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرف كيف يختار..

                      فلقد فهم مصعب رسالته تماما ووقف عند حدودها.وعرف أنه داعية الى الله تعالى, ومبشر بدينه الذي يدعوا الناس الى الهدى, والى صراط مستقيم. وأنه كرسوله الذي آمن به, ليس عليه الا البلاغ..

                      هناك نهض في ضيافة "أسعد بن زرارة" يفشيان معا القبائل والبيوت والمجالس, تاليا على الناس ما كان معه من كتاب ربه, هاتفا بينهم في رفق عظيم بكلمة الله (
                      إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ)..

                      ولقد تعرّض لبعض المواقف التي كان يمكن أن تودي به وبمن معه, لولا فطنة عقله, وعظمة روحه..

                      ذات يوم فاجأه وهو يعظ الاوس "أسيد بن خضير" سيد بني عبد الأشهل بالمدينة, فاجأه شاهرا حربته ويتوهج غضبا وحنقا على هذا الذي جاء يفتن قومه عن دينهم.. ويدعوهم لهجر آلهتهم, ويحدثهم عن اله واحد لم يعرفوه من قبل, ولم يألفوه من قبل..!

                      ان آلهتهم معهم رابضة في مجاثمها واذا حتاجها أحد عرف مكانها وولى وجهه ساعيا اليها, فتكشف ضرّه وتلبي دعاءه... هكذا يتصورون ويتوهمون..

                      أما اله محمد الذي يدعوهم اليه باسمه هذا السفير الوافد اليهم, فما أحد يعرف مكانه, ولا أحد يستطيع أن يراه..!!

                      وما ان رأى المسلمون الذين كانوا يجالسون مصعبا مقدم أسيد ابن حضير متوشحا غضبه المتلظي, وثورته المتحفزة, حتى وجلوا.. ولكن مصعب الخير ظل ثابتا وديعا, متهللا..

                      وقف اسيد أمامه مهتاجا, وقال يخاطبه هو وأسعد بن زرارة:

                      "ما جاء بكما الى حيّنا, تسفهان ضعفاءنا..؟ اعتزلانا, اذا كنتما لا تريدان الخروج من الحياة"..!!

                      وفي مثل هدوء البحر وقوته..

                      وفي مثل تهلل ضوء الفجر ووداعته.. انفرجت أسارير مصعب الخير وتحرّك بالحديث الطيب لسانه فقال:

                      "أولا تجلس فتستمع..؟! فان رضيت أمرنا قبلته.. وان كرهته كففنا عنك ما تكره".

                      الله أكبر. ما أروعها من بداية سيسعد بها الختام..!!

                      كان أسيد رجلا أريبا عاقلا.. وها هو ذا يرى مصعبا يحتكم معه الى ضميره, فيدعوه أن يسمع لا غير.. فان اقتنع, تركه لاقتناعه وان لم يقتنع ترك مصعب حيّهم وعشيرتهم, وتحول الى حي آخر وعشيرة أخرى غير ضارّ ولا مضارّ..

                      هنالك أجابه أسيد قائلا: أنصفت.. وألقى حربته الى الأرض وجلس يصغي..

                      ولم يكد مصعب يقرأ القرآن, ويفسر الدعوة التي جاء بها محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام, حتى أخذت أسارير أسيد تبرق وتشرق.. وتتغير مع مواقع الكلم, وتكتسي بجماله..!!

                      ولم يكد مصعب يفرغ من حديثه حتى هتف به أسيد بن حضير وبمن معه قائلا:

                      "ما أحسن هذا القول وأصدقه.. كيف يصنع من يريد أن يدخل في هذا الدين"..؟؟

                      وأجابوه بتهليلة رجّت الأرض رجّا, ثم قال له مصعب:

                      "يطهر ثوبه وبدنه, ويشهد أن لا اله الا الله".

                      فغاب أسيد عنهم غير قليل ثم عاد يقطر الماء الطهور من شعر رأسه, ووقف يعلن أن لا اله الا الله, وأن محمدا رسول الله..

                      وسرى الخبر كالضوء.. وجاء سعد بن معاذ فأصغى لمصعب واقتنع, وأسلم ثم تلاه سعد بن عبادة, وتمت باسلامهم النعمة, وأقبل أهل المدينة بعضهم على بعض يتساءلون: اذا كان أسيد بن حضير, وسعد ابن معاذ, وسعد بن عبادة قد أسلموا, ففيم تخلفنا..؟ هيا الى مصعب, فلنؤمن معه, فانهم يتحدثون أن الحق يخرج من بين ثناياه..!!
                      **
                      لقد نجح أول سفراء الرسول صلى الله عليه وسلم نجاحا منقطع النظير.. نجاحا هو له أهل, وبه جدير..

                      وتمضي الأيام والأعوام, ويهاجر الرسول وصحبه الى المدينة, وتتلمظ قريش بأحقادها.. وتعدّ عدّة باطلها, لتواصل مطاردتها الظالمة لعباد الله الصالحين.. وتقوم غزوة بدر, قيتلقون فيها درسا يفقدهم بقية صوابهم ويسعون الى الثأر,و تجيء غزوة أحد.. ويعبئ المسلمون أنفسهم, ويقف الرسول صلى الله عليه وسلم وسط صفوفهم يتفرّس الوجوه المؤمنة ليختار من بينها من يحمل الراية.. ويدعو مصعب الخير, فيتقدم ويحمل اللواء..

                      وتشب المعركة الرهيبة, ويحتدم القتال, ويخالف الرماة أمر الرسول عليه الصلاة والسلام, ويغادرون موقعهم في أعلى الجبل بعد أن رأوا المشركين ينسحبون منهزمين, لكن عملهم هذا, سرعان ما يحوّل نصر المسلمين الى هزيمة.. ويفاجأ المسلمون بفرسان قريش تغشاهم من أعلى الجبل, وتعمل فيهم على حين غرّة, السيوف الظامئة المجنونة..

                      حين رأوا الفوضى والذعر في صفوف المسلمين, ركزا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لينالوه..

                      وأدرك مصعب بن عمير الخطر الغادر, فرفع اللواء عاليا, وأطلق تكبيرة كالزئير, ومضى يجول ويتواثب.. وكل همه أن يلفت نظر الأعداء اليه ويشغلهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه, وجرّد من ذاته جيشا بأسره.. أجل, ذهب مصعب يقاتل وحده كأنه جيش لجب غزير..

                      يد تحمل الراية في تقديس..

                      ويد تضرب بالسيف في عنفوان..

                      ولكن الأعداء يتكاثرون عليه, يريدون أن يعبروا فوق جثته الى حيث يلقون الرسول..

                      لندع شاهد عيان يصف لنا مشهد الخاتم في حياة مصعب العظيم..!!

                      يقول ابن سعد: أخبرنا ابراهيم بن محمد بن شرحبيل العبدري, عن أبيه قال:

                      [حمل مصعب بن عمير اللواء يوم أحد, فلما جال المسلمون ثبت به مصعب, فأقبل ابن قميئة وهو فارس, فضربه على يده اليمنى فقطعها, ومصعب يقول: وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل..

                      وأخذ اللواء بيده اليسرى وحنا عليه, فضرب يده اليسرى فقطعها, فحنا على اللواء وضمّه بعضديه الى صدره وهو يقول: وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل..

                      ثم حمل عليه الثالثة بالرمح فأنفذه وأندق الرمح, ووقع مصعب, وسقط اللواء].

                      وقع مصعب.. وسقط اللواء..!!

                      وقع حلية الشهادة, وكوكب الشهداء..!!

                      وقع بعد أن خاض في استبسال عظيم معركة الفداء والايمان..

                      كان يظن أنه اذا سقط, فسيصبح طريق القتلة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم خاليا من المدافعين والحماة..

                      ولكنه كان يعزي نفسه في رسول الله عليه الصلاة والسلام من فرط حبه له وخوفه عليه حين مضى يقول مع كل ضربة سيف تقتلع منه ذراعا:

                      (
                      وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)

                      هذه الآية التي سينزل الوحي فيما بعد يرددها, ويكملها, ويجعلها, قرآنا يتلى..

                      **
                      وبعد انتهاء المعركة المريرة, وجد جثمان الشهيد الرشيد راقدا, وقد أخفى وجهه في تراب الأرض المضمخ بدمائه الزكية..

                      لكأنما خاف أن يبصر وهو جثة هامدة رسول الله يصيبه السوء, فأخفى وجهه حتى لا يرى هذا الذي يحاذره ويخشاه..!!

                      أو لكأنه خجلان اذ سقط شهيدا قبلأن يطمئن على نجاة رسول الله, وقبل أن يؤدي الى النهاية واجب حمايته والدفاع عنه..!!

                      لك الله يا مصعب.. يا من ذكرك عطر الحياة..!!

                      **

                      وجاء الرسول وأصحابه يتفقدون أرض المعركة ويودعون شهداءها..

                      وعند جثمان مصعب, سالت دموع وفيّة غزيرة..

                      يقوا خبّاب بن الأرت:

                      [هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل اله, نبتغي وجه الله, فوجب أجرنا على الله.. فمنا من مضى, ولم يأكل من أجره في دنياه شيئا, منهم مصعب بن عمير, قتل يوم أحد.. فلم يوجد له شيء يكفن فيه الا نمرة.. فكنا اذا وضعناها على رأسه تعرّت رجلاه, واذا وضعناها على رجليه برزت رأسه, فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:" اجعلوها مما يلي رأسه, واجعلوا على رجليه من نبات الاذخر"..]..

                      وعلى الرغم من الألم الحزين العميق الذي سببه رزء الرسول صلى الله عليه وسلم في عمه حمزة, وتمثيل المشركين يجثمانه تمثيلا أفاض دموع الرسول عليه السلام, وأوجع فؤاده..

                      وعلى الرغم من امتلاء أرض المعركة بجثث أصحابه وأصدقائه الذين كان كل واحد منهم يمثل لديه عالما من الصدق والطهر والنور..
                      على الرغم من كل هذا, فقد وقف على جثمان أول سفرائه, يودعه وينعاه..

                      أجل.. وقف الرسول صلى الله عليه وسلم عند مصعب بن عمير وقال وعيناه تلفانه بضيائهما وحنانهما ووفائهما:

                      (
                      مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ )

                      ثم ألقى في أسى نظرة على بردته التي كفن بها وقال لقد رأيتك بمكة, وما بها أرق حلة, ولا أحسن لمّة منك. "ثم هأنتذا شعث الرأس في بردة"..؟!

                      وهتف الرسول عليه الصلاة والسلام وقد وسعت نظراته الحانية أرض المعركة بكل من عليها من رفاق مصعب وقال:

                      "ان رسول الله يشهد أنكم الشهداء عند الله يوم القيامة".

                      ثم أقبل على أصحابه الأحياء حوله وقال:

                      "أيها الناس زوروهم,وأتوهم, وسلموا عليهم, فوالذي نفسي بيده, لا يسلم عليهم مسلم الى يوم القيامة, الا ردوا عليه السلام"..

                      **
                      السلام عليك يا مصعب..
                      السلام عليكم يا معشر الشهداء..
                      السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

                      التعديل الأخير تم بواسطة خادمة الملك; الساعة 12-02-2015, 09:55 AM. سبب آخر: تشكيل الآيات

                      تعليق


                      • #12
                        مصعب بن عمير....أول سفراء الاسلام

                        مصعب بن عمير
                        أول سفراء الاسلام


                        غرّة فتيان قريش ، وأوفاهم جمال وشبابا ..
                        يصف المؤرخون والرواة شبابه فيقولون :" كان أعطر أهل مكة" ..

                        ولعله لم يكن بين فتيان مكة من ظفر بتدليل أبويه بمثل ما ظفر به "مصعب بن عمير" ..

                        ذلك المدلل المنعّم ، حديث حسان مكة، و لؤلؤة ندواتها و مجالسها ، أيمكن أن يتحوّل الى أسطورة من أساطير الايمان والفداء ..؟
                        بالله ما أروعه من نبأ .. نبأ "مصعب بن عمير" ، أو "مصعب الخير" كما كان لقبه بين المسلمين .

                        انه واحد من أولئك الذين صاغهم الاسلام وربّاهم "محمد" عليه الصلاة والسلام ..
                        ولكن أي واحد كان ..؟
                        ان قصة حياته لشرف لبني الانسان جميعا ..
                        لقد سمع الفتى ذات يوم ، ما بدأ أهل مكة يسمعونه من محمد الأمين صلى الله عليه وسلم ..
                        "محمد" الذي يقول أن الله أرسله بشيرا ونذيرا . وداعيا الى عبادة الله الواحد الأحد .

                        وحين كانت مكة تمسي وتصبح ولا همّ لها ، ولا حديث يشغلها الا الرسول عليه الصلاة والسلام ودينه ، كان فتى قريش المدلل أكثر الناس استماعا لهذا الحديث .
                        ذلك أنه كان على الرغم من حداثة سنه ، زينة المجالس والندوات ، تحرص كل ندوة أن يكون مصعب بين شهودها ، ذلك أن أناقة مظهره ورجاحة عقله كانتا من خصال "ابن عمير التي تفتح له القلوب والأبواب ..
                        البدايه(إسلامه)

                        ولقد سمع فيما سمع أن الرسول ومن آمن معه ، يجتمعون بعيدا عن فضول قريش وأذاها .. هناك على الصفا في درا "الأرقم بن أبي الأرقم" فلم يطل به التردد ، ولا التلبث والانتظار ، بل صحب نفسه ذات مساء الى دار الأرقم تسبقه أشواقه ورؤاه ...
                        هناك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يلتقي بأصحابه فيتلو عليهم القرآن ، ويصلي معهم لله العليّ القدير .

                        ولم يكد مصعب يأخذ مكانه, وتنساب الآيات من قلب الرسول متألفة على شفتيه ، ثم آخذة طريقها الى الأسماع والأفئدة ، حتى كان فؤاد ابن عمير في تلك الأمسية هو الفؤاد الموعود ..!
                        ولقد كادت الغبطة تخلعه من مكانه ، وكأنه من الفرحة الغامرة يطير .
                        ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم بسط يمينه الحانية حتى لامست الصدر المتوهج ، والفؤاد المتوثب ، فكانت السكينة العميقة عمق المحيط .. وفي لمح البصر كان الفتى الذي آمن وأسلم يبدو ومعه من الحكمة ما بفوق ضعف سنّه وعمره ، ومعه من التصميم ما يغيّر سير الزمان ..!!!

                        **
                        أمه
                        كانت أم مصعب "خنّاس بنت مالك" تتمتع بقوة فذة في شخصيتها ، وكانت تهاب الى حد الرهبة ..
                        ولم يكن مصعب حين أسلم ليحاذر أو يخاف على ظهر الأرض قوة سوى امه .
                        فلو أن مكة بل أصنامها وأشرافها وصحرائها ، استحالت هولا يقارعه و يصارعه ، لاستخف به مصعب الى حين ..
                        أما خصومة أمه ، فهذا هو الهول الذي لا يطاق ..!
                        ولقد فكر سريعا ، وقرر أن يكتم اسلامه حتى يقضي الله أمرا.
                        وظل يتردد على دار الأرقم ، ويجلس الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو قرير العين بايمانه ، وبتفاديه غضب أمه التي لا تعلم خبر اسلامه خبرا ..

                        ما تعرض له من الاذى بعد اسلامه

                        ولكن مكة في تلك الأيام بالذات ، لا يخفى فيها سر ، فعيون قريش وآذانها على كل طريق ، ووراء كل بصمة قدم فوق رمالها الناعمة اللاهبة ، الواشية ..
                        ولقد أبصر به "عثمان بن طلحة" وهو يدخل خفية الى دار الأرقم .. ثم رآه مرة أخرى وهو سصلي كصلاة محمد صلى الله عليه وسلم ، فسابق ريح الصحراء وزوابعها ، شاخصا الى أم مصعب ، حيث ألقى عليها النبأ الذي طار بصوابها ...

                        ووقف مصعب أمام أمه وعشيرته وأشراف مكة مجتمعين حوله يتلو عليهم في يقين الحق وثباته القرآن الذي يغسل به الرسول قلوبهم ، ويملؤها به حكمة وشرفا ، وعدلا و تقى .
                        وهمّت أمه أن تسكته بلطمة قاسية ، ولكن اليد التي امتدت كالسهم ، ما لبثت أم استرخت وتنحّت أمام النور الذي زاد وسامة وجهه وبهاءه جلالا يفرض الاحترام ، وهدوءا يفرض الاقناع ..
                        ولكن ، اذا كانت أمه تحت ضغط أمومتها ستعفيه من الضرب والأذى ، فان في مقدرتها أن تثأر للآلهة التي هجرها بأسلوب آخر ..
                        وهكذا مضت به الى ركن قصي من أركان دارها ، وحبسته فيه ، وأحكمت عليه اغلاقه ، وظل رهين محبسه ذاك ، حتى خرج بعض المؤمنين مهاجرين الى أرض الحبشة ، فاحتال لنفسه حين سمع النبأ ، وغافل أمه وحراسه ، ومضى الى الحبشة مهاجرا أوّابا ..
                        هجرته
                        ولسوف يمكث بالحبشة مع اخوانه المهاجرين ، ثم يعود معهم الى مكة ، ثم يهاجر الى الحبشة للمرة الثانية مع الأصحاب الذين يأمرهم الرسول بالهجرة فيطيعون .
                        ولكن سواء كان مصعب بالحبشة أم في مكة ، فان تجربة ايمانه تمارس تفوّقها في كل مكان وزمان ، ولقد فرغ من اعداة صياغة حياته على النسق الجديد الذي أعطاهم محمد نموذجه المختار ، واطمأن مصعب الى أن حياته قد صارت جديرة بأن تقدّم قربانا لبارئها الأعلى ، وخالقها العظيم ..

                        خرج يوما على بعض المسلمين وهم جلوس حول رسول الله ، فما ان بصروا به حتى حنوا رؤوسهم وغضوا أبصارهم وذرفت بعض عيونهم دمعا شجيّا ..
                        ذلك أنهم رأوه .. يرتدي جلبابا مرقعا باليا ، وعاودتهم صورته الأولى قبل اسلامه ، حين كانت ثيابه كزهور الحديقة النضرة ، وألقا وعطرا ..
                        وتملى رسول الله مشهده بنظرات حكيمة ، شاكرة محبة ، وتألقت على شفتيه ابتسامته الجليلة ، وقال :
                        " لقد رأيت مصعبا هذا ، وما بمكة فتى أنعم عند أبويه منه ، ثم ترك ذلك كله حبا لله ورسوله".!!

                        لقد منعته أمه حين يئست من ردّته كل ما كانت تفيض عليه من نعمة .. وأبت أن يأكل طعامها انسان هجر الآلهة وحاقت به لعنتها ، حتى ولو يكون هذا الانسان ابنها ..!!
                        ولقد كان آخر عهدها به حين حاولت حبسه مرّة أخرى بعد رجوعه من الحبشة . فآلى على نفسه لئن هي فعلت ليقتلن كل من تستعين به على حبسه ..
                        وانها لتعلم صدق عزمه اذا همّ وعزم ، فودعته باكية ، وودعها باكيا ..
                        وكشفت لحظة الوداع عن اصرار عجيب على الكفر من جانب الأم واصرار أكبر على الايمان من جانب الابن .. فحين قالت له وهي تخرجه من بيتها : اذهب لشأنك ، لم أعد لك أمّا . اقترب منها وقال :"يا أمّه اني لك ناصح ، وعليك شفوق ، فاشهدي بأنه لا اله الا الله وأن محمدا عبده ورسوله"...
                        أجابته غاضبة مهتاجة :" قسما بالثواقب ، لا أدخل في دينك ، فيزرى برأيي ، ويضعف غقلي"..!!
                        وخرج مصعب من النعمة الوارفة التي كان يعيش فيها مؤثرا الفاقة .. وأصبح الفتى المتأنق المعطّر لا يُرى الا مرتديا أخشن الثياب ، يأكل يوما و يجوع أياما ، و ولكن روحه المتأنقة بسمو العقيدة ، والمتألقة بنور الله ، كانت قد جعلت منه انسانا آخر يملأ الأعين جلال والأنفس روعة ...
                        **
                        سفير الاسلام
                        وآنئذ ، اختاره الرسول لأعظم مهمة في حينها : أن يكون سفيره الى المدينة ، يفقّه الأنصار الذين آمنوا وبايعوا الرسول عند العقبة ، ويدخل غيرهم في دين الله ، ويعدّ المدينة ليوم الهجرة العظيم ..
                        كان في أصحاب رسول الله يومئذ من هم أكبر منه سنّا وأكثر جاها ، وأقرب من الرسول قرابة .. ولكن الرسول اختار مصعب الخير ، وهو يعلم أنه يكل اليه بأخطر قضايا الساعة ، ويلقي بين يديه مصير الاسلام في المدينة التي ستكون دار الهجرة ، ومنطلق الدعوة والدعاة ، والمبشرين والغزاة ، بعد حين من الزمان قريب ..
                        وحمل مصعب الأمانة مستعينا بما أنعم الله عليه من رجاحة العقل وكريم الخلق ، ولقد غزا أفئدة المدينة وأهلها بزهده وترفعه واخلاصه ، فدخلوا في دين الله أفواجا ..

                        لقد جاءها يوم بعثه الرسول اليها وليس فيها سوى اثني عشر مسلما هم الذين بايعوا النبي من قبل بيعة العقبة ، ولكنه ام يكد يتم بينهم بضعة أشهر حتى استجابوا لله وللرسول ..!!
                        وفي موسم الحج التالي لبيعة العقبة ، كان مسلموا المدينة يرسلون الى مكة للقاء الرسول وفدا يمثلهم وينوب عنهم .. وكان عدد أعضائه سبعين مؤمنا ومؤمنة .. جاءوا تحت قيادة معلمهم ومبعوث نبيهم اليهم "مصعب ابن عمير" .
                        لقد أثبت "مصعب" بكياسته وحسن بلائه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرف كيف يختار ..
                        فلقد فهم مصعب رسالته تماما ووقف عند حدودها ، و عرف أنه داعية الى الله تعالى ، ومبشر بدينه الذي يدعوا الناس الى الهدى ، والى صراط مستقيم . وأنه كرسوله الذي آمن به ، ليس عليه الا البلاغ ..

                        هناك نهض في ضيافة "أسعد بن زرارة" يفشيان معا القبائل و البيوت والمجالس ، تاليا على الناس ما كان معه من كتاب ربه ، هاتفا بينهم في رفق عظيم بكلمة الله
                        (
                        إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ) ..
                        ولقد تعرّض لبعض المواقف التي كان يمكن أن تودي به وبمن معه ، لولا فطنة عقله ، وعظمة روحه ..
                        اسلام اسيد بن حضير
                        ذات يوم فاجأه وهو يعظ الانس "أسيد بن خضير" سيد بني عبد الأشهل بالمدينة ، فاجأه شاهرا حربته و يتوهج غضبا وحنقا على هذا الذي جاء يفتن قومه عن دينهم .. ويدعوهم لهجر آلهتهم ، ويحدثهم عن اله واحد لم يعرفوه من قبل ، ولم يألفوه من قبل ..!
                        ان آلهتهم معهم معهم اينما ذهبوا و اذا احتاجها أحد عرف مكانها وولى وجهه ساعيا اليها ، فتكشف ضرّه وتلبي دعاءه ... هكذا يتصورون ويتوهمون .. !!!

                        أما اله محمد الذي يدعوهم اليه باسمه هذا السفير الوافد اليهم ، فما أحد يعرف مكانه ، ولا أحد يستطيع أن يراه ..!!
                        وما ان رأى المسلمون الذين كانوا يجالسون مصعبا مقدم أسيد ابن حضير متوشحا غضبه و ثورته المتحفزة ، حتى وجلوا .. ولكن مصعب الخير ظل ثابتا وديعا متهللا ..
                        وقف اسيد أمامه مهتاجا ، وقال يخاطبه هو وأسعد بن زرارة :
                        "ما جاء بكما الى حيّنا ، تسهفان ضعفاءنا ..؟ اعتزلانا ، اذا كنتما لا تريدان الخروج من الحياة"..!!
                        وفي مثل هدوء البحر وقوته ..
                        .. انفرجت أسارير مصعب الخير وتحرّك بالحديث الطيب لسانه فقال :
                        "أولا تجلس فتستمع ..؟! فان رضيت أمرنا قبلته .. وان كرهته كففنا عنك ما تكره" .
                        الله أكبر . ما أروعها من بداية سيسعد بها الختام ..!!

                        كان أسيد رجلا أريبا عاقلا .. وها هو ذا يرى مصعبا يحتكم معه الى ضميره ، فيدعوه أن يسمع لا غير .. فان اقتنع ، تركه لاقتناعه و ان لم يقتنع ترك مصعب حيّهم وعشيرتهم ، وتحول الى حي آخر وعشيرة أخرى غير ضارّ ولا مضارّ ..
                        هنالك أجابه أسيد قائلا : أنصفت .. وألقى حربته الى الأرض وجلس يصغي ..
                        ولم يكد مصعب يقرأ القرآن ، ويفسر الدعوة التي جاء بها محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام ، حتى أخذت أسارير أسيد تبرق وتشرق .. وتتغير مع مواقع الكلم ، وتكتسي بجماله ..!!
                        ولم يكد مصعب يفرغ من حديثه حتى هتف به أسيد بن حضير وبمن معه قائلا :
                        "ما أحسن هذا القول وأصدقه .. كيف يصنع من يريد أن يدخل في هذا الدين"..؟؟
                        وأجابوه بتهليلة رجّت الأرض رجّا ، ثم قال له مصعب :
                        "يطهر ثوبه وبدنه ، ويشهد أن لا اله الا الله" .
                        فعاب أسيد عنهم غير قليل ثم عاد يقطر الماء الطهور من شعر رأسه ، ووقف يعلن أن لا اله الا الله و أن محمدا رسول الله ..
                        وسرى الخبر كالضوء .. وجاء سعد بن معاذ فأصغى لمصعب واقتنع ، وأسلم ثم تلاه سعد بن عبادة ، وتمت بإسلامهم النعمة ، وأقبل أهل المدينة بعضهم على بعض يتساءلون : اذا كان أسيد بن حضير ، و سعد ابن معاذ ، وسعد بن عبادة قد أسلموا ، ففيم تخلفنا ..؟ هيا الى مصعب ، فلنؤمن معه ، فانهم يتحدثون أن الحق يخرج من بين ثناياه ..!!

                        **

                        لقد نجح أول سفراء الرسول صلى الله عليه وسلم نجاحا منقطع النظير .. نجاحا هو له أهل ، وبه جدير ..
                        وتمضي الأيام والأعوام ، ويهاجر الرسول وصحبه الى المدينة ، وتشتعل قريش بأحقادها .. وتعدّ عدّة باطلها ، لتواصل مطاردتها الظالمة لعباد الله الصالحين .. وتقوم غزوة بدر ، قيتلقون فيها درسا يفقدهم بقية صوابهم ويسعون الى الثأر ،
                        فى غزوه أٌ حد
                        و تجيء غزوة أُحد .. ويعبئ المسلمون أنفسهم ، ويقف الرسول صلى الله عليه وسلم وسط صفوفهم يتفرّس الوجوه المؤمنة ليختار من بينها من يحمل الراية .. ويدعو مصعب الخير ، فيتقدم ويحمل اللواء ..

                        وتشب المعركة الرهيبة ، ويحتدم القتال ، ويخالف الرماة أمر الرسول عليه الصلاة والسلام ، ويغادرون موقعهم في أعلى الجبل بعد أن رأوا المشركين ينسحبون منهزمين ، لكن عملهم هذا ، سرعان ما يحوّل نصر المسلمين الى هزيمة .. و يُفاجأ المسلمون بفرسان قريش تغشاهم من أعلى الجبل ، وتعمل فيهم على حين غرّة ، السيوف الظامئة المجنونة ..
                        حين رأوا الفوضى والذعر في صفوف المسلمين ، ركزا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لينالوه ..
                        وأدرك مصعب بن عمير الخطر الغادر ، فرفع اللواء عاليا ، وأطلق تكبيرة كالزئير ، ومضى يجول .. وكل همه أن يلفت نظر الأعداء اليه ويشغلهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه ، وجرّد من ذاته جيشا بأسره .. أجل ، ذهب مصعب يقاتل وحده كأنه جيش لجب غزير ..
                        يد تحمل الراية في تقديس ..
                        ويد تضرب بالسيف في عنفوان ..
                        ولكن الأعداء يتكاثرون عليه ، يريدون أن يعبروا فوق جثته الى حيث يلقون الرسول الكريم ..
                        استشهاده
                        لندع شاهد عيان يصف لنا مشهد الخاتم في حياة مصعب العظيم ..!!
                        يقول ابن سعد : أخبرنا ابراهيم بن محمد بن شرحبيل العبدري ، عن أبيه قال :
                        [ حمل مصعب بن عمير اللواء يوم أُحد ، فلما جال المسلمون ثبت به مصعب ، فأقبل ابن قميئة وهو فارس ، فضربه على يده اليمنى فقطعها ، ومصعب يقول : "وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل " ..
                        وأخذ اللواء بيده اليسرى و حنا عليه ، فضرب يده اليسرى فقطعها ، فحنا على اللواء وضمّه بعضديه الى صدره وهو يقول : " وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل " ..
                        ثم حمل عليه الثالثة بالرمح فأنفذه وأندق الرمح ، و وقع مصعب ، و سقط اللواء ] .
                        وقع مصعب .. وسقط اللواء ..!!
                        وقع حلية الشهادة ، وكوكب الشهداء ..!!
                        وقع بعد أن خاض في استبسال عظيم معركة الفداء والايمان ..
                        كان يظن أنه اذا سقط ، فسيصبح طريق القتلة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم خاليا من المدافعين والحماة ..
                        ولكنه كان يعزي نفسه في رسول الله عليه الصلاة والسلام من فرط حبه له وخوفه عليه حين مضى يقول مع كل ضربة سيف تقتلع منه ذراعا :
                        "
                        وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ"
                        هذه الآية التي سينزل الوحي فيما بعد يرددها ، و يكملها ، و يجعلها قرآنا يُتلى ..

                        **

                        وبعد انتهاء المعركة المريرة ، وُجد جثمان الشهيد الرشيد راقدا ، وقد أخفى وجهه في تراب الأرض الملطخ بدمائه الزكية ..
                        لكأنما خاف أن يبصر وهو جثة هامدة رسول الله يصيبه السوء ، فأخفى وجهه حتى لا يرى هذا الذي يحاذره ويخشاه ..!!
                        أو لكأنه خجلان اذ سقط شهيدا قبل أن يطمئن على نجاة رسول الله ، وقبل أن يؤدي الى النهاية واجب حمايته والدفاع عنه ..!!
                        لك الله يا مصعب .. يا من ذكرك عطر الحياة ..!!

                        **

                        وجاء الرسول وأصحابه يتفقدون أرض المعركة ويودعون شهداءها ..
                        وعند جثمان مصعب ، سالت دموع وفيّة غزيرة ..
                        يقوا خبّاب بن الأرت:
                        [ هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله ، نبتغي وجه الله ، فوجب أجرنا على الله .. فمنا من مضى ولم يأكل من أجره في دنياه شيئ ، منهم مصعب بن عمير ، قُتل يوم أحد .. فلم يوجد له شيء يكفن فيه الا نمرة .. فكنا اذا وضعناها على رأسه تعرّت رجلاه ، واذا وضعناها على رجليه برزت رأسه ، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم :" اجعلوها مما يلي رأسه ، واجعلوا على رجليه من نبات الاذخر".. ] ..
                        وعلى الرغم من الألم الحزين العميق الذي سببه رزء الرسول صلى الله عليه وسلم في عمه حمزة ، وتمثيل المشركين بجثمانه تمثيلا أفاض دموع الرسول عليه السلام ، وأوجع فؤاده ..
                        وعلى الرغم من امتلاء أرض المعركة بجثث أصحابه وأصدقائه الذين كان كل واحد منهم يمثل لديه عالما من الصدق والطهر والنور ..
                        على الرغم من كل هذا ، فقد وقف على جثمان أول سفرائه يودعه و ينعاه ..
                        أجل .. وقف الرسول صلى الله عليه وسلم عند مصعب بن عمير وقال وعيناه تلفانه بضيائهما وحنانهما و وفائهما :
                        (
                        مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ )
                        ثم ألقى في أسى نظرة على بردته التي دفن بها وقال : لقد رأيتك بمكة و ما بها أرق حلة ولا أحسن لمّة منك . " ثم هأنتذا شعث الرأس في بردة "..؟!
                        وهتف الرسول عليه الصلاة والسلام وقد وسعت نظراته الحانية أرض المعركة بكل من عليها من رفاق مصعب وقال :
                        " ان رسول الله يشهد أنكم الشهداء عند الله يوم القيامة ".
                        ثم أقبل على أصحابه الأحياء حوله وقال :
                        " أيها الناس زوروهم و أتوهم وسلموا عليهم ، فوالذي نفسي بيده ، لا يسلم عليهم مسلم الى يوم القيامة الا ردوا عليه السلام" ..

                        **

                        السلام عليك يا مصعب ..
                        السلام عليكم يا معشر الشهداء ..
                        السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


                        منقووووووووووول بتصرف



                        التعديل الأخير تم بواسطة خادمة الملك; الساعة 12-02-2015, 09:54 AM. سبب آخر: تشكيل الآيات
                        عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا

                        تعليق


                        • #13
                          رد: مصعب بن عمير....أول سفراء الاسلام

                          السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
                          جزااااكم الله خيرا وتقبل الله منكم


                          ربِّ خذ من حياتي حتى ترضى، واجعل كل سكنة وكل حركة وكل لحظة طَرْفٍ فيك ولك!

                          تعليق


                          • #14
                            رد: مصعب بن عمير....أول سفراء الاسلام

                            وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
                            جزانا واياكم
                            بارك الله فيكم
                            عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا

                            تعليق


                            • #15
                              رد: مصعب بن عمير....أول سفراء الاسلام

                              السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
                              جزاكم الله خيرًا ورفع قدركم
                              وجعله فى موازين حسناتكم
                              --------------------
                              من فوآئد ابن القيم * العمل بغير إخلاص، ولا اقتداء كالمسافر يملأ جرابه رملاً يثقله، ولا ينفعه.
                              [CENTER][B][URL="https://forums.way2allah.com/forum/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9-%D8%AA%D8%AD%D9%81%D9%8A%D8%B8-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A2%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85/%D8%AA%D8%AD%D9%81%D9%8A%D8%B8-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A2%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85-%D9%84%D9%84%D8%B4%D8%A8%D8%A7%D8%A8/4455003-%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9-%D8%AA%D8%AD%D9%81%D9%8A%D8%B8-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A2%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85-%D9%84%D9%84%D8%B4%D8%A8%D8%A7%D8%A8-%D8%A8%D8%B4%D8%A8%D9%83%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%B1%D9%8A%D9%82-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A2%D9%86-%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%AA%D9%8A"][COLOR=#FF0000][SIZE=36px][FONT=times new roman]مشروع تحفيظ القرآن الكريم للشباب بشبكة الطريق إلى الله[/FONT][/SIZE][/COLOR][/URL][/B][/CENTER]
                              [CENTER][B][URL="https://forums.way2allah.com/forum/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9-%D8%AA%D8%AD%D9%81%D9%8A%D8%B8-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A2%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85/%D8%AA%D8%AD%D9%81%D9%8A%D8%B8-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A2%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85-%D9%84%D9%84%D8%B4%D8%A8%D8%A7%D8%A8/4455003-%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9-%D8%AA%D8%AD%D9%81%D9%8A%D8%B8-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A2%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85-%D9%84%D9%84%D8%B4%D8%A8%D8%A7%D8%A8-%D8%A8%D8%B4%D8%A8%D9%83%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%B1%D9%8A%D9%82-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A2%D9%86-%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%AA%D9%8A"][COLOR=#0000CD][SIZE=36px][FONT=times new roman](القرآن حياتي)[/FONT][/SIZE][/COLOR][/URL][/B][/CENTER]

                              تعليق

                              يعمل...
                              X