إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الانتفاع بالقرآن وشروطه

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الانتفاع بالقرآن وشروطه


    الانتفاع بالقرآن وشروطه (ابن القيم)
    إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه, والق سمعك, واحضر حضور من يخاطبه به من تكلّم به سبحانه منه إليه, فإنّه خطاب منه لك, على لسان رسوله, قال تعالى:
    {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} (قّ:37)
    وذلك أن تمام التأثير لمّا كان موقوفا على مؤثر مقتض, ومحل قابل, وشرط لحصول الأثر, وانتقاء المانع الذي يمنع منه, تضمّنت الآية بيان ذلك كلّه بأوجز لفظ وأبينه,

    وأدلّه على المراد.فقوله تعالى:
    {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى} (قّ:37) إشارة إلى ما تقدّم من أوّل السورة إلى ها هنا وهذا هو المؤثّر.قوله: {لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ} فهذا هو المحل القابل, والمراد به القلب الحيّ الذي يعقل عن الله, كما قال تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّا} أي حيّ القلب ، وقوله: {أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ} أي وجّه سمعه وأصغى حاسّة سمعه إلى ما يقال له, وهذا شرط التأثّر بالكلام.وقوله: {وَهُوَ شَهِيدٌ} أي شاهد القلب حاضر غير غائب. قال ابن قتيبة: "استمع كتاب الله وهو شاهد القلب والفهم, ليس بغافل ولا ساه".

    وهو إشارة إلى المانع من حصول التأثير, وهو سهو القلب, وغيبته عن تعقّل ما يقال له, والنظر فيه وتأمّله. فإذا حصل المؤثر وهو القرآن, والمحل القابل وهو القلب الحي, ووجد الشرط وهو الإصغاء, وانتقى المانع وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب, وانصرافه عنه إلى شيء آخر, حصل الأثر وهو الانتفاع والتذكّر. فإن قيل: إذا كان التأثير إنما يتم بمجموع هذه, فما وجه دخول أداة "أو" في قوله :
    { أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ } , والموضع موضع واو الجمع لا موضع "أو" التي هي لأحد الشيئين.


    قيل: هذا سؤال جيّد والجواب عنه أن يقال: خرج الكلام بـ"أو" باعتبار حال المخاطب المدعو فإن من الناس من يكون حي القلب واعيه, تام الفطرة, فإذا فكّر بقلبه, وجال بفكره, دلّه قلبه وعقله على صحّة القرآن, وأنه الحق, وشهد قلبه بما أخبر به القرآن, فكان ورود القرآن على قلبه نورا على نور الفطرة, وهذا وصف الذين قيل فيهم:
    {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقّ} سبأ 6.

    وقال في حقّهم:
    { اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }النور 35 فهذا نور الفطرة على نور الوحي, وهذا حال صاحب القلب الحيّ الواعي.

    قال ابن القيّم: وقد ذكرنا ما تضمّنت هذه الآية من الأسرار والعبر في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطّلة والجهميّة" ص 7-8. فصاحب القلب يجمع بين قلبه وببن معاني القرآن, فيجدها كأنها قد كتبت فيه, فهو يقرأها عن ظهر قلب. ومن الناس من لا يكون تام الاستعداد, واعي القلب, كامل الحياة, فيحتاج إلى شاهد يميّز له بين الحق والباطل, ولم تبلغ حياة قلبه ونوره وزكاء فطرته مبلغ صاحب القلب الحي الواعي, فطريق حصول هدايته أن يفرغ سمعه للكلام, وقلبه لتأمّله, والتفكر فيه, وتعقل معانيه, فيعلم حينئذ أنه الحق فالأول: حال من رأى بعينيه ما دعي إليه وأخبر به. والثاني: حال من علم صدق المخبر وتيقّنه, وقال يكفيني خبره, فهو في مقام الإيمان, والأوّل في مقام الإحسان. وهذا قد وصل إلى علم اليقين, وترقى قلبه منه إلى منزلة عين اليقين, وذاك معه التصديق الجازم الذي خرج به من الكفر ودخل به في الإسلام

    فعين اليقين نوعان: نوع في الدنيا, ونوع في الآخرة, فالحاصل في الدنيا نسبته إلى القلب كنسبة الشاهد إلى العين. وما أخبرت به الرسل من الغيب يعاين في الآخرة بالأبصار, وفي الدنيا بالبصائر, فهو عين يقين في المرتبتين.

    التعديل الأخير تم بواسطة بذور الزهور; الساعة 23-08-2014, 03:25 PM. سبب آخر: تشكيل الآيات والتنسيق

  • #2
    رد: الانتفاع بالقرآن وشروطه

    جزاكِ الله خيررا أختنا
    ونفع الله بكِ


    رسائل مهمة في نصح الأمة " هام جدا لكل مسلمة
    سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم

    تعليق


    • #3
      رد: الانتفاع بالقرآن وشروطه

      جزاكم الله خيرا

      إن مرت الايام ولم تروني فهذه مشاركاتي فـتذكروني
      ، وان غبت ولم تجدوني أكون وقتها بحاجة للدعاء فادعولي

      شفاكِ الله أختنا محبة السلف دعواتكم
      لها بالشفاء العاجل

      تعليق


      • #4
        رد: الانتفاع بالقرآن وشروطه

        جزاك الله خير على هذا الموضوع
        لا يفوح العطر حتى يسحق، ولا يضوَّع العود حتى يُحرق
        وكذلك الشدائد لك هي خير ونعمة
        .. عائض القرني
        إصبر على كيد الحسود فإن صبرك قاتله
        النار تأكل بعضها إن لم تجد ماتأكله

        تعليق


        • #5
          الانتفاع بالقرآن وشروطه


          الانتفاع بالقرآن (ابن القيم
          إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه, والق سمعك, واحضر حضور من يخاطبه به من تكلّم به سبحانه منه إليه, فإنّه خطاب منه لك, على لسان رسوله, قال تعالى:
          {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} (قّ:37)
          وذلك أن تمام التأثير لمّا كان موقوفا على مؤثر مقتض, ومحل قابل, وشرط لحصول الأثر, وانتقاء المانع الذي يمنع منه, تضمّنت الآية بيان ذلك كلّه بأوجز لفظ وأبينه, وأدلّه على المراد.
          فقوله تعالى:
          {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى} (قّ:37) إشارة إلى ما تقدّم من أوّل السورة إلى ها هنا وهذا هو المؤثّر.قوله: {لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ} فهذا هو المحل القابل, والمراد به القلب الحيّ الذي يعقل عن الله, كما قال تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّا} أي حيّ القلب ،

          وقوله:
          {أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ} أي وجّه سمعه وأصغى حاسّة سمعه إلى ما يقال له, وهذا شرط التأثّر بالكلام.وقوله: {وَهُوَ شَهِيدٌ} أي شاهد القلب حاضر غير غائب. قال ابن قتيبة: "استمع كتاب الله وهو شاهد القلب والفهم, ليس بغافل ولا ساه". وهو إشارة إلى المانع من حصول التأثير, وهو سهو القلب, وغيبته عن تعقّل ما يقال له, والنظر فيه وتأمّله. فإذا حصل المؤثر وهو القرآن, والمحل القابل وهو القلب الحي, ووجد الشرط وهو الإصغاء,
          وانتقى المانع وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب, وانصرافه عنه إلى شيء آخر, حصل الأثر وهو الانتفاع والتذكّر. فإن قيل: إذا كان التأثير إنما يتم بمجموع هذه, فما وجه دخول أداة "أو" في قوله :
          { أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ } , والموضع موضع واو الجمع لا موضع "أو" التي هي لأحد الشيئين.


          قيل: هذا سؤال جيّد والجواب عنه أن يقال: خرج الكلام بـ"أو" باعتبار حال المخاطب المدعو فإن من الناس من يكون حي القلب واعيه, تام الفطرة, فإذا فكّر بقلبه, وجال بفكره, دلّه قلبه وعقله على صحّة القرآن, وأنه الحق, وشهد قلبه بما أخبر به القرآن, فكان ورود القرآن على قلبه نورا على نور الفطرة, وهذا وصف الذين قيل فيهم:
          {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقّ} سبأ 6.

          وقال في حقّهم:
          { اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }النور 35 فهذا نور الفطرة على نور الوحي, وهذا حال صاحب القلب الحيّ الواعي.قال ابن القيّم: وقد ذكرنا ما تضمّنت هذه الآية من الأسرار والعبر في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطّلة والجهميّة" ص 7-8. فصاحب القلب يجمع بين قلبه وببن معاني القرآن, فيجدها كأنها قد كتبت فيه, فهو يقرأها عن ظهر قلب. ومن الناس من لا يكون تام الاستعداد, واعي القلب, كامل الحياة, فيحتاج إلى شاهد يميّز له بين الحق والباطل, ولم تبلغ حياة قلبه ونوره وزكاء فطرته مبلغ صاحب القلب الحي الواعي, فطريق حصول هدايته أن يفرغ سمعه للكلام, وقلبه لتأمّله, والتفكر فيه, وتعقل معانيه, فيعلم حينئذ أنه الحق فالأول: حال من رأى بعينيه ما دعي إليه وأخبر به.
          والثاني: حال من علم صدق المخبر وتيقّنه, وقال يكفيني خبره, فهو في مقام الإيمان, والأوّل في مقام الإحسان. وهذا قد وصل إلى علم اليقين, وترقى قلبه منه إلى منزلة عين اليقين, وذاك معه التصديق الجازم الذي خرج به من الكفر ودخل به في الإسلام فعين اليقين نوعان: نوع في الدنيا, ونوع في الآخرة, فالحاصل في الدنيا نسبته إلى القلب كنسبة الشاهد إلى العين. وما أخبرت به الرسل من الغيب يعاين في الآخرة بالأبصار, وفي الدنيا بالبصائر, فهو عين يقين في المرتبتين.

          التعديل الأخير تم بواسطة بذور الزهور; الساعة 23-08-2014, 03:29 PM. سبب آخر: تشكيل الآيات والتنسيق

          لك شيء في هذا العالم فـقـمّ
          لا تـمت قبل أن تكون نـدّا

          تعليق


          • #6
            رد: الانتفاع بالقرآن وشروطه

            السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
            بارك الله فيكم ونفع بكم
            نسأل الله ان يرزقنا حلاوة تدبر القرءان وفهم معانيه والانتفاع به

            تعليق


            • #7
              رد: الانتفاع بالقرآن وشروطه

              جزاكم الله خير الجزاء
              نسأل الله أن يجعلنا من أهل القرآن والعاملين به

              تعليق


              • #8
                رد: الانتفاع بالقرآن وشروطه

                وإياكم أخواتي بوركتم على المرور جزاكم الله خيرا
                التعديل الأخير تم بواسطة بذور الزهور; الساعة 23-08-2014, 03:29 PM.

                لك شيء في هذا العالم فـقـمّ
                لا تـمت قبل أن تكون نـدّا

                تعليق


                • #9
                  رد: الانتفاع بالقرآن وشروطه

                  السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
                  بارك الله فيكم ونفع بكم
                  نسأل الله أن يجعلنا من أهل القرآن والعاملين به

                  اللهم إن أبي وأمي و عمتي في ذمتك وحبل جوارك، فَقِهِم من فتنة القبر وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحق، اللهم اغفر لهما وارحمهما، فإنك أنت الغفور الرحيم.

                  تعليق


                  • #10
                    رد: الانتفاع بالقرآن وشروطه

                    وإياكم اختنا اللهم اميين

                    جزاك الله خيرا نورتي

                    التعديل الأخير تم بواسطة بذور الزهور; الساعة 23-08-2014, 03:29 PM.

                    لك شيء في هذا العالم فـقـمّ
                    لا تـمت قبل أن تكون نـدّا

                    تعليق


                    • #11
                      رد: الانتفاع بالقرآن وشروطه

                      بارك الله فيكم
                      ورزقكم الإخلاص

                      وجعلنا وإياكم ممن ينتفعون بالقرآن
                      وعظ أعرابي ابنه فقال : أي بني إنه من خاف الموت بادر الفوت ، و من لم يكبح نفسه عن الشهوات أسرعت به التبعات ، و الجنة و النار أمامك .

                      تعليق


                      • #12
                        رد: الانتفاع بالقرآن وشروطه

                        بوركتِ على المرور

                        لك شيء في هذا العالم فـقـمّ
                        لا تـمت قبل أن تكون نـدّا

                        تعليق


                        • #13
                          الانتفاع بالقرآن (ابن القيم

                          الانتفاع بالقرآن (ابن القيم)

                          إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه, والق سمعك, واحضر حضور من يخاطبه به من تكلّم به سبحانه منه إليه, فإنّه خطاب منه لك, على لسان رسوله, قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} (قّ:37)
                          وذلك أن تمام التأثير لمّا كان موقوفا على مؤثر مقتض, ومحل قابل, وشرط لحصول الأثر, وانتقاء المانع الذي يمنع منه, تضمّنت الآية بيان ذلك كلّه بأوجز لفظ وأبينه, وأدلّه على المراد.
                          فقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى} (قّ:37) إشارة إلى ما تقدّم من أوّل السورة إلى ها هنا وهذا هو المؤثّر.قوله: {لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ} فهذا هو المحل القابل, والمراد به القلب الحيّ الذي يعقل عن الله, كما قال تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّا} أي حيّ القلب ، وقوله: {أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ} أي وجّه سمعه وأصغى حاسّة سمعه إلى ما يقال له, وهذا شرط التأثّر بالكلام.وقوله: {وَهُوَ شَهِيدٌ} أي شاهد القلب حاضر غير غائب. قال ابن قتيبة: "استمع كتاب الله وهو شاهد القلب والفهم, ليس بغافل ولا ساه". وهو إشارة إلى المانع من حصول التأثير, وهو سهو القلب, وغيبته عن تعقّل ما يقال له, والنظر فيه وتأمّله. فإذا حصل المؤثر وهو القرآن, والمحل القابل وهو القلب الحي,
                          ووجد الشرط وهو الإصغاء, وانتقى المانع وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب, وانصرافه عنه إلى شيء آخر, حصل الأثر وهو الانتفاع والتذكّر. فإن قيل: إذا كان التأثير إنما يتم بمجموع هذه, فما وجه دخول أداة "أو" في قوله : { أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ } , والموضع موضع واو الجمع لا موضع "أو" التي هي لأحد الشيئين.



                          قيل: هذا سؤال جيّد والجواب عنه أن يقال: خرج الكلام بـ"أو" باعتبار حال المخاطب المدعو فإن من الناس من يكون حي القلب واعيه, تام الفطرة, فإذا فكّر بقلبه, وجال بفكره, دلّه قلبه وعقله على صحّة القرآن, وأنه الحق, وشهد قلبه بما أخبر به القرآن, فكان ورود القرآن على قلبه نورا على نور الفطرة, وهذا وصف الذين قيل فيهم: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقّ} سبأ 6.

                          وقال في حقّهم:{ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }النور 35 فهذا نور الفطرة على نور الوحي, وهذا حال صاحب القلب الحيّ الواعي.قال ابن القيّم: وقد ذكرنا ما تضمّنت هذه الآية من الأسرار والعبر في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطّلة والجهميّة" ص 7-8. فصاحب القلب يجمع بين قلبه وببن معاني القرآن, فيجدها كأنها قد كتبت فيه, فهو يقرأها عن ظهر قلب. ومن الناس من لا يكون تام الاستعداد, واعي القلب, كامل الحياة, فيحتاج إلى شاهد يميّز له بين الحق والباطل, ولم تبلغ حياة قلبه ونوره وزكاء فطرته مبلغ صاحب القلب الحي الواعي, فطريق حصول هدايته أن يفرغ سمعه للكلام, وقلبه لتأمّله, والتفكر فيه, وتعقل معانيه, فيعلم حينئذ أنه الحق فالأول: حال من رأى بعينيه ما دعي إليه وأخبر به. والثاني: حال من علم صدق المخبر وتيقّنه, وقال يكفيني خبره, فهو في مقام الإيمان, والأوّل في مقام الإحسان. وهذا قد وصل إلى علم اليقين, وترقى قلبه منه إلى منزلة عين اليقين, وذاك معه التصديق الجازم الذي خرج به من الكفر ودخل به في الإسلام

                          فعين اليقين نوعان: نوع في الدنيا, ونوع في الآخرة, فالحاصل في الدنيا نسبته إلى القلب كنسبة الشاهد إلى العين. وما أخبرت به الرسل من الغيب يعاين في الآخرة بالأبصار, وفي الدنيا بالبصائر, فهو عين يقين في المرتبتين.والحمد لله رب العالمين وصلى الله سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم

                          اللهم اغفر لي وللمؤمنين وللمؤمنات الاحياء والاموات
                          التعديل الأخير تم بواسطة بذور الزهور; الساعة 23-08-2014, 08:59 PM. سبب آخر: تعديل الخط

                          تعليق


                          • #14
                            رد: الانتفاع بالقرآن (ابن القيم

                            جزاكي الله خير
                            التعديل الأخير تم بواسطة راجية الانس بالله ورضاه; الساعة 23-08-2014, 04:19 PM.
                            هــذا هــو الــحــب ،، هــذا أروع حــب بــيــن الــبــشــر
                            تـــركه يـــنام عـــلى فــخذه حــتى لـــدغته العقــــرب
                            و لـــم يـــتحرك لـــكي لا يـــوقظ حـــبيبہ مـــن نـــومھ
                            و لـــم يـــعلم الـــنبي (صــلى الله عـــليه و ســلم )
                            بـــذلك حـــتى ســـقطت دمـــوعھ مـــن شـــدة الألـــم ،

                            • انّـــہ أبـــوبكر الـــصديق (رضـــي الله عـــنہ)

                            تعليق


                            • #15
                              رد: الانتفاع بالقرآن (ابن القيم

                              جزاكم الله خيرًا ونفع بكم

                              "اللهم إني أمتك بنت أمتك بنت عبدك فلا تنساني
                              وتولني فيمن توليت"

                              "وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ"الشورى:36

                              تعليق

                              يعمل...
                              X