إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

جعلناه نورًا...خالد أبوشادي

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • جعلناه نورًا...خالد أبوشادي

    image.png.f978fe736d632108f19362817154583b.png


    من كتاب جعلناه نوراً...
    للدكتورخالد أبوشادي


    حصاد_التدبر
    الجزء الأول

    أول صفة مدح الله بها عباده في كتابه:

    (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ )، وبها يتمايز الخلق، فأشدهم إيمانا أعظمهم تصديقا بالغيب، وبهذا سبقنا أبو بكر.

    (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ):
    لا تخسر هذه الصفة بكثرة حرصك على أخبار الإعجاز العلمي التي تؤيد ما في القرآن من حقائق،
    بل اجعل شعارك:
    إن كان قال فقد صدق!



    ﴿
    أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى ﴾: جاء بلفظ (على) أي مستعلين بهدايتهم،
    وذكر الله أهل الضلالة فقال: ﴿أولئك (في) ضلال مبين﴾ أي منغمسين به.



    ﴿.
    وَمِنَ النَّاسِ مَن (يَقُولُ) آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ
    تقييم كل إنسان بأفعاله لا بأقواله.



    ﴿
    وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ"
    قال ابن عرفة: نفى عنهم الشعور، وهو مبادئ الإدراك فبنفي مبادئ الإدراك ينتفي كل الإدراك من باب أحرى.



    ( فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ):
    المريض يجد طعم الطعام على خلاف ما هو عليه، فيرى الحلو مرا،
    وكذلك المنافقين يرون الحق باطلاً والباطل حقا!


    image.png.72fe4cfeac67ee4d0ebba19bbdd308d7.png



    ( فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ ):
    البعض يستعجل نزول العقوبة بالمنافقين.
    وما درى أن أعظم عقوبة هي مرض القلب، فكيف بزيادته واشتداده؟!


    ( قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ ):
    نادرا ما يَشعر المفسد أنه مُفسد!
    ولو شعر لانحلت المشكلة!



    ﴿.
    وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ [البقرة: 3 ]:
    المال مال الله، ثم يمدحنا على إنفاقه!



    ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [البقرة: 5 ]:
    من كتب الله عليه الشقاوة في أُمِّ الكتاب، لن تجدي معه بِشارة ولا نذارة ولا عتاب.


    ﴿
    وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ﴾ [البقرة: 9 ]:
    أسلوب الحصر يدلُّ على أنَّ خداعهم مرتدٌّ عليهم، فلن يضروا الله شيئًا، ولا رسولَه، ولا المؤمنين.


    ﴿
    وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 9 ]:
    شدة الغفلة وتتابع الذنوب تجعل من صاحبها بلا شعور ولا إحساس.


    image.png.6584b99388dc2776429d43f9d267f455.png


    ﴿
    أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 12]:
    أخطر آثار الذنوب هو نزع إحساس القلب بوقعها عليه أي موته!


    ﴿
    أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 12]:
    لا عداء أشد من عداء المنافقين للمؤمنين؛ ولا إفساد أعظم من إفساد المنافقين في ديار المسلمين،
    ولذا جاءت الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكِّدات: ﴿ألا﴾، و ﴿إنَّهُمْ﴾، و ﴿هُمْ﴾، وهو من أبلغ صيغ التوكيد.


    ﴿
    فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا )
    مرض القلب هو السبب الذي رأوا به الصور مقلوبة، وظنوا إفسادهم صلاحا..
    ألم أقل لكم: أمراض القلوب مهلِكة؟!


    ﴿
    قالوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحون * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: 11-12]:
    مَنْ ادَّعى منزلة ونسبها لنفسه عوقِب بالحرمان منها.



    ﴿
    أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: 16 ]:
    شغف المنافقين بالنار عجيب! كأنهم يشترونها.



    ﴿
    فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: 16 ]:
    خسروا كل شي: الربح ورأس المال، فما ربحوا دنيا ولا آخرة، ولا نالوا العاجل ولا الآجل،
    وهذا جزاء من قدَّم على الله سواه، وآثر شهوته وهواه.



    من صفات المنافقين احتقار الصالحين فضلا عن المصلحين، والتقليل دوما من شأنهم
    (أنؤمن كما آمن السفهاء).

    (
    أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ) ..(أنؤمن لك واتبعك الأرذلون):
    الكِبر من أهم أسباب عدم اتباع الحق، هل فهمتٓ الآن لم لا يدخل الجنة من كان فيه ذرة من كِبر؟


    (إِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ)
    تحذير هام!
    بعض الأصحاب شيطان في صورة إنسان، لكن لا يراه على حقيقته إلا أهل الإيمان.

    لا تتعجب من إملاء الله للمستهزئ بالحق، فإن الله يبغضه، لذا يملي له ليزداد إثما، فيتضاعف عذابه
    (الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون).

    (وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب)
    يتلو اﻵيات فيخاطب بها الناس، وينسى نفسه!

    (وَاستَعِينوا بالصبر والصلاة وإنها لَكبيرة إلا على الخاشعين)
    قد ينفد زاد الصبر، لذا أمرنا الله أن نستعين بالصلاة الخاشعة لتعين الصبر وتقويه.




    (وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين):
    خفَّت عليهم عظائم الأمور بخشوعهم في الصلاة، فالخشوع قوة!

    كثيرا ما نوصي من أصيب بمصيبة أن يصبر،
    لكن ننسى أن نوصيه بقرينة الصبر: الصلاة (واستعينوا بالصبر والصلاة)،
    وكانﷺ إذا حزبه أمر فزع للصلاة.

    الصلاة ثقيلة على كل من لم يخشع فيها، وأكثر ما يجلب الخشوع اليقين باليوم الآخر
    (وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم).

    (وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون):
    تأمل: (وأنتم تنظرون).
    عند اشتداد الظلم لا يشفي غيظ المظلوم إلا رؤية مصارع الظالم.

    ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ﴾ [البقرة: 17 ]:
    النار إما أن تضيء وإما أن تُحرِق، فمن أراد الله به الخير منحه النور من النار، ومن أعرض عن الله أحرقه الله بالنار.

    ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: 17 ]:
    هذه عقوبة الله للمنافق الذي آثر الغواية على الهداية، وهجر نور الإيمان بعد أن استضاء به، وعرف ثم أنكر.




    ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ [البقرة: 17 ]:
    فليست ظلمة واحدة بل ظلمات متراكمة مركبة؛ ظُلمة الحقد على المؤمنين والكراهية لهم، وظلمة تمني هزيمة المؤمنين،
    وظلمة تمني أن يصيبهم سوء وشر، وظلمة التمزق والألم من الجهد الذي يبذله المنافق ليتظاهر بالإيمان.

    ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾[البقرة: 20 ]:
    على المؤمن أن يسأل ربه دائما أن يُمتِّعه بسَمْعه وبصره؛ وألا يسلبه هذه الحواس حقيقة أو مجازا بعدم انتفاعه بها.

    ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[البقرة: 21 ]:
    ما هدف العبادة؟!
    هدفها: بلوغ شاطئ التقوى، كأنه قال: اعبدوا ربكم رجاء اللحاق بقوافل المتقين، وفيه إشارة إلى أن التقوى منتهى أمل وغاية طموح العابدين.

    ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[البقرة: 22 ]:
    لا تعلِّقوا قلوبكم بغير الله، فإنه سبحانه المتفرِّد بالخلق والأمر، فإذا توهَّمْتم أن شيئا من نفع أو ضرر، أو خير أو شر يجري بتدبير مخلوق مثلكم، فاعلموا أنه لون من الشِّرك الخفي.

    ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[البقرة: 22 ]:
    من كان محتاجا، هل يصلح أن ترفع إليه حاجتك؟! اعلموا أن تعلُّق الفقير بالفقير، واعتماد المحتاج على المحتاج يزيد الفقر، ولا يزيل أثر الضُّر.

    ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[البقرة: 22]:
    فيه إشارة إلى أن وقوع الخطأ من الجاهل قبيح، لكنه من العالِم أشد قبحا.

    ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾[البقرة: 24]:
    إذا كانت هذه النار لا تثبت لها الحجارة مع صلابتها، فكيف يطيقها الناس مع ضعفهم ولين أبدانهم؟!


    ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ [البقرة:24]:
    السيئات نار موقدة، لكنها نار مؤجَّلة، لا تشتعل على صاحبها إلا بعد الموت، والعاقل من يتقيها لا من يوقدها ويُذْكيها.

    ﴿
    وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ [البقرة:26]:حُكْم الله، والتساؤل باستمرار حول حكمة الله في الأحداث بغرض بثِّ الشبهات.


    ﴿
    كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: 25]:ثمار الجنة رائعة ومتجدِّدة، الشكل هو الشكل، لكن الطعم مختلف، واللذة متزايدة، يوما بعد يوم إلى ما لا نهاية. قال ابن عباس: «ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسامي».


    ﴿
    أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 25]:
    مجامع اللذات في ثلاثة: المسكن والمطعم والمنكح، فجمعها الله في هذه الآية، لكن هذه النعم إذا اقترن بها خوف الزوال كان التنعم بها منغَّصا، فبشَّرهم الله بالخلود ليزيل عنهم هذا الخوف، فصارت الآية دالة على كمال التنعم والسرور.



    ﴿
    وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾[البقرة: 27]:يدخل في الآية كلُّ قطيعة لا ترضي الله كقطع الرحم، وهجر المؤمنين، وعدم موالاة الصالحين، وترك حضور الجماعات المفروضة، والمعاملة بالمِثْل! ففي الحديث الصحيح: «من وصل صفا وصله الله، ومن قطع صفا قطعه الله». صحيح الجامع رقم: 6590



    ﴿
    هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾[البقرة: 29]:
    كل ما هذا الكون مسخَّر لخدمتك، فيا لسمو مكانتك وعظيم رتبتك، وفي الآية إشارة خفية إلى شناعة كفر الكافرين رغم إحسان رب العالمين.حتى الملائكة -وهم أطهر الخلق- تحرسك وترعاك : ﴿
    لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله﴾ [الرعد: 11]






    ﴿
    هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾[البقرة: 29]:
    أعطاك عطاء لا ينقطع، دون سَعْي منك أو سؤال، فهل شكرتَ ذلك أم تأخذ كل شيء دون أن تعطي كالمحتال؟!



    ﴿
    وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30]:
    مهما علت رتبتك ستظل بعض حكمة الله غائبة عنك، وهل هناك أعبد وأطهر من الملائكة؟!ومع ذلك غاب عنهم حكمة خلق آدم.



    ﴿
    قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: 30]:كلما طهر القلب زادت حساسية صاحبه تجاه المعصية!قالت الملائكة هذه المقالة، إما على طريق التعجب من استخلاف الله لمن يعصيه، أو التعجب من عصيان من يستخلفه الله في أرضه.



    ﴿
    قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [البقرة: 32]:
    كل علم لدينا إنما هو مما أذِن الله لنا أن نعلمه، ثم يأتي بعد هذا (مُلْحِد) يجادل في وجود الله بسبب ما وصل إليه من علم!



    ﴿
    فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 34]:الكِبر يقود إلى الكفر.



    ﴿
    وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.قال ابن كثير: لا تقابلوا النعم بالعصيان فتُسلَبوها.






    ذل الأمة عقوبة على ابتعادها عن دينها، فالله يعز الطائع ولو كان ضعيفا، ويذل العاصي ولو كان قوياً(ضربت عليهم الذلة) (ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون). عبد العزيز الطريفي


    الحق مهما كان قوياً فلا بد من ثقة صاحبه به ليؤثر،قال الله: (فخذها بقوة) وقال: (خذوا ما آتيناكم بقوة) وقال: (خذ الكتاب بقوة) / عبد العزيز الطريفي



    (صفراء فاقع لونها تسر الناظرين)للألوان المبهجة أثر على النفوس، فلوِّن حياتك بألوان الفرح.


    (والله مخرج ما كنتم تكتمون):ما تكتمه سيخرجه الله لا محالة، فزيِّن باطنك كما زيَّنت ظاهرك.


    ( ثم قست قلوبكم من بعد ذلك)قست قلوبهم بعد أن رأوا معجزة إحياء الله قتيل بني إسرائيل، والدرس:لا تأمن قسوة القلب بعد اليقظة.


    ﴿ومنهم أميُّون لا يعلمون الكتاب إلا أماني﴾:قال ابن تيمية: ذلك متناولٌ لمن ترك تدبر القرآن ، ولم يعلم إلا مجرد تلاوة حروفه!


    ﴿وقُولوا (للناس) حُسنا﴾:إحسان القول مع الكل! قال ابن عباس: لو قال لي فرعون خيرا، لرَددت عليه مثله .


    يتبع

    image.png.f074e73aea886b53bf3f438e4a705090.png
    التعديل الأخير تم بواسطة م/ جيهان; الساعة 21-09-2018, 12:33 AM. سبب آخر: تمييز الآيات بلون مختلف وتشكيل معظم الآيات

  • #2
    (فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا)
    جعل الخزي مصير من آمن ببعض الكتاب وترك بعضه، ونفس العذاب كان من نصيب فرعون
    (ويوم تقوم الساعة أدخلوا آال فرعون أشد العذاب).


    (وأشربوا في قلوبهم العجل)
    عالج هواك في أوائله، قبل أن يتغلغل، فإذا تغلغل تشرَّبه القلب، وعَمِي.


    (يأمركم به إيمانكم)

    الإيمان الحق سلطة نافذة تأمر وتنهى، وليس مشاعر باردة لا تغيِّر سلوكا، ولا تشفي قلوبا.


    (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة):
    حياة .. أي حياة، فاليهود يحرصون على أي حياة.. ذليلة كانت أو كريمة، فالمهم ألا يموتوا.


    {يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب)

    ليس طول العمر محمود دائما، بل هو مذموم إن كان سبيلا للاستزادة من المعاصي.


    ﴿فإنه نزّله على (قلبك)﴾:
    نزل على القلب ليتدبره القلب، فهل استقبلنا الآيات (بقلوبنا).


    "وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ.."
    قال ابن الجوزي:
    الدنيا أسحر من هاروت وماروت، فإن هاروت وماروت يُفـرِّقان بين المرء و زوجه،
    وأما الدنيا فإنها تفرق بين العبد وربه.







    ﴿لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا):
    راقب ألفاظك!

    (فاعفوا واصفحوا):

    قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
    كل الناس مني في حِلّ، أراد ألا يُعذَّب أحدٌ بسببه.

    ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:37]:

    آدَم عليه السلام أبو الأنبياء، ومن خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، ومع هذا لم يَستغنِ عن التوبة،
    فكيف يستغني عنها مثلي ومثلك؟!


    ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾[البقرة: 45، 46]:
    أكثر ما يعين على الخشوع استحضار القلوب للموت، ولذا كانت وصية النبي ﷺ: «اذكر الموت في صلاتك، فإنَّ الرجل إذا ذكر الموت في صلاته لحَرِيٌّ أن يُحسِن صلاته، وصَلِّ صلاة رجل لا يظن أنه يصلي صلاة غيرها». صحيح الجامع رقم: 849

    ﴿اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ [البقرة: 47]:

    ليكن لسانك رطبًا بذِكْر ما تتابع من نعم الله عليك.

    ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة:36]:

    إلى حين، فلستم بخالدين!
    لذا يَنبغي الزُّهد في الدنيا، وعدمُ الاغترار بنعيمها.








    ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ [البقرة: 36]:
    احذر عدوك أن يغرَّك كما غرَّ الأبوين.


    ﴿ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾[البقرة: 37]:
    قال سعيد بن جبير والحسن ومجاهد: تلقى:
    ﴿ رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾[الأعراف: 23]،
    فلولا إلهامه له بالتوبة ما تاب.


    ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[البقرة: 38]:
    نفى الله عمَّن اتبع هداه الخوف والحزن، والفارق بينهما أن المكروه إن كان قد مضى، أحدَث الحزن، وإن كان منتظرا في المستقبل، أحدَث الخوف، فنفاهما الله عن كل مهتدٍ، وإذا انتفيا حصل ضدهما، وهو الأمان التام.



    ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾[البقرة: 39]:
    قال رسول الله ﷺ: «أما أهل النار الذي هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن أقوام أصابتهم النار بخطاياهم فأماتتهم إماتة، حتى إذا صاروا فحما أذِن في الشفاعة».
    والمراد بأهل النار: الكفار، فلا يموتون فيها ولا يحيون، وأما الأقوام الذين أصابتهم النار بذنوبهم، فهم عصاة الموحدين.

    ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾[البقرة: 40]:

    إن لم تطيعوه لأنه المستحق للطاعة، فاستحيوا أن تعصوه باستعمال نِعَمه التي أنعم بها عليكم.


    ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾[البقرة: 40]:
    إعادة تعريف النعمة! قال القشيري:
    «النعمة ما أشهدك المُنعِم، أو ما ذكَّرك بالمُنعِم أو ما أوصلك إلى المُنعِم، أو ما لم يحجبك عن المُنعِم».

    (تجدوه عند الله):
    تجد بعد مشاق الحياة وآلام الموت وأهوال القبر وأحداث البعث وفزع القيامة

    عملك الصالح حفظه الله لك حتى يأخذ بيدك فيوصلك إلى مقعدك في الجنة.


    ﴿يتلونه حق تلاوته﴾:
    قال مجاهد: يعملون به حق عمَلِه.


    (وإذا قرئ القرآن (فاستمعوا له) وأنصتوا (لعلكم ترحمون) ﴾
    هذه رحمة الله بمستمع القرآن، فكيف رحمته بقارئه؟!
    أبشِر!


    (يتلونه حق تلاوته):
    وذلك باشتراك اللسان والعقل والقلب، فاللسان يرتل، والعقل يتدبر، والقلب يلين ويخشع.



    ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[البقرة: 42]:
    قال الإمام الرازي: «واعلم أن إضلال الغير لا يحصل إلا بطريقين، إن كان قد سمع دلائل الحق فإضلاله بتشويش تلك الدلائل عليه، وإن كان ما سمعها فإضلاله بإخفاء تلك الدلائل عنه.
    فقوله: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾إشارة إلى القسم الأول، وهو تشويش الدلائل عليه.
    وقوله: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾إشارة إلى القسم الثاني، وهو منعه من الوصول إلى الدلائل».







    (لا ينال عهدي الظالمين):
    قال شيخ المفسرين الإمام الطبري في تفسيره: هذا خبر من الله جل ثناؤه عن أن الظالم لا يكون إماما يقتدي به أهل الخير.


    في قوله تعالى:"لا ينال عهدي الظالمين "
    قال ابن خويز منداد :
    "الظالم لا يصلح أن يكون خليفة ولا حاكماً ولا مفتياً ولا شاهداً ولا راوياً".


    ﴿ربنا تقبل منا﴾
    قاما بأعظم عمل، ثم دعوا الله أن يتقبل!
    فلا يغرنك عملك مهما عظم، وسل الله بالقبول.


    تب علينا إنك أنت التواب الرحيم
    { يفرغان من بناء أعظم بيوت الله في الأرض ويسألان ربهما التوبة ما أجمل الأدب مع الله.. /عبد الله بلقاسم


    ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾[البقرة: 40]:
    طلب منكم تذكر نعمة واحدة للإشارة إلى أن استحضار النعم كلِّها محال، فلا تطيقون إلا شكر نعمة واحدة.


    ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾[البقرة: 43]:
    ليس هنا تكرار، فالأمر الأول هو أمر بإقامتها، والأمر الثاني بالركوع هو بأدائها في الجماعة.





    ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة:48]:
    يوم حذَّرك الله منه، كم مرة يخطر ببالك؟!
    وما استعدادك له؟!


    ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ﴾ [البقرة:48]:
    العَدل هو الفدية، والذي يخفِّف العذاب واحد من ثلاثة: شفاعة؛ أو فدية؛ أو نصر، وثلاثتها مستحيلة في الآخرة.



    ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ﴾ [البقرة: 50]:
    أحرِق جميع خرائطك، مادامت بوصلة قلبك متجهة نحو الله.


    ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 52]:
    يا لرحمة الله الواسعة!
    لم يعاجل من كفر به باتخاذه عجلا إلها بالعقوبة، بل قبل توبتهم، وعفا عنهم،
    أفلا يعفو عمَّن وقع في ما هو أهون من ذلك بكثير؟!


    ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 53]:
    من هجر الوحي والكتاب سار في طريق الغي والضلال.


    ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 54]:
    كانت توبة بني إسرائيل أن يقتل بعضهم بعضا، وقد نفَّذوا هذا الأمر على مشقته،

    فما أقلَّ مشقتنا إلى مشقتهم، وأيسر توبتنا إلى توبتهم!


    ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ [البقرة: 55]:
    من طلب الرؤية هم خيار بني إسرائيل، والصفوة التي اختارها موسى بنفسه،

    هذا حال الصفوة، فكيف بالعوامِّ؟!

    تعليق


    • #3


      ﴿لَنْ نُؤْمِنَ﴾ = ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ [البقرة: 55]:
      بعض الحروف تجرُّ الحتوف، ومن حصائد الألسنة ما يستنزل العذاب.
      (الحتوف=الهلاك)



      ﴿وَما ظَلَموْنا﴾ [البقرة: 57]:
      وهل يقدر أحد على ظلم الله؟!
      المعنى: ما نقصونا شيئا بمعصيتهم؛ فالله لا تضره معصية العصاة، ولا تنفعه طاعة التُّقاة.


      ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 58]:
      التذكير بالنِّعَم منهج قرآني. قال ابن عطاء الله:

      «من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها، ومن شكرها فقد قيدها بعقالها».


      ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: 59]:
      عقوبة من بدَّل من الوحي حرفا! قالوا حنطة بدلا من حِطَّة، والحطة هي حط الخطايا، والحنطة نوع من الحبوب، وقالوها استهانة بأمر الله واستهزاء، فأنزل الله عليهم عذابا من السماء بسبب فسقهم وبغيهم.



      ﴿فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة:71 ]:
      طلبوا الحيلة ما أمكنهم للتهرب من التكليف الإلهي، فلما ضاق عليهم الخناق استسلموا للحُكم، ليتخلصوا من المطالبات والملاحقات، وكم يعيش بيننا أمثال هؤلاء!


      ﴿ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 81 ]:
      سأل رجل الحسن عن الخطيئة قال: سبحان الله.. ألا أراك ذا لحية وما تدرى ما الخطيئة؟!

      انظر في المصحف، فكل آية نهى فيها الله عنها وأخبرك أنه من عمل بها أدخله النار، فهي الخطيئة المحيطة.






      ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: 87]:
      ممن كُذِّب من الأنبياء: عيسى ومحمد عليهما السلام، وممن قُتِل: يحيى وزكريا عليهما السلام، فإذا كان هذا ما قوبل به الأنبياء والرسل، فماذا يتوقع ورثتهم من الدعاة؟!



      ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقرة: 88]:
      يشبه سلوكَ هؤلاء اليهود سلوك الذي إذا نُصِح ودُعِي إلى الحق،

      قال: ما هداني الله، أو لم يكتب الله لي الهداية بعد.


      . ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 88]:
      عدم الهداية نتيجة، فبسبب كفرهم حرمهم الله من الهداية والإيمان، والبادئ أظلم.


      (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون):
      الحياة على الإسلام نعمة،والموت على الإسلام توفيق.



      (إذ حضر يعقوب (الموت) إذ قال (لبنيه) ما تعبدون من بعدي)
      لم يشغل الموت الوالد عن هموم التربية!



      (صبغة الله)،
      أي:دين الله، سماه صبغة ﻷن أثر الدين يتغلغل في خلايا المؤمن كلها كما يتخلل الصبغ في ثنايا الثوب.



      ( صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة)
      تأمل كلمة الصبغة، وكأن المطلوب أن يتغلغل الإيمان في كل ذرات حياتنا ويصبغ كل لحظاتها.








      (كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون):
      بعض الناس يظن أن كتمان الحق ليس بعمل، فلا يؤاخذه الله عليه، وهذه الآية تبدِّد هذا الوهم.



      ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 88]:
      العقوبة على الذنب قد تكون بذنب أعظم.


      ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: 87]:
      اليهود قتلة الأنبياء!
      ﴿تَقْتُلُونَ﴾ ولم يقل قتلتم كما قال ﴿كَذَّبْتُمْ﴾، وكأنه أحضر صورة قتل الأنبياء أمام كل سامع، وجعله ينظر إليها بعينه، ليكون إنكاره لذلك أبلغ، واستفظاعه أعظم.


      ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 91]:
      أسند الله إليهم القتل مع أنه فِعْل آبائهم، لأنهم راضون به، فولاية القاتل تصنع منك قاتلا!


      ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 91]:
      أفحِم خصمك بالدليل القاطِع! إن قال اليهود: نؤمن بما أُنزِل علينا، فقل لهم يا محمد: فلم قتلتم أنبياء الله الذين جاؤوا بما أُنزِل عليكم! والدرس: لا يرد الكذب الصراح إلا المواجهة الصريحة.



      (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة:95]:المسيء لا يتمنى الموت خوفا من عقوبته، والمحسن يتمناه –إن تمناه- ليلقى عاقبة إحسانه وحلاوة مثوبته.


      (يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ) (البقرة: 96):كره الإمام أحمد أن يقول الرجل للرجل: «أطال الله بقاءك»؛
      لأن طول البقاء قد ينفع العبد وقد يضره؛ والأَوْلى أن تدعو له بطول البقاء مع صلاح العمل.


      ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 100]: هي عادة اليهود، كانت، وظلَّت، وستستمر


      ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: 102]:
      دليل على أن تعلُّم السِّحر واعتقاده حقا كفر، وأما تعلمه من غير اعتقاده حقيقة، فعلى خلاف بين العلماء، لكن ظاهر المتكلِّمين قالوا أن تكفير الساحر يقع بأحد أمور ثلاثة: قول كلمة الكفر، أو السُّجود لصنم، أو فعل كلبس الزُّنار ونحوه من ملابس الرهبان.




      ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ﴾ [البقرة:102]:
      اتبع شياطين الإنس (اليهود) ما افترته شياطين الجن كذبا على عهد سليمان، لينالوا من مكانته، وهي وظيفة شياطين الإنس والجن في كل زمان ومكان؛ تشويه الصالحين والنيل منهم.






      ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 103 ]:
      العلم الحقيقي أن يرزقك الله العمل بما علمت، كما أن الرزق الحقيقي أن يرزقك الله فعل الخير،

      والخُلُق الحقيقي أن يخلق الله فيك المكارم.
      قال الشاعر:
      رُزِقوا وما رُزِقوا سماح يَدٍ..
      فكأنهم رُزِقوا وما رُزِقوا
      خُلِقوا وما خُلِقوا لمكرمة..
      فكأنهم خُلِقوا وما خُلِقوا



      ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾[البقرة:107]:
      ومن ملَك كل شيء، فمن يعترض عليه في التصرف في أي شيء؟!

      وهل يملك أن يعترض عبدٌ على ما شرع خالقه ومالكه من أحكام!


      ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّه﴾ [البقرة: 112]:أسلَم مأخوذ من شدة الامتثال، لأن أسلم معناها: ألقى السلاح وترك المقاومة،فهل هذا حالنا اليوم مع أوامر الله



      ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة: 114]:اختلفوا في هؤلاء الظَّلمة: هل هم الرومان مع بيت المقدس أم الكفار مع المسجد الحرام؟
      قال الإمام القرطبي:
      «وقيل: المراد من منع من كل مسجد إلى يوم القيامة، وهو الصحيح؛ لأن اللفظ عام ورد بصيغة الجمع، فتخصيصها ببعض المساجد وبعض الأشخاص ضعيف، والله تعالى أعلم».








      ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ [البقرة: 116]:
      ما أحلم الله!

      في الحديث: «ليس أحدٌ أصْبَر على أذى سَمِعه من الله تعالى، إنهم ليدعون له ولدا، ويجعلون له أندادا، وهو مع ذلك يعافيهم ويرزقهم». صحيح الجامع رقم: 5370



      ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ [البقرة: 116]:تعددت صنوف الكفار وتشابهت الأفكار! قالت النصارى: المسيح ابن الله، وقالت اليهود: عزير بن الله، وقال المشركون: الملائكة بنات الله.


      ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾: كيف ﴿كُلٌّ﴾، مع أنه لم يخضع له الكافرون؟!قال مجاهد: «طاعة الكافر في سجود ظله وهو كاره».


      ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: 125]:الكعبة مثابة للناس إليها يثوبون، تجذب القلوب كالمغناطيس الذي يجذب الحديد، فمن قعد عن زيارة البيت فلقسوة قلبه وضعف محبته، وليس العجب ممن بعد عن البيت كيف يصبر، إنما العجب ممن حضره كيف يرجع عنه!



      ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: 125]:يثوبون كل عام من كل الأقطار، ومع هذا لا يقضون منه الأوطار، بل كلما ازدادوا له زيارة، ازدادوا له اشتياقا.
      لا يرجع الطَّرْف عنها حين يبصرُها ... حتى يعود إليها الطَّرف مشتاقا






      ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة:129]:
      ومن العجيب أن بين دعوة إبراهيم

      ﴿ وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 129]، وبين إجابتها ببعثة النبي محمد ^ ما يزيد على ألفي عــام!
      فلمـاذا يتعجــل المتعجِّلـون؟ ولم يقنط الداعون؟
      لماذا يتــذمرون ويقولون: دَعَوْنا دَعَوْنا فلم يُستجب لنـا؟


      ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 131]:
      قالها على الفور، دون تريث أو تفكير، فما أحلى أن نتعلَّم منه المسارعة في الخيرات، وعدم التردد لحظة في تنفيذ أمر الله.


      ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[البقرة: 134]
      الافتخار بالآباء طريقة الجهلاء، إن لم يتبع هذا الفخر عمل واقتداء.



      ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾[البقرة: 135]همَّة أهل الباطل في الدعوة إلى باطلهم تستنفر أهل الحق للقيام بواجبهم!



      ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾[البقرة: 139]:
      نداء لليهود والنصارى!

      قال القرطبي: «قيل: كانت المُحاجَّة أن قالوا: نحن أَوْلى بالله منكم، لِتقدُّم آبائنا وكتُبِنا، ولأنا لم نعبد الأوثان».
      ما علموا أن الفضل لمن صدق لا لمن سبق!


      image.png.db3fc89baad24a043e81fac7147fe7e3.png

      تعليق


      • #4

        الجزء الثانى


        ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾:
        قال الحسن البصري: ضاع هذا الدين بين الغالي فيه والجافي عنه..
        الغالي صاحب إفراط، والجافي صاحب تفريط.

        ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾:
        حياتك مليئة بالاختبارات الإلهية، ونجاحك فيها لن يكون إلا باتباع تعاليم الرسول ﷺ.

        ﴿إن الله بالناس لرؤوف رحيم﴾:
        رحيمٌ بالناس جميعا، بالمؤمن والكافر، والبر والفاجر، هذا في الدنيا،
        أما في الآخرة فالرحمة لا تكون إلا للمؤمن
        ﴿وكان بالمؤمنين رحيما، تحيتهم يوم يلقونه سلام﴾.


        ما ضاع عند الناس لا يضيع عند الله
        (وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾.

        ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾
        أي صلاتكم، وعبَّر عن الصلاة بالإيمان، فمن ترك الصلاة فماذا تبقى لديه من إيمان؟!

        قد يحقق الله بعض أمانيك قبل أن تدعوه بها، وهذا من كمال لطفه وعظيم رحمته:
        ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾.




        ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾:
        إذا ضاقت بك الأرض فأطلِق بصرك نحو السماء، وعلِّق قلبك بمن لا يُقلِقه النداء ولا تنفد خزائنه من العطاء.

        ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾:
        لا بد للإنسان في الحياة من وجهة، يسير نحوها، ويبذل وسعه وطاقته لتحقيقها،
        فحدِّد وجهة توصلك إلى الجنة، وحذارِ مما يسوق إلى النار.

        ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾:
        الدنيا مضمار سباق، فبادر بالتكبيرة الأولى والصف المقدَّم في كل عمل صالح،
        فالسابق اليوم إلى الخيرات هو السابق غدا على أبواب الجنات.

        ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾:
        استدعاءٌ للمساءلة والمحاسبة، كفيلٌ بأن يجعل كل واحد منا يراجع نفسه مع كل عمل، استعدوا جميعا لذلك اليوم.

        ﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ [البقرة: 145]:
        الثبات هو عنوان الصراع بين الحق والباطل، فالكل على مبدئه ثابت؛ صاحب الحق لن يتنازل عنه لقوة الإيمان ووضوح البرهان، وأهل الباطل لن يتخلوا عن باطلهم لشدة العناد واستحواذ الشيطان.


        ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ [البقرة: 145]:
        قال صاحب الكشاف: «فإن قلتَ: كيف قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ ولهم قبلتان، لليهود قبلة وللنصارى قبلة؟
        قلت: كلتا القبلتين باطلة، مخالفة لقبلة الحق، فكانتا بحكم الاتحاد في البطلان قبلة واحدة».


        ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ [البقرة: 145]:
        قال الراغب: إشارة إلى أن من عرف الله حق معرفته، فمن المحال أن يرتد،
        ولذا قيل: ما رجع من رجع إلا من الطريق: أي ما أخلَّ بالإيمان إلا من لم يصل إليه حق الوصول.



        ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 145]:
        الآية وعيد للأمة إن اتبعت أهواء أهل الكتاب، وسيق هذا التحذير في صورة خطاب للنبي ﷺ.


        ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 145]:
        ضريبة العلم!
        دلَّت الآية على أن توجه الوعيد إلى العلماء أشد من توجهه لغيرهم.


        ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: 146]:
        رُوِي أن عمر قال لعبد الله بن سلام: أتعرف محمدا ﷺ كما تعرف ولدك؟
        قال: نعم وأكثر، نزل الأمين من السماء على الأمين في الأرض بنعته، وإني لا أدري ما كان من أم ولدي،
        فقبَّل عمر  رأسه.


        ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: 147]:
        الخطاب للنبي ﷺ والمراد به الأمة؛ لأن الشك مستحيل في حقه،
        وذلك مثل قوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65]، والشرك مستحيل في حقه ﷺ.


        ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: 147]: لا
        قيل: هو حثٌّ للأمة على اكتساب المعارف المزيلة للشك.


        ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 149]، ثم كرَّرها:
        ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 150]
        أراد بالأمر الأول: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾: أي وَلِّ وجهك شطر الكعبة، أي عايِنْها إذا صليتَ تلقاءها، ثم قال:
        ﴿ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ أي معاشر المسلمين في سائر المساجد بالمدينة وغيرها.
        وأراد بالأمر الثاني:﴿ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ يعني وجوب استقبال الكعبة في الأسفار،
        فكان هذا أمرا بالتوجه إلى الكعبة في جميع المواضع من نواحي الأرض.
        ما سر تكرار الأمر؟!
        أحدث تحويل القبلة إلى الكعبة فتنة كبيرة، أشاعها أهل الكتاب والمنافقون والمشركون،
        وأكثروا فيها الكلام والشبهات، فلذا بسطها الله وأكَّدها في كتابه بأنواع التأكيدات.



        (فلا تخشوهم واخشوني):
        علاج الخوف من الناس في إحياء الخوف من الله،
        ومن خاف الله حقا لم يخف من الخلق.


        أعظم النِّعم وأتمُّها نعمة الهداية:
        (ولأُتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون).

        هل تشعر بالإهمال، وأنه لا يوجد من يهتم بك؟!
        ما رأيك لو اهتم بك رب العالمين؟
        وذكَرَك في الملأ الأعلى في أعلى عليين
        ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾.

        ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾:
        أبشِر.. اسمك الآن يتردد في الملأ الأعلى!

        ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾:
        في الحديث القدسي: «قال الله تعالى: عبدي إذا ذكرتني خاليا ذكرتك خاليا، وإن ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ خير منهم وأكبر».

        ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾:
        قال ثابت البناني: إني أعلم متى يذكرني ربي عز وجل، ففزعوا من ذلك،
        وقالوا: كيف تعلم ذلك؟!
        فقال: إذا ذكرته ذكرني:
        ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾.

        ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾:
        اذكره على وجه الأرض.. ليذكرك فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض ..
        ذكرك له محدود، وذكر الله لك غير محدود!

        ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾:
        ما الهَمُّ الذي سيصيبك، وهو يذكرك؟!
        ما المكروه الذي سيلحقك وهو يذكرك؟!
        ما الخوف الذي يقلِقك وهو يذكرك؟ !




        كثرة ذكر الله من أهم علامات الشكر:
        ﴿فَاذكُروني أَذكُركُم وَاشكُروا لي وَلا تَكفُرونِ﴾.

        ﴿إن الله مع الصابرين﴾:
        لكل من أثقلته الهموم وأحاطت به الغموم،
        كيف تستوحش والله معك إن صبرت؟!

        قال ابن عاشور:
        «تكرَّر الأمر باستقبال النبي ﷺ الكعبة ثلاث مرات، وتكرَّر الأمر باستقبال المسلمين الكعبة مرتين، وتكرَّر إنه الحق ثلاث مرات، وتكرَّر تعميم الجهات ثلاث مرات، والقصد من ذلك كله التنويه بشأن استقبال الكعبة، والتحذير من تطرق التساهل في ذلك تقريرا للحق في نفوس المسلمين، وزيادة في الرَّد على المنكرين».


        كان صدور الأمر كافيا للرسول ﷺ؛
        لتدخل الأمة فيه تباعا،
        لكن الأمر جاء للأمة تأكيدا:
        ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾.


        ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ [البقرة: 151]:
        إرسال الرسول ﷺ من أعظم النعم التي تستوجب الشكر!


        ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾[البقرة: 151]:
        قال الآلوسي: «إشارة إلى طريق إثبات نبوته عليه الصلاة والسلام؛ لأن تلاوة الأمي للآيات الخارجة عن قدرة البشر باعتبار بلاغتها، واشتمالها على الإخبار بالغيبات، والمصالح التي ينتظم بها أمر المعاد والمعاش أقوى دليل على نبوته».




        ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾[البقرة: 154]:
        قال ابن عباس- رضي الله عنهما-: «نزلت هذه الآية في قتلى غزوة بدر، قُتِل من المسلمين فيها أربعة عشر رجلا: ست من المهاجرين، وثمانية من الأنصار، وكان الناس يقولون: مات فلان ومات فلان، فنهى الله تعالى أن يُقال فيهم: إنهم ماتوا».


        ﴿ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾[البقرة: 154]:
        إثبات الحياة البرزخية؛ وعجيب أن نتجهز في الدنيا للانتقال من دار إلى دار أوسع أو أفخم لنقضي فيها أياما أو عدة أعوام، بينما نغفل عن التجهز لدار تستمر إقامتنا فيها أبد الآباد.


        ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾[البقرة: 155]:
        هنا مصائب خمسة مؤكدة بثلاثة مؤكدات:
        القسَم، واللام، والنون؛ والتقدير: والله لنبلونكم؛ وقد أعذر من أنذر!


        ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾[البقرة: 155]:
        إنما الصبر عند الهجمة الأولى!
        وأما إذا بردت حرارة المصيبة فكلُّ أحد يصبر عند ذاك،
        ولذلك قيل: يجب على كل عاقل أن يلتزم عند المصيبة ما لا بد للأحمق منه بعد ثلاث.


        ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: 160]:
        كانوا لا يرون لعن الكافر المعيَّن، لعله يسلم قبل موته، ولذا جاء عن ابن كثير في كتابه البداية والنهاية عن رجل نصراني أنه أنشأ قصيدة يذم فيها الإسلام وأهله، ثم ذكر أن ابن حزم أنشأ قصيدة يرد بها عليه، ولما فرغ من سرد قصيدة النصراني قال: «لعن الله ناظمها وأسكنه النار»، ثم قال: «إن كان مات كافرا
        ».

        تعليق


        • #5
          جزاكم الله خيرا ونفع بكم







          تعليق


          • #6
            ﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله! ﴾:
            هم لله يفعل بهم ما شاء، فهم مِلكٌ لربهم، والمالك لا يضيِّع ما ملك.
            من الخطأ أن يُقال عند المصيبة: لاحول ولا قوة إلا بالله ، وإنَّما يسترجع العبد، لقول الله:
            ( الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون).
            (إنا لله وإنا (إليه) راجعون):
            لا يطفئ نار الأحزان مثل اليقين بثواب الله عند الرجوع إليه، فهو الذي يجازي عباده بمثاقيل الذر، وإن تكُ حسنةً يضاعفها.

            من أسباب تنزل اللعنات كتمان الحق خاصة من العلماء!
            (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات) (أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون).

            (إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم):
            تأمل (وبينوا)، لأن بعض من يتوب يتهيب أو يخجل من إعلان توبته بين الناس.

            (والذين آمنوا أشد حبا لله..)
            هذه مسابقة الحب الحقيقي التي لا يتقدَّم إليها إلا المؤمنون.

            (والذين آمنوا أشد حباً لله!):
            *أبشروا يا أحباب، ففي الحديث أقسَم النبي ﷺ-
            وهو الصادق المصدوق من غير قسَم-:
            «واللهِ .. لا يُلقي الله حبيبه في النار».
            *من طرق الوصول لمحبة الله أن تحافظ على هذا الدعاء:
            (اللهم إني أسالك حبك، وحُبَّ من يحبك، وحب عمل يقرِّبني إلى حبك).
            *قال القرطبي: أحبهم الله تعالى أولًا، ثم أحبوه ، وَ من شَهِـد له محبوبه بالمحبة كانت محبته أتم.
            *كيف وصلوا إلى هذه المحبة؟!أرشدك الله إلى سِكَّة من السِّكك:
            (لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتي أحبه).



            ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: 160]:
            قال الإمام الرازي:
            «إن قيل: كيف يلعنه الناس أجمعون، وأهل دينه لا يلعنونه؟
            قلنا الجواب عنه من وجوه.
            أحدها: أن أهل دينه يلعنونه في الآخرة، لقوله تعالى:

            ﴿ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا﴾[العنكبوت: 25] .
            وثانيها: قال قتادة والربيع: أراد بالناس أجمعين المؤمنين، كأنه لم يعتد بغيرهم وحكم بأن المؤمنين هم الناس لا غير.
            وثالثها: أن كل أحد يلعن الجاهل والظالم لأن قبح ذلك مقرر في العقول، فإذا كان هو في نفسه جاهلا أو ظالما وإن كان لا يعلم هو من نفسه كونه كذلك، كانت لعنته على الجاهل والظالم تتناول نفسه عن السدي.
            ورابعها: أن يحمل وقوع اللعن على استحقاق اللعن، وحينئذ يعم ذلك».


            ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [البقرة: 162]:
            ما أشد وقع هذه الآية على الكافر لو كان ذا قلب!
            فهي تصوِّر يأس الكافر من ثلاثة: انقطاع العذاب أو تخفيفه أو تأخيره.


            ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 163]:
            قال القرطبي: «لما حذَّر تعالى من كتمان الحق بيَّن أن أول ما يجب إظهاره ولا يجوز كتمانه: أمر التوحيد، ووصل ذلك بذكر البرهان، وعلم طريق النظر، وهو الفكر في عجائب الصنع، ليُعلَم أنه لا بد له من فاعل لا يشبهه شيء».


            ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 163]:
            انتبه لاسم الله الأعظم!
            في سنن الترمذي وابن ماجة: «اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين:
            ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾،
            وفاتحة آل عمران:
            ﴿الم، اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾». صحيح الجامع رقم: 980



            ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 164]:
            قال الثعالبي: «أول ما ينشأ السحاب فهو النّشء، فإذا انسحب في الهواء فهو السحاب، فإذا تغيرت له السماء فهو الغمام، فإذا أظلّ فهو العارض، فإذا ارتفع وحمل الماء وكثف وأطبق فهو العماء، فإذا عنّ فهو العنان، فإذا كان أبيض فهو المزن».
            قال القاضي عبد الجبار: «خصَّ هذه الثمانية بالذكر لأنها جامعة بين كونها دلائل، وبين كونها نعما على المكلفين على أوفر حظّ ونصيب، ومتى كانت الدلائل كذلك كانت أنجع في القلوب وأشدَّ تأثيرا في الخواطر».

            ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: 166]:
            كل من تابع غيره في الباطل سيتبرأ منه يوم القيامة.

            ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: 166]:
            قال ابن القيم: «فكل من تعلق بشيء غير الله انقطع به أَحوج ما كان إِليه»، ومن أحوج من العبد يوم القيامة؟!

            تعليق


            • #7

              (وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ):
              الخطوة هي أقصر مسافة، لكن فيها الهلاك،
              فمشوار الألف ميل بعيدا عن طريق الحق يبدأ بخطوة.

              ﴿وﻻ تتبعوا خطوات الشيطان﴾
              ﻻحظ .. خطوات، فالخطوة ستتبعها الخطوة، لأن الشيطان لحوح ذو إصرار!
              فالحذر الحذر من الاستصغار ثم الاستمرار.

              (واشكروا لله):
              قال ابن القيم: «الشكر مبني على خمس قواعد: خضوع الشاكر للمشكور، وحبّه له، واعترافه بنعمته، وثناؤه عليه بها، وأن لا يستعملها فيما يكره».

              (غفور رحيم) قيل:
              سبب تقديم المغفرة على الرحمة أن المغفرة سلامة والرحمة غنيمة، والسلامة مطلوبة قبل الغنيمة.

              ﴿فَمَا أصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾
              قال قتادة: والله ما لهم عليها مِن صبْر، ولكن: ما أجرأهم على العمل الذي يقرِّبهم إلى النار!

              ﴿وآتى المال على حبه ذوي القربى﴾:
              كثير من الناس يغفل عن الصدقة على الأقارب، مع أن ثوابها مضاعف، ففي الحديث:
              «صدقة ذي الرحم على ذي الرحم صدقة وصلة» . صحيح الجامع رقم: 3763



              ﴿كتب عليكم الصيام ... لعلكم تتقون ﴾
              إنْ لم يَزِدْ صيامك في تقواك ، فما هو إلا إنهاكٌ لِقواك.

              (أياما معدودات):
              قالها الله سبحانه في سياق تسلية المؤمنين وتخفيف معاناة الصوم عليهم، هوِّنها تَهُنْ!

              ﴿أيَّاماً معدُودَات﴾
              الشهر قصير لا يحتمل التقصير، وقدومه عبور لا يقبل الفتور، فالسباق السباق قولا وفعلا ..
              حذِّروا النفس حسرة المسبوق!.

              ﴿وَلِتُكَبِّرُوا الله﴾:
              الله أكبر.. من كل آلامنا وأوجاعنا ومخاوفنا وجراحنا، ولذا نكرِّرها كل يوم عشرات المرات في صلواتنا.


              ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: 167]:
              قال السدي: «تُرفَع لهم الجنة، فينظرون إليها وإلى بيوتهم فيها لو أطاعوا الله تعالى، ثم تُقَسَّم بين المؤمنين، فذلك حين يندمون».



              ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾[البقرة: 169]:
              لأن الشيطان افترى على الله الكذب، يدعوك لتفتري على الله.


              *قال مقاتل: كل ما في القرآن من ذكر الفحشاء فإنه الزنى، إلا قوله: ﴿الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء﴾، فإنه منع الزكاة. قلت: فعلى هذا قيل: السوء ما لا حد فيه، والفحشاء ما فيه حد.


              *﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾[البقرة: 169]:
              بيان منه سبحانه أنه لا يجوز للعبد أن يقول: هذا حلال وهذا حرام، إلا بما علم أن الله قد أحلَّه أو حرَّمه.


              *إلام يدعو الشيطان؟!
              إلى ثلاثة:
              -السوء: وهي معاصي الله، وسُمِّيت سوءا لأنها تسوء صاحبها بسوء عواقبها.
              - الفحشاء: ما تناهى قبحه من المعاصي، كالزنا وشرب الخمر والقتل، وقيل: كل ما فيه الحد.
              - أن قولوا على الله ما لا تعلمون، وهو من أقبح أنواع الفحشاء، لأنه وصف الله بما لا ينبغي له، وهو من أعظم الكبائر.
              *دلت الآية على أن الشيطان لا يأمر إلا بالقبائح؛ لأنه الله وصف عمله بكلمة: ﴿إنما﴾ وهي تفيد الحصر. قال بعض العارفين: إن الشيطان قد يدعو إلى الخير لكن ليجر العبد منه إلى الشر، أو يجره من العمل الأفضل إلى الفاضل، ثم يجره من العمل الفاضل إلى المعصية، أو يجره من طاعة سهلة إلى طاعة أفضل منها لكنها أشق، ليكون ازدياد المشقة سببا لنفور العبد عن الطاعة بالكلية، فيترك العمل.



              ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾[البقرة: 170]: قيمة العقل!
              ذمَّ الله ما أبطل الكافرون من الفكر والعقل، مما خصَّ الله به الإنسان الذي يعرف به الحق من الباطل في الاعتقاد، والصدق من الكذب في الأقوال، والجميل من القبيح في الأفعال؛ ليتحرى الحق والصدق والجميل، ويتجنب أضدادها.
              ذكره الإمام الراغب.
              *قال الآلوسي: «وفي الآية دليل على المنع من التقليد لمن قدر على النظر، وأما أتباع الغير في الدين بعد العلم- بدليل ما- أنه محق فاتباع في الحقيقة لما أنزل الله تعالى، وليس من التقليد المذموم في شيء، وقد قال سبحانه:
              ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾».


              ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [البقرة: 171]:
              يسمعون لكن ليس سمع الفهم والقبول، فلم ينفعهم سمع الظاهر، فنزلوا إلى منزلة البهائم فى الخلوِّ عن التحصيل، ومن رضي أن يكون كالبهيمة لم يقع عليه كثير قيمة! ذكره القشيري

              تعليق


              • #8

                ﴿ وَلِتُكَبِّرُوا الله على ما هَداكُمْ﴾:
                قال ابن عباس: حق على المسلمين إذا نظروا إلى هلال شوال أن يُكبِّروا الله حتى يفرغوا من عيدهم.

                ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾:
                الله قريب ، فالبُعْد إذن منك أيها العبد!

                ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾:
                لم يستثن دعوة واحدة من الإجابة، فمهما كبرت آلامك وعظمت طموحاتك، فالله هو المجيب!

                ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾:
                كلمتان تشكِّلان أعظم صمام أمان من كل المخاوف والأخطار.

                ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾:
                لك الحمد على قربك، ومني الخجل على ابتعادي عنك.

                ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ (عِبَادِي) عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾:
                والسؤال: هل أنت من عباده حقا؟!

                ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾:
                ما أقرب الرب وأبعد العبد (إذا غفل عن الدعاء)!

                السكة المختصرة!
                ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني (قريب)﴾:
                ضع جبينك على الأرض، وستكون أقرب ما تكون إلى السماء!



                ﴿ فإني قَريبٌ أُجيبُ﴾:
                جاءت بين آيات الصيام، إشارةً إلى أن للدعاء ميزة خاصة في شهر رمضان.

                ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾:
                استجابة الرب بحسب استجابة العبد.. أي شرف هذا وأي فضل؟!.


                ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [البقرة: 174]:
                قال ابن عباس:
                «نزلت هذه الآية في رؤساء اليهود وأحبارهم، كانوا يأخذون من أتباعهم الهدايا، فلما بعث الله نبيه محمدا ﷺ خافوا انقطاع تلك المنافع، فكتموا أمره عليه السلام، وأمْر شرائعه، فنزلت هذه الآية».
                قال الإمام الرازي: «والآية وإن نزلت في أهل الكتاب، لكنها عامة في حق كل من كتم شيئا من باب الدين يجب إظهاره، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب».

                ألا تنافي آية: ﴿ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ قوله تعالى: ﴿فوربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا يعملون﴾ [الحجر: 93]؟!
                والجواب: المراد بالآية لازم معناها، وهي الكناية عن الغضب، فالمراد نفي كلام التكريم لا نفي الكلام مطلقا.




                ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾[البقرة: 176]:
                استحقوا النار لأنهم ردوا الكتاب، والكتاب جاء بالحق، والحق لا يُغالَب، فمن غالبه غُلِب، ومن خذله خُذِل.

                ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾[البقرة: 176]:
                بسبب مرض قلوبهم صار الكتاب -الذي نزَّله الله لجمع الكلمة والفصل في الخلاف- أكبر أسباب الشقاق والعداء.

                ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾[البقرة: 178]:
                حثَّ الله ولي المقتول على العفو، ثم طلب منه أن يطلب الدية بالمعروف، وطلب من القاتل أن يؤديها بإحسان، مع التذكير بالأخوة الإيمانية بين ولي المقتول والقاتل! وكأن الله جعل أخوة الإيمان فوق أخوة الدم.

                ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾[البقرة: 180]:
                المراد بالمعروف أن يوصي للأقارب وصية لا تجحف بورثته، كما ثبت أن سعدا  قال: إن لي مالا، ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأوصي بثلثي مالي؟! قال: «لا». قال: فبشطر. قال: «لا». قال: فالثلث، قال: «الثلث والثلث كثي

                تعليق


                • #9

                  ﴿هُنَّ لباس لَكُم وأنْتُم لباسٌ لهُنَّ﴾:
                  أنتما لباس لبعضكما، فحين تطعن في زوجتك، فإنما تكشف سترك وتفضح نفسك.

                  الهروب من مقدِّمات الذنب من أهم أسباب النجاة:
                  ﴿ تلك حدود الله فلا تقربوها﴾.

                  ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها﴾:
                  قال ابن عمر: إني لأحب أن أدع بيني وبين الحرام سترة من الحلال لا أخرقها.
                  وقال ميمون بن مهران: لا يسلم للرجل الحلال حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزا من الحلال.

                  ﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها﴾:
                  قال البراء رضي الله عنه: نزلت هذه الآية فينا. كانت الأنصار إذا حَجّوا فجاءوا لم يدخلوا من قبل أبواب بيوتهم، ولكن من ظهورها، فجاء رجل من الأنصار فدخل من قِبَل بابه، فكأنه عُيِّر بذلك، فنزلت: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ .. ﴾.

                  ﴿والفتنة أشد من القتل﴾:
                  ليس المقصود بالفتنة هنا النميمة وإثارة النزاعات، بل المقصود بها هنا الكفر.

                  ﴿ فاعتدوا عليه بمثل مااعتدى عليكم (واتقوا الله) ﴾
                  عند استيفاء الحقوق، تكون النفوس مشحونة، لذا أمر الله بالتقوى ليحميها من الظلم، ويعصمها من الزلل.



                  ﴿ ﻭَﻻَ ﺗُﻠْﻘُﻮﺍْ ﺑِﺄَﻳْﺪِﻳﻜُﻢْ ﺇِﻟَﻰ ﺍﻟﺘَّﻬْﻠُﻜَﺔ ﴾:
                  المقصود بالتهلكة في هذه الآية –عكس ما يتبادر لأذهان الكثير- هو ترك الجهاد في سبيل الله، وعدم الإنفاق.

                  ﴿ وأتمّوا الحج والعمرة لله ﴾:
                  لله وحده!
                  فلا حاجة للناس بمعرفة حالك مع الله وتفاصيل حجك!

                  ﴿وما تفعلوا من خير (يعلمه) الله﴾:
                  عِلْمُ الله بطاعتك من أعظم ما يهوِّنها عليك، ويجعلها أخف على البدن، وألذّ على القلب.

                  ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾[البقرة: 181]:
                  التبديل نوعان:
                  النوع الأول، مذموم وهو المذكور هنا، وذلك بتغيير وصية الميت وتحريفها بغير حق، أو كتمان الوصية بالكلية.
                  النوع الثاني وهو التبديل المحمود، إن كان في الوصية إجحاف أو ظلم أو منكر، بأن أوصى مثلا بأكثر من الثلث، فيبدلِّها إلى الثلث.


                  ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[البقرة: 192]:
                  الله يقبل توبة الكافر، أفلا يقبل توبتك؟!


                  ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾[البقرة: 192]:
                  الفتنة هي الشرك والصد عن دين الله، ودرء الفتنة من أهداف القتال في الإسلام، فالكافر الظالم إذا اعتدى على مسلم فلم يردَّه أحد، تمادى في العدوان، فوجب كسر شوكته بالقتال.



                  ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾[البقرة: 201]:
                  عن أنس  أن رسول الله ﷺ عاد رجلا من المسلمين قد خفت فصار مثل الفرخ، فقال له رسول الله ﷺ: «هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه؟» قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة، فعجِّله لي في الدنيا، فقال رسول الله ﷺ: «سبحان الله لا تُطيقه - أو لا تستطيعه - أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار». قال: فدعا الله له، فشفاه.
                  . قيل لأنس بن مالك : ادْعُ لنا، فقال: «اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار». قالوا: زدنا، فأعادها. قالوا: زدنا. قال: ما تريدون؟! قد سألتُ لكم خير الدنيا والآخرة!


                  ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا﴾[البقرة: 202]:
                  من معاني الكسب الطلب، فيجيب الله (بعض) ما دعوا به وطلبوه منه، بحسب ما تقتضيه مصلحتهم، وتفرضه حكمته سبحانه، لذا نكَّر كلمة ﴿نَصِيبٌ﴾.


                  ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾[البقرة: 202]:
                  سُئل علي بن أبي طالب : كيف يحاسب الله الخلائق جميعا في لحظة واحدة؟
                  فقال: «كما يرزقهم في ساعة واحدة».


                  ﴿ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: 205]:
                  كلُّ المفسدين في حضرتك يقولون لك كلاما حسنا ويُظهِرون محبتك، وأما عند غيبتك فيسعون في الفتنة والفساد.

                  تعليق


                  • #10
                    ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾:
                    تتزود لسفر الدنيا، وتأخذ فيه معك ما يكفيك ويفيض، ثم تنسى التزود لآخرتك!

                    مع أنها الرحلة الأهم ودار الخلود والأبد!
                    كلما تزودت لسفر دنيوي تذكر أنك في انتظار سفر أهم، بل وعليه مدار نجاتك من العذاب الأخروي وفوزك الأبدي.

                    ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾:
                    فإذا رأيت الناس قد افتخروا بالعقار والدولار، فافتخر بين يدي ربك بتقواك حين اجترأ على محارمه الفجار، وأطعته حين عصوه، وحفظتَ ما ضيَّعوا.

                    ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾:
                    المقصود في الآية تزود الحجيج بالماء، لكن الله ذكر معه الزاد الأهم:
                    (فإن خير الزاد التقوى)، لأن دنيا المؤمن لا تلهيه، وإنما تذكِّره بالآخرة وتُزَكّيه.

                    تذكُّر الضلال الذي كنت عليه قبل هدايتك، والجهل الذي سبق علمك، كفيلٌ بأن يكسر حاجز الغرور في نفسك،
                    ويمنعها من الزيغ:
                    ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾.


                    (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ)
                    كل العبادات تُخْتَم بالاستغفار، ومنها الحج،
                    لأن الإنسان جُبِل على النقص والتقصير، فيرقِّع ذلك بالاستغفار.

                    ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا الله﴾: َِ
                    تنقضي الشعائر، وترحل مواسم الخير، ويبقى ذكر الله الشعيرةَ الخالدة التي لا تنقطع، لشرف الذكر ومكانته.



                    ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
                    سُئل الحسن البصري : ما علامة حب الله ؟
                    قال : «أن يذنب العبد، فيلهمه الاستغفار».

                    في صحيح البخاري ومسلم: «كان أكثر دعوة يدعوبها:
                    ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾».

                    ختم الله آيات الحج بـقوله:
                    ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾:
                    حشَرَكم في الحج باختياركم، لكنه يحشركم غدا رغما عن أنوفكم، فحشْر اليوم الاختياري،
                    عليه أن يذكِّركم بيوم الحشر الأكبر الإجباري.


                    ﴿ وَإِذَا تَوَلَّى﴾[البقرة: 205]:
                    أو تولى من التولية، فإذا صار واليا على قوم اجتذبهم إليه بمعسول الكلام،
                    وأَيْمانه الفاجرة، حتى إذا ما التف الناس حوله سعى بينهم بالظلم والعدوان.


                    ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾[البقرة: 207]:
                    نزلت في صهيب بن سنان الرومي، وذلك أنه لما أسلم بمكة وأراد الهجرة منعه المشركون أن يهاجر بماله، وإن أحب أن يتجرد منه ويهاجر أذنوا له، فنخلص منهم وأعطاهم ماله فأنزل الله فيه هذه الآية،
                    وروي أن الرسول ﷺ قال له عند ما رآه: «ربح البيع، ربح البيع».



                    ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[البقرة: 209]:
                    الزَّلَّة الواحدة بعد وجود البرهان وقيام الحجة أقبح بكثير مما كان قبل ذلك.


                    ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[البقرة: 209]: قال الفخر الرازي:
                    «وقوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ نهاية في الوعيد، لأنه يجمع من ضروب الخوف ما لا يجمعه الوعيد بذكر العقاب. وربما قال الوالد لولده: إن عصيتني فأنت عارف بي وأنت تعلم قدرتي عليك وشدة سطوتي، فيكون هذا الكلام في الزجر أبلغ من ذكر الضرب وغيره» .


                    ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾[البقرة: 210]:
                    أي ما ينظرون، إذا جاءت (إلا) بعد الاستفهام؛ كان الاستفهام للنفي؛ كما قال النبي عليه الصلاة و السلام: «إن أنت إلا أصبع دميت..وفي سبيل الله ما لقيتِ»، والمعنى: ما أنتِ إلا إصبع دميت.
                    ﴿فِي ظُلَلٍ﴾: أي مع ظلل، ففي هنا للمصاحبة، وليست الظرفية؛ فلو كانت الظرفية؛ لكانت الظلل محيطة بالله تعالى، والله تعالى –حاشاه- لا يحيط به شيء من خلقه.


                    ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾[البقرة: 211]:
                    لم يذكر الله بم بدَّلوا النعمة، ليشمل ذلك جميع أنواع التبديل من كتمان بعض النعم وعدم الاعتراف لله بها، والكفر ببعضها باستعمالها في معصية الله، أو نسبتها إلى غير الله، وكل هذا من تبديل النعمة المستحق للعقاب.


                    ﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾[البقرة: 212]:
                    قال الكلبي ومقاتل: كان خباب قَيْنًا (حدّادا)، فصاغ للعاص حُلِيًّا ثم تقاضاه أجرته، فقال العاص: ما عندي اليوم ما أقضيك، فقال خباب: لست بمفارقك حتى تقضيني، فقال العاص: يا خباب ... مالك؟! ما كنت هكذا، وإن كنت لحسن الطلب، فقال خباب: إني كنت على دينك، فأما اليوم فأنا على دين الإسلام مفارق لدينك، قال: أو لستم تزعمون أن في الجنة ذهبا وفضة وحريرا؟ قال خباب: بلى. قال: فأخِّرني حتى أقضيك في الجنة- استهزاء- فو الله لئن كان ما تقول حقا إني لأقضيك فيها، فوالله لا تكون أنت يا خباب وأصحابك أوْلى بها مني.

                    ﴿ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ ﴾:
                    مهما شقَّت عليك الطاعة، فما تلبث مشقتها أن تنقضي، ويبقى ثوابها وأجرها إلى أن يبهرك يوم الجزاء.

                    ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾:
                    ليست طلاقة اللسان دائما محمودة، فأحيانا ما تُخفي وراءها سوء السريرة وخبث الباطن.

                    ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ (قَوْلُهُ)﴾:
                    العبرة دائما بالأفعال لا بالأقوال!

                    ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾:
                    قال ابن مسعود: إن من أكبر الذنب عند الله أن يُقال للعبد: اتق الله، فيقول: عليك بنفسك (خلّيك في حالك!).

                    ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾:
                    ادخلوا في الإسلام بكل نواحيه، ولا تأخذوا من الدين ما يروق لكم فحسب، ولا تتخيَّروا على ربكم.

                    ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾:
                    الإسلام بجميع تكاليفه، بحيث لا تتركوا تكليفا واحدا يشذُّ منكم.

                    ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾:
                    خذواالإسلام كاملا ولا تقسِّموه!
                    ولا تتركوا حكما من أحكام الدين دون أن تعملوا به.



                    ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ﴾:
                    الأوجاع طريق الجنة.

                    ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾:
                    حين تثور أسئلة استبطاء الفرج في داخلك، فاعلم أن الفرَج قريب.

                    ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾:
                    قال ابن القيم: فَإِن العَبْد إِذا علم أن الْمَكْرُوه قد يَأْتِي بالمحبوب والمحبوب قد يَأْتِي بالمكروه لم يَأْمَن أَن توافيه الْمضرَّة من جَانب المسرَّة، وَلم ييأس أَن تَأتيه المسرة من جَانب الْمضرَّة؛ لعدم علمه بالعواقب، فإن الله يعلم مِنْهَا ما لا يعلمه العَبْد.

                    ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾[البقرة: 212]:
                    الرزق الدنيوي يحصل للمؤمن والكافر، وأما رزق القلوب من العلم والمحبة والإيمان، فلا يعطيها الله إلا من يحب.

                    ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾[البقرة: 213]:
                    سلوك المسلم عند الاختلاف؟!
                    قال السعدي: «فهو حق، يفصل بين المختلفين في الأصول والفروع، وهذا هو الواجب عند الاختلاف والتنازع، أن يُرَدُّ الاختلاف إلى الله وإلى رسوله، ولولا أن في كتابه وسنة رسوله فصل النزاع، لما أمر الله بالرد إليهما».


                    ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينات بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾﴾[البقرة: 213]:
                    لا ينشأ الاختلاف –في ظل وجود الكتاب والنص الشرعي- إلا من وجود البغي!
                    والبغي يدفع الإنسان لأخذ غير حقه، فجعل كل فريق يخطِّئ الآخر ظلما وعدوانا.



                    ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾[البقرة: 213]:
                    قال بعض الصالحين: ما أكثر الهدى وأقل من يرى، ألا ترى أن نجوم المساء ما أكثرها، ولا يهتدي بها إلا العالمون؟!


                    ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾[البقرة: 217]:
                    سبب نزولها: أن سرية بعثها رسول الله ﷺ، فقاتلوا المشركين، وقد أهَلَّ هلال رجب وهم لا يعلمون ذلك، فقالت: قريش قد استحل محمد عليه السلام الشهر الحرام شهراً يأمن فيه الخائف. قال ابن عباس: كان أصحاب النبي ﷺ يظنون تلك الليلة من جمادى، وكانت أول رجب.


                    ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾[البقرة: 217]:
                    دائما ما يتصيد أهل الباطل لأهل التدين جزئيات من الدين فرطت منهم دون قصد،
                    وهم واقعون في ما هو أعظم عند الله جرما وأشد إثما.


                    كان شهر رجب يدعى عند العرب: الشهر الأصم؛ لأنه لم يكن يسمع فيه للسلاح قعقعة تعظيماً لهذا الشهر،
                    وكانوا يعظمونه أكثر من باقي الأشهر الحرم.


                    ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾[البقرة: 219]:
                    ليس العفو هنا ضد العقوبة بل ما تيسَّر، والعفو في لغة العرب يطلق على ضد الجهد، والمراد ما تيسر من فضول أموالكم، فلا تكلِّفوا أنفسكم إنفاق ما لا تطيقون.

                    تعليق


                    • #11
                      ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾:
                      قد لا يرجح ميزان حسناتك، ولا يستقيم دينك إلا بعد معاناة البأساء والضراء.

                      ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾:
                      فلرُبما اتسع المضيق .. ولربما ضاق الفضـا
                      ولرُبّ أمر محزن .. لك في عواقبه رضا

                      كل أقدار الله خِير، سواء طابت بها رُوحك أو ضاقت:
                      ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

                      مصيبة تقبل بها على الله خيرٌ من نعمة تلهيك عنه:
                      ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾.

                      ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ الله﴾:
                      يمتحن الله إيمانك بأن يأمرك بهجر ما تحب، كما امتحن أحب خلقه بالهجرة من ديارهم التي يحبون.



                      ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾:
                      مهما أخفيت من نواياك، فالله يعلم خفاياك.

                      ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾:
                      مهما تعددت دواعي (اﻹعجاب) بين الناس، فلا شيء يعدل الإعجاب باﻹيمان!

                      ﴿إنَّ اللهَ يُحِبُّ التَوّابينَ﴾:
                      وليست التوبة إلا بعد الذنب، فالذنب إذن ليس نهاية المطاف ولا خاتمة القصة!
                      اكتب النهاية السعيدة!

                      ﴿إنَّ اللهَ يُحِبُّ التَوّابينَ﴾:
                      ندمك على الذنب يوجع قلبك، لذا عوَّضك الله عن ألمك بهذا الحب؛ ليخفِّف عنك!

                      ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾:
                      قوامة الرجل قد تتحول إلى تسلط وتحكُّم، إلا إذا تذكَّر الزوج عزة الله وقدرته، وهذا سر ختم الآية بصفة العزة.



                      ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾:
                      لعل من أسباب تخصيص الوصية بالصلاة الوسطى أنَّ ليس لها نافلة تجبر نقصها.

                      ﴿ﻻ طاقَةَ لَنا الْيَوْمَ بِجالوتَ وَجُنودِهِ﴾:
                      لابد قبل اللقاءات الفاصلة من التمايز والتصفية!



                      ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾:
                      ليس الفصال هنا الطلاق؛ بل الفصال هو فطام الصبي عن الرضاعة.

                      فطام الطفل يرجع فيه القرار للمشورة بين الزوجين:
                      ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾،
                      فكيف بغيرها من القضايا؟!

                      ﴿وَلا تَنْسَوا الفَضْلَّ بَيْنَكُمْ﴾:
                      لا تجعل لحظة غضبٍ واحدة تهدم مئات الساعات الجميلة.

                      ﴿وَلا تَنْسَوا الفَضْلَّ بَيْنَكُمْ﴾:
                      قال الإمام الشوكاني: «وهو إرشاد للأزواج إلى ترك تقصي الحقوق على بعضهم، والمسامحة فيما بينهم».

                      في الوقت الذي احتاج طالوت إلى قومه قالوا:
                      ﴿ﻻ طاقَةَ لَنا الْيَوْمَ بِجالوتَ وَجُنودِهِ﴾،
                      فبعض كلمات (الأصدقاء) أشد فتكا من سلاح (الأعداء).

                      ﴿قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو الله﴾:
                      جميلٌ أن تُحسِن الظن بالله، لكن الأروع أن تفعل ذلك حين يفقد الجميع الأمل.

                      ﴿ربنا أفرغ علينا صبرا﴾:
                      تخيَّل شلالاً من الصبر ينهمر عليك، ليُطفئ لهيب آلامك، ويتسلل لتجاويف أوجاعك.

                      انظر ماذا يفعل الدعاء:
                      ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾،
                      فكانت النتيجة:
                      ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ الله﴾.

                      (فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ)
                      قال قبيصة بن جابر الأسدي: سمعتُ عمر بن الخطاب يخطب وهو على المنبر:
                      «والله لا أوتَى بمحلِّل، ولا بمحلَّل له إلا رجمتها».


                      ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ﴾[البقرة: 230]:
                      قال صاحب الكشاف: «ولم يقل: إن علما أنهما يقيمان حدود الله؛ لأن اليقين مغيَّب عنهما لا يعلمه إلا الله، ومن فسَّر الظَّن ها هنا بالعلم فقد وهِم، لأن الإنسان لا يعلم ما في الغد، وإنما يَظُنُّ ظنا».


                      ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾[البقرة: 231]: والآية تأكيد لأمر الله بالإمساك بمعروف، وزجر صريح عما كان يفعله البعض من مراجعته لامرأته قبل انتهاء عدتها لا لقصد الحفاظ على الزوجية، وإنما بقصد إطالة عدة الزوجة، أو لقصد أن تفتدي نفسها منه بمال.


                      ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾[البقرة: 231]:
                      ومن مظاهر اتخاذ آيات الله هزوا الإكثار من التلفظ بالطلاق، وفي موطأ مالك أن رجلا قال لابن عباس:
                      إنى طلقت امرأتى مائة مرة فماذا ترى عليَّ؟
                      فقال ابن عباس: «طلقت منك بثلاث، وسبع وتسعون اتَّخذتَ بها آيات الله هزوا».


                      ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾[البقرة: 232]:
                      الخطاب هنا لأولياء المطلقة دون طلقات ثلاث إذا خرجت من العدة، وأراد زوجها أن ينكحها، ورضيت بذلك، فلا يجوز لوليها، من أب وغيره أن يعضلها، أي: يمنعها من التزوج به حنقا عليه وغضبا لما فعل من الطلاق الأول.



                      ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾[البقرة: 232]:
                      رُوِي أن معقل بن يسار كانت أخته تحت أبي البداح، فطلقها وتركها حتى انقضت عدتها، ثم ندم فخطبها، فرضيت وأبى أخوها أن يزوجها وقال: وجهي من وجهك حرام إن تزوجتيه. فنزلت الآية. قال مقاتل: فدعا رسول الله ﷺ معقلا فقال: «إن كنتَ مؤمنا، فلا تمنع أختك عن أبي البداح»، فقال: آمنت بالله، وزوَّجها منه.


                      ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ﴾[البقرة: 236]:
                      تعلموا أدب القرآن!
                      كناية من ألطف الكنايات التي تربي الإنسان على حسن الأدب وعفة التعبير،
                      وتجنب الألفاظ الفاحشة في ما يتعلق بالعلاقة الزوجية.


                      ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ﴾[البقرة: 236]:
                      هذه الآية تُسمَّى آية المتعة كما جاء على لسان بعض الفقهاء، وهي تشريع حكيم لأن فراق المرأة قبل الدخول بها ينشئ جفوة بينها وبين مطلقها، فجاءت المتعة تسرية لنفسها، وتعويضا لها عما أصابها، وتلطيفا لجو الطلاق وما يصاحبه من جفاء وشحناء، واستبقاءً للمودة بين الطرفين.


                      ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾[البقرة: 238]:
                      لم نزلت هذه الآية؟
                      في صحيح البخاري عن زيد بن أرقم:
                      إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد النبي ﷺ يُكلِّم أحدنا صاحبه بحاجته؛ حتى نزلت:
                      ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾، فَأُمِرْنا بالسكوت.


                      ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾[البقرة: 239]:
                      صلوا ماشين على الأقدام أو راكبين، فليس الخوف عذرا مقبولا لترك الصلاة.


                      ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾[البقرة: 239]:
                      إقامة الصلاة على وقتها! فقد أمر الله بإقامتها ولو مع الإخلال بكثير من الأركان والشروط، فلا يجوز تأخير الصلاة حتى يخرج وقتها ولو في حالة الخوف الشديد، فصلاتها بتلك الصورة أفضل وأوجب من صلاتها تامة بعد خروج وقتها.


                      ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾[البقرة: 240]:
                      هنا روعة تدرج التشريع الرباني!
                      قال الطاهر بن عاشور:
                      «واعلموا أن العرب في الجاهلية كان من عادتهم المتبعة أن المرأة إذا توفي عنها زوجها تمكث في شرِّ بيتٍ لها حولا، مُحدَّة لابسة شر ثيابها، متجنبة الزينة والطيب، فلما جاء الإسلام أبطل ذلك الغلو في سوء الحالة، وشرع عدة الوفاة والإحداد، فلما ثقل ذلك على الناس، في مبدأ أمر تغيير العادة، أمر الأزواج بالوصية لأزواجهم بسكنى الحول بمنزل الزوج والإنفاق عليها من ماله، إن شاءت السكنى بمنزل الزوج، فإن خرجت وأبت السكنى هنالك لم ينفق عليها، فصار الخيار للمرأة في ذلك بعد أن كان حقا عليها لا تستطيع تركه، ثم نسخ الإنفاق والوصية بالميراث، فالله لما أراد نسخ عِدة الجاهلية، وراعى لطفه بالناس في قطعهم عن معتادهم، أقرَّ الاعتداد بالحول، وأقرَّ ما معه من المكث في البيت مدة العدة، لكنه أوقفه على وصية الزوج عند وفاته لزوجه بالسكنى، وعلى قبول الزوجة ذلك، فإن لم يوص لها أو لم تقبل، فليس عليها السكنى، ولها الخروج، وتعتد حيث شاءت، ونسخ وصية السكنى حولا بالمواريث، وبقي لها السكنى في محل زوجها مدة العدة مشروعا».

                      تعليق


                      • #12

                        وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾[البقرة: 241]:
                        متعة المطلَّقة ثقيلة على النفس، لذا قيَّدها الله بقيدين: التقوى في هذه الآية، والإحسان في الآية السابقة.

                        ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾[البقرة: 241]:
                        طلَّق رجل امرأته عند شريح القاضي، فقال له شريح: مَتِّعْها! فقالت المرأة: إنه ليس لي عليه متعة، إنما قال الله تعالى:
                        ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المحسنين﴾،
                        وليس من أولئك!!

                        ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾[البقرة: 242]:
                        ما معنى العقل هنا؟
                        ! قال الأستاذ الإمام محمد رشيد رضا: «معناه أن يتدبر الشيء ويتأمله حتى تُذعِن نفسه لما أودعت فيه إذعانا يكون له أثر في العمل، فمن لم يعقل الكلام بهذا المعنى فهو ميت، وإن كان يزعم أنه حي، ميت من عالم العقلاء، حي بالحياة الحيوانية، وقد فهمنا هذه الأحكام ولكن ما عقلناها، ولو عقلناها لما أهملناها».

                        ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾[البقرة: 243]:
                        الهروب من القدَر حماقة، لسان حال أحدهم: فرَّ من الموت، وفي الموت وقع!


                        ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾[البقرة: 245]:
                        أكمل الصدقات!
                        قال الآلوسي: «وذكر بعضهم أن القرض الحسن ما يجمع عشر صفات:
                        - أن يكون من الحلال، فإن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا.
                        - وأن يكون من أكرم ما يملكه المرء.
                        - وأن يكون والمرء صحيح شحيح يأمل العيش ويخشى الفقر.
                        - وأن يضعه في الأحوج الأَوْلى.
                        - وأن يكتم ذلك.
                        - وأن لا يتبعه بالمنِّ والأذى.
                        - وأن يقصد به وجه الله تعالى.
                        - وأن يستحقر ما يعطي وإن كثُر.
                        - وأن يكون من أحب أمواله إليه.
                        - وأن يتوخى في إيصاله للفقير ما هو أسَرُّ لديه من الوجوه كحمله إلى بيته».


                        ﴿إذ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾
                        ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا﴾[البقرة: 246]:
                        ميدان القول غير ميدان العمل!

                        ﴿وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾[البقرة: 246]:
                        جعل الله التهجير من الوطن والأهل سببا لوجوب الجهاد في سبيل الله.



                        ﴿قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنْ الْمَالِ﴾[البقرة: 247]:
                        التقييم الجاهلي تقييمٌ سطحي، يقيس الشخص بما نال من أموال لا بما حاز من كريم خصال.

                        ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾[البقرة: 248]:
                        اليهود قوم ماديون، لذا ساق الله لهم آية حسية يشاهدونها وهي الإتيان بالتابوت الذي فقدوه زمنا طويلا، ولأن التابوت حمله الملائكة، فلم يرهم القوم لأنهم مخلوقات غير مرئية، فرأوا التابوت آتيا دون أن يروا من يحمله، ولذلك أسند الله أمر الإتيان إلى التابوت: ﴿يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ﴾.

                        ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾[البقرة: 249]:
                        كانوا أصحاب طالوت ثمانين ألفا فصاروا ثلاثمائة!
                        قال البراء بن عازب : «كنا نتحدث: أن أصحاب بدر ثلاث مائة وبضعة عشر، بعدة أصحاب طالوت، الذين جاوزوا معه النهر، وما جاوز معه إلا مؤمن».

                        ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا﴾[البقرة: 249]:
                        أول أعمال المجاهدين: الدعاء، فشارِكهم من مكانك في هذا العمل إن لم تنل شرف الجهاد.

                        ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ ﴾[البقرة: 251]:
                        قال ابن عباس: «يدْفع الله بِمن يُصَلِّي عمَّن لا يُصلِّي، وبمن يحجُّ عمَّن لا يحجُّ، وبمن يُزكي عمَّن لا يُزكّي»

                        ﴿ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ ﴾[البقرة: 251]:
                        وفسادها بأن يغمرها الكفر، لكنه سبحانه لا يُخْلي زمنا من الأزمنة مِنْ قائمٍ بحقٍّ وداعٍ إلى الله.

                        تعليق


                        • #13


                          الجزء الثالث


                          ﴿الم (1) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَّ الْحَيُ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: 2]:
                          قال النبي ﷺ: «اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ ﴾[البقرة: 163]، وفاتحة آل عمران: ﴿الم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾» صحيح الجامع رقم: 980

                          الدعاء باسمي الحي القيوم!
                          قال النبي ﷺ لابنته فاطمة يوما: «ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به؟
                          أن تقولي إذا أصبحت وإذا أمسيت: يا حي يا قيوم .. برحمتك أستغيث..وأصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا». السلسلة الصحيحة رقم: 227

                          ﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: 3]:
                          التنزيل هو النزول مرة بعد مرة، والقرآن نزل منجَّما: أي شيئا بعد شيء، فلذلك قال: ﴿نَزَّلَ﴾، وأما التوراة والإنجيل فنزلا دفعة واحدة، لذا قال: ﴿وَأنْزَل﴾.

                          ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ ﴾[آل عمران:5]:
                          اختباؤك بعيدا عن نظر الله علامة قلة عقل فضلا عن ضعف دين.

                          ﴿الحي القيوم﴾:
                          قال كثير من أهل العلم أنه اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب.

                          في حديث أبى أمامة مرفوعا أن اسم الله الأعظم في ثلاث سور، في سورة البقرة، وآل عمران، وطه.
                          قال أبو أمامة: ﴿فالتمستها فوجدت في البقرة: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾
                          وفي آل عمران: ﴿اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾
                          وفي طه: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّوم﴾.





                          ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم ﴾
                          نتلوها كل ليلة قبل أن ننام ليحفظنا الله ويرعانا بعينه التي لا تنام.

                          (ولا يؤده حفظهما):
                          وإن الذي حفظ السماوات والأرض؛ لن يعجزه أن يحفظك من كل سوء، فاعبده وتوكل عليه.

                          (فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انْفِصَامَ لها):
                          العروة الوثقى هي الإيمان أو الإسلام أو التوحيد، فلتفلت كل العرى من يديك، ولتقبض على عروة الدين؛ لتبحر آمنا في بحر الحياة الهائج نحو شطآن الجنة.

                          (لا انْفِصَامَ لها):
                          إلا إن أراد العبد انفصامها! قال سعيد بن جبير: لا يُغَيِّرُ اللَّهُ ما بِقَوْمٍ حتَّى يُغَيِّروا ما بِأَنْفُسِهِم.

                          { الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور }
                          وحَّد الله لفظ ( النور ) و جَمَع لفظ ( الظلمات )، لأن طريق الحق واحد، وطرق الباطل متعددة.



                          (الله وليُّ الذين آمنوا):
                          من كان الله وليّه، فلن يَضلَّ أبدا، ولن يُقهَر.

                          ﴿ الله ولي الذين آمنوا ﴾ .. ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ﴾ .
                          ومتى تولاك هل يضيِّعك؟!

                          ﴿ الله وليُّ الذين آمنوا ﴾
                          على قدر إيمانك تكون ولاية الله لك.
                          1

                          ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾[البقرة: 254]:
                          قال عطاء بن دينار: والحمد لله الذي قال: ﴿والكافرون هم الظالمون﴾، ولم يقل: والظالمون هم الكافرون.

                          (وهو العلئ) [البقرة: 255]:
                          قال الماوردي:
                          «وفي الفرق بين العلي والعالي وجهان:
                          أحدهما:أن العالي هو الموجود في محل العلو وإن لم يكن مستحقا للعلو، والعلي هو المستحق للعلو.
                          الثاني:أن العالي هوالذي يجوز أن يُشارَك، والعلي هو الذي لايجوز أن يُشارَك»

                          (العظيم) [البقرة: 255]:
                          قال ذوالنُّون: «من أراد التواضع فلْيُوَجِّه نفسه إلى عظمة الله فإنها تذوبُ وتصفو، ومن نظر إلى سلطان الله ذهب سلطانُ نفسه؛ لأن النفوس كلَّها فقيرةٌ عندهيبته».

                          ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: 266]
                          مثل لسوء الخاتمة أو المرائي!
                          تلا عمر هذه الآية، وقال: هذا مثَل ضرب للإنسان يعمل عملا صالحا، حتى إذا كان عند آخر عمره أحوج ما يكون إليه عمل عمل السوء،
                          وقال السُّدِّي: هذا مثل المرائي في نفقته الذي ينفق لغير الله، ينقطع عنه نفعها أحوج ما يكون إليه.
                          أو مثل لشدة الحاجة للحسنات بعد الموت!
                          قال الحسن: «هذا مثل، قلَّ والله من يعقله من الناس: شيخٌ كبير ضعف جسمه، وكثر صبيانه، فقَد جنته أحوج ما كان إليها، وإن أحدكم والله لأفقر ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا».


                          ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾[البقرة: 271]:
                          أيهما أفضل في الصدقة: السر أم الإعلان؟
                          السِّرّ أوْلى في حالة ضعيف القلب الذي لا يأمن على نفسه الرِّياء.
                          والإعلان مع مجاهدة النَّفس من خطرات الرِّياء أوْلى للقوي الذي يأمن الرِّياء إذا قصد أن يدعو غيره إلى الاقتداء.


                          تعليق


                          • #14
                            ﴿فإن الله يأتي بالشمس من المشرق﴾:
                            آيات الله ساطعة بيِّنة، لكن انطماس البصيرة واعتياد رؤية المعجزات ألهى الناس عنها.

                            ﴿ وإذْ قال إبراهيم ربِّ أرني كيف تُحيي الموتى قال أوَلَمْ تؤمن.. قال بلى ولكن لِيطمئنّ قلبي ﴾
                            ليس الخبر كـالـمُـعاينة !

                            (قالَ فَخُذ أربَعَةً منَ الطَّيرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيك }
                            فَصُرْهُنَّ إليك : ليس معناها ضعها في صُرَّة، وإنما معناها (فقطعهن)

                            ﴿ والله يضاعف لمن يشاء ﴾:
                            كُلٌّ بحسب ما حوى قلبه من إخلاص ويقين وحسن ظن بالله، مضاعفات الأعمال تكون بحسب محتوى القلوب وتباين الأحوال.

                            ﴿ الذين ينفقون أموالهم .. فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾؛
                            لا خوف عليهم مما يستقبلهم من أهوال، ولا يحزنون على ما أصابهم من مصائب




                            الأخلاق قبل الأموال! ..
                            ﴿ (قولٌ معروف) ومغفرة خير من (صدقة) يتبعها أذى ﴾

                            (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى):
                            ولذا قيل: من أعطى فمنَّ، كان كَمَن بَخِل وضنَّ.

                            في آيات الإنفاق قال الله
                            (وتثبيتا من أنفسهم):
                            منا من يُخرِج الصدقة بعد تردد، ومنا من يبذلها ثابت القلب غير متردد، لا يستوون عند الله!

                            (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم):
                            لا تسرق وتتصدق، ولا تأكل الرشوة وتحج، فليتها ما زنت ولا تصدَّقت!

                            وعْد الشيطان في الإنفاق:
                            {الشيطان يعدكم الفقر}، ووعْد الله في الإنفاق: {والله يعدكم مغفرة منه وفضلا}،
                            فلينظر صاحب المال بأي الوعدين يثق !!
                            وما يَضرك وعد الشَّيْطَان مع ضمان الرحمن؟


                            ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ ﴾[آل عمران:5]: قال القشيري:
                            «لا يتنفس عبد نفسا إلا والله مُحصيه، ولا يحصل فى السماوات والأرض أمر إلا وهو سبحانه محدثه ومبديه، هذا على العموم، فأما على الخصوص مع أوليائه: فلا رفَع أحد إليه حاجة إلا وهو قاضيها، ولا رجع أحد إليه فى نازلة إلا وهو كافيها».




                            ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ ﴾[آل عمران:5]:
                            لا يخفى عليه منك سرُّ ولا علانية، فاحذر أن ينظر إليك نظرة بغض وغضب، وأنت لا تشعر بذلك فرحا بعصيان أو قرة عين باتباع شيطان .
                            قال بعض السلف لابنه: إذا دعتك نفسك إلى كبيرة، فارم ببصرك إلى السماء، واستح ممن فيها، فإن لم تفعل فارم ببصرك إلى الأرض واستح ممن فيها، فإن كنت لا ممن في السماء تخاف، ولا ممن في الأرض تستحي، فاعدد نفسك في عداد البهائم!
                            قيل لبعضهم: كيف تشكو إلى من لا يخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء؟ فقال:
                            قالوا: أتشكو إليه ... ما ليس يخفى عليه؟!
                            فقلتُ: ربي يرضى ... ذُلُّ العبيد لديه

                            ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمِة﴾[آل عمران: 7]:
                            التَّخلية قبل التَّحلية!
                            قدَّم التخلية فقال: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾، ثمَّ التحلية في قوله: ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾، فقدَّم اللهُ سؤال تطهير القلبِ عمَّا لا يَنبغي له، على طلبِ تَزويده بما ينبغي له؛ لأنَّ إزالة الحشائش الضارة قبل غرس البذور النافعة هو عين الحكمة.

                            ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾[آل عمران: 8]
                            لا يراد به الافتخار بالهداية، بل التَّوسُّل بها كنعمة من النِّعَم السَّابقة لاستجلاب النعم اللاحقة.

                            ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ﴾[آل عمران:8]:
                            قال ابن عاشور: «دعاء علمه النبي ﷺ تعليما للأمة: لأن الموقع المحكي موقع عبرة ومثار لهواجس الخوف من سوء المصير إلى حال الذين في قلوبهم زيغ، فما هم إلا من عقلاء البشر، لا تفاوت بينهم وبين الراسخين في الإنسانية، ولا في سلامة العقول والمشاعر، فما كان ضلالهم إلا عن حرمانهم التوفيق، واللطف، ووسائل الاهتداء».

                            ﴿رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾[آل عمران:9]:
                            يصف الله دائما يوم القيامة بأنه لا ريب فيه، لأن البعض يستبعدون هذا اليوم عقلا لعدم إيمانهم، وكثيرون يستبعدونه غفلة وتكاسلا لضعف إبمانهم وقلة يقينهم.

                            قال الحسن البصري:
                            قرأت في تسعين موضعا من القرآن أن الله قدر الأرزاق وضمنها لخلقه، وقرأت في موضع واحد:
                            ﴿الشيطان يعدكم الفقر﴾.

                            ( والله يعدكم مغفرة منه وفضلا):
                            قدَّم المغفرة لأنها أغلى جائزة، وهي مفتاح باب العطايا التي تحول دونها الذنوب.

                            حينما تهّم الصدقة ثم تتراجع؛ فاعلم أن الشيطان قد نجح في مهمته
                            ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْر﴾

                            (ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا}.
                            قال ابن عباس وأبو الدرداء وغيرهما: الحكمة: الفقه في القرآن.

                            {وَمَا للظالمين من أنصار}
                            حتى وإن امتلأت الأجواء من حولك بأنفاس الظالمين، فلا أحد يستطيع أن يمنع عنهم عذاب الله في الدنيا والآخرة.

                            {وَمَا للظالمين من أنصار}:
                            قالالقاضي شُرَيْح: الظَّالم ينْتَظر الْعقُوبة، والمظلوم ينْتَظر النَّصْر.



                            الله يمدحهم بقوله:
                            ﴿إن تبدواالصدقات فنعما هي﴾!
                            ونتهمهم نحن في نياتهم! ما رأيك أن تتفرَّغ لنيّتك؟!

                            ﴿ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء﴾:
                            تسلية للدعاة إن لم يلمسوا ثمرة جهدهم ونتيجة دعوتهم.

                            (وما تنفقوا من خير فلأنفسكم) ..
                            إنما تتصدق على نفسك لا على غيرك !!


                            من طرق إزالة الأحزان صدقة السر:
                            (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون).

                            ﴿وأحل الله البيع وحرَّم الربا﴾
                            لا تَسميته بغير اسمه، ولا المقالات التي تمدحه، ولا الإعلانات التي تروِّج له، ستجعل ما حرَّم الله حلالا .




                            الدين يُسر، لذا فمنهج القرآن في التغيير؛
                            أن يوفِّر البدائل الطيِّبة قبل أن يحرِّم شيئا :
                            ﴿ وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾.

                            ﴿يمحق الله الربا﴾:
                            لا يطلب أحد شيئا من طريق حرام إلا عاقبه الله بنقيض قصده، طلبوا الربح من الربا فعوقبوا بفقد المال.

                            قبل أن تدخل أي معركة، تعرف على خصمك فيها!!
                            ﴿ وذروا ما بقي من الربا......فإن لم تفعلوا فأْذنوا بحرب من الله ورسوله﴾

                            من لوازم الإيمان ترك الربا:
                            ﴿ وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين﴾،
                            فالربا و الإيمان لا يجتمعان.
                            هناك معاص تؤذي صاحبها فحسب، أما الربا فضرره على الكُلِّ،
                            في الحديث:«ما ظهر في قوم الربا والزنا إلا أحلوا بأنفسهم عقاب الله». صحيح الجامع رقم: 5634

                            ﴿وإن كان ذو عُسْرة فنظرة إلى ميسرة﴾:
                            تكفيك هذه البشارة النبوية: «من نفَّس عن غريمهِ ، أو محَا عنه ، كان في ظلِّ العرش يوم القيامة». صحيح الجامع رقم: 6576

                            مهما أغرتك لذائذ السفر، فإياك ونسيان التجهز لرحلة العودة
                            (واتقوا يوما تُرجَعون فيه إلى الله).

                            (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله)
                            آخر آية في القرآن، عن آخر يوم من حياتنا.
                            ﴿ واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ﴾،
                            وقد توفي رسول الله ﷺبعدها بتسع ليا

                            تعليق


                            • #15
                              ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾[آل عمران:10]:
                              لم خصَّ الأموال والأولاد بالذكر؟!
                              لأن التصدق بالأموال يطفئ غضب الرب، واستغفار الأولاد يرفع درجة الآباء، وكذلك الصبر على موت الأولاد مما يرفع درجات آبائهم.

                              ﴿قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾[آل عمران:13]:
                              قال القشيري:
                              «إذا أراد الله إمضاء أمر قلَّل الكثير في أعين قوم، وكثَّر القليل فى أعين قوم، وإذا لبَّس على بصيرة قوم لم ينفعهم نفاذ أبصارهم، وإذا فتح أسرار آخرين فلا يضرهم انسداد بصائرهم».

                              ﴿ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾[آل عمران:13]:
                              قال ابن عباس: «إن الله عز وجل أرى المسلمين أن المشركين هم ستمائة وكسر».
                              وقد أخبر الله أن المائة من المسلمين تغلب مائتين، فأراهم المشركين على قدر ما أعلمهم، ليقوي قلوبهم، وأرى المشركين أن المسلمين أقل من ذلك.

                              ﴿زين للناس حب الشهوات﴾[آل عمران: 14]:
                              قال الإمام الرازي: «يدلُّ على أمورٍ ثلاثةٍ مُرتَّبةٍ، أوَّلُها: أنَّ المرء يشتهي أنواعَ المشتَهَيات، وثانيها: أنَّه يُحبُّ شهوتَه لها، وثالثها: أنه يعتقد أنَّ تلك المحبَّة حسَنة وفضيلة، ولَمَّا اجتمعت الدَّرجاتُ الثَّلاثة بلغت الغاية القصوى في الشِّدَّة والقوَّة، ولا يكاد ينحَلُّ ذلك إلَّا بتوفيق عظيم من الله تعالى».

                              ﴿قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾[آل عمران: 15]:
                              تسلية للمصابين في دنياهم، وتقوية لنفوس الزاهدين في متاعها، لأن نعم الآخرة خير من نعم الدنيا، فكل نعم الدنيا مشوبة بالمضرة، وأما نعم الآخرة فخالية من المضار بالكلية، ونعم الدنيا منقطعة، ونعم الآخرة باقية.



                              ﴿ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ الله﴾[آل عمران: 15]:
                              هنا ذكر أربعة ألوان من النعيم، وما خفي كان أعظم: جنَّات تَجْري من تحتها الأنهار، والخلود، والأزواج المطهَّرة، والرضوان من الله.

                              ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ﴾[آل عمران: 15]
                              الرضوان مصدر كالرضا، لكن يزيد عليه أنه الرضا العظيم، لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، والتنكير قُصِد به التفخيم والتعظيم.

                              ﴿وأولو العلم﴾ [آل عمران: 18]:
                              متى تصل إلى مرتبة أولي العلم؟!
                              قال السعدي: «والشَّهادة لا تكونُ إلَّا عن عِلمٍ ويقين، بمنزلة المشاهدة للبصر، ففيه دليلٌ على أنَّ مَن لم يصِلْ في علم التوحيد إلى هذه الحالة، فليس من أولي العلم».

                              ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ ﴾[آل عمران: 19]:
                              قال النبي ﷺ: «من سمع بي من أمتي يهوديا أو نصرانيا، ثم لم يؤمن دخل النار». صحيح ابن حبان رقم: 4860

                              ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ﴾[آل عمران: 21]:
                              خطورة عمل القلب! قال ابن عاشور:
                              »وإنما حمل هؤلاء تبعة أسلافهم لأنهم معتقدون سداد ما فعله أسلافهم، الذين قتلوا زكريا لأنه حاول تخليص ابنه يحيى من القتل، وقتلوا يحيى لإيمانه بعيسى، وقتلوا النبي إرمياء بمصر، وقتلوا حزقيال النبي لأجل توبيخه لهم على سوء أفعالهم، وزعموا أنهم قتلوا عيسى عليه السلام، فهو معدود عليهم بإقرارهم وإن كانوا كاذبين فيه، وقتل منشا ابن حزقيال ملِك إسرائيل النبي أشعياء: نشره بالمنشار لأنه نهاه عن المنكر، بمرأى ومسمع من بني إسرائيل، ولم يحموه».



                              ﴿ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾[آل عمران: 21]:

                              لم يقتلوا كل النبييين، فلم ذكر النبيين جميعا؟
                              والجواب: أنهم بقتلهم لبعض النبيين قد استهانوا بمقام النبوة، ومن استهان بمقام النبوة بقتله لبعض الأنبياء فكأنه قد قتل الأنبياء جميعا، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً، وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾» .

                              ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ﴾[آل عمران: 21]:
                              قال الحسن: «هذه الآية تدل على أن القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الخوف، تلي منزلته في العظم منزلة الأنبياء».

                              ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾[آل عمران: 21]:
                              الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. واجب كل العصور.


                              ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ﴾[آل عمران: 22]:
                              ذكَّرهم الله بجرائم ثلاث: الكفر وقتل الأنبياء وقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس، وتوعدهم عليها بعقوبات ثلاث:
                              العذاب الأليم، وحبوط أعمالهم في الدنيا والآخرة، وانتفاء من ينصرهم أو يدافع عنهم.

                              ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾[آل عمران: 23]:
                              روى البخاري أن اليهود جاء إلى النبي ﷺ برجل منهم وامرأة قد زنيا. فقال لهم: «كيف تفعلون بمن زنى منكم؟
                              قالوا: نفحمهما- أى نجعل على وجوههما الفحم تنكيلا بهما، فقال: ألا تجدون في التوراة الرجم؟ فقالوا: لا نجد فيها شيئا.
                              فقال لهم عبد الله بن سلام: كذبتم، فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين، فوضع مدراسها- الذي يدرسها منهم- كفَّه على آية الرجم، فطفق يقرأ ما دون يده وما وراءها، ولا يقرأ آية الرجم فنزع يده عن الرجم. فقال ما هذه؟ - أى أن عبد الله بن سلام رفع يد القارئ عن آية الرجم وقال له ما هذه- فلما رأى اليهود ذلك قالوا: هي آية الرجم، فأُمِر بهما، فرُجِما.




                              ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾[آل عمران: 23]:

                              كل من دُعِي إلى كتاب الله وإلى شرع الله وجب عليه الإجابة، وإلا كان فيه خصلة من خصال اليهود.

                              ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ﴾[آل عمران: 24]:
                              العذاب المؤقت حجة كثير من العصاة للتهرب من تكاليف الاستقامة.

                              جاء في أطول آية في القرآن:
                              ( ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله)
                              إشارةً لأهمية توثيق المعاملات المالية.

                              4من خصَّه الله بنعمة، فعليه ألا يمنعها من الناس؛ لأن من تمام شكر النعمة الإنفاق منها:
                              (ولا يأْبَ كاتب أن يكتب كما علمه الله).

                              قال الله عن كتم الشهادة في الأموال:
                              (وﻻ تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه)..
                              هذا كتمان الشهادة في اﻷموال، فكيف بكتمانها عن نصرة الحق!




                              (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله):
                              قال ابن تيمية: إنما تدل على أن الله يحاسب بما في النفوس، لا على أنه يعاقب على كل ما في النفوس.

                              سمَّاها الله سورة البقرة التي تدل قصتها على تعنت بني إسرائيل في طاعة أمر الله،
                              ولذا ختمها بقوله:
                              ﴿وقالوا سمعنا وأطعنا﴾.

                              {وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير}
                              أعظم ما يعين العبد على السمع والطاعة اليقين باليوم الآخر.

                              (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها):
                              لم نقصر دلالة الآية على الأخذ الرُّخص، بينما هي من أدلة الأخذ بالعزيمة كذلك.

                              ﴿هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء﴾
                              نفَذَ علم الله وقدرته إليك في ظلمات ثلاث؛ فهل تخفى عليه حين تدبُّ فوق الأرض وتحت السماء؟

                              ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾
                              الذي يفرحون بالمتشابهات والشبهات، ويسعون لإثارتها في وسائل الإعلام على العوام في قلوبهم زيغ

                              تعليق

                              يعمل...
                              X