إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

من أساليب التربية النبوية/د.عثمان قدري مكانسي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • من أساليب التربية النبوية/د.عثمان قدري مكانسي

    من أساليب التربية النبوية
    الموعظة وضرب المثل
    الدكتور عثمان قدري مكانسي



    كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعين على توضيح مواعظه بضرب المثل مما يشهده الناس بأم أعينهم ، ويقع تحت حواسهم ، وفي متناول أيديهم ، ليكون وقع الموعظة في النفس أشد ، وفي الذهن أرسخ . ومن الأمثلة على ذلك ما رواه أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال :
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :{ مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة : ريحها طيب ، وطعمها طيب ،ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة : طعمها طيب ، ولا ريح لها ،ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة : ريحها طيب ، وطعمها مر ،ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة : طعمها مرٌّ ولا ريح لها .}البخاري (5111، 7121)، مسلم (797)
    فالناس كما قسمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أنواع ، والسامعون يرهفون السمع ، يريدون أن يتعرفوا هذه الأقسام الأربعة ليوازنوا بينها ، ويحددوا في أي صنف يكونون .
    وهذه الموازنة تجعلهم يرغبون بالتعرف على سمات كل طائفة ، ومن ثمَّ ينضمون إلى الطائفة المرجوة ، فما أبلغ الترغيب في المثل الذي ضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما أزجر التحذير من الشر !
    عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال :قدم أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما أعددت لها ؟ فقال: ما أعددت لها كثير صيام ولا صلاة ولا صدقة غير أني أحب الله ورسوله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: المرء مع من أحب ، يقول أنس رضي الله عنه: فما فرحنا بشيءٍ يومئذٍ فرحنا بقوله صلى الله عليه وسلم: المرء مع من أحب فأنا والله أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم و أبا بكر و عمر وأرجو أن أحشر معهم ، رواه البخاري (3485، 5815، 5819)، مسلم (2639)، أحمد (3/110، 168، 172، 173، 192، 198، 202، 208)
    فذهب رد رسول الله مثلاً يقال في كل موقف مشابه ، وازداد المسلمون حباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم كيما يكونوا معه في الجنة .
    وبما أن الإنسان يريد أن يكون مع الصالحين ، وقد يكون قصر عنهم في أعماله - وليس في الإسلام يأس من بلوغ الدرجات العلا – فعليه أن يحبهم ويواليهم ليكون في زمرتهم يوم يتخلى كل خليل عن خليله إلا خليلَ الإيمانِ والحبِ في الله .
    روى حذيفة بن اليمان رضي الله عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { لا يدخل الجنة قتات }البخاري (5709)، مسلم (105)
    فذهبت هذه الجملة مثلاً يذكر كلما ذكر النمام وفعله ، أو تحدث الناس في أخبار النمامين والواشين والكاذبين ، وتعوّذ الناس من مصيرهم ، واجتنبوا أن يكونوا مثلهم .
    وما أجمل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم للأقرع بن حابس الذي رأى رسول الله يقبل الحسن والحسين رضي الله عنهما ، فقال : إن لي عشرة من الولد ما قبلت أحداً منهم - : { من لا يرحم لا يُرحَم } .البخاري (5651)، مسلم (2318)
    جملة طبقت الآفاق وتداولها الناس في مجالسهم { من لا يرحم لا يُرحَم } إنها دليل الرحمة في الإسلام وطريق الوصول إلى رحمة الله بنا ، وكما تَدينُ تُدان .

  • #2
    من أساليب التربية النبوية
    الحـــوار
    بقلم د . عثمان قدري مكانسي

    قد يمر الرسول صلى الله عليه وسلم في مكان فيرى أمراً يستحق التعليق عليه ، أو يسمع كلمة فيلقي الضوء عليها ، فتكون هذه الكلمات من رسول الله صلى الله عليه وسلم عظة وعبرة تؤثر في نفوس أصحابه ، وقد يحاور أصحابه ليصل معهم إلى فكرة يثبتها في عقولهم ، أو يرشدهم بها ويهذب نفوسهم ، ويدلهم على طريق الخير الموصل إلى رضاء الله تعالى .
    من ذلك ما رواه عمر الفاروق ـ رضي الله عنه وأرضاه ـ
    قال : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بسَـبْيٍ ، فإذا امرأة من السبي (الأسرى ) قد تحلَّب ثديها إذ وجدت صبياً في السبي ، فأخذته فألزقته ببطنها فأرضعته . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار وهي تقدر على أن لا تطرحه ؟ قلنا : لا والله . قال : فالله تعالى أرحم بعباده من هذه بولدها .
    وكثيراً ما كان السبي في ذلك الوقت ، وكثيراً ما كانت النساء يفعلن ذلك بأولادهن ، فهذا أمر عادي ألفه الناس ، فهو جزء من حياتهم اليومية ، ففقدوا بهذه العادة التلذذ بمعنى الأمومة والأبوة .. فنبههم رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو المعلم العظيم - إليها فتذكروها ، ثم قادهم إلى أهم من ذلك .
    قادهم إلى حب الله إياهم ورحمته بهم ، فإذا الله تعالى بقوته وعظمته وسلطانه ـ وهو ليس بحاجة إليهم ـ يحبهم هذا الحب الكبير ، أفلا يستحق ـ سبحانه ـ أن يبادلوه حباً بحب ؟ ! هم عبيده يحتاجونه في كل لمحة وحركة ، في كل طرفة عين ونَفَسٍ ، نواصيهم بيده ، ماض فيهم حكمه ، أفلا يتوجب عليهم أن يخلصوا في عبادته والإنابة إليه ، والعمل بما يرضيه ؟!..
    إنها لفتة عظيمة من المعلم العظيم صلى الله عليه وسلم .
    وهذا أحد أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أبو حكيم ـ فيما يروي البخاري : يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحاوره قائلاً : يا رسول الله من أبرُّ ؟ ( يريد أن يكون من أهل الله الذين يبغون ثوابه ويخافون عقابه ) . قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أمك ( كلمة واحدة تعبر عن إرضاء الأم الكريمة ذات الفضل العظيم الذي لا يدانيه فضل ، فالجنة تحت أقدامها ) .
    قال : قلت : من أبرُّ ؟ ( أي من أبرّ بعدها يا رسول الله ؟) قال صلى الله عليه وسلم : أمك ( إذن ففضلها كبير يا رسول الله ، لا يدانيه فضل مهما علا وسما ) .
    قلت : من أبرُّ ؟ ( من في المرتبة الثالثة بعد الأولى والثانية المخصصتين للأم حفظها الله ورعاها ؟)\قال صلى الله عليه وسلم : أمك ( الله أكبر ، إنها كلمة كررها رسول الله تنبئ عن فضل الأم ، فهي نبع الحنان ونهر الرحمة وسحائب الغفران ، إرضاؤها خطير وإكرامها واجب كبير ) .
    قلت : من أبرُّ ؟ ( أهناك من أبره بعدها يارسول الله ؟ ، هي في المقام الأول والثاني والثالث ، هي باب الجنة ومفتاح الخيرات . )
    قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أباك . ( فهو المربي والأسوة الحسنة لأولاده ، يشقى لأجلهم ويتعب لراحتهم ، رضاه من رضى الرب ، وسخطه من سخط الرب إكرامه واجب وحبه لازب ، أدخلهما الله جميعاً جنته في الفردوس الأعلى ) .
    ثم الأقرب فالأقرب إنه الدين العظيم الذي يدعو : إلى الإحسان والبر ، وإلى التوقير والاعتراف بالفضل ، والذي يدعو إلى صلة الأرحام ، وبناء مجتمع المحبة والوئام .) .
    والحوار الذي يقوم على طرح الأسئلة من الرسول صلى الله عليه وسلم على أصحابه ، أو من الصحابة على رسول الله صلى الله عليه وسلم يثير الانتباه ، ويحرك الذكاء ويقدح الفطنة ، فتراهم يرتوون من حكمته ـ صلى الله عليه وسلم ـ في قالب من الاقتناع والحوار الهادف .
    تعال معي لترى مصداق ما قلناه :
    عن النعمان بن بشير ـ رضي الله عنهما ـ أن أباه أتى رسول الله ـ صلى اله عليه وسلم ـ فقال :
    إني نحلت ( أعطيت ) ابني هذا غلاماً كان لي .
    قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أكلَّ ولدك نحلته مثل هذا ؟
    قال : لا .
    قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : فأرجعه . وفي رواية : ( اتقوا الله واعدلوا في أولادكم ) . وفي رواية : ( فلا تشهدني إذن ، فإني لا أشهد على جور أبداً ) ، وفي رواية ثالثة : ( فأشهد على هذا غيري ) .
    ثم قال : أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء ؟
    قال : نعم . قال : فلا إذن { متفق عليه ، وهو في رياض الصالحين الحديث / 341 / .
    حوار هادف وضح فيه النبي صلى الله عليه وسلم أن العدل بين الأبناء مطلوب ، وأن البر بهم يؤدي إلى برهم بوالديهم ، وأنه كما تدين تدان . كما وضّح الحديث أن على الإنسان ألا يشهد بغير الحق والعدل ، وأن عليه تبصير الناس بأمور دينهم ، وأن يكون الداعية عوناً لإخوانه على إرضاء الله عز وجل .

    ومن الحوار الذي أثرى فيه الحديث عن فضيلة الصدقة والحث عليها ، ما رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله ؟
    قالوا : يا رسول الله ، ما منا أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه .
    فقال صلى الله عليه وسلم : اعلموا أنه ليس منكم أحد إلا مال وارثه أحب إليه من ماله ، مالك ما أنفقت ومال وارثك ما أخرت .
    محاورة وضعت النقاط على الحروف بأسلوب مقنع واضح لا تعقيب عليه .

    ومن الأحاديث التي بينت صغار الدنيا وهوانها على الله تعالى : ما رواه جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مر بالسوق ... فمر بجدي أسكَّ ( الأسك : مصلوم الأذنين ومقطوعهما ) ميت ، فتناوله بأذنه ثم قال : أيكم يحب أن هذا له بدرهم ؟
    قالوا : ما نحب أنه لنا بشيء . ( أو ما نصنع به ؟ )
    قال : أتحبونه أنه لكم ؟
    قالوا : والله لو كان حياً كان هذا السك عيباً فيه ، فكيف وهو ميت ؟!
    قال : فوالله ؛ للدنيا أهون على الله من هذا عليكم .

    أسلوب حواري عملي ، يرى رسول الله جدياً ميتاً ، مقطوع الأذنين ، تزكم رائحته الأنوف ، يمسكه من إحدى أذنيه ويعرضه على أصحابه ، أن يشتروه بدرهم ، فيأبوا ذلك ، وماذا يفعلون بجيفة قذرة ؟ ولو كان حياً وهو مقطوع الأذنين ما رغبوا فيه فكيف وهو ميت ؟!

    وحين يصلون إلى هذا القرار يعظهم الرسول صلى الله عليه وسلم ، لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء


    يتبع



    المصدر

    واتا الجمعيه الدوليه للمترجمين واللغويين العرب


    تعليق


    • #3
      من أساليب التربية النبوية
      ذكر الصالحين
      الدكتور عثمان قدري مكانسي


      إن الأذن لتسرع إلى سماع أخبار الصالحين وإن النفس لترغب أن تعرف أحوالهم وما يخصهم . فهم القدوة والمثل ، والراغب في الكمال يتأساهم ويتحسس خطاهم ، وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعاهد أصحابه كل حين بأخبار الصالحين الأولين .
      فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال موسى عليه السلام يا رب ، علمني شيئاً أذكرك وأدعوك به .
      قال رب العزة جلَّ وعلا : قل يا موسى : { لا إله إلا الله } .
      قال : يا ربِّ ، كل عبادك يقولون هذا ؟ .
      قال : يا موسى ، لو أن السموات السبع وعامرَهنَّ - غيري – والأرضين في كفة ، ولا إله إلا الله } في كفة ، لمالت بهن { لا إله إلا الله } .
      فالسامع يسمع اسم سيدنا موسى – عليه السلام – وهو من الأنبياء أولي القوة ... والنفس المؤمنة تميل إليه وتحبه { وألقيت عليك محبة مني } ثم يسمع ما سأل ربَّه ، فيعلم أن هناك فائدة يفيد منها ، فـَلـْنـَعِ ما يقوله الله تعالى له ، ولنسِرْ على خطاه ، فمن استهدى المهديين اهتدى .
      وهكذا يكون الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – بذكر حوارموسى – عليه السلام – مع ربه – قد غرس فينا حب { لا إله إلا الله } ، وعرَّفنا مكانتها ، وحثنا على الإيمان بها .
      وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : بينا أيوب عليه السلام يغتسل عُرياناً ، فخرَّ عليه جراد من ذهب ، فجعل أيوب يحثي في ثوبه ، فناداه ربه عزَّ وجلَّ : يا أيوب ، ألم أكن أغنيتك عما ترى ؟
      قال : بلى ، - وعزتك – ولكن لا غنى لي عن بركتك .
      فهذا النبي أيوب عليه السلام له في نفوس المسلمين حب وهوى لما عرف عنه من صبره على الابتلاء ـ والصبر من سمات الصالحين - والرسول صلى الله عليه وسلم يريد أن يرينا أن المال الصالح للعبد الصالح بركة ويمن ، وأن النفس البشرية تهوى المال { وتحبون المال حباً جما } ، وأن الله تعالى يختبر حتى الأنبياء ، وأن المال يشغل حتى كرام الناس .
      فهذا أيوب عليه السلام ينسى أنه عريان فيشتغل بجمع الذهب ويحرص عليه ، والإنسان لا يعدم سبباً يعلل به حبه للمال ( ... ولكن لا غنى لي عن بركتك ..)
      كما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : بُعِثَ موسى وهو راعي غنم ، وبعث داود وهو راعي غنم ، وبعثت أنا وأنا أرعى غنماً لأهلي بأجياد .
      وهل هناك أفضل من موسى وداود والأنبياء ، وعلى رأسهم رسول الله صلوات الله عليهم جميعاً ؟ ! .
      ماذا كان عملهم ؟ لم كونوا تجاراً ولا ومهندسين أو أطباء أو مقاولين ، ولم يكونوا يسكنون القصور والبيوت الفخمة ، كانوا فقراء يرعون الغنم للناس ، فرعوا الأمم بعد ذلك .
      والإنسان كما يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث : يشرُف ُ بعمله لا بنسبه ، وبإيمانه لا بحسبه ، وبروحه لا بماله ، وبعقله لا بطينه ، فعلى الإنسان أن يعمل ولا يحقرن شيئاً من عمله .
      فآدم عليه السلام كان مزارعاً ، ونوح عليه السلام كان نجاراً ، وموسى عليه السلام كان راعياً ، وما من نبي إلا رعى الغنم ، وعلى الإنسان أن يأكل من عمل يده
      ( ما أكل امرؤ طعاماً قطُّ خيراً من عمل يده ) ، وعلى الإنسان أن يبحث عن اللقمة الحلال من العمل الحلال ، ففيها الأمن والأمان والصحة والعافية ، ورضى الرحمن .
      إن ذكر الصالحين مدعاة للاقتداء بهم والسير على منوالهم .. اللهم اجعلنا من عبادك الصالحين يا رب العالمين .

      تعليق


      • #4
        من أساليب التربية النبوية
        أسلوب القص
        الدكتور عثمان قدري مكانسي


        إن للقصة تأثيراً كبيراً في نفس متلقيِها لما فيها من تدرج في سرد الأخبار ، وتشويق في العرض وطرح للأفكار ، ممزوجة بعاطفة إنسانية . وهي تعتمد على الحوار والنقاش الداخلي أحياناً والخارجي أحايين أخرى ، وتصدر مقترنة بالزمان والمكان اللذين يغلفان الأحداث بإطار يمنع الذهن من التشتت وراء الأحداث ، وتتدرج من موقف إلى آخر ، تجذب السامع إلى التفاعل والمتابعة بأحاسيسه وأفكاره ومشاعره ، ويندمج فيما يسمع ، فتصل به إلى نقطة التأزم ، ثم تنحل شيئاً فشيئاً . وتكون نقطة التنوير في الأحداث الضوء الذي ينقذ الموقف القصصي وينقله إلى حالة الهدوء والانتظام . . أو اتخاذ الموقف الإنساني . . نتيجة للتفاعل الفكري والنفسي مع الأحداث .
        والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ استخدم الأسلوب القصصي لأنه رآه من أبلغ الطرق المؤدية إلى توثيق الفكرة وإصابة الهدف .
        بعض القصص التي جاءت في أحاديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كانت تامة العناصر من مقدمة وشخصيات ، وأحداث زمانية ومكانية ، وعقدة تصل بالقارئ والسامع إلى نقطة التأزم ، ثم حل في آخر المقام .
        وسنرى ـ إن شاء الله ـ مما نستشهد قصصاً محبوكة التركيب ، متماسكة الأحداث ، تدحض ما يدعيه أصحاب التغريب من أن القصة لم تبلغ شأوها إلا في هذا العصر ، حين اتصل أدباؤنا القاصون بالغرب فتعلموا منه !!!.
        وبعض القصص تتجاوز بعض عناصر القصة وتركز على بعضها الآخر ، لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يكن يريد من القصةِ القصة َ نفسها ، إنما أراد الهدف منها . . فإذا وصل إلى ما يبتغيه من الهدف التعليمي اختصر في بعض عناصرها . . . ومن أوضح الأمثلة على القصص التامة العناصر : ما رواه صهيب الرومي ـ رضي الله عنه ـ عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال :

        قصة الغلام والساحر :

        ( كان ملكٌ فيمن كان قبلكم ، وكان له ساحر ، فلما كبر قال للملك : إني قد كبرت فابعث لي غلاماً أعلمه السحر ، فبعث إليه غلاماً يعلمه . . وكان في طريقه ـ إذا سلك ـ راهبٌ ، فقعد إليه وسمع كلامه ، فأعجبه ، وكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه ، فإذا أتى الساحر ضربه ، فشكا ذلك إلى الراهب ، فقال ( الراهب ) :
        إذا خشيت الساحر فقل حبسني أهلي ، وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر .
        فبينما هو على ذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس ( منعتهم من تجاوز الطريق ) فقال : اليوم أعلم : آلساحرُ أفضل أم الراهبُ أفضل ؟ فأخذ حجراً فقال : اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس .
        فرماها فقتلها ومضى الناس . وأتى الراهبَ فأخبره ، فقال له الراهب : أي بني ، أنت اليوم أفضل مني ، قد بلغ من أمرك ما أرى ، وإنك ستبتلى ، فإن ابتليت فلا تدل علي . وكان الغلام يبرئ الأكمه (1) والأبرص – بإذن الله - ويداوي الناس من سائر الأدواء ، فسمع به جليسٌ للملك ـ كان قد عمي ـ فأتاه بهدايا كثيرة ، فقال ( جليس الملك ) : ما ههنا لك أجمع إن أنت شفيتني .
        فقال ( الغلام ) : إني لا أشفي أحداً ، إنما يشفي الله تعالى ، فإن آمنت بالله تعالى دعوت الله فشفاك . فآمن بالله تعالى(2) ، فأتى الملكَ فجلس إليه كما كان يجلس .
        فقال له الملك : من رد عليك بصرك ؟؟!! .
        قال : ربي .
        قال : ولك رب غيري ؟!! .
        قال : ربي وربك الله .
        فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام ، فجيء بالغلام فقال له الملك : أي بني : قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص ، وتفعل وتفعل ؟
        فقال : إني لا أشفي أحداً ، إنما يشفي الله تعالى ، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب . فجيء بالراهب فقيل له : ارجع عن دينك ، فأبى ، فدعا بالمنشار ، فوضع المنشار في مفرق رأسه ، فشقه حتى وقع شقاه .
        ثم جيء بجليس الملك فقيل له : ارجع عن دينك ، فأبى ، فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه .
        ثم جيء بالغلام فقيل له : ارجع عن دينك فأبى ، فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال : اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا ، فاصعدوا به الجبل فإذا بلغتم ذروته ( فراودوه عن دينه ) فإن رجع عن دينه ( فعودوا به ) وإلا فاطرحوه .
        فذهبوا به فصعدوا به الجبل . فقال : (( اللهم اكفنيهم بما شئت )) ، فرجف بهم الجبل فسقطوا ، وجاء يمشي إلى الملك ( متحدياً ) ، فقال له الملك : ما فُعِل بأصحابك ؟ فقال : كفانيهم الله تعالى .
        فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال : اذهبوا به فاحملوه في قرقور(3) وتوسطوا به البحر ، فإن رجع عن دينه ( فعودوا به ) وإلا فاقذفوه . فذهبوا به ، فقال (( اللهم اكفنيهم بما شئت )) ، فانكفأت بهم السفينة فغرقوا ، وجاء يمشي إلى الملك ( متحدياً ) ، فقال له الملك : ما فُعِل بأصحابك ؟ فقال : كفانيهم الله تعالى .
        فقال ( الغلام ) للملك : إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به ( أطلبه منك ) ، قال ( الملك ) : ما هو ؟ قال : تجمع الناس في صعيد واحد(4) ، وتصلبني على جذع ، ثم خذ سهماً من كنانتي(5) ، ثم ضع السهم في كبد القوس ، ثم قل : باسم الله رب الغلام ، ثم ارمني ، فإنك إن فعلت ذلك قتلتني .
        فجمع الملك الناس في صعيد واحدٍ ، وصلبه على جذع ، ثم أخذ سهماً من كنانته ، ثم وضع السهم في كبد القوس ، ثم قال : باسم الله رب الغلام ، ثم رماه فوقع السهم في صدغه (6) ، فوضع ( الغلام ) يده في صدغه فمات . فقال الناس : آمنا برب الغلام .
        فأتي الملك ، فقيل له : أرأيت ما كنت تحذر ؟ قد والله نزل بك حذرك ، قد آمن الناس . فأمر بالأخدود(7) بأفواه السكك فخٌدّت(8) وأضرم فيها النيران .
        وقال من لم يرجع عن دينه فأقحموه(9) فيها . أو قيل له : اقتحم (10) ، ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها ( رضيعٌ لا يتكلم ) ، فتقاعست أن تقع فيها ، فقال لها الغلام ( أنطقه الله تعالى ) (11) : يا أماه اصبري ، فإنك على الحق(12) .
        وهكذا فالقصة إن حبكت بأسلوب سهل مسلسل الأفكار ـ وهذا أسلوب الرسول صلى الله عليه وسلم ـ أسرت القلوب وحبست الأنفاس وفتحت العقول ، وامتزجت بأرواح القارئين والمدعوين ، فوجدت فيها مكاناً تربعت عليه وآتت أكلها .
        فالقصة الهادفة تفتح آذاناً صمّاً ، وقلوباً ران عليها الجهل ، وعقولاً تلبدت ، إن كان صاحبها صادقاً في دعوته ، قادراً على التعبير عنها ، وكان المدعوُّ فيمن رحمه الله تعالى .
        ومن القصة الهادفة المكتملة العناصر :

        قصة جريج :

        روى هذه القصة أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ إذ سمعها من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين قال : (( ما تكلم مولود من الناس في مهدٍ إلا عيسى بن مريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصاحب جريج )) فلما أنصت المسلمون إلى مقالة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأرهفوا السمع ، وحبسوا الأنفاس ينتظرون رسول الله أن يبدأ قصته هذه ، قال : فإن جريجاً كان رجلاً راهباً في صومعة له يعبد الله ، ويتبتل إليه ، انقطع عن الدنيا وأخلص وقته ونفسه لله تعالى ، وكانت صومعته على صخرةٍ عاليةٍ في الجبل ، وتحتها كهفٌ يأوي إليه أحد رعاة البقر فيقيل أو يمسي .
        ولم يكن الراعي تقياً إنما كان يزني بمومس تأتيه في هذا الكهف ، ولم يكن جريج الراهب يدري بما يفعل أسفل صومعته ، فقليلاً ما كان يخرج منها .
        جاءت أم جريج مرةً وهو يصلي فدعته ، وكان عليه أن يجيب دعاءها ، قال في نفسه : أيهما أفضل يا ترى ؟ الاستمرار في الصلاة والوقوف بين يدي الله تعالى ، أم قطع الصلاة وإجابة دعاء الأم ؟!!.
        لم يكن يدري ما يفعل ، إلا أنه آثر الصلاة رغبة في إتمام الثواب ، وسوف يفرغ لأمه ويبرها . . نعم لن يضيع الصلاة ، وإرضاء الوالدة بعد ذلك أمر يسير وهو بذلك ينال أجرين . . هكذا فكَّرَ جريج .
        وعادت الأم تنادي : يا جريج رد علي يا بني . . أنا أمك أناديك فهلم إلي . . إجابتي خير لك في الدنيا والآخرة .
        لم يكن جريج يعلم أن ترك صلاة السنة والمبادرة إلى إجابة الوالدة من أفضل القربات عند الله ، فعزم أن يستمر في الصلاة . . ولا شك أن الله تعالى يعرف أنه يحب والدته ويود برها لكنه في الصلاة ، والصلاة وقوف بين يدي الله تعالى ، وهل هناك أفضل من هذه العبادة ؟! .
        إنه ليس عاقاً وسيجيب والدته حين يفرغ من صلاته . . هكذا اجتهد للمرة الثانية ، وحين نادته للمرة الثالثة وآثر الاستمرار في الصلاة وأبطأ عليها فلم يجبها ، قالت حزينة دامعة العينين متأثرة بصده ـ المؤقت لها ـ وفي سورة غضبها : لا أماتك الله يا جريج حتى تنظر في وجه المومسات .
        وجه المومس ليس فيه طهر ولا نقاء ! ، دنس الزنا يذهب رواءه ويطفئ نوره ويترك عليه مسحة من سواد تنفر منه النفوس الصافية والقلوب المؤمنة ، وتستعيذ منه الأرواح الشفافة والأفئدة الطاهرة !! . وأين يرى المومسات وهو لا يدري بما يجري حوله ؟ إنه لا يخرج من صومعته إلا لماماً ، ولا يزوره إلا أشراف الناس ممن يلتمسون بركته ويسألونه الدعاء لهم .
        لم تكن الأم ترغب أن يصيب ولدَها مكروهٌ ، ولكن سبق السيف العذل ، وسبق لسانُها إلى الدعاء ، وكأن دعاءها قد وجد أذناً من الله سميعة . انصرفت الأم بعد أن دعت . . ونسيت ، ولكن الله لا ينسى ، ولم يكن لينسى ، فلا بد أن يعاقب العاق جزاءً وفاقاً ولكن كيف ؟! .
        إن المومس حين زنا بها الراعي ولدت صبياً أبوه مجهول ، فمن هو يا ترى ؟. لم تذكر المرأة اسم الراعي لأنها تحبه ولا ترضى له العقاب ، إنها تريد إبعاد التهمة عنه ، فمن البديلُ يا ترى ؟ فكرت في الأمر ، وأمام ضغط الملك والتلويح بالعقوبة رمت جريجاً قائلة إنه الزاني . .
        وأبلس القوم . . جريج يفعل هذا ؟ أمن المعقول أن يكون ظاهره غير باطنه ؟! وهل يمكن لهذا الرجل الصالح أن يقع في الزنا ؟. وتهامس القوم غير مصدقين , وقال الملك مستغرباً أصاحبُ الصومعة ؟ قالت : نعم ، ألم يرني أحدكم تلك الأيام أختلف إلى الصومعة ؟ . لا شك أن أحدهم رآها تقصد الصومعة في أوقات مختلفة . . لا بل تقصد تحت الصومعة .
        وثار الناس وتصايحوا . . وغضب الملك وازداد غضبه ، لماذا ؟ لأنه فوجئ بمن يزني وهو متزي بزي أعلام الصالحين . فأمر أتباعه بهدم الصومعة وجر جريج مهيناً إلى مجلس الملك ، ففعلوا ، ربطوا يديه بحبل إلى عنقه كما يفعل بالمجرمين . ومر في طريقه على المومسات فرآهن يبتسمن وهن ينظرن إليه في الناس . . وصدقت دعوة أمه فيه . . فقد رأى المومسات يشمتن به ويهزأن منه وكأنهن يقلن في أنفسهن : تدّعي الصلاح وترتكب الموبقات ! فنحن إذن أكثر طهراً منك سرُّنا كعلانيتنا . قال في نفسه : حسبي الله ونعم الوكيل ، اللهم أنقذني مما أنا فيه يا الله ، وأعِنّي على بر أمي .
        قال الملك : أعرفت ما تزعم هذه المرأة ؟
        قال : وماذا تزعم ؟
        قال الملك : تزعم أن ولدها منك .
        قال جريج : أنت تزعمين ذلك ؟
        قالت : نعم . يا ويلها إنها تصر على الكذب ، وتود في سبيل إنقاذ الراعي أن ترمي به في المهالك .
        قال جريج : أين هذا الصغير ؟
        قالوا : هو ذا في حجرها .
        لكن الله تعالى بعد أن أخذ بحق أمه لم ينس له عبادته إياه ، والله يعلم حب جريج أمه .. وأنه اجتهد فأخطأ ، ولعل في هذا درساً له وعبرة أيما عبرة ، فأراد إنقاذه ورفع منزلته ، فليس الظلم من صفاته ـ جلّ وعلا ـ .
        أقبل جريج حتى وقف على الطفل وسأله على مسمع من الملك وأركان ملكه واثقاً من نصر الله له ورحمته به : من أبوك ؟
        وهنا كانت المفاجأة التي وجفت لها القلوب وتسمّرت لها الأقدام ، لقد أنطق الله تعالى الطفل ابن الأيام فقال :
        إنه الراعي . . . راعي البقر . . الذي استغل ذلك المكان الطاهر في آثامه ونزواته وخلا بأمه ، فكان هذا الطفل ثمرة الزنا .
        وانقلب الأسير حراً . . والمهين عزيزاً .
        أسف الملك لسوء ظنه بالراهب الطاهر ، وندم على إهانته إياه ورغب ـ معبراً عن ندمه هذا ـ أن يعيد بناء الصومعة من ذهب !! . . . إن بريق الذهب يذهب بريق القلوب . .
        قال : لا ، لا أريدها من ذهب .
        قال الملك : من فضة إذن . .
        قال : لا ، إن لمعان الفضة يحجب لمعان الحقيقة عن القلوب .
        قال الملك : مم نجعلها إذن ؟.
        قال جريج : ردوها كما كانت ، فهذا أدعى إلى السكينة والصفاء .
        إن بهرجة الدنيا تشغل القلوب وتثقل الأرواح وتقيد النفوس . ثم تبسم جريج . . وعجب الحاضرون إذ تبسم ، لا بد أن هناك أمراً يستدعي الابتسام . . نعم لقد أدرك الراهب جريج أن الذي أدى إلى هذا الموقف العصيب الذي كاد يعصف به لولا أن تداركته رحمة الله ، إنما هو دعوة الأم أن يرى وجوه المومسات ، ولم يكن له بد من أن يراها ، فدعوة الأم أحق أن تجاب(13).

        قصة الأبرص والأقرع والأعمى :

        ومن القصص النبوية التي ركزت على الحوار أكثر من بقية العناصر الأخرى للقصة ، ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنه سمع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : (( إن ثلاثة من بني إسرائيل ( أبرص وأقرع وأعمى ) أراد الله أن يبتليهم ( يختبرهم ) فبعث إليهم ملكاً فأتى الأبرص :
        الملك : أي شيء أحب إليك ؟
        الأبرص : لون حسن ، وجلد حسن ، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس ( عليه ) .
        فمسحه ، فذهب عنه قذره ، وأعطي لوناً حسناً .
        الملك : فأي المال أحب إليك ؟
        الأبرص : الإبل ، فأعطي ناقة عُشراء ( حاملاً ) .
        الملك : بارك الله لك فيها .
        ثم أتى الأقرع وقال له :
        الملك : اي شيء أحب إليك ؟
        الأقرع : شعر حسن ، ويذهب عني الذي قذرني الناس ، فمسحه فذهب عنه ، وأعطي شعراً حسناً .
        الملك فأي المال أحب إليك ؟
        الأقرع : البقر ،
        فأعطي بقرةً حاملاً .
        الملك : بارك الله لك فيها .
        ثم أتى الأعمى وقال له :
        الملك : أي شيء أحب إليك ؟
        الأعمى : أن يرد الله بصري فأبصر الناسَ . فرد إليه بصره .
        الملك : فأي المال أحب إليك ؟
        الأعمى : الغنم ،
        فأعطي شاةً والداً ( حاملاً )
        فأنتج هذان ، وولد هذا . فكان لهذا وادٍ من الإبل ، ولهذا وادٍ من البقر ، ولهذا وادٍ من الغنم .
        ثم إن الملك أتى الأبرص في صورته وهيئته ( الأولى ) :
        الملك : رجلٌ مسكينٌ قد انقطعت بي الحبال في سفري ، فلا بلاغ لي اليوم ( أي لا معونة من مال ) إلا بالله ثم بك ، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال ، بعيراً أتبلغ به في سفري .
        الأبرص : الحقوق كثيرة !! ( أي ما عندي ما أعطيكه ) .
        الملك : كأني أعرفك !! ألم تكن أبرص يقذرك الناس ، فقيراً فأعطاك الله ؟
        الأبرص : إنما ورثت هذا المال كابراً عن كابر ( أباً عن جد ) ( فهو ينكر ما كان عليه ) .
        الملك : إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ماكنت . . وهكذا عاد الأبرص أبرص يقذره الناس ، فقيراً .
        وأتى الأقرع في صورته وهيئته ( الأولى ) :
        الملك : رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري ، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك . أسألك بالذي أعطاك الشعر الحسن ، والمنظر الحسن والمال ، بقرة أتبلغ فيها في سفري .
        الأقرع : الحقوق كثيرة !! ( قالها يصرفه دون أن يعطيه )
        الملك : كأني أعرفك . . ألم تكن أقرع يقذرك الناس ، فقيراً فأعطاك الله ؟
        الأقرع : إنما ورثت هذا المال كابراً عن كابر !!.
        الملك : إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت . .
        وهكذا عاد الأقرع أقرع يقذره الناس ، فقيراً .
        وأتى الأعمى في صورته وهيئته ( الأولى ) :
        الملك : رجل مسكين انقطعت بي الحبال في سفري ، فلا بلاغ لي اليوم إلى بالله ثم بك . أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري .
        الأعمى : قد كنت أعمى ، فرد الله لي بصري ، فخذ ما شئت ، ودع ما شئت ، فوالله لا أجهدك ( لا أعارضك ) بشيءٍ أخذته لله عز وجل .
        الملك : أمسك مالك ( لا أريده ) ، فإنما ابتليتم ( اختبرتم ) ، فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك . (14)
        ولقد كانت القصة في أحاديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفيرة لأنها من أقرب الطرق السهلة القريبة إلى الإنسان وإلى قلبه وإلى فكره .
        ولقد يسّر الله تعالى لي من الوقت ما أجمعت فيه الكثير من قصص النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب سمّيته 0 قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم فالقصص نبعٌ ثر لقصص هادفة أسطرها لإخواننا وأبنائنا تنير لنا الطريق وتدلنا على الخير .
        والله الموفق والهادي . .

        تعليق


        • #5


          التصوير الحسي

          الدكتور عثمان قدري مكانسي




          الإنسان روح وفكر وقلب ، والإنسان ـ كذلك ـ عين وسمع وذوق ولمس وشم . .
          فهو معنوي ومادي بآن واحد ، وإذا عجز أحياناً عن الوصول إلى الفكرة الشفافة ذهناً وصل إليها مادة وحساً . . فهو أولاً وآخراً مخلوقٌ من صلصالٍ من حمأٍ مسنون ، من طين لازب .
          وقد تعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أستاذ المربين مع أصحابه على هذا الأساس ، فقرب إليهم الفكرة والإيمانَ بها بعد العقل والتدبير ، رؤية ولمساً ، فحرك المشاعر واستجاش الخواطر ، ووطد أركان الإيمان ودعائم الإسلام في نفوسهم . . فكانوا ـ كنبيّهم ـ قرآناً يمشون على الأرض .
          عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
          ( يؤتى بأنعم أهل الدنيا يوم القيامة من أهل النار ، فيصبغ في النار صبغة ، ثم يقال : يا ابن آدم : هل رأيت خيراً قط ؟ هل مر بك نعيم قط ؟ فيقول : لا والله يا رب . ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة ، فيُصبَغ صبغة في الجنة ، فيقال له : هل رأيت بؤساً قط ؟! فيقول : لا والله يا رب ، ما مر بي بؤس ولا رأيت شدة قط )(1) .
          إنها صورة ترتجف لها القلوب وتزهق لها الأرواح . . تقرب إلى الفهم صورة الكافر في النار ـ نعوذ بالله منها ـ فتنخلع الأفئدة ، وتطيش العقول .
          ما هذه الصبغة التي تنسي نعيم الدنيا وفتونها ..؟!
          ما هذه الغطة الرهيبة التي تغطي على بهارج الحياة الدنيا وغرورها ؟!
          لمثل هذا فليحذر الحاذرون ، وليرْعَوِ الغافلون .
          بل ما هذه الصبغة التي تُنسي بنعيمها من شقي في الدنيا سنوات وسنوات ؟!
          ما هذه الحياة الرضية التي تنسي مآسي الدنيا الدنية ، فيقسم الإنسان ـ وهو صادق ـ أنه لم يعرف البؤس قط ؟!.
          ما أجمل الجنة إذ يرى فيها المؤمن ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ! ...
          لهذا فليعمل العملون وليتسابق المتسابقون ، نسأل الله أن نكون منهم .
          وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
          ( صنفان من أمتي لم أرهما(2) : قوم معهم سياط من نار كأذناب البقر ، يضربون بها الناس .ونساء كاسيات عاريات ، مائلات مميلات ، رؤوسهن كأسنمة البُخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا)(3)
          إنهما فئتان ممن يدَّعون الإسلام وليسوا بمسلمين :
          من يا رسول الله ؟
          إنهم الظَّلَمةُ الذين يعذبون الناس ويخيفونهم ، ويُلهبون وجوههم وأجسادهم بسياط تلسع كالنار ، وزبانيتُهم الذين قرنوا أنفسهم بهم ، يَصدرون عن أوامرهم وينفذون تعليماتهم ، لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة ، يسلبونهم ، يهينونهم ، يقهرونهم . . ليسوا منا ولسنا منهم . . لا يدخلون الجنة ، بل لا يدنون منها ، بل هم بعيدون لا يشمون رائحتها ، وإن رائحتها لتصل إلى الناس عن بعد بعيد ، ومسافة كبيرة . .
          وإنهن النساء اللواتي خلعن برقع الحياء ، وأمَطنَ حجاب الطهر والعفاف ، يلبسن وهنّ في الحقيقة لا يسترن أجسادهن .
          يرتدين الثياب الرقيقة ، فلا تحجب عن العيون النهمة والذئاب الجائعة شيئاً .
          ويرتدين الثياب القصيرة ، فلا ترد عن السوق والأفخاد وقاحة الغربان الجائعة . ويرتدين الثياب الفاضحة ، عارضات الشعر والأعناق والصدور والنهود لكل من يرغب ، فلا يتمنّعن عن لمس الفاسقين وإجابة الفاجرين ، يتزيَّن للزنا ويتهيأن للخنا .
          هؤلاء وهؤلاء لم يرَهُم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين عرضت عليه النار فرأى أهوالها ، إنما يأتون في أخَرة من الحياة . . وها نحن الآن نراهم بيننا ، وما أكثرهم ! ظلمٌ وإرهاب وقهر وإيذاء للمسلمين وللذين بدينهم يتمسكون ، هؤلاء هم الصنف الأول .
          وفسق ودعارة ، ودعوة إلى الفساد وترويجٌ للفجور على صفحات المجلات والجرائد ، وفي وسائل الإعلام ، المسموعة ، والمرئية ، في الشوارع والطرقات . . بلاء . . بلاء . . وهؤلاء هن من الصنف الثاني .
          فليحذر الحاذرون وليعُد إلى دينهم المسلمون .
          إنه تصوير واضح لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .
          وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال : ( عُرضت علي الأمم ، فرأيت النبي ومعه الرُهيط(4) ، والنبي ومعه الرجل والرجلان ، والنبي ليس معه أحد ، إذ رُفع لي سوادٌ عظيم ، فظننت أنهم أمتي ، فقيل لي : هذا موسى وقومه . ولكن انظر إلى الأفق ، فنظرت ، فإذا سواد عظيم ، فقيل لي : هذه أمتك ، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ) .
          ثم نهض فدخل منزله صلى الله عليه وسلم فخاض الناس في أولئك(5) ،
          فقال بعضهم : فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
          وقال بعضهم : فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام ، فلم يشركوا بالله ،
          وذكروا أشياء . . فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ( ما الذي تخوضون فيه ؟).
          فأخبروه فقال : هم الذين لا يَرْقون ولا يستَرْقون(6) ، ولا يتطيرون(7) وعلى ربهم يتوكلون . فقام عُكـّاشة بن مِحصَن فقال : ادع الله أن يجعلني منهم .
          فقال : ( أنت منهم ) .
          ثم قام رجل آخر فقال : ادعُ الله أن يجعلني منهم .
          قال : ( سبقك بها عكاشة(8) ) .
          الحديث كله صورة شعرية امتدت زمناً استغرق جلوس رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم بين أصحابه ، يعرض عليهم صورة حية ، تشترك فيها الحواس البصرية والسمعية ، وتتحرك آلة التصوير فيها نحو الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ فهذا وحده ، وهذا معه رجل ورجلان ، وهذا معه عدة رجال ، وهذا عدد المؤمنين به وافر . .
          وفجأة يظهر جمع عظيم يظنه الرسول صلى الله عليه وسلم جمع المسلمين ، فيقول له مرافقه من الملائكة : هذا موسى والمؤمنون به ، وهم كثر ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتقد أن المسلمين أكثر ، وهذا صحيح فقد ظهر جمع المسلمين يسد الأفق ، ويتقدم نحو منصة سيد الأنبياء ، فيشعر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسعادة تغمره ، فأتباعه كثيرون ، وكثرتهم زيادة في فضله ، فهو هاديهم وبسببه أسلموا وعرفوا ربهم .
          والمسلمون ينظرون بعيون بصائرهم إلى اللوحة التصويرية التي عرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتفاعلون ويتحمسون ، ويرجون أن يكونوا من الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب .
          ويدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته ، ويظل بعض المسلمين في المسجد يتحاورون ويعللون ، يريدون أن يعرفوا فضل هؤلاء والسبب الذي جعلهم يفوزون بالجنة بغير حساب ، ليسيروا على نهجهم ، ويتخلقوا بأخلاقهم ، فيفوزوا بالجنة مثلهم .
          إن هذا التصوير البديع الذي عرضه رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم أوْصلَ العظة التي أرادها الرسول الكريم أن تمتزج بالنسائم التي يستنشقونها ، وتختلط بدمائهم ، وأنفاسهم ، ونجح رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك . فهذا عكاشة بن محصن يسأل رسول الله أن يكون واحداً منهم ، فكافأه رسول الله على نباهته ومبادرته وبشره أنه واحد منهم ، ويسأله آخر أن يكون منهم . . فينبهه المعلم العظيم أنه ضيع على نفسه الفرصة حين تأخر عن عكاشة ، وأنه كان عليه أن يسبقه ، فالنجاح حليف المتنبهين اليقظين الذين يغتنمون الفرص فلا يُفَوتوّنها ، وهكذا نجح رسول الله مرة أخرى في إثارة الحوافز والدفع إلى التنافس ، صلى الله عليه وسلم .
          وعن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ :
          ( مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غَمْر(9) على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات ) (10) .
          صورة أخرى متحركة ، تمثل مكاناً جميلاً فيه نهر كثير الماء ، بنى أحدهم بيته إلى شاطئه ، يغتسل فيه صباحاً وظهراً وعصراً ومغرباً وعشاءً خمس مرات كل يوم . . أين منه القذارة ؟ إنها لا تعرفه ولا يعرفها ، بدنه نظيف ، ورائحته طيبة ، بعيدٌ عن الأدران والأمراض ، تتجد خلايا جسمه باستمرار . .
          هذه هي الصلوات الخمس يقابل الإنسان ربه فيها ، فيناجيه ، ويناديه ويسأله العفو والمغفرة ، العفو عن زلاته ، وغفران خطاياه ، مُحِب يلقى حبيبه فياحدثه باللغة التي يحبها ، يقف أمامه معظماً ، ويسجد له مقراً بالربوبية ، لا يشغل نفسه إلا به ، فإذا انتهى من صلاته سبحه وحمده وكبّره ، وختم ذلك بتوحيد الله وإفراده بالألوهية .
          خمس مرات في اليوم ! . . تقف في باب ملك الملوك , وفاطر السموات والأرض تضْرع إليه ، وتعاهده على العبودية لجلاله ! ! . أنت إذن دون ذنوب ، قريب إلى مولاك ، يقول لك : لقد رضيت عنك يا عبدي لقد رضيت . .
          وكثيراً ما نجد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يقرن التصوير الحسي بالحركة المعبرة أو الرسم والإيضاح :
          فمثال الأول ( الحركة المعبّرة ) : ما رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
          ( المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص ، يشد بعضه بعضاً " وشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصابعه " )(11) .
          فأنت ترى جداراً من المؤمنين قوياً مرصوصاً لا فرجة فيه ، كل مؤمن يسد ثغرة أخيه ، ويمنعه أن يقع أو يميل ، يعينه على أمر دينه ، ويرفع معنوياته ، يساعده مادياً ومعنوياً ، يدله على الخير ويوضح له طريقه ، ويبعده عن الشر ويحذره الوقوع فيه ، يدافع عنه ويحمي ظهره أن يقع فيه بنميمة أو غيبة أو أذى .
          ولم يكتف رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا التشبيه الواضح الجلي ؛ إنما شبك بين أصابع يديه العشر ، فبدت لحمة واحدة ، وكتلة متماسكة لا ينفذ منها الماء ولا الهواء ، فهي وإن كانت عشر أصابع قطعة ٌواحدة على عدوات الدهر . وهكذا المسلمون بعضهم لبعض .
          ومن مثاله أيضاً : ما رواه سفيان بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال :
          قلت : يا رسول الله ، حدثني بأمر أعتصم به .
          قال : قل : ربي الله ، ثم استقم .
          قلت : يا رسول الله ، فما أخوف ما تخاف علي ؟
          فأخذ ـ عليه الصلاة والسلام ـ بلسان نفسه ثم قال : ( هذا )(12) .
          فالصحابي سفيان رضي الله عنه يحتاط لآخرته فيسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدله على أمر يتمسك به ، ويعيش عليه ليلقى ربه ناجياً من عذابه ، فيأمره الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بشيئين :
          الأول : أن يؤمن بالله رباً لا شريك له ، يعبده ويخلص في عبادته .
          الثاني : أن يستقيم في حياته ، فيقرن الإيمان بالعمل . .
          فالله تعالى لا يقبل إيماناً بلا عمل ولا عملاً بلا إيمان ، لأن الإيمان الخالص بالله يترجمه إلى واقع الالتزام بتعاليمه ، فيأتمر بأوامره ، وينتهي عن نواهيه ، وإلا ما كان إيماناً. ... يجب أن يكون الظاهر كالباطن ، والعلانية كالسر ، وإلا كان النفاق والكذب والمراءاة ، وهذه صفات ينأى عنها المسلم ويأباها .
          فلما سأله الصحابي عن أشد ما على الإنسان أن يخافه ليكون على حذر منه ، فاجأه رسول الله صلى الله عليه وسلم بجواب عمليّ لن ينساه . . ما هو ؟! . .
          إليك هذا التصوير العملي : فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم فمه الطاهر ، وأخرج لسانه الشريف ، وأمسك به ، ورآه سفيان يفعل ذلك فانتظر التوضيح ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينبس إلا بكلمة واحدة . . ( هذا ) . .
          سبحان الله!. . وماذا يفعل اللسان بصاحبه ؟ .
          إنه يرفعه مكاناً علياً ، أو يخفضه في حفرة من حفر النار .
          وفي رواية أخرى لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى لسانه وقال : ( كف عليك هذا ) ، قال : أو نحن مؤاخذون بما نتكلم به ؟ كان جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثرَ عجباً ، كان على صيغة السؤال الإنكاري الذي يوضح الفكرة ويؤكد المعنى : ( وهل يكبّ الناسَ في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم ؟! ) . لقد قرن رسول الله صلى الله عليه وسلم العظة بالكلام ، العظة بالحركة والإشارة ، فكانت عظته بالغة وتحذيره واضحاً .
          وحبذا استخدام الداعية بعضاً من حواسه لخدمة الدعوة وتثبيتها في نفوس الناس
          ومثال الثاني ( الرسم والإيضاح ) : ما رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً مربعاً ، وخط خطاً خارجاً منه ، وخط خطوطاً صغاراً إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط ، فقال : هذا الإنسان ، وهذا أجله محيط به ، وهذا الذي خارج ( أي عن الخط ) أمله ، وهذه الخطوط الصغار والأعراض هي الحوادث والنوائب المفاجئة ، فإن أخطأ هذا نهشه هذا وإن أخطأه كلها أصابه الهرم(13) .
          وهذا هو المخطط الذي خطه عليه الصلاة والسلام :






          فبين لهم عليه الصلاة والسلام بالخطوط التي رسمها بعض المفاهيم الهامة ، وقرّب إليهم بعض التصورات المفيدة .
          وفي الحديث الذي رأيناه بيّن رسمُ النبي صلى الله عليه وسلم على الأرض كيف يحال بين الإنسان والآمال الواسعة بالموت المباغت ، أو الحوادث النازلة ، أو الهرم المضني المقعِد .
          وهو توضيح جميل من المعلّم الأول عليه الصلاة والسلام (14) .
          ومن المثال الثاني كذلك ( الرسم والإيضاح ) ما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فخط بيده في الأرض خطاً ـ هكذا ـ فقال : هذا سبيل الله ، وهذه سبل الشيطان ، ثم وضع يده في الخط الأوسط ثم تلا هذه الآية :
          { وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } الأنعام ـ 153(15) .

          وأنموذج الخطوط كما يلي :








          فبين لهم عليه الصلاة والسلام بما رسمه لهم على الأرض ، أن منهج الإسلام هو الصراط المستقيم الموصل إلى العزة والجنة ، وأن ما عداه من المبادئ والنظم والأفكار . . هي سبل الشيطان ، وطرقه الموصلة إلى الدمار والنار .(16)

          الهوامش:

          (1) أخرجه مسلم
          (2) لم يرهما في حياته فقد كانت الجاهلية إذ ذاك أكرم من جاهليتنا هذه فلا سجون ولا تعذيب بالكهرباء وقلع الأظافر وإذابة الأجساد بالأسيد و ...وكانت النساء مستورات محتشمات لا تظهر مفاتنهن .
          (3) رواه مسلم .
          (4) الرُهيط : تصغير الرهط وهي الجماعة دون العشرة .
          (5) خاض الناس في أولئك ـ تكلموا وتناظروا بما يميز السبعين ألفاً .
          (6) لا يطلبون الرقية .
          (7) لا يتطيرون : من الطيرة وهي التشاؤم .
          (8) متفق عليه ، ورواه الترمذي .
          (9) الغَمْر : الكثير الماء .
          (10) رواه مسلم ، ومن رياض الصالحين الحديث / 427 .
          (11) رواه الشيخان .
          (12) رواه الترمذي في سنته .
          (13) رواه البخاري في صحيحه (عن تربية الأولاد في الإسلام ج/2 ، ص/682).
          (14) تربية الأولاد في الإسلام ، ج/2 ، ص/683 .
          (15) رواه الإمام أحمد في مسنده . سورة الأنعام : الآية ( 153 ) .
          (16) تربية الأولاد في الإسلام .

          تعليق


          • #6
            من أساليب التربية النبوية
            حسن الخلق والتحبب
            الدكتور عثمان قدري مكانسي


            (( الأرواح جنود مجندة ، ما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف )) .
            ويزداد الإنسان بالإنسان تعارفاً إذا عامله بخلق حسن ، وتحبب إليه . وقد كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مثال المسلم الخلوق ، حتى مدحه رب العزة فقال : { وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ }
            (1) . كما مدح فيه لطف معشره وحسن أدبه مع الناس ، فاجتمعوا إليه وأخذوا عنه ، وجعلوه أسوتهم ، فقال : { وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ }(2) ، فكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ مهوى أفئدة من عرفه ، يفدونه بأرواحهم ، ويفضلونه على آبائهم وأولادهم .
            وبحسن الخلق دخل عقولهم وقلوبهم ، فصنع منهم سادة الأمم وقادتها .
            عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : ( . . وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله تعالى فينتقم لله عز وجل )(3) .
            وكان إذا رأى خطأ من أحد أصحابه نبهه بلطف دون أن يجبهه ، فيعمّم . عن عمر رضي الله عنهما أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا ينبغي للمؤمن أن يكون لعاناً )(4) .
            فالمسلم داعية ، والداعية ذو أخلاق ، والمدعو يرى الداعية ويقوّمه بما يفعل وما يصدر عنه من تصرف قبل أن يأخذ عنه ، حتى إنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا أساء إليه أحد عفا عنه ، وإذا شتمه يهودي رد عليه بما يناسب دون أن يفحش .
            روت عائشة رضي الله عنها أن يهوداً أتـَوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : السام عليكم(5) (أي إنهم كانوا يدعون على النبي صلى الله عليه وسلم بالموت )
            فقالت عائشة وهي الزوج المحب لزوجها ، الصبية المندفعة غير المتروية ـ فقد كانت في الرابعة عشرة أو أقل ـ : وعليكم ، ولعنكم الله ، وغضب عليكم .
            ( إنه رد منفعل يوضح مدى التأثر الذي أصابها من اليهود حين سمعتهم يدعون على رسول الله جهاراً نهاراً بحجة أنهم يسلمون عليه ) .
            فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : مهلاً يا عائشة ، عليك بالرفق ، وإياك والعنف والفحش ( جواب يدل على سمو في الأخلاق ، وترفع عن السفاسف ، وتحمل في سبيل الدعوة ، وهذا يغيظ الشاتم ويقلقه ، فالمشتوم أهمله ، ولم يرد عليه بعنف يوحي بانفعال وتحرق ).
            قالت : أولم تسمع ما قالوا ؟! ( سؤال لم تطلب عائشة الإجابة عليه ، إنما أرادت الدفاع عن موقفها ، فقد ردت عليهم بمثل ما قالوا ).
            قال صلى الله عليه وسلم : أو لم تسمعي ما قلت ؟! ( وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رد عليهم بقوله : ( وعليكم ) فكلامهم مردود عليهم والموت لهم . فكان جوابه لها بصيغة السؤال نفسه الذي لا يحتاج لجواب ، بل يحتاج أن تنتبه عائشة إلى معناه وفحواه . ) ردَدْتُ عليهم فيستجاب لي فيهم ، ولا يستجاب لهم فيّ (6) .
            ( فهو حبيب الله ورسوله يحميه ويدافع عنه ، واليهود أعداء الله لعنهم وغضب عليهم ، فدعاؤهم على النبي صلى الله عليه وسلم لا يستجاب ، ودعاؤه عليهم مستجاب . . فالويل لهم ثم الويل لهم ) .
            أدب عظيم يعلمُناه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ويجمل بنا أن نتمثله ونحياه .
            ومن التحبب الذي يؤتي ثماره سريعاً : إشعار المخاطب أنه عندك ذو مكانة ، وأن له في قلبك وداً وإكراماً ، فإذا شعر بهذا اطمأن ، فكان إليك قريباً وإلى دعوتك مجيباً . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بارعاً في هذا المضمار :
            فقد كان يُردف بعض أصحابه وراءه في سفره ، كما فعل مع معاذ بن جبل وعبد الله بن عباس وأسامة بن زيد رضي الله عنهم جميعاً وكان يطلب من أصحابه أن يدعوا له فهو بحاجة إلى دعائهم ، كما كان يخص بعضهم الآخر بلفتة كريمة منه صلى الله عليه وسلم ، ويلقبهم بالألقاب الكريمة أو الكنى الطيبة :
            ( الصدّيق ، الفاروق ، أمين الأمة ، سيف الله .. ) وكان يدعو لبعضهم بالخير . . و يؤثر الآخرين بشيء يحبونه . . وهكذا .
            فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : أخذ رسول الله بمنكِبَيَّ فقال : ( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل )(7) .
            تصوروا معي رسول الله صلى الله عليه وسلم يدني عبد الله بن عمر رضي الله عنهما إليه ، ، ويستقبله بوجهه ، ويمسك منكبيه تحبباً ، وهو الفتى الشاب . . فيرى ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم عظيماً لا ينساه ، ولقد عُرِفَ عن ابن عمر أنه كان يمشي في المكان الذي كان رسول الله يمشي فيه ، ويتوقف في المكان الذي توقف فيه ، ويصلي في المكان الذي صلى فيه . . أليس هذا من حسن أخلاق سيد الدعاة ؟!! ألم يثمر هديه العملي في أصحابه ، حتى إن أبا سفيان قال في جاهليته : لقد رأيت هرقل في أصحابه ، وكسرى في أصحابه ، فلم أجد أحداً يُعظّم أحداً كتعظيم أصحابِ محمد محمداً ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم .
            إنك إن مدحت إنساناً مسْلِماً بما فيه فقد استفدت أموراً عدة :

            أولها : أنك ترفع من قدره ، وتشعره بمكانته عندك .
            ثانيها : أنك تجعل بينك وبينه وداً ورباطاً من الأخوة والمحبة .
            ثالثها : أنك تدفعه إلى التمسك بما فيه من خصال حميدة مدحته عليها .
            رابعها : أنك تحثه على الاستزادة من هذه الشمائل .
            خامسها : أنه ينجذب إليك وترتاح نفسك لسماعك ومعاشرتك والأخذ عنك . وهذا ما يريده الداعية المسلم من المدعو فتصل التربية والأفكار إلى قلبه وعقله دون عائق ، فيكون لك طيّعاً منقاداً . . وأنت تريد له الخير وتحرص عليه . ( على أن يكون مدحك له بما فيه ، وإلا كان نفاقاً ـ نعوذ بالله من ذلك ـ ) .
            وقديماً قال الشاعر :
            أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ** فطالما استعبدَ الإنسانَ إحسانُ
            عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأشجِّ عبد القيس :
            ( إن فيك خصلتين يحبهما الله : الحلم ، والأناة )(8) .
            كما أنك حين تخبر أخاك أنك تحبه ، يحبك ويقبل عليك ، ويفتح قلبه لك ، وهذا ما يريده الداعية من الناس : حبٌّ وودٌ وراحة نفس وإقبالٌ . فقد روى المقدام بن معدي كرب قال :
            قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه أنه يحبه )(9)
            فلا يكون الود وداً من طرفٍ واحد .
            ولن تكون العلاقة من جهة واحدة علاقة .
            وسيظل الطرف الآخر يجهل نواياك تجاهه ، وتقديرك له ، وحبك اياه ، ( على أساس أنه في الله تعالى ) . إلا أن توضح ذلك فيتبادل الطرفان المحبة في الله فيكون رباط الأخوّة متين العرى مكين الأركان .

            تعليق


            • #7
              من أساليب التربية النبوية
              الترغيب
              الدكتور عثمان قدري مكانسي


              أرسل الله تعالى رسوله الكريم رحمة للعالمين ، يهديهم إلى صراط الله المستقيم ، ويفتح لهم آفاق الحياة على نهج مضيء ، وسبيل واضح .
              ومن طبع الإنسان الوقوع في الخطأ والتفلت والتهاون ، لأن الله تعالى خلقه ( على عجل ) و (( خلقه ضعيفاً ) يصيب الذنوب ، ويقترف الآثام ، ولذلك كانت الجنة للتائبين والنار للعاصين . وهنا يأتي دور المعلم الأول سيدنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يرغب أصحابه في الجنة ، ويعدهم عفو الله ومغفرته ، ويحثهم على عصيان الشيطان واللجوء إلى الرحمن ، فإن تقدموا إليه شبراً تقدم إليهم ذراعاً ، وإن جاءوه سيراً جاءهم ـ عز وجل ـ هرولة . .
              وقد كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يرغبهم في طاعة الله ، ويعدهم الخير ، عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال :
              خرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على رهط من أصحابه يضحكون ويتحدثون فقال : ( والذي نفسي بيده لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ) . ثم انصرف وقد أبكى القوم .
              فالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعلم من الغيب ما علَّمَه اللهُ ، وأراه من النار وأهوالها في معراجه إلى السماء . . فتراه يحذر المسلمين الركونَ إلى الدنيا والسكون إليها ، فيبكي القومُ ويخافون ويدركون أن على المسلم أن يقتصد في ضحكه . .
              وأوحى الله عز وجل إليه : يا محمد لِمَ تقنط عبادي ؟
              سبحان الله . . إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أراد تذكيرهم بالله ، والعمل بما يرضيه فوعظهم فتأثروا فبكوا . . فأراد الله سبحانه وتعالى ـ حين بكوا من خشيته ـ أن يفرحوا لرحمته وغفرانه ، فأمر النبي عليه والصلاة والسلام أن يضحكهم كما أبكاهم ، فخرج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : أبشروا وسددوا وقاربوا(1) . .
              فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها فلئن صدقت نية المسلم ، فعفو الله ومغفرته أسرع إليه وأقرب .
              وسلعة الله غالية ، وقليل من الناس من يقدر على ثمنها ، فماذا يفعل سواد المسلمين ؟!
              إن قيام الليل دليل على صدق المؤمن في توجهه إلى الله تعالى ، والتزام الصلاة جماعة تشهد له بالإيمان ، فهل كل الناس يستطيعون قيام الليل وإحراز فضل الإجتهاد في العبادة ـ اللهم إلا من كتب الله له الكرامة ـ ؟!!
              وينظر الله إلى عباده نظرة رحمة ومغفرة وحب وكرامة : فعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم يقول : من صلى العشاء في جماعة ، فكأنما قام نصف الليل ، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله(2) .
              فكان الترغيب في صلاة العشاء وصلاة الفجر جماعة ، إنهما تعدلان قيام الليل كله . ولذلك يحرص المسلم مهما كان منشغلاً في أمور حياته ـ إلا المضطر ـ أن يصليهما في جماعة لينال ثواب القيام ، وأحسِنْ به من ثواب ! .
              ويرغـِّب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أصحابه ، ومن بعدهم ، في التوادِّ والتراحم والحب في الله ، لأن الحب في الله :

              1ـ يجلو الصدأ عن النفوس .
              2ـ ويجمع القلوب على مصدر واحد يتوجهون إليه جميعاً .
              3ـ ويغرس الأخوَّةَ في نفوس المسلمين ، فيكونون صفاً واحداً وجبهة واحدة .
              4ـ ويبعث الأمان والاطمئنان والرأفة والإيثار في عالم المسلمين .
              5ـ ويظلهم الله في ظله يوم القيامة حين تدنو الشمس من رؤوس الخلائق .
              فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ :
              إن الله يقول يوم القيامة :
              ( أين المتحابون بجلالي ؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي )
              (3) .
              6ـ ويؤدي إلى حب الله تعالى إياهم :
              عن معاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ قال : سمعت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : قال الله تعالى : ( وجبت محبتي للمتحابين فيَّ ، والمتجالسين فيَّ ، والمتزاورين فيَّ ، والمتباذلين فيَّ )(4) .
              ونجد الترغيب في الاستغفار حين يَذكر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن المسلم إن أخطأ ـ وهو يخطئ ـ استغفرَ الله ، فأقرَّ بذنبه ، وعلم أن له رباً يغفر ، فتاب إليه ، وكلما أخطأ عاد إلى ربه فتاب عليه .

              فالعلاقة ـ إذن ـ بين الرب والعبد علاقة ودٍ وحبٍ ومغفرةٍ ورحمةٍ من ذي الجلال ، وعلاقة إقرار بالعبودية ولجوء وتوبة واستغفار من العبد المحب لربه ، الراجي عفوَه ورضاه .
              عن أبي أيوب الأنصاري خالد بن يزيد ـ رضي الله عنه ـ قال : سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول :
              ( لولا أنكم تذنبون لخلق الله خلقاً يذنبون ، فيستغفرون فيغفر لهم )(5) .
              أرأيت إلى هذه الصلة الوشيجة بين العبد وربه . . . الرب كامل كمالاً مطلقاً . . والعبد كمالـُه نسبي . .والكمال النسبي فيه ضعفٌ ، وفيه نسيان ، وفيه إهمال . . . فمن يسد نقصَه هذا ؟ ..
              إنه ذو الكمال المطلق . . خالقه وبارئه على هذه الصورة ليكون محتاجاً إليه دائماً ، وليكون الغفران والرحمة من الله متواصلاً .
              اللهم اكتب لنا الغفران والرحمة . . لجأنا إليك بضعفنا فتولـّنا بكمالك . . . . . يا رب .
              ومن الترغيب الذي يذكره سيد المربين ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فيسري عن المؤمنين الذين كثرت ذنوبهم ما رواه أبو موسى الأشعري عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : يجيء يومَ القيامة ناسٌ من المسلمين بذنوب أمثالِ الجبال ، فيغفرها الله لهم (6) .
              فما علينا ـ معشر المسلمين ـ إلا أن نأتي الله بكلمة التوحيد موقنين بها ، مقرّين بها ، عاملين بها ، فإن كثرت ذنوبنا فالله يغفرها وإن كانت أمثال الجبال . .
              فهل هناك أفضل من هذا الترغيب ؟!!.

              ( أستغفر الله ) دأبي مذ وعيت إلى ** نفسي وحـالي ، ومـا حصَّلْتُ من عمل
              ( أستغفر الله ) دربـي للـكـريـم إذا ** فاضت ذنوبي وضاق الصدر من خلل
              ( أستغفر الله ) نـبـراسٌ يـســدد ما ** آلـت إليـــه نـفـوس القـوم مـن خـطــل
              فهو الدواء لمـن ضـل الطـريـق إلى ** كـنـف الـهـدايـة أو قـدْ لَـجَّ في الـهـزل
              أو تـاهَ في سـعيـه فالنـاس مُذ وجدوا ** فـعـنـصـر الخلق فيهم كـان مـن عـجل
              فـيـــا سـعــادة مــن وافــاه مـقـتـبـلاً ** ويـا شـقـاء ضلـيـل القـلب والعـقـل (7)

              الهوامش:

              (1) الأدب المفرد الحديث / 254 / .
              (2) رياض الصالحين الحديث / 1069 / رواه مسلم .
              (3) رياض الصالحين الحديث / 375 / رواه مسلم .
              (4) رياض الصالحين الحديث / 380 / رواه مسلم .
              (5) رياض الصالحين الحديث / 421 / رواه مسلم .
              (6) رياض الصالحين الحديث / 430 / رواه مسلم .
              (7) من ديوان ( نبضات القلب ) لمؤلف الكتاب .

              تعليق

              يعمل...
              X