بسم الله الرحمن الرحيم
التوبة النصوح
إن الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنا سيدنا محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد فى الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزء عنا خير ما جزيت نبيا عن أمته ورسولا عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. التوبة النصوح
أما بعد: فحياكم الله جميعاً الأخوة الفضلاء، وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله الحليم الكريم- جلا وعلا – الذى جمعنى مع حضراتكم فى هذا البيت الطيب المبارك على طاعته، أن يجمعنا فى الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى فى جنته ودار مقامته، إنه ولى ذلك والقادر عليه.
أحبتى فى الله نحن اليوم على موعد مع التوبة النصوح وكما تعودت حتى لا ينسحب بساط الوقت سريعاً من تحت أقدامنا، فسوف ينتظم حديثى مع حضراتكم فى هذا الموضوع الجليل العظيم فى العناصر المحددة التالية:
أولاً: وجوب التوبة.
ثانياً: فضل التوبة..
ثالثاً: شموس مضيئة فى سماء التوبة..
رابعاً: شروط التوبة..
خامساً : عقبات فى طريق التوبة وكيف الخلاص منها..
فأعيرونى القلوب والأسماع فى هذه اللحظات، والله أسأل أن يتوب على وعليكم، وأن يستر على وعليكم فى الدنيا والآخرة، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} (18) سورة الزمر
أولاً: وجوب التوبة..
أحبتى الكرام قال الإمام ابن القيم رحمة الله: أكثر الناس لا يعرفون قدر التوبة، ولا حقيقتها فضلا عن القيام بها، علماً وعملاً وحالاً، مع أن التوبة هى حقيقة دين الإسلام، والدين كله داخل فى مسمى التوبة، من أجل ذلك استحق التائب أن يكون حبيب الرحمن – جل وعلا – فأصل التوبة فى اللغة الرجوع يقال: تاب وآب وثاب بمعنى رجع، فالتائب إلى الله هو الراجع عن كل ما يكرهه الله ظاهراً وباطناً، إلى كل ما يحبه الله ظاهراً وباطنا.
ولقد تظاهرت وتضافرت أدلة القرآن والسنة، وإجماع الأمة على وجوب التوبة فى كل لحظة وحين، لأن المسلم لا يخلو من معصية ظاهرة أو باطنة. من أجل ذلك وجب عليه أن يجدد التوبة والأوبة إلى الله بعدد أنفاس حياته حتى يلقى الله – عز وجل – وهو على توبة قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (8) سورة التحريم ويقول الله عز وعلا: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (31) سورة النــور ويقول جل وعلا:
{وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (11) سورة الحجرات
وفى سنة النبى الأمين كما يقول المصطفى

وفى لفظ البخارى: "فإنى أستغفر الله وأتوب إليه أكثر من سبعين مرة" ([2]) فإن كان المصطفى- أيها المسلمون أيها الشباب- إن كان المصطفى يتوب فى التوبة إلى رب الأرض والسموات فى اليوم الواحد آلاف المرات، فوالله لا ينفك مسلم عن معصية صغرت أم كبرت، ظاهرة أم باطنة، فنحن نحتاج إلى التوبة بعدد أنفاس حياتنا فى هذه الدنيا. وأبشرك بأن الله تعالى لا يغلق باب التوبة أبداً حتى تبلغ روحك الحلقوم أو حتى تطلع الشمس من مغربها، فتدبر كلام الصادق المصدوق الذى لا ينطق عن الهوى.
ففى صحيح مسلم من حديث أبى موسى أن النبي

وفى الصحيحين من حديث أبى هريرة أن النبي

فالإستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة لا تسأل كيف يتنزل، فإن الله يتنزل كل ليلة إلى السماء الدنيا تنزلا يليق بكماله وجلاله، فكل ما دار ببالك فالله بخلاف ذلك { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (11) سورة الشورى {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (103) سورة الأنعام قال تعالى {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (74) سورة النحل قال سبحانه {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} (110) سورة طـه قال جل جلاله {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} (1 ، 4) سورة الإخلاص أحد فى أسمائه، أحد فى ذاته، أحد فى صفاته، أحد فى أفعاله.
قال أعرف الناس به

فأين أنت؟ تقضى الليل أمام الأفلام الداعرة، أفق أيها المسكين! يا من قضيت العمر أمام المسلسلات والأفلام قم وانتبه! قم فإن الموت يأتى بغتة. المولى جل جلاله ينادى عليك وأنت فى غفلة: انتبه.
الله جل جلاله ينادى عليك فيقول: " أنا الملك من ذا الذى يدعونى فأستجيب له، من ذا الذى يسألنى فأعطيه، من ذا الذى يستغفرنى فأغفر له" فلا يزال كذلك حتى يضىء الفجر. .
وفى الصحيحين من حديث أبى هريرة – رضى الله عنه – أن النبى

فهيا أيها المسلم! هيا إلى هذا الفضل العظيم، فوالله لو عرفت فضل التوبة ما تركت التوبة طرفة عين ... وهذا هو عنصرنا الثانى من عناصر اللقاء ..
فضل التوبة: وأعظم فضل للتوبة أنها سبب لمحبة الرب للعبد . هل تدبرت ما ذكرت أيها الكريم الفاضل؟ أقول: إنها سبب لمحبة الرب للعبد ولم أقل التوبة سبب لمحبة العبد للرب، فمن أنت ليحبك الملك؟! قال جل وعلا فى الحديث القدسى الذى رواه الإمام البخارى من حديث أبى هريرة يقول تعالى: " من عادى لى وليا فقد آذنته بالحرب.." " من عادى لى وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلى عبدى بشىء أحب إلى مما أفترضه عليه ، ولا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به، ويده التى يبطش بها، ورجله التى يمشى عليها ولئن سألنى لأعطينة ولئن استعاذنى لأعيذنه".. ([7])
ماذا لو أحبك الله؟ اسمع ! يقول النبى

حيثما توجه، وضع الله له القبول إذا أحبه الله سبحانه، وإذا أبغض الله عبداً دعا جبريل وقال:" يا جبريل إنى أبغض فلانا فأبغضه" فيبغضه جبريل وينادى جبريل، لأهل السماء فيبغضه أهل السماء ثم ينادى على أهل الأرض فتوضع له البغضاء فى الأرض" أعاذنى الله وإياكم من البغضاء.
فإن أحبك رب الأرض والسماء سعدت فى الدنيا والآخرة، ولو أحبك مسئول سعدت فى دنياك، فكيف لو أحبك من بيده الدنيا والآخرة، سعدت فى الدنيا وسعدت فى الآخرة، أسأل الله أن يجعلنى وإياكم من أهل السعادة فى الدنيا والآخرة.
ثانياً : من فضائل التوبة: أنها سبب لفرح الرب بالعبد .. الله يفرح لا تعطل ولا تكيف ولا تمثل. اسمع ماذا قال أعرف الناس بربه وهو المصطفى

المعنى: رجل يركب حماراً أو ناقة أو حصاناً دابة عليها الطعام والشراب ويمشى فى صحراء مقفرة، مهلكة. وفجأة انفلتت الدابة: جرت، فضاع الطعام وضاع الشراب، وضاعت الركوبة التى يركبها فى هذه الصحراء فاستسلم للموت، فرأى شجرة فانطلق إليها ونام فى ظلها ينتظر الموت، لأنه لا يجد طعاماً ولا شراباً ولا ظهراً يركبه. يقول المصطفى

فتصور معى أخى الحبيب الفرحة العارمة لهذا العبد فقال: "اللهم أنت عبدى وأنا ربك" أخطأ من شدة الفرح .. فرح الله بك إن تبت إليه أعظم من فرح هذا العبد بعودة دابته إليه.
ثالثاً: من فضائل التوبة: أنها سبب لنور القلب ومحو أثر الذنب، يا له من فضل !! التوبة سبب لنور القلب ومحو أثر الذنب، انتبهوا يا شباب! فلينتبه كل مسلم وكل مسلمة، فلا يستغنى عن هذا الموضوع عالم ولا حاكم ولا رجل ولا امرأة ولا شاب ولا شابة كلنا فى حاجة إلى التوبة.
التوبة سبب لنور القلب ومحو أثر الذنب، إن صدقت مع الله فى توبتك طهرك الله بتوبتك من كل ذنب كبر أم صغر كما سأبين لحضراتكم الآن، يقول المصطفى

يقول الحبيب محمد


أكرر وأقول: إن للإيمان نوراً فى القلب كما قال الحبيب


تدبر! كلام النبى


رابعاً: من فضائل التوبة: التوبة سبب للحياة السعيدة فى الدنيا والآخرة، من أراد المال فعليه بالتوبة وسأذكر لك ذلك بالدليل من القرآن، من أراد مالا وغنى فعليه بالتوبة، من حرم من نعمة الإنجاب وأراد الأولاد والذرية فعليه بالتوبة.. من أراد الحياة السعيدة الهانئة فى الدنيا فعليه بالتوبة .. من أراد الحياة السعيدة فى الآخرة فعليه بالتوبة: اسمع لربك جل وعلا: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا * مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} (10 ، 13) سورة نوح .
ما لكم لا توحدون الله حق توحيده ولا تعبدون الله حق عبادته ولا تقدرون الله حق قدره، {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} انظر إلى نتائج الاستغفار والتوبة {يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا} يا من تخشون قلة المال توبوا واستغفروا رب الأرض والسماء{يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا} بالمطر والغيث، لأن الذى يملك المطر والغيث هو الله {وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا}{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} (96) سورة الأعراف ... يا من أردت المال عليك بالتوبة ... ويا من حرمت من نعمة الولد عليك بالتوبة والمداومة على الاستغفار.
ارجع إليه واعلم ان التوبة سبب للحياة الكريمة السعيدة فى الدنيا والآخرة. والله لا سعادة فى الآخرة، إلا لمن تاب إلى الله- فى الدنيا وداوم على التوبة {يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * وَأَمَّا الَّذِينَ سعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ} (105 ، 108) سورة هود اللهم اجعلنا من أهل السعادة.
فهيا ايها الكريم عجل الآن وبادر بالتوبة.. يا نادماً على الذنوب أين اثر ندمك؟! أين بكاؤك عل زلة قدمك .. يا اسير الخطايا أين الدموع الجارية.. يا من بارز ربه بالقبائح أتصبر على الهاوية؟! فوا أسفاه إن دعيت اليوم إلى التوبة وما لبيت .. واحسرتاه إن ذكرت الآن بالتوبة وما أنبت.
هيا بادر بالتوبة ولا تؤجل ولا تسوف ، فإن الموت يأتى بغتة، وقد سبقك على الطريق كثير من الأطهار والأبرار والأخيار.
وهذا هو عنصرنا الثالث: شموس مضيئة فى سماء التوبة:
واستهل بأحاديث النبى المصطفى





"فدل على رجل عالم فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة قال: نعم ومن الذى يحول بينك وبين التوبة، لكن أذهب إلى أرض كذا فإن فيها أناساً يعبدون الله فاعبد الله معهم" (غير البيئة فلابد من تغير البيئة، بيئة المعصية والبعد عن الله لابد من تغيير الصحبة التى تحول بينك وبين الطاعة وبين دروس العلم، صحبة تقول لك: لا، احذر! لا تذهب إلى المساجد واحذر أصحاب اللحي انتبه فإننا نريد أن نربي الأولاد وإننا نريد أن نعيش.
وطائفة تقول لك: تعال إن فلانا قد اشترى دشا يأتى بالأفلام الداعرة، تعالى لنقضى الليل عنده، وإن رجلاً يقول لك: إن المقهى الفلانى يقدم البانجو بأرخص الأسعار غير البيئة وغير الصحبة وإلا فلن تتمكن من التوبة والأوبة إلى الله).
"لكن اذهب إلى أرض كذا فإن فيها أناساً يعبدون الله، فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء" فانطلق الرجل إلى أرض التوبة فقال
الحبيب

قال المصطفى

أوحى الله إلى أرض المعصية أن تباعدى والملك ملكه ، وأوحى إلى أرض التوبة أن تقربى " فوجدوه قريباً قريباً يشير إلى الأرض التى أراد أن يتوب فيها إلى الله فقبضته ملائكة الرحمة " ([12]) .. برحمة الله جل وعلا.
هذا قاتل.. وهذا زان وزانية. أسأل اله أن يطهرنا وأن يستر نساءنا وبناتنا. تأتى كبيرة الزنا بعد كبيرة القتل . ومع ذلك إن تبت إلى الله وصدقت فى توبتك وقبل الله منك التوبة فأبشر، فإن الذى سيتولى تخليصك وتطهيرك يوم القيامة من صاحب الذنب هو الغفور الرحيم جل جلاله. المهم أن تصدق فى التوبة، وأن تبكى دماً بدل الدمع على كبيرة الزنا التى وقعت فيها، وأن تبكى دماً بدل الدمع، ولتقلع ولتتب ولتستغفر ولتداوم على الطهر والعمل الصالح.
اسمع ماذا قال المصطفى – والحديث رواه مسلم وابو داود وغيرهم من حديث بريدة- قال بريدة: جاء ماعز بن مالك (رجل زنى فى عهد المصطفى وهو محصن .. – أى متزوج) جاء للنبى




هذا حد الله لمن زنى وهو محصن أى متزوج فمضى يومان أو ثلاثة ثم عاد النبى


ثم جاءت الغامدية فقالت: يا رسول الله طهرنى لقد زنيت فقال المصطفى: "ويحك ارجعى وإستغفرى الله وتوبى إليه" فقالت: يا رسول الله أتريد أن تردنى كما رددت ماعز بن مالك.. هذه لم تأت بها شرطة الآداب، ولا شرطة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، بل جاء بها إيمانها، وخوفها من ربها جل جلاله فهؤلاء لم يتربوا على مراقبة القانون الوضعى الأعمى، بل على مراقبة الرب العلى الأعلى، طهرنى يا رسول الله قال المصطفى : "ويحك ارجعى واستغفرى الله وتوبى إليه" فقالت: يا رسول الله أتريد أن تردنى كما رددت ماعز بن مالك .. فقال المصطفى لها:"أنت" قالت: نعم.
أسمع ماذا قال لها الحبيب


قال كل أهل العلم: والله لو رجع ماعز واستغفر الله وتاب إليه لتاب الله عليه قال: "اذهبى حتى تلدى" هذا الولد ما ذنبه فذهبت حتى وضعت ولدها من الزنا. اهربى زورى جوازا واخرجى لأى بلدة لا ، لا ... وجاءت به تحمله على صدرها فى خرقة وهو طفل فى المهد للنبى

عادت المرأة فأرضعت طفلها عامين كاملين لم تهرب وما نسيت بل جاءت بعد عامين وفى يد ولدها كسرة خبز ، لتبين للنبى


وكان من بين هؤلاء الذين رموها بالحجارة خالد بن الوليد – رضى الله عنه- فلما رماها خالد بن الوليد علا بحجر تنفح دمها على وجهه خالد فسبها خالد بن الوليد فسمعه النبى فقال: " مهلا يا خالد .. مهلا يا خالد فوالذى نفسى بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له" ([15]) .. وفى رواية لما ماتت أمر النبى

وهذا هو الراجح بدليل رواية مسلم أن عمر بن الخطاب قال له : يا رسول الله أتصلى عليها وقد زنت؟! فقال له النبى

فتب إلى الله يا من زنيت .. توبى إلى الله يا من زنيت، تب إلى الله يا من وقعت فى هذه الكبيرة البشعة الشنيعة. اللهم استر نساءنا وبناتنا وأصلح شبابنا، واحفظ فروجنا يا أرحم الراحمين حتى ولو لم يقم عليك الحد عجل بالتوبة، وتب إلى الله تبارك وتعالى. فإذا وقفت بين يدى الله سبحانه فى يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، إن قبل الله منك التوبة تولى الله سبحانه وتعالى تخليص الحق الذى عليك لمن ارتكبت فى حقه كبيرة الزنا. إن تبت إلى الله وكنت صادقا فى توبتك وقبل الله منك التوبة ستدخل الجنة برحمته أنت وأخوك صاحب الحق، المهم أن تصدق فى التوبة هذا زانى وهذه زانية وهذا رجل قتل نفسه.
والحديث فى الصحيحين من حديث أبى هريرة عن النبى

وفى لفظ:" فإذا كان يوم ريح عاصف فاذروا نصفى فى البر ونصفى فى البحر فلما مات فعلوا به ذلك فقال الله عز وجل- أمر الله البحر فجمع ما فيه وأمر الله البر فجمع ما فيه- وقال الله للعبد هذا: كن فإذا هو رجل قائم بين يديه جل جلاله ثم قال الملك اسمع وهذه- هى التوبة، هذه هى التوبة، لم يقتل نفسه قنوطا ولا يأسا من الحياة بل قتل نفسه أو أمر بذلك خوفا من لقاء الله وهو يظن أنه بذلك لن يقف بين يديه- فقال الله له: عبدى ما حملك على أن فعلت ما فعلت فقال العبد : "خشيتك يا رب" وفى لفظ : " مخافتك يا رب وأنت أعلم وأنت أعلم أننى أخافك وأننى أخشاك وأخافك فى ساعة سأقف فيها بين يديك فظننت أن ذلك لن يوقفنى بذنوبى بين يديك". قال المصطفى

وهذا شاب فى عصرنا هذا يخرج هو وشلته لاصطياد الفتيات ويخرج بهن إلى البر إلى الصحراء لارتكاب الزنا بعد شرب الخمر. وفى ليلة من الليالى أنهوا هذه الكبيرة فى وقت مبكر من الليل وعادوا إلى بيوتهم وعاد هذا الشاب ليقضى ليلته مع فيلم جنسى داعر، حاول أهل هذا الشاب وقد من الله عليهم بالسعة والثراء والجاه حاولوا معه بشتى الطرق فلم يفلحوا، استضافوا أفضل أهل العلم لهدايته فلم يصلحه، فأصر أهله على الزواج فأبى أول الأمر ثم أذعن ليرضى والده فتزوج فرزقه الله بطفلة جميلة صغيرة فبلغت السادسة من عمرها، ومع ذلك فإنها لا ترى الوالد إلا قبل الفجر لا يدخل البيت إلا قبل الفجر تقريباً، فى كل ليلة حياة عربدة وفسوق وعاد ليلة فوضع شريطا جنسياً داعرا وجلس بعدما اطمئن أن طفلته تغط فى نوم عميق فى أحضان أمها ويشاء الله تبارك وتعالى أن تستيقظ البنت وأبوها يشاهد هذا الفيلم الداعر فسمعت صوتا خافتا ورأت نورا فى غرفة مكتب أبيها فتسللت ودخلت على أبيها الذى اطمأن أن ابنته نامت مع أمها فدخلت البنت الصغيرة بنت السادسة، فلما رأت هذه المشاهد التى تخلع القلوب الحية صرخت البنت وبكت ففزع فوقف مكانة لا يستطيع حركة وإذا بابنته تقول له كلاما غريبا تقول له: (يا بابا إذا كنت عاوز تروح النار روح لوحدك بس مدخلناش النار معاك).
فصرخ وصرخت البنت وضرب الجهاز والفيديو بقدمه وانطلق إلى ابنته واحتضنها وظل يصرخ ويصرخ فقامت الأم وعرفت ما الخبر وهو فى هذا الوقت سمع آذان الفجر: الله أكبر الله أكبر.. فدخل إلى الخلاء واغتسل ليرفع جنابة الزنا.
ولأول مرة يدخل بيت الله جل وعلا ويقدر الله سبحانه أن يقرأ الإمام فى صلاة الفجرة قول الله عز وجل : {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } (53) سورة الزمر فبكى وعلا صوته بالبكاء وبعد الصلاة التفت المصلون من؟! فلان، فلان يصلى معنا ويبكى لم يقدر الله له الهداية إلا على يد ابنته الطاهرة الطيبة، فلان ما الذى جرى فقص عليهم ما الذى كان وظل جالسا فى المسجد يبكى حتى أشرقت الشمس فصلى الضحى.
فلما انطلق إلى عمله مبكراً تعجب زملاءه: ما شاء الله أتيت اليوم مبكراً! وهم يعلمون أنه لا يأتى فى هذا الوقت أبداً، فهم يعلمون سلوكه وسيرته السيئة وقص عليهم ما كان ورأوا على وجهه انكسار التوبة، بل قل إن شئت: جلال وأنوار وهيبة التوبة فقالوا: ما الخبر فقص عليهم ما حدث فقال له مديره: عد إلى بيتك فاسترح فسنأتيك الليلة لنتناول معك العشاء، لتقص علينا خبر توبتك.
فعاد إلى بيته قبل الظهر فوجد صراخاً وبكاء ورأى زحاما فدخل مسرعا ما الخبر؟ ما الذى جرى؟ فقالوا: ماتت ابنتك!! ماتت أبنتى! ذهب النور الذى أخرجنى من الظلمات إلى النور ذهبت هذه الطيبة الطاهرة التى جعل الله توبتى على يدها، ماتت فى اليوم التى أحتاج إليها فيه، ماتت قبل أن أبرهن لها عمليا أنى تبت إلى الله على يديها.
وصمم هذا الولد الشاب أن يغسلها بيده وأن يكفنها بيده وأن ينزل القبر بنفسه فأبوا عليه فقال: لا ، دعونى أودع النور الذى أخرجنى من الظلمات إلى النور، وعاد فتاب إلى العزيز الغفور وصحت توبته ولم يرجع إلى الزنا ولم يرجع إلى الخمر نسأل الله لنا وله الثبات.
فيا أيها الشاب، لا تقنط ولا تيأس مهما بلغت ذنوبك، وهذا والله شاب من شبابنا هنا فى قرية من قرى مركز المنصورة كنت ألقى فى هذه القرية يوما محاضرة بين المغرب والعشاء، عن وفاة الرسول

ولذا فأنا أكرر دائماً أن يحرص المسلمون على تكثير سواد المسلمين فى المحاضرات العلمية، فإن تكثير سواد المسلمين دعوة فى نفس الوقت ، خرج ثلاثة من الشباب يحملون فى جيوبهم أو أكياسهم وحقائبهم قطعاً كبيرة من الحشيش، لتقطيعها وبيعها فى المنصورة ليلاً يقسم بالله هذا الشاب الذى يقص على القصة وهو منهم يقول: والله يا شيخ- هذا على حد تعبيره- (رأينا الدقون ملية شوارع البلد وجاية من كل طريق واحنا قلنا إيه اللى خرج الدقون من جحورها هوة فى أية؟) ما الذى أخرج أصحاب اللحى من جحورهم ما الخبر؟ فقالوا:" ده فيه محاضرة هنا لواحد اسمه محمد حسان قالوا: بيبيع أيه؟ قالوا: دى محاضرة قال الله وقال الرسول هكذا قالوا لى".
يقول: فقلت للشابين معى: ما زال الوقت مبكراً، لنتمكن من تقطيع الحشيش لبيعه فهلا جلسنا مع هؤلاء فى الشارع حتى إذا دخل وقت العشاء انطلقنا إلى المنصورة، يقسم لى بالله جلسنا معنا قطع كبيرة من الحشيش جلسنا فى الشارع، يقول: وكنت تتحدث عن وفاة الرسول

يقول: فلما أذن المؤذن لصلاة العشاء دخلت إلى دورة مياة المسجد فرفعت الجنابة عن نفسى بخرطوم دورة المياة وخرجت للصلاة وألقيت كل ما معى من الحشيش فى دورة مياة المسجد وصليت وبكيت بكاء مريراً وشعرت بلذة التوبة وحلاوة الأوبة، وقلت للأخوين اللذين كانا معى: أنتما من الليلة فى طريق وأنا فى طريق، فرد على كل واحد منهما فقالوا: كنا سوياً على المعصية وها نحن الآن نبدأ فى التوبة لله عز وعلا.
ووالله إنه الآن لطالب علم من طلابنا لا يفارق درس الأربعاء فى المسجد التوحيد، وقد زينت سنة النبى وجهه الأزهر الأنور.
فلا تيأس أخى الحبيب ولا تقنط مهما كان الذنب ومهما كانت المعصية
عد إلى الله.
وأعلم بأنك لو قلت يا رب يا رب تب على والله سييسر لك طريق التوبة: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (69) سورة العنكبوت وقال سبحانة: { وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} (2 ، 3) سورة الطلاق.
يا شباب من توكل عليه كفاه ومن اعتصم به نجاه ومن فوض إليه الأمر هداه. فتوبوا إلى الله، واعلموا أن للتوبة شروطاً.
وهذا هو عنصرنا الرابع بإيجاز شديد:
أول شرط من شروط التوبة: الإخلاص لا تتب خوفا من السجن ولا خوفا من العقوبة ولا خوفا من ذم الناس لك إن وقعت فى فضيحة، إنما تب لله. {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} (5) سورة البينة {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} (110) سورة الكهف
ثانياً: الإقلاع عن المعاصى والذنوب.
رابعاً: العمل الصالح والمداومة عليه.
خامسأً: إن كان الذنب متعلقاً بحق عبد من العباد فتحلله: إن أخذت مالا رده وإن اغتبت أخا من إخواتك فليس بالضرورة أن تذهب إليه، لتقول له: لقد اغتبتك حتى لا توغر صدره إنما يكفيك فقط أن تتوب إلى الله وأن تذهب إلى المجلس الذى اغتبت فيه أخاك فتثنى عليه الخير، وتدعو الله عز وجل له وهذه توبة.
وأسأل الله أن نكون ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأقول قولى هذا، وأستغفر لى ولكم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهدية واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. .
أما بعد...
أيها الأحبة الكرام وأخيراً.
بقى أن نتعرف على عقبات خطيرة قد تعوق طريقنا إن أردنا التوبة إلى الله عز وجل وهذه العقبات.
أولاً: الشيطان بين التزين للعبد والتيئيس من رحمة الرب.
ثانياً: الإغترار بستر الله وحلمه وتوالى نعمه على العبد.
ثالثاً: الركون إلى الدنيا والانشغال عن الآخرة.
رابعاً: النفس الأمارة بالسوء.
خامساً: صحبة الشر والسوء
هذه عقبات ستعترض طريق التائب.
وأسأل الله العلى القدير فى هذه اللحظات الكريمة الطيبة أن يتوب الله علينا، يا تواب اللهم ارحمنا يا رحيم.
(1) رواه مسلم فى الدعاء (2702 / 42).
(1) رواه البخارى فى الدعوات (6307).
(2) رواه مسلم فى التوبة (2759 / 31).
(1) رواه مسلم فى الإيمان (179 / 293)، وأحمد (4/ 401 – 405).
(2) رواه البخارى فى التهجد (1145)، ومسلم فى صلاة المسافرين (758).
(1) رواه البخارى فى التوحيد (7405) ، ومسلم فى الذكر والدعاء (2675).
(2) رواه البخارى فى الرقاق (6502).
(1) رواه البخارى فى بدء الخلق (3209)، وفى التوحيد (7485)، ومسلم فى البر والصلة الآداب (2637/ 157)، ومالك فى الشعر (2/ 726)، رقم (15).
(2) رواه البخارى فى الدعوات (6308 ، 6309) ، ومسلم فى التوبة (2747).
(1) رواه أحمد (2/ 297)، والترمذى فى التفسير (3334)، وابن ماجة فى الزهد (4244)، والحاكم (1/5).
(2) رواه مسلم فى الإيمان (144/231).
(1) رواه البخارى فى حديث الأنبياء (3470)، ومسلم فى التوبة (2766 / 46).
(1) رواه مسلم فى الحدود (1695 / 22) ، وأحمد (5/ 347 ، 348).
(2) رواه أبو داود فى الحدود (4428).
(1) رواه مسلم فى الحدود (1695 / 22 ، 23)، وابو داود فى الحدود (4442).
(1) رواه مسلم فى الحدود (1696 / 24)/ وأبو داود فى الحدود (4440).
(2) رواه البخارى فى أحاديث الأنبياء (3478)، وفى التوحيد (7506 ، 7508)، ومسلم فى التوبة (2756 ، 757).