بنرات المنتدى
صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 22
  1. #1


    تاريخ التسجيل : Nov 2011
    رقم العضوية : 107803
    الجنس: أنثى
    المشاركات : 35
    التقييم : 1456
    فريق عمل تفريغ الدروس غير متواجد حالياً

    سلسلة اعمال القلوب للشيخ محمد صالح المنجد




    الدرس الاول

    الاخلاص

    أعمال القلوب اهتم بها العلماء فصنفوا فيها المؤلفات ، وابتدؤوا أعمالهم بالتذكير والحث عليها. أعمال القلوب تحتاج إلى مجاهدة وعناية، وبما أن النجاة مدارها على أعمال القلوب بالإضافة إلى أعمال الجوارح التي لابد أن تأتي إذا صحّت أعمال القلوب.
    الإخلاص هو أولها وأهمها وأعلاها وأساسها، هو حقيقة الدين ومفتاح دعوة الرسل عليهم السلام " وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء " البينة :5 "أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ " الزمر: 3
    الإخلاص هو لب العبادة وروحها، قال ابن حزم: النية سر العبودية وهي من الأعمال بمنزلة الروح من الجسد، ومحال أن يكون في العبودية عمل لا روح فيه، فهو جسد خراب.
    والإخلاص هو أساس قبول الأعمال وردها فهو الذي يؤدي إلى الفوز أو الخسران، وهو الطريق إلى الجنة أو إلى النار، فإن الإخلال به يؤدي إلى النار وتحقيقه يؤدي إلى الجنة.

    معنى الإخلاص

    خلص خلوصاً خلاصاً، أي صفى وزال عنه شوبه، وخلص الشيء صار خالصاً وخلصت إلى الشيء وصلت إليه، وخلاص السمن ما خلص منه. فكلمة الإخلاص تدل على الصفاء والنقاء والتنزه من الأخلاط والأوشاب. والشيء الخالص هو الصافي الذي ليس فيه شائبة مادية أو معنوية. وأخلص الدين لله قصد وجهه وترك الرياء. وقال الفيروز أبادي: أخلص لله ترك الرياء.
    كلمة الإخلاص كلمة التوحيد، والمخلصون هم الموحدون والمختارون ، وأما تعريف الإخلاص في الشرع فكما قال ابن القيم –رحمه الله -: هو إفراد الحق سبحانه بالقصد في الطاعة أن تقصده وحده لا شريك له.

    وتنوعت عبارات السلف فيه، فقيل في الإخلاص:
    - أن يكون العمل لله تعالى، لا نصيب لغير الله فيه.
    - إفراد الحق سبحانه بالقصد في الطاعة.
    - تصفية العمل عن ملاحظة المخلوقين.
    - تصفية العمل من كل شائبة.
    المخلص هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له في قلوب الناس من أجل صلاح قلبه مع الله عز وجل، ولا يحب أن يطلع الناس على مثاقيل الذر من عمله. قال تعالى: " وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء " البينة :5 وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم : " قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي " الزمر :14
    " قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ " الانعام :162 :163
    قال تعالى: " الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا " الملك :2 "أَحْسَنُ عَمَلا " الملك :2 :أي أخلصه وأصوبه.
    قيل للفضيل بن عياض الذي ذكر هذا: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل وإن لم يكن خالصاً وكان صواباً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص أن يكون لله ، والصواب أن يكون موافقاً للسنة ، ثم قرأ : " فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا " الكهف :110 .
    وقال تعالى: " وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّه وَهُوَ مُحْسِنٌ " النساء :125 , يعني أخلص القصد والعمل لله ، والإحسان متابعة السنة، والذين يريدون وجه الله فليبشروا بالجزاء , " وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ " الكهف :28، " ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ " الروم :38 ،"وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى ,الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ,وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى , إلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى , وَلَسَوْفَ يَرْضَى "الليل :17:18:19:20:21
    وأما أهل النقيض وأهل الرياء فإن الله ذمهم وبيّن عاقبتهم
    "مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ , أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ " هود :15:16، "مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا " الاسراء :18، " من كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الاخرة من نصيب " الشورى :20، " وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ " الانفال :47
    وقد مدح الله المخلصين : " إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا " الانسان :9
    ، " لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا " النساء :114 ، " مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ "الشورى :20 , في غزوة أحد أراد الله الابتلاء والتمحيص " مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ " ال عمران :152
    قال صلى الله عليه وسلم : " إنما الأعمال بالنيات" ، إنه أهم حديث، علمنا إياه صلى الله عليه وسلم في كل شيء، في الصلاة والصيام والحج وغيرها..
    قال صلى الله عليه وسلم : " من غزا في سبيل الله ولم ينوي إلا عقالاً فلهو ما نوى"..، كذلك فإن بعث الناس على حسب نياتهم : "إنما يبعث الناس على نياتهم"..

    أهمية الإخلاص

    1- النجاة تكون بسببه في الآخرة.
    2- اجتماع القلب في الدنيا وزوال الهم لا يكون إلا به : " من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر عليه ".
    3- مصدر رزق عظيم للأجر وكسب الحسنات "إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليه حتى ما تجعل في فم امرأتك" : رواه البخاري.
    4- ينجي من العذاب العظيم يوم الدين فقد أخبرنا صلى الله عليه وسلم عن أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة وهم متصدق أنفق ليقال جواد، وقاريء تعلم العلم وعلمه ليقال عالم، و مجاهد قاتل ليقال جريء..، وهذا الحديث حدث به أبو هريرة فكان يغشى عليه من هوله كلما أراد التحديث به، ويمسح وجهه بالماء حتى استطاع التحديث به. وفي مجال عدم الإخلاص في طلب العلم يقول صلى الله عليه وسلم : "من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله لم يتعلمه إلا ليصيب به عرض من عرض الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة"، وقال: " من تعلم العلم ليماري به السفهاء أو ليباهي به العلماء أو ليصرف به وجوه الناس إليه فهو في النار".
    الإخلاص يريح الناس يوم يقول الله للمرائين اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون بأعمالكم في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء.
    الإخلاص ينجي الإنسان من حرمان الأجر و نقصانه ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه رجل غزى يلتمس الأجر والذكر فقال لا شيء له"ثلاثاً" إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً وابتغي به وجهه.
    ابن مكرز رجل من أهل الشام قال : يارسول الله رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرضاً من عرض الدنيا فقال صلى الله عليه وسلم : لا أجر له. فأعظم ذلك الناس فقالوا عد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلعلك لم تفهمه فقال له لا أجر له.
    قال صلى الله عليه وسلم : " أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه".
    كذلك الإخلاص هو أساس أعمال القلوب ، وأعمال الجوارح تبع ومكمل له، الإخلاص يعظم العمل الصغير حتى يصبح كالجبل ، كما أن الرياء يحقر العمل الكبير حتى لا يزن عند الله هباء " وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا " الفرقان :23
    قال ابن المبارك: " رب عمل صغير تكثره النية ورب عمل كبير تصغره النية".

    الإخلاص مهم جداً لأن أغلب الناس يعيشون في صراعات داخلية ويعانون من أشياء فحرموا البركة والتوفيق إلا من رحمه الله، فكيف يكون النصر و تعلم العلم إلا من المخلصين، الإخلاص مهم في إنقاذنا من الوضع الذي نعيش فيه، فقد أصبح عزيزاً نادراً قليلاً، مشاريع ودعوات تلوثت بالرياء، حركات إسلامية دمرت بسبب افتقاد الإخلاص وبعد أن أريد بها الرئاسة والجاه والمال..
    يقول ابن أبي جمرة وهو من كبار العلماء: وددت لو أنه كان من الفقهاء من ليس له شغل إلا أن يعلم الناس مقاصدهم في أعمالهم ويقعد للتدريس في أعمال النيات ليس إلا، فإنه ما أتى على كثير من الناس إلا من تضييع ذلك.

    ومن فوائد الإخلاص أنه يقلب المباحات إلى عبادات وينال بها عالي الدرجات، قال أحد السلف: إني لأستحب أن يكون لي في كل شيء نية حتى في أكلي ونومي ودخولي الخلاء وكل ذلك مما يمكن أن يقصد به التقرب إلى الله. لأن كل ما هو سبب لبقاء البدن وفراغ القلب للمهمات مطلوب شرعاً.

    النية عند الفقهاء: تمييز العبادات عن العادات وتمييز العبادات عن بعضها البعض، إرادة وجه الله عزوجل .
    الإخلاص ينقي القلب من الحقد والغل ويسبب قبول العمل لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً وابتغي به وجهه".
    الإخلاص سبب للمغفرة الكبيرة للذوب.
    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : والنوع الواحد من العمل قد يفعله الإنسان على وجه يكمل فيه إخلاصه فيغفر فيه كبائر، وإلا فأهل الكبائر كلهم يقولون لا إله إلا الله. كالبغي التي سقت كلباً فقد حضر في قلبها من الإخلاص ما لا يعلمه إلا الله فغفر الله لها.
    تنفيس الكروب لا يحدث إلا بالإخلاص ، والدليل على ذلك حديث الثلاثة الذين حبستهم صخرة ففرج الله همّهم ، وكان منهم الرجل الذي وفى عاملاً أجره ونماه وصبر على ذلك سنين، وقد كان يقول كل واحد منهم اللهم إنك إن كنت تعلم أننا فعلنا ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه.
    وبالإخلاص يرزق الناس الحكمة، ويوفقون للصواب والحق " إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً " الانفال :29، وبالإخلاص يدرك الأجر على عمله وإن عجز عنه بل ويصل لمنازل الشهداء والمجاهدين وإن مات على فراشه " وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ " التوبة :92
    وقال صلى الله عليه وسلم : "إن أقواماً خلفنا في المدينة ما سلكنا شعباً ولا وادياً إلا وهم معنا حبسهم العذر": رواه البخاري. وفي مسلم : إلا شاركوكم في الأجر.
    بالإخلاص يؤجر المرء ولو أخطأ كالمجتهد والعالم والفقيه، وهو نوى بالاجتهاد استفراغ الوسع وإصابة الحق لأجل الله، فلو لم يصب فهو مأجور على ذلك..
    فالمرء ينجو من الفتن بالإخلاص، ويجعل له حرز من الشهوات ومن الوقوع في براثن أهل الفسق والفجور، لذلك نجى الله يوسف عليه السلام من امرأة العزيز "وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ " يوسف :24 "إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ,أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ ,فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ ,فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ " الصافات :40:41:42:43


    - الإخلاص في التوحيد: قال صلى الله عليه وسلم : "ما قال عبد لا إله إلا الله قط مخلصاً إلا فتحت له أبواب السماء حتى تفضي إلى العرش ما اجتنب الكبائر".
    - في السجود : قال صلى الله عليه وسلم : "ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة وحط بها عن خطيئة".
    - في الصيام: قال صلى الله عليه وسلم : "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه"، " من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً".
    - في قيام الليل: قال صلى الله عليه وسلم : "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه".
    - الإخلاص في ترك الحرام،المحبة في الله، الصدقة....(حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله).
    - الإخلاص في الخروج إلى المساجد "خرج للمسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخطو خطوة إلا رفعت له بها درجة وحطت به خطيئة، فإن صلى ما دامت الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه اللهم صل عليه اللهم صل عليه اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة".
    - الإخلاص في طلب الشهادة: " من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه".
    - الإخلاص في اتباع الجنائز: " من اتبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً وكان معه حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين كل قيراط كأحد ومن صلى ثم رجع قبل أن يدفن فإنه يرجع بقيراط".
    - الإخلاص في التوبة: " قصة قاتل المائة نفس وملائكة الرحمة".
    الإنسان يحتاج أن يبين لنفسه بالكلام أشياء مما ينويه حتى يزداد أجره كرجل ليس لديه مال فيقول لو كان لي مثل هذا عملت مثلما يعمل. قال صلى الله عليه وسلم : "فهما في الأجر سواء".
    لقد مر في الأمة كثير من المخلصين كانت سيرتهم نبراساً لمن بعدهم وقدوة وخيراً، لذلك أبقى الله سيرتهم وذكرهم حتى يقتدي بهم من بعدهم وعلى رأس هؤلاء الأنبياء ، النبي محمد صلى الله عليه وسلم وحواريو الأنبياء والصحابة الذين فتحوا البلاد بإخلاصهم ومن بعدهم من التابعين..
    يقول عبدة بن سليمان:كنا مع سرية مع عبد الله بن المبارك في بلاد الروم، فلما التقى ساعة فطعنه ازدحم الناس عليه ليعرفوا من هو فإذا هو يلثم وجهه ، فإذا هو عبد الله بن المبارك فقال لائماً أءنت يا أباعمر ممن يشنع علي.

    يقول الحسن: إن كان الرجل جمع القرآن ولما يشعر به الناس، وإن كان الرجل لينفق النفقة الكثيرة ولما يشعر الناس به، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته ولم يشعر الناس به، ولقد أدركت أقواماً ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يعملونه في السر فيكون علانية أبداً.
    لقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء ولا يسمع لهم صوت إن كان إلا همساً بينهم وبين ربهم " ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً " الاعراف :55
    يقول علي بن مكار البصري الزاهد : " لأن ألقى الشيطان أحب إلي من أن ألقى فلاناً أخاف أن أتصنع له فأسقط من عين الله" فقد كان السلف يخشون من قضية المجاملات.
    قال الذهبي: يقول ابن فارس عن أبي الحسن القطان: " أصبت ببصري وأظن أني عوقبت بكثرة كلامي أثناء الرحلة"
    قال الذهبي: صدق والله فإنهم كانوا مع حسن القصد وصحة النية غالباً يخافون من الكلام وإظهار المعرفة.
    قال هشام الدستوائي: "والله ما أستطيع أن أقول إني ذهبت يوماً قط أطلب الحديث أريد به وجه الله عزوجل".
    يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه : "فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وما بين الناس".
    ومن عجائب المخلصين ما حصل لصاحب النفق، حاصر المسلمون حصناً واشتد عليهم رمي الأعداء ، فقام أحد المسلمين وحفر نفقاً فانتصر المسلمون، ولا يُعرَف من هو هذا الرجل، وأراد مَسْلَمَة يريد أن يعرف الرجل لمكافأته،ولما لم يجده سأله بالله أن يأتيه، فأتاه طارق بليل وسأله شرطاً وهو أنه إذا أخبره من هو لا يبحث عنه بعد ذلك أبداً ، فعاهده،
    و كان يقول : " اللهم احشرني مع صاحب النفق".
    وعمل الخلوة كان أحب إلى السلف من عمل الجلوة.
    يقول حماد بن زيد : كان أيوب ربما حدث في الحديث فيرقّ وتدمع عيناه، فيلتفت و ينتخط ويقول ما أشد الزكام!!، فيظهر الزكام لإخفاء البكاء.
    قال الحسن البصري: "إن كان الرجل ليجلس المجلس فتجيئه عبرته فيردها فإذا خشي أن تسبقه قام وذهب وبكى في الخارج".
    يقول محمد بن واسع التابعي: " إن كان الرجل ليبكي عشرين سنة وامرأته لا تعلم".
    للإمام الماوردي قصة في الإخلاص في تصنيف الكتب، فقد ألف المؤلفات في التفسير والفقه وغير ذلك ولم يظهر شيء في حياته لما دنت وفاته قال لشخص يثق به: الكتب التي في المكان الفلاني كلها تصنيفي وإنما إذا عاينت الموت و وقعت في النزع فاجعل يدك في يدي فإن قبضت عليها فاعلم أنه لم يقبل مني شيء فاعمد إليها وألقها في دجلة بالليل وإذا بسطت يدي فاعلم أنها قبلت مني وأني ظفرت بما أرجوه من النية الخالصة، فلما حضرته الوفاة بسط يده ، فأظهرت كتبه بعد ذلك.
    كان علي بن الحسن يحمل الخبز بالليل على ظهره يتبع به المساكين بالظلمة ، فالصدقة تطفيء غضب الرب، وكان أهل بالمدينة يعيشون لا يدرون من أين معاشهم ، فلما مات عرفوا، و رأوا على ظهره آثاراً مما كان ينقله من القرب والجرب بالليل فكان يعول 100 بيت .
    تلك الأحوال والقصص أظهرها الله ليكون أصحابها أئمة " وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا " الفرقان :74 , وهكذا كان أحدهم يدخل في فراش زوجته فيخادعها فينسل لقيام الليل وهكذا صام داود بن أبي هند أربعين سنة لا يعلم به أهله فكان يأخذ إفطاره ويتصدق به على المساكين ويأتي على العشاء..
    وهذا أعرابي كان مع النبي صلى الله عليه وسلم وقال له أهاجر معك، فغنموا بعد خيبر وقسم للأعرابي وأصحابه وكان يرعى دوابهم فلما جاءوه قال للنبي صلى الله عليه وسلم ما هذا الذي وصلني؟ ما على هذا اتبعتك ولكن اتبعتك على أن أرمى إلى هاهنا بسهم فأموت فأدخل الجنة. قال صلى الله عليه وسلم : "إن تصدق الله يصدقك"، فلبثوا قليلاً وهاجموا العدو وأثاب الله الأعرابي كما طلب فقيل أهو أهو قال صلى الله عليه وسلم : "صدق الله فصدقه" فكُفِّن في جبة النبي صلى الله عليه وسلم ثم قدمه فصلى عليه فكان فيما ظهر من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة " اللهم هذا عبدك خرج مهاجراً في سبيلك وقتل شهيداً أنا شهيد على ذلك ".

    ماذا قال بعض العلماء في الإخلاص..؟
    قال إبراهيم بن أدهم: ما صدق الله عبداً أحب الشهرة.
    قال بعضهم: ينبغي للعالم أن يتحدث بنية وحسن قصد، فإن أعجبه كلامه فليصمت وإن أعجبه الصمت فلينطق. فإن خشي المدح فليصمت ولا يفتر عن محاسبة نفسه فإنها تحب الظهور والثناء.
    سُئِل سهل بن عبد الله التستوري : أي شيء أشد على النفس؟ قال: الإخلاص لأنه ليس لها فيه نصيب. فمع الإخلاص تنسى حظوظ النفس.
    قال سفيان: ما عالجت شيئاً أشد عليّ من نيتي إنها تنقلب علي. إذا أراد أن يجاهد نفسه يجد تقلبات، ولا يدري أهو في إخلاص أم رياء، وهذا طبيعي أن يشعر أنه في صراع لا تسلم له نفسه دائماً فهو يتعرض لهجمات من الشيطان ، والنفس الأمارة بالسوء، وهذا فيه خير، أما من اطمأنت نفسه بحاله فهذه هي المشكلة.
    قال ابن يحيى بن أبي كثير: تعلموا النية فإنها أبلغ من العمل.
    قال الزبيد اليامي: إني أحب أن تكون لي نية في كل شيء حتى في الطعام والشراب.
    عن داود الطائي : رأيت الخير كله إنما يجمعه حسن النية وكفاك به خيراً وإن لم تنضب. أي حتى وإن لم تتعب فإن ما حصلته من اجتماع نفسك لله وإخراج حظوظ النفس من قلبك ، هذا أمر عظيم.
    أبو بكر الصديق رضي الله عنه ما سبق الناس بأنه كان أكثرهم صلاة وصيام بل بشيء وقر في قلبه.
    قال داود: البر همة التقي، ولو تعلقت جميع جوارحه بحب الدنيا لردته يوماً نيته إلى أصلها.
    قال يوسف بن أسباط: تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد.
    قيل لنافع بن جبير : ألا تشهد الجنازة فقال: كما أنت حتى أنوي. أي انتظر حتى أجاهد نفسي.
    قال الفضيل: إنما يريد الله عز وجل منك نيتك وإرادتك.
    ومن أصلح الله سريرته أصلح الله علانيته ومن أصلح ما بينه وما بين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، وما أسر أحد سريرة إلا أظهرها الله في صفحات وجهه وفلتات لسانه.
    والمخلص من يكتم حسناته كما يكتم سيئاته ومن شاهد في إخلاصه الإخلاص فإن إخلاصه يحتاج إلى إخلاص.

    ومما قيل في الإخلاص:
    - نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق.
    - إفراد الحق سبحانه بالقصد والطاعة.
    - استواء عمل الظاهر والباطن.
    - من تزين للناس فيما ليس منه سقط من عين الله.
    - إنه سر بين الله والعبد، لا يعلمه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده والله قد يعلم الملائكة ما يشاء من أحوال العبد.
    - الإخلاص أن لا تطلب على عملك شاهداً إلا الله، وإذا داوم عليه الإنسان رزقه الله الحكمة.
    قال مكحول: ما أخلص عبد قط أربعين يوماً إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه.
    قال أبو سليمان الداراني: إذا أخلص العبد انقطع عنه كثرة الوساوس والرياء.
    كان السلف يستحبون أن يكون للرجل خبيئة من عمل صالح لا يعلم عنها زوجة ولا غيرها. وأعز شيء في الدنيا الإخلاص.
    يقول يوسف بن الحسين: كم أجتهد في إسقاط الرياء من قلبي فينبت لي على لون آخر.
    وكان من دعاء مطرف بن عبدالله: اللهم إني أستغفرك مما تبت إليك منه ثم عدت فيه، وأستغفرك مما جعلته لك على نفسي ثم لم أفِ لك به، وأستغفرك مما زعمت أنني أردت به وجهك فخالط قلبي منه ما قد علمته.

    تبيهات في مسألة الإخلاص

    1- متى يكون إظهار العمل مشروعاً؟
    قال ابن قدامة: "فصل في بيان الرخصة في قصد إظهار الطاعات" قال: وفي الإظهار فائدة الإقتداء، ومن الأعمال ما لا يمكن الإسرار به كالحج والجهاد، والمظهر للعمل ينبغي أن يراقب قلبه حتى لا يكون فيه حب الرياء الخفي بل ينوي الإقتداء به "إذاً ينبغي أن نحسن نياتنا في الأعمال المظهرة لندفع الرياء وننوي الإقتداء لنأخذ الأجر"، قال ولا ينبغي للضعيف أن يخدع نفسه بذلك، ومثل الذي يظهره وهو ضعيف كمثل إنسان سباحته ضعيفة فنظر إلى جماعة من الغرقى فرحمهم فأقبل إليهم فتشبثوا به وغرقوا جميعاً.
    المسألة فيها تفصيل:
    - الأعمال التي من السنة أن يكون عملها سرّاً يسرّ.
    - الأعمال التي من السنة أن يظهرها يظهرها.
    - الأعمال التي من الممكن أن يسرها أو يظهرها، فإن كان قوياً يتحمل مدح الناس وذمهم فإنه يظهرها وإن كان لا يقوى فيخفي، فإذا قويت نفسه فلا بأس في الإظهار لأن الترغيب في الإظهار خير.
    ورد عن بعض السلف أنهم كانوا يظهرون بعض أعمالهم الشريفة ليقتدى بهم كما قال بعضهم لأهله حين الاحتضار " لا تبكوا علي فإني ما لفظت سيئة منذ أسلمت".
    قال أبو بكر بن عياش لولده " يا بني إياك أن تعصي الله في هذه الغرفة فإني ختمت القرآن فيها اثنتا عشرة ألف ختمة" من أجل موعظة الولد، فمن الممكن أن يظهر المرء أشياء لأناس معينين مع بقاء الإخلاص في عمله لقصد صالح.
    2- ترك العمل خوف الرياء، وهذا منزلق كشفه الفضيل بن عياض: ترك العمل لأجل الناس رياء والعمل من أجل الناس شرك والإخلاص أن يعافيك الله منهما. قال النووي: من عزم على عبادة وتركها مخافة أن يراه الناس فهو مرائي" لأنه ترك لأجل الناس" لكن لو ترك العمل ليفعله في الخفاء.
    فمن ترك العمل بالكلية وقع في الرياء، وكذلك من كان يستحب في حقه إظهار العمل فليظهره كأن يكون عاملاً يقتدى به أو أن العمل الذي يعمله المشروع فيه الإظهار.
    3- أن من دعا إلى كتم جميع الأعمال الصالحة من جميع الناس ؛ هذا إنسان خبيث وقصده إماتة الإسلام، لذلك المنافقون إذا رؤوا أمر خير وسموه بالرياء، فهدفهم تخريب نوايا المسلمين وأن لا يظهر في المجتمع عمل صالح، فهؤلاء ينكرون على أهل الدين والخير إذا رؤوا أمراً مشروعاً مظهراً خصوصاً إذا أظهر عمل خير معرض للأذى فيظهره احتسابا لإظهار الخير فيستهدفه هؤلاء المنافقون فليصبر على إظهاره ما دام لله ،
    قال تعالى: " الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ " التوبة :79

    ينبغي أن نفرق بين الرياء ومطلق التشريك في العمل، فمتى يبطل العمل ؟ إذا حصل تشريك فيه ، ومتى يأثم ؟ ومتى لا يأثم؟
    1- أن يعمل لله ولا يلتفت إلى شيء آخر ( أعلى المراتب).
    2- أن يعمل لله ويلتفت إلى أمر يجوز الالتفات إليه ، مثل رجل صام مع نية الصيام لله أراد حفظ صحته، ورجل نوى الحج والتجارة، ورجل جاهد ونظر إلى مغانم، ورجل مشى إلى المسجد وقصد الرياضة، ورجل حضر الجماعة لإثبات عدالته وأن لا يتهم، فهذا لا يبطل الأعمال ولكن ينقص من أجرهاـ والأفضل أن لا تكون موجودة ولا مشركة في العمل ولا داخلة فيه أصلاً.
    3- أن يلتفت إلى أمر لا يجوز الالتفات إليه من الرياء والسمعة وحمد الناس طلباً للثناء ونحو ذلك:
    أ*- إذا كان في أصل العمل فإنه يبطله كأن يصلي الرجل لأجل الناس.
    ب*- أن يعرض له خاطر الرياء أثناء العمل فيدافعه ويجاهده، فعمله صحيح وله أجر على جهاده.
    جـ - أن يطرأ عليه الرياء أثناء العمل ولا يدافعه و يستمر معه وهذا يبطل العمل.
    4- أن يكون عمله الصالح للدنيا فقط، فيصوم لأجل الحمية والرجيم ولا يطلب الأجر، ويحج للتجارة فقط، ويخرج زكاة أموال لتنمو، ويخرج للجهاد للغنيمة ، فهؤلاء أعمالهم باطلة " مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ " الاسراء :18، " أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا " هود :16.
    5- أن يكون عمله رياءً محضاً، وبالرياء يحبط العمل بل ويأثم به الإنسان، لأن هناك أشياء تبطل العمل ولا يأثم صاحبها كخروج ريح أثناء الصلاة، ومن الناس من يرائي في الفتوى للأغنياء والوجهاء وقد يكون لضعفه أمامهم ، فقال بعض السلف: " إذا رأيت العالم على أبواب الغنى والسلطان فاعلم أنه لص"، أما الذي يذهب لقصد الإنكار والخير فلهو ما نوى.

    هناك أشياء تظن من الرياء وليست منه :
    - إذا حمدك الناس على الخير بدون قصد فهذا عاجل بشرى المؤمنين.
    - رجل رأى العابدين فنشط للعبادة لرؤيته من هو أنشط منه.
    - تحسين وتجميل الثياب والنعل وطيب المظهر والرائحة.
    - كتم الذنوب وعدم التحدث بها ، فبعض الناس يظن أنك حتى تكون مخلصاً لابد من الإخبار بالذنوب، نحن مطالبون شرعاً بالستر، وكتم الذنوب ليس رياءً بل هو مما يحبّه الله، بل إن ظن غير ذلك تلبيس من الشيطان وإشاعة للفاحشة وفضح للنفس.
    - اكتساب شهرة بغير طلبها، كعالم اشتهر وقصده منفعة الناس و بيان الحق ومحاربة الباطل والرد على الشبهات ونشر دين الله، فإن كانت هذه الأعمال وجاءت الشهرة تبعاً لها وليست مقصداً أصلياً فليس من الرياء.
    - ليس من الرياء أن يشتهر المرء ولكن الشهرة يمكن أن توقع في الرياء!!

    علامات الإخلاص
    1- الحماس للعمل للدين.
    2- أن يكون عمل السر أكبر من عمل العلانية.
    3- المبادرة للعمل واحتساب الأجر.
    4- الصبر والتحمل وعدم التشكي.
    5- الحرص على إخفاء العمل.
    6- إتقان العمل في السر.
    7- الإكثار من العمل في السر.



    أسئلة من درس الإخلاص


    المشاركون في المسابقات لأجل الجوائز؟
    على النية، إن نوى البحث العلمي والفائدة فهو بنيته وإن قصد الجائزة فقط فهذا ليس له إلا ما نوى.

    التحق بالجامعة للشهادة وليس لطلب العلم؟
    له ما نوى وقصد، حتى من يأخذ الراتب لقصد التفرغ لتدريس كتاب الله والدين والخطابة والإمامة والإفتاء والقضاء، مثل الفرق بين من حج ليأخذ ومن أخذ ليحج.

    لحيتي طويلة هل أقصر منها خوف الرياء؟
    لا والله، الرسول صلى الله عليه وسلم قال أعفوا اللحى، أرخوا اللحى، وفروا اللحى، لم يقل قصروها خوف الرياء وتظاهروا بالفسق خوف الرياء هذا من إبليس..!

    هل يجوز من عمل عملاً للمسلمين كماء السبيل أن ينسبه لغيره إذا كثر عليه السؤال؟
    لا، بعض الناس يكذب إذا عمل عملاً صالحاً لكن يقول عمله أحد من المسلمين ولا يريد أن يُعرَف مثلاً، أو هذا عملته بمال واحد من المسلمين، فهذا لم يكذب لأنه لا يريد أن يعرف فاستخدم التورية.

    رجل نيته صالحة ولا يعمل؟
    هذا كذب، ولا يجتمع، إذا كانت النية صالحة فلابد من العمل، وترك العمل دليل على أن النية فاسدة، فلو كانت صالحة فعلاً لعمل.
    أريد أن أموت شهيداً في تحرير فلسطين وعمري خمس عشرة سنة ولكنى لا أقدر؟

    نعم، لكل امرئ ما نوى ، إذا صدقت مع الله فلك الأجر، ومن مات وهو ينوي الشهادة بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه.

    نصيحة للمراكز الصيفية؟
    عدم الاستعجال في ترئيس الطلاب لئلا تفسد نياتهم ، لأن من همه الشهرة والذكر لا يختار، بل يختار من لا يريد الرئاسة ممن يريد خمول الذكر وقد لا يوجد، قال عمر : (( اللهم إني أشكو إليك من عجز الثقة وجلد الفاجر)).
    أتمنى أن يكون عندي مال لأتصدق به ولكن أخاف إن أتاني المال أن لا أتصدق؟
    على حسب نيتك، وقد يغير الإنسان نيته، كحال من يقول لئن آتاني الله لأتصدقن فإذا آتاه بخل، بخلوا واستغنوا وتولوا واستغنى الله. أنت مأجور على نيتك وعلى قولك.
    هل الذي يصارع نفسه التي تريد الرياء يؤجر؟

    نعم لأنه من الجهاد.

    كيف أجعل دراستي الجامعية لله؟
    إذا كانت دراسة شرعية أن تنوي تعليم وتعلم دين الله وتعبد الله بالعبادة الصحيحة ومعرفة عظمة الله وحكمته من خلال هذه الشريعة، أما إن كانت دراستك طب، مثلاً.. فتكون نيتك نفع المسلمين وقوة المسلمين وستر عوراتهم، وأن تشارك بأشياء خارج الدوام لله، كمخيمات طبية مجانية، أو معالجة جيرانك، الدعوة من خلال الطب...
    التعديل الأخير تم بواسطة محبة المساكين ; 12-01-2012 الساعة 02:30 AM سبب آخر: تنسيق الموضوع

  2. #2


    تاريخ التسجيل : Nov 2011
    رقم العضوية : 107803
    الجنس: أنثى
    المشاركات : 35
    التقييم : 1456
    فريق عمل تفريغ الدروس غير متواجد حالياً

    رد: سلسلة اعمال القلوب للشيخ محمد صالح المنجد

    السلام عليكم
    الدرس الثاني
    التوكل
    التوكل مقام جليل عظيم الأثر، بل ومن أعظم واجبات الإيمان وأفضل الأعمال والعبادات المقربة إلى الرحمن، وأعلى مقامات توحيد الله سبحانه وتعالى ، فإن الأمور كلها لا تحصل إلا بالتوكل على الله والإستعانة به، ومنزلة التوكل قبل منزلة الإنابة لأنه يتوكل في حصول مراده فهي وسيلة والإنابة غاية، وهو من أجل المراتب وأفضلها وأعمها قدراً..
    قال ابن القيم رحمه الله: التوكل نصف الدين والنصف الثاني الإنابة فإن الدين استعانة وعبادة، فالتوكل هو الاستعانة والإنابة هي العبادة.
    والتوكل متعلق بكل أمور العبد الدينية التي لا تتم الواجبات والمستحبات إلا بها. ومنزلته أجمع وأوسع المنازل ولا تزال معمورة بالنازلين لسعة متعلق التوكل وكثرة حوائج العالمين..!!
    التوكل يتعلق بكل شيء واجبات ومستحبات ومباحات ولقد كثرت حوائج الناس ولابد لهم من التوكل على الله في قضائها.
    فمنزلة التوكل تشتد الحاجة إليها وعباد الله تعالى حقاً إذا نابهم أمر من الأمور فروا إلى الله منيبين إليه ومتوكلين عليه ، وبذلك يسهل الله الصعاب وييسر الله العسير ويحقق العبد ما يريد وهو مطمئن البال هاديء النفس راضٍ بما قضاه الله عز وجل وقدره.
    قال ابن القيم رحمه الله: ولو توكل العبد على الله حق توكله في إزالة جبل من مكانه وكان مأموراً بإزالته لأزاله.
    فالمسلم لا يرى التوكل على الله في جميع أعماله واجباً فقط بل يراه فريضة دينية ليس متعلقاً فقط بالأمور الدينية بل بالأمور الدنيوية وليس بالأمور الدنيوية وطلب الرزق فقط بل بعبادة الله سبحانه وتعالى فهو عقيدة " وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ " المائدة :29 , ولهذا كان التوكل على الله نصف الدين ، بل هو الواجب لأنه أصل من أصول الإيمان .
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : فإن التوكل من على الله واجب من اعظم الواجبات كما أن الإخلاص لله واجب وقد أمر الله بالتوكل في غير آية أعظم مما أمر بالوضوء وغسل الجنابة، ونهى عن التوكل على غيره سبحانه.
    قال ابن القيم رحمه الله: والتوكل جامع لمقام التفويض والاستعانة والرضا لا يتصور وجودٌ بدونها.
    وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب:"الأصل الجامع الذي تتفرع عنه الأفعال والعبادات هو التوكل على الله وصدق الالتجاء إليه والاعتماد بالقلب عليه وهو خلاصة التفريد ونهاية تحقيق التوحيد الذي يثمر كل مقام شريف من المحبة والخوف والرجاء والرضا به رباً وإلهاً والرضا بقضائه بل ربما أوصل التوكل بالعبد إلى التلذذ بالبلاء وعدّه من النعماء"كما في حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب" فسبحان من يتفضل على من يشاء بما شاء والله ذو الفضل العظيم".
    فالتوكل هو أحد مباني التوحيد الإلهية كما يدل على ذلك قوله تعالى: " إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ " الفاتحة :5 ,وأيضاً يدل عليه قوله تعالى: " وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ " هود :123 ,وقوله تعالى: " فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ " التوبة :129 ,
    وهذا التوكل لا يقوم به على وجه الكمال إلا خواص المؤمنين كما في صفة السبعين ألفاً ، فالذي يحقق التوكل ليس كل الناس بل هم طائفة قليلة من الناس ذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم : "هذه أمتك يدخل الجنة من هؤلاء سبعون ألفاً بغير حساب ثم دخل ولم يبين من هم وما هي صفاتهم فأفاض القوم وقالوا نحن الذين آمنا بالله واتبعنا رسوله فنحن هم أو أولادنا الذين ولدوا في الإسلام فإنا ولدنا في الجاهلية فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم هذا القول منهم فخرج وقال : هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون" فقال عكاشة بن محصن أمنهم أنا يا رسول الله؟ قال نعم، فقال آخر أمنهم أنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم : " سبقك بها عُكاشة أو عُكَّاشة".
    وكان من الصحابة المتوكلين عمران بن حصين وهو من سادات المتوكلين، رضي الله عنه ، الذي كان به بواسير وكان يصبر على ألمها فكانت الملائكة تسلم عليه فاكتوى فانقطع تسليم الملائكة عليه ثم ترك الكي وصبر على الألم فعاد سلام الملائكة عليه.
    كما جاء في حديث مسلم عن مفرّق قال لي عمران بن حصين أحدثك حديثاً عسى الله أن ينفعك به إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين حجة وعمرة ثم لم ينه عنه حتى مات ولم ينزل فيه قرآن يحرمه وقد كان يُسلَّم عليّ حتى اكتويت فَتُرِكْت ثم تركتُ الكي فعاد"أي السلام عليه من قِبَل الملائكة".
    فالتوكل على الله صفة علية من صفات عباد الرحمن وشعار يتميزون به عمن سواهم وعلامة بارزة لأهل الإيمان كما قال تعالى: " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ "الانفال:2 ,
    لا يرجون سواه ولا يقصدون إلا إياه ولا يلوذون إلا بجنابه ولا يطلبون الحوائج إلا منه ولا يرغبون إلا إليه ويعلمون أنه ماشاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنه المتصرف بالملك لا شريك له ولا معقب لحكمه وهو سريع الحساب كما قال ابن كثير رحمه الله، وقال سعيد بن جبير : التوكل على الله جماع الإيمان.
    وقال عز وجل عن أوليائه إبراهيم والذين آمنوا معه: " رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ " الممتحنة :4 , أي توكلنا عليك في جميع أمورنا وسلمناها إليك وفوضناها إليك.
    ولقوة إيمانهم وتوكلهم أمر الله أن نتخذهم أسوة حسنة " إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ "الممتحنة :4 ,هكذا توكلوا على الله وسلموا لله الأمور تسليماً مطلقاً. صحبوا التوكل في جميع أمورهم مع بذل جهد في رضا الرحمن.
    وأصحاب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد
    " الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ " ال عمران :173 ,ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنه : حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم حين ألقي في النار وقالها النبي محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا " ال عمران :173 .
    فالتوكل هو عدة المؤمنين يوم يتوعدهم الناس ويخوفونهم بكثرة الأعداء.

    فكان أول شيء وآخر شيء قاله إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار "حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ " ال عمران :173 .هو القريب المجيب المستغاث به ,قل حسبي الله معبودي ومُتّكلي

    من الآيات الدالة على فضل التوكل: قوله تعالى: " وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ "الزمر:38 , فإذا كان المؤمنون دائماً متوكلون على الله ملتجئون إليه بقولهم حسبنا الله ونعم الوكيل فأولى بأنبيائه أن يكونا أكمل توحيداً أو توكلاً من غيرهم.


    وقد أمر الله بالتوكل وحث على ذلك في مواضع كثيرة كما في قوله تعالى
    "وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ" ال عمران:122 , في سبعة مواضع في القرآن الكريم:
    1- "فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ " النمل :79

    2- " فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ " هود:123

    3- " وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا " الفرقان :58
    4- "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ " ال عمران :159
    ,فالتوكل سبب لنيل محبة الله وهي الصفة التي تميز بها المؤمنون عن غيره ولذلك أوجب الله التوكل.
    5- وإذا قيل ما حكم التوكل؟ فيقال واجب مثل أصل محبة الله والصبر والإنابة بل إن التوكل شرط الإيمان. والمفهوم من الآية " وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ " المائدة :23 أنه إذا انتفى التوكل انتفى الإيمان.
    6- أمر الله بالتوكل وقرنه بالإيمان ليدل بذلك على أنهما جزءان إذ التوكل على الوكيل هو الإيمان فأمر بالتوكل قولاً وعملاً بعد الإخبار عن محبته للمتوكل عليه " قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ " الملك :29 ,واشترط للإيمان التوكل " وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ " المائدة :23، وهذه جاءت في قصة موسى عليه السلام " يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ " يونس:84, إذ لابد من هذا لهذا.
    قال الشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله : معنى الآية أن موسى عليه السلام أمر قومه بدخول الأرض المقدسة التي كتبها الله لهم ولا يرتدوا على أدبارهم خوفاً من الجبارين بل يمضوا قدماً لا يخافونهم ولا يهابونهم متوكلين على الله في هزيمتهم مصدقين بصحة وعده لهم إن كانوا مؤمنين .
    7- وصار المتوكل على الله من عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً، ونعتهم الله بالمقام الجليل العظيم. وضمن الله لمن توكل عليه القيام بأمره وكفايته أي أن يكفيه همه وأن ينصره ويحفظه فالله ناصر دينه وكتابه والله كافٍ عبده بأمان، قال تعالى: " وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ,وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا " الطلاق :2:3

    يقول ابن كثير رحمه الله: ومن يتق الله فيما أمره به وترك ما نهاه عنه يجعل له من أمره مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب أي من جهة لا تخطر بباله.
    وفي هذه الآية فضل التوكل وأنه من أعظم الأسباب في جلب المنافع ودفع المضار فقد قال صلى الله عليه وسلم : " لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً" :رواه الترمذي وصححه الألباني, فأفئدة الطير مليئة بالتوكل على الله ولو أننا توكلنا على الله كما يتوكل الطير لرزقنا مثل ما يرزق الطير.
    وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم المتوكل على الله بوصفين:
    أ*- السعي في طلب الرزق.
    ب*- الاعتماد على مسبب الأسباب.
    وهذا الحديث مهم في فهم قضية التوكل وفي الأخذ بالأسباب لأن الطير تغدو أي تذهب في الصباح وتبحث عن الرزق وتخرج من أعشاشها وهذا عمل وسعي وجهد وهو الطيران وترجع محملة بالطعام لنفسها ولأفراخها، إذاً فالسعي في طلب الرزق هو الاعتماد القوي على مسبب الأسباب المباحة، وقد قال تعالى: " وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " الانفال :49,والعزيز هو الارتباط ما بين نهاية الآية والتوكل والعزيز الذي لا يذل من استجار به ولا يضيع من لاذ بجنابه حكيم يدبر من توكل عليه بحكمته تدبيراً حسناً. قال ابن كثير – رحمه الله - : ومن يتوكل على الله أي يعتمد على جنابه فإن الله عزيز حكيم والتوكل مركب السائر الذي لا يتأتى السير إلا به ومتى نزل عنه انقطع فوراً وتوقف عن السير وهذا ما لاحظه ابن القيم رحمه الله وهذا يبين منزلة التوكل وفضل التوكل.


    ومما يدل على فضله وعلو منزلته أن الله أمر به في أكمل الأحوال والعبدات والمقامات:
    1- مقام العبادة: " فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ " هود :123

    فأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين والخلق بالعبادة والتوكل. وقال تعالى: "وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ,وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا " الاحزاب :2:3، توكل على الله في جميع أحوالك وأمورك فهذا التوجيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليتوكل على الله ويتقيه ويعبده ويتبع ما يوحى إليه من ربه فهو أمر له ولأمته من بعده إلى يوم القيامة.
    2- في مقام الدعوة، فجاء الخطاب لرسول الله والأصل هو خطاب لأمته إلا إذا دل الدليل على تخصيص له فقال تعالى:
    " فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ " التوبة:129 ,فهو الذي تنتهي إليه القوة والملك والعظمة والجاه وهو حسب من لاذ به ويكفي من استجار به ويدفع عنه الشر عز وجل ويحميه.

    ونوح عليه السلام أيضاً في مجال الدعوة: " يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ " يونس:71 ,فهذه الدعوة من نوح عليه السلام والإنذار الطويل والتذكير المستمر الذي رافقه وقابله من قومه تكذيب وإعراض بعدما بلغ الضيق منه توكل على الله وفوض الأمر إليه وهو ماضٍ في الدعوة.إذاً الداعية إلى الله إذا جُوبه بالإعراض من المدعوين والصدود والرد وعدم الاستجابة فإنه يتوكل على الله والله يكفيه شر هؤلاء المعرضين. ويوسع صدره الذي ضيقوه بإعراضهم.
    3- في مقام الحكم والقضاء ، قال تعالى: " وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ " الشورى :10 , فالرسول صلى الله عليه وسلم أمره كله إلى الله، أناب إلى ربه وتوكل عليه وفوض أمره لله، كيف يتحاكم الناس لغير الله إذا اختلفوا بشيء من الأمر، وهذا النبي الذي أرسله يُترَك ولا يتحاكم إليه وهو أولى أن يتحاكم إليه ليقول قول الفصل فيما اختلفوا فيه وكيف يتوجهون في أمر من الأمور إلى جهات أخرى والنبي موجود يقضي، فما دام القاضي والحاكم على الحق المبين فلا يبالي بما يعوقه وبمن يرد حكمه وبمن يرفض التحاكم إلى الشريعة التي يقتضي بها فإذا الحاكم والقاضي عليه التوكل على الله.
    4- في مقام الجهاد وقتال الأعداء: قال تعالى: "وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ,إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ " ال عمران:121:122 ,فمع أنه يعد العدة ويجهز الجيش ويعيّن الأماكن ويرتب الجيش أي يأخذ بالأسباب ومع ذلك أمر بالتوكل لأن النصر بيد الله "إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ " ال عمران:160, فكأنه يقول لهم إن كنتم في حال ضعف فالنصر بيد الله فتوكلوا عليه " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ " المائدة :11,ولو كنتم في حال الكثرة والقوة أيضاً فيجب عليكم أن تتوكلوا فإنكم إذا م اتوكلتم على الله فلن تنفعكم الكثرة , " وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا " التوبة :25 ولو كانوا في معركة وأرخى لهم العدو جناح الذل وريش الوداعة وظن المؤمنون أن المعركة قد انتهت فلا بد أن يبقى الارتباط والتوكل على الله ولو قال العدو نريد السلم وخنعوا " وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ " الانفال :61

    التوكل لا ينقطع مع أن المعركة انتهت والحرب وضعت أوزارها وخنع الأعداء للسلم و ذلوا واستسلموا، وفي الحديبية كان الرسول صلى الله عليه وسلم قادراً على مواصلة الجهاد والقتال بل كان مستعداً لاقتحام مكة وقال بايعوني على الموت، ولكن جنح للسلم لما جنحوا لها لعل أن تكون فرصة الدعوة مواتية ، لذلك فقد دخل في الإسلام بعد الحديبية أضعاف أضعاف ما كان قبله وفي سنوات أقل، إذاً لو طلبوا السلم والحرب الآن توقفت فتوكل على الله وإن أرادوا خداعكم فإن الله حسبك ولابد من استمرار التوكل على الله حتى في حال الغلبة والانتصار على العدو، وفي قصة موسى قال تعالى: " قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ , قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ " المائدة :22:23
    5- في مقام المشورة: قال تعالى: "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ " ال عمران:159 ، فأخذ المشورة من باب الأخذ بالأسباب فآراء الناس أسباب تعين على الاهتداء إلى الصواب وأخذ القرار الصحيح، ولكن لا ينفك المؤمن في هذه الحالة حتى لو عندهم كبار المستشارين عن التوكل على الله, ولذلك بعض هؤلاء يغترون ويظنون أن وجود آراء المستشارين يغني عن التوكل وأنه عنده الخبراء الكبار وعنده المستشارون العظماء ونقول يمكن أن يضل هؤلاء كلهم ويأمرون بقرارات خاطئة، وقد يشيرون لأمر صائب ويخطئون في تنفيذه، إذاُ لابد من التوكل على الله حتى مع أخذ الآراء.
    6- في مقام طلب الرزق: قال تعالى: " فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ " الشورى :42 , وقال: " وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ,وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا " الطلاق :2:3.
    7- في مقام العهود والمواثيق: وقد أخبر الله عن يعقوب عليه السلام في قصة يوسف وأخوته: "قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ " يوسف:66

    والموثق هو العهود والأيمان المغلظة، "وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " يوسف :67 .
    8- في مقام الهجرة في سبيل الله :وهو عظيم وأليم على النفس أن يترك الإنسان مأواه وداره وأمواله ويتغرب ويضحي بعشيرته وبذكريات حبيبته ولكن يهوّن عليه التوكل على الله ، قال تعالى: " وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ,الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ " النحل :41:42 , ومن الذي يهون الهجرة والفرقة هو التوكل على الله , مهاجرة الحبشة الذين اشتد عليهم الأذى هاجروا هجرتين مشهورتين والنبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أيضاً هاجروا وفي طريق الهجرة حصل ابتلاء وخوف "إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا " التوبة :40 .
    9- في مقام إبرام عقود البيع والإجارة والزواج: موسى عليه السلام لما اتفق مع الرجل الصالح على أن يزوجه ابنته على أن يأجره ثماني حجج أجير وراعي غنم وإذا أتم عشراً فهذا حسن وليس بواجب " فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ,قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ " القصص :27:28 ,وقد قضى موسى العشر وأتمها وأكملها كما جاء في الحديث "إن نبي الله إذا قال فعل"، والأليق بالنبي هو الأكمل.

    تعريف التوكل
    في اللغة: هو الاعتماد والتفويض وتوكيل الأمر إلى الشخص أي تفويضه به والاعتماد عليه فيه ووكل فلان فلاناً إذا استكفاه واعتمد عليه وفوض الأمر إليه ووثق به ، والتوكل إظهار العجز والاعتماد على الغير، وأصله من الوكول ويقال وكلت أمري إلى فلان أي اعتمدت عليه .
    وقد ورد لفظ التوكل بالإفراد والجمع والماضي والمضارع والأمر في القرآن في اثنان وأربعون موضعاً، كلها جاءت بمعنى الاتكال والاعتماد على الله وتفويض الأمر إليه فالاسم التكلان، وورد في حديث الترمذي وفيه ضعف"وهذا الجهد وعليك التكلان" ,وفي حديث عثمان " الله المستعان اللهم صبراً وعلى الله التكلان" وأيضاً من الأسماء الوكالة ووكيل الرجل الذي يقوم بأمر فهو موكول إليه الأمر.
    قال ابن القيم رحمه الله: والوكالة يراد بها أمران، أولاً التوكيل وهو الاستعانة والتفويض ، والثاني التوكل وهو التصرف بطريق الإنابة عن الموكل وهذا عن الجانبين فإن الله تبارك وتعالى يوكل العبد في حفظ ما وكله فيه والعبد يوكل الرب ويعتمد عليه.
    فأما وكالة العبد لربه " فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ " الانعام :89 قال قتادة: وكلنا بها الأنبياء الثماني عشر الذين ذكرناهم قبل هذه الآية، وقال أبو رجاء العطاردي: إن يكفر بها أهل الأرض فقد وكلنا بها أهل السماء وهم الملائكة . وقال ابن عباس ومجاهد: هم الأنصار أهل المدينة، والصواب أن من قام بها إيماناً ودعوة وجهاداً ونصرة فهؤلاء الذين وكلهم الله بها.
    لما قام المعتز على الإمام أحمد فسجن واضطهد ومنع من التحديث على شأن أبي دؤاد المبتدع ، فيقال أن النبي صلى الله عليه وسلم رؤي وهو يقرأ قوله تعالى: فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء " الانعام :89 ويشير إلى أحمد بن أبي دؤاد المعتزي فَقَدْ وَكَّلْنَا " الانعام :89 ويشير إلى أحمد ،و هذه من صالح الرؤى.


    هل يصح أن تقول أن الله وكل أو يوكل أحداً من العباد؟
    نعم بإقامة الدين، لكن هل يصح أن يقال أن أحداً ما وكيل الله؟ لا.. لأن الوكيل من يتصرف عن موكله بطريق النيابة، والله لا نائب له ولا يخالفه أحد ولا يخلفه أحد بل هو يخلف عبده"اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل " ,يخلف العبد في أهله وماله الذين غاب عنهم.

    أما أن العبد يوكل ربه فنعم بتفويضه إليه وعزل نفسه عن التصرف ، لهذا قيل في التوكل أنه عزل النفس عن الربوبية وقيامها بالعبودية. ومعنى كون الرب وكيل عبده أي كافيه والقائم بأمره ومصالحه فوكالة الرب عبده أمر وتعبد وإحسان لا عن حاجة بل منّة وافتقار منهم إليه وأما توكيل العبد ربه فتسليم لربوبيته، وقيام بعبوديته وحسبنا الله ونعم الوكيل أي كافينا ونعم الكافي يكفينا من كل شر والحسب هو الكافي والله وحده كافٍ عبده.
    والتوكل في الاصطلاح الشرعي: هو صدق اعتماد القلب على الله عز وجل في استجلاب المصالح ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة كما ذكر ابن رجب، وقال الحسن أن يعلم أن الله هو ثقته..! وقال ابن عثيمين رحمه الله: صدق الاعتماد على الله عزوجل في جلب المنافع ودفع المضار مع فعل الأسباب التي أمر الله بها ، وهذا تعريف جيد جامع.
    وهذا التوكل لا ينقطع ولا يخلو من اتخاذ الأسباب، فهو ثقة بالله واعتماد عليه مع الأخذ بالأسباب، فهو يلتئم هذين الأصلين، يقول ابن القيم رحمه الله: سر التوكل وحقيقته هو اعتماد القلب على الله وحده ، فلا يضره مباشرة الأسباب مع خلو القلب من الاعتماد عليها والركون إليها.
    إذا كان معتمد على الله بالكلية فلا يضره لو كان لديه عشرين طريقة وسبب، لأن يفعل شيئاً فإذا قال العبد توكلت على الله مع اعتماد القلب على غير الله كمن يقول تبت وهو مستمر على المعصية، فتوكل اللسان مختلف عن توكل القلب، وهذا فعل الكفرة والغربيين إذا انهارت الأسباب انهاروا أما المؤمن فلا ينهار إذا أفلس من الأسباب فلا يزال يرجو الفلاح.


    حقيقة التوكل
    قال الزبيدي في تاج العروس: الثقة بما عند الله واليأس مما في أيدي الناس، فالتوكل على الله اعتماد القلب على الله مع الأخذ بالأسباب، مع كامل اليقين أن تعلم أن الله هو الرازق الخالق المحيي المميت لا إله غيره ولا رب سواه.
    والتوكل يتناول التوكل على الله ليعينه الله على فعل ما أمره والتوكل على الله ليعطيه ما لا يقدر عليه، وكلاهما كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ، فالاستعانة تكون على الأعمال والتوكل أعمّ من ذلك فالتوكل مجلبة لمنفعة، ودفع لمضرة.
    " وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ " التوبة:59

    إذا ما حذرت الأمر فاجعل ازاءه رجوعاً إلى رب يقيك المحاذر
    ولا تخش أمراً أنت فيه مفوض إلى الله غايات ومصادر
    وكن للذي يقضي به الله وحده وإن لم توافقه الأماني شاكر

    ولا تفخرن إلا بثوب صيانة إذا كنت يوماً بالفضيلة فاخر

    وإني كفيلٌ بالنجاة من الأذى لمن لم يبت يدعو سوى الله ناصر


    فإذاً كن شاكراً لله ولا تخشَ شيئاً إذا فوضت أمرك لله ، كن رجّاعاً لله متكلاً عليه ؛ حينها ينصرك الله.

    حقيقة التوكل عبادة واستعانة : " فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ " هود :123 "عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ " هود :88 "عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ " الرعد :30 " اتَّخِذْهُ وَكِيلا " المزمل :9 "عليك توكلت وإليك أنيب" ، انظر للمقارنة للتوكل مع العبادة والاستعانة بالله، فالتوكل أعمّ في جلب المنافع وهو دفع المضار حتى لو كانت في أشياء دنيوية والاستعانة على العبادة.
    التوكل أعم من الاستعانة و قد جمع الله بين الأصلين في غير موضع كقوله " إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ " الفاتحة :5 ، فالعبادة له والاستعانة به والتوكل عليه وحده لا شريك له، الله عزوجل إذا توكل عليه العبد يكفيه و هو حسب من توكل عليه والحسب هو الكافي ، يمنع الشر عنك، يكفيك ما أهمك ، يكفيك عدوك..
    لما قال الله لنبيه
    " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ " الانفال: 64..، بعض الناس يظنون أن المعنى حسبك الله والمؤمنون حسبك أيضاً ،يعني يكفونك مع الله، هذا خطأ بل حسبك الله وحسب من اتبعك ، يكفيك ويكفيهم..حسبك وحسبهم..كلكم..أنت وهم.. ، ولا يجوز حمل الآية على المعنى الآخر..
    ولذلك الآية الأخرى" وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ " الانفال :62..
    نعم هنا ممكن..
    فرق بين الحسب والتأييد..
    هل المؤمن يكفي يكون حسباً؟... لا ،لكن يكون ناصراً ومؤيداً..نعم..
    أيدك بالمؤمنين..أن يؤيدونك وينصرونك..هذه لا إشكال فيها..ولا تضاد التوحيد..
    ولكن إذا قلت يكفونك ..من ذا يقدر على الكفاية..؟..من الذي يستطيع أن يكون حسباً يكفي غيره كل شر من الشرور؟.. ما يقدر على هذا إلا الله سبحانه وتعالى..
    قال ابن القيم رحمه الله في معنى الآية: " حسبك الله أي كافيه ومن كان الله كافيه و واقيه فلا مطمع فيه لعدوه ولا يضره إلا أذى"..
    مامعنى ( لايضروك إلا أذى)..مثل أذى الحر والبرد والجوع والعطش أما أن يضره العدو بما يبلغ به مراده(يعني الشيء الذي يريده العدو فيه) لا..يعني إذا توكلت على الله لن يضروك إلا أذى..
    يعني الشيء الذي لابد منه ولكن ليس على مايشتهي ويريد العدو.. ، يعني أثر خفيف..مثل مايحدث لك من الحر والبرد والجوع والعطش..، لكن لا يستطيعون أن يبلغوا ما يريدونه ويتمنونه إذا توكلت على الله..

    وإذا كان الله قد جعل لكل عمل جزاء من جنسه فقد جعل جزاء التوكل عليه الكفاية، ومن يتوكل على الله فهو حسبه ، ولو كاده كل من في الأرض جميعاً..!!



    وإذا دجى ليل الخطوب وأظلمت سبل الخلاص وخاب فيها الآمل
    وأيست من وجه النجاة فما لها سبب ولا يدنو لها متناول

    يأتيك من ألطافه الفرج الذي لم تحتسبه وأنت عنه غافل


    والثقة بالله سبحانه وتعالى والتوكل عليه وتفويض الأمور يليه يريح العبد نفسياً، لأنه الواحد مهما بذل أسباب ستبقى ثغرات يتحسب منها ، ويبذل كذا وكذا لكن هذه لا يستطيع أن يفعل فيها شيء، ولو جاءوا ما استطعت..ولو كادوا لي من هذه الجهة ما لي حيلة..وضعنا احتياطات من هنا ومن هنا ولكن لو جاءوا من هنا لو فعلوا من هنا ماعندنا احتياطات...!!، فيصبح العبد مهموماً حتى مع اتخاذ بعض الأسباب..هناك أشياء لا يقدر عليها فالتوكل يريحه نفسياً..الأشياء التي لا حيلة له فيها ؛ الذي لا يتوكل قلق منها قلق جداً منها لأنه لم يعمل شيء في الموضوع ، لكن من يتوكل على الله كفاه الله ما أهمه..، و قال لي أحدهم بعد الحج من أهل الشيشان: (جاء الروس اقتحموا علينا، وكنا في بيت فحاصرونا، وهرب من هرب، وبقيت أنا ذهبت إلى حفرة بجانب البيت يلقى فيها محصول البطاطس ،ألقيت نفسي فيها ثم اقتحموا البيت و ابتدؤوا التفتيش و علا صياحهم واقتربوا من مكاني وأنا ماعندي سلاح ولا أستطيع أن أهرب ..حفرة..، قال لا عندي إلا التوكل على الله وتذكرت موقف من السيرة وآية من القرآن وجعلت أقرأها فسمعت القائد يقول للجندي اذهب وفتش الحفرة، وسمعت وقع خطواته وهو يقترب شيئاً فشيئاً من الحفرة وأنا في الحفرة وأنا مثل الفأر بالمصيدة، وأطل عليّ ونظر إليّ وذهب وقال لا يوجد أحد في الحفرة..!، أنا استغربت..عيني في عينه..!!!!!!)، قلت له: وماذا كنت تقرأ؟، قال :إني تذكرت والذي خطر على بالي في ذلك الموقف القصة في سورة يس " وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ " يس :9..ما عندي إلا التوكل على الله..

    فهناك أحوال كثيرة المخلوق لا يستطيع أن يفعل فيها شيئاً مادياً..ماعنده إلا هذا التوكل..

    والتوكل على الله لابد من تحقيق مراتب فيه.:

    1- معرفة الرب وصفاته : من قدرته وكفايته وقيوميته، أنت تتوكل على الله وتعتمد عليه يجب أن تكون مؤمنا بقوة الله وقدرته وأنه يكفيك، فالذين يعطلون أسماء الله وصفاته ويلحدون فيها سيخلون بهذه المرتبة..
    2- إثبات الأسباب والمسببات وأنها لا تستقل بنفسها في التأثير، وإن جحد الأسباب وقال كل سبب معطل ، هذا غبي مجنون..، هناك أسباب ، تنكح ليأتيك الولد وتبذر ليخرج الزرع..، ولذلك جاء رجل للنبي صلى الله عليه وسلم فقال أءعقلها وأتوكل أم أطلقها وأتوكل...؟، قال : اعقلها وتوكل..، وأحياناً لا يجد الواحد إلا الدعاء ، ونعم السبب ..، والله عز وجل علم عباده الأخذ بالأسباب فقال: " هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا " الملك :15 وقال: "فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ " الجمعة :10..، فالذي يقول لا أعمل شيئاً حتى يأتيني رزقي جاهل بشرع الله وجاهل بقدر الله ..، الله قال في سورة المزمل "وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ " المزمل:20..يضربون : يسافرون و يذهبون ويتاجرون ، وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتاجرون في البر والبحر..ويعملون في نخيلهم وكان غسل الجمعة.. لماذا أمروا به..؟..لأنهم كانوا عمال أنفسهم..يعملون في الحر والنخيل.. العرق يرشح على ملابس الصوف فيكون لها رائحة كريهة في المسجد، فقيل لهم ( لو اغتسلتم) كما في البخاري ، ولما سئل الإمام أحمد رحمه الله عن هؤلاء الذين يزعمون أنهم متوكلة ويقولون نقعد وأرزاقنا على الله عزوجل، قال الإمام أحمد : هذا قول رديء أليس الله قد قال " فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ,فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ " الجمعة :9:10..؟، وقال صالح بن أحمد بن حنبل: "سئل أبي عن قوم لا يعملون ويقولون نحن المتوكلون فقال : هؤلاء مبتدعون"..
    3-ومن المقامات التي يجب تحقيقها رسوخ القدم في طريق التوحيد..، فالعبد إذا حقق التوحيد كان له من التوكل النصيب العظيم ..، " حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ "التوبة : 129 توحيد وتوكل بعده..
    4- الاعتماد على الله عزوجل في كل الأمور، بحيث يفوض إليه سائر أموره..
    5- أن يحسن الظن بالله عز وجل وتفويض الأمور إلى الله عز وجل كلها ويكون بيد الله أوثق منه بما في يده، لا يضطرب قلبه ولايبالي بإقبال الدنيا وإدبارها لأن اعتماده على الله ..، فحاله كحال إنسان أعطاه ملك درهم فسرق منه، فقال الملك عندي أضعافه فلا تهتم..متى جئت أعطيتك أضعافه من خزائني، فمن يعلم أن الله ملك الملوك خزائنه ملأى فلا يقلق إذا فات شيء فإن الغني يعطيه الله بدلاً منه.. وأما حسن الظن بالله عزوجل فإن الله عزوجل قال: "أنا عند ظن عبدي بي" كما جاء في الحديث القدسي، فحسن الظن يدعو إلى التوكل على الله، أنت تتوكل على من تظن أنه سينفعك، وإن الإنسان إذا علم وتيقن أن الله هو الغني القادر الحسب الكافي فيتوكل عليه..
    6- استسلام القلب لله سبحانه وتعالى، فإذا استسلم كاستسلام العبد الذليل لسيده وانقياده له حصل التوكل ..
    7- التفويض .. " فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ " غافر :44 , أي أتوكل عليه وأستعينه مع مقاطعتي و مباعدتي لكم خدعتموني .

    .قال اين مسعود : "إن أشد آية في القرآن تفويضاً"وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ" الطلاق :3"، قال ابن القيم رحمه الله نقلاً عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : "المقدور يكتنفه أمران: التوكل قبله والرضى بعده"من وجهة نظر الدين والتوحيد"، فمن توكل على الله قبل الفعل ورضى بالمقضي بعد الفعل فهذا إنسان قائم بالعبودية فعلاً" .. ولذلك انظر إلى دعاء الاستخارة: واقدر لي الخير حيث كان كله ثم رضني به..فالتوكل إذاً على الله تفويض قبل وقوع المقدور ورضى بعد وقوع المقدور..

    فعرفنا إذاً أيها الأخوة الفرق بين التوكل والتواكل ، فالتوكل فيه أخذ بالأسباب الشرعية، فبعض الطلاب قد يذهب لاختبار ويأخذ معه أشياء للغش ويقول هذه أسباب(!!)، فهذا التوكل بمعصية، ولكن التوكل الصحيح أن يأخذ بالأسباب الشرعية المقدور عليها .
    التواكل ترك الأسباب ..ومن ترك التوكل طعن في التوحيد..ومن ترك الأسباب نقص في العقل..

    والأسباب ولو كانت يسيرة وضعيفة؛ يبذلها العبد..والله سبحانه وتعالى يبارك فيها ويجعل فيها أثراً، والله علمنا ذلك في قصة مريم..
    توكل على الرحمن في كل حاجة

    ولا تؤثرن العجز يوماً على الطلب
    ألم ترَ أن الله قال لـــــــمريم

    إليك فهزي الجذع يساقط الرطب
    ولو شاء أن تجنيه من غير هزها

    جنــــــته ولكن كل شيء له سبب

    فتخيل حال امرأة..ضعيفة .. في حال النفاس..أضعف ما تكون المرأة.. والنخلة شجرة قوية ..جذعها قوي.. ولكن الله قال: " وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ " مريم:25 ,ولكن بالسبب الضعيف جعل النتيجة..!..،كان من الممكن أن يسقط الثمر بلا هز..وماذا يغني الهز من امرأة ضعيفة لشجرة قوية..، ولكن ليعلم العباد الأخذ بما أمكن من الأسباب..هذا مبدأ مهم في قضية التوكل.. والنبي صلى الله عليه وسلم ظاهر بين درعين ولبس لئمته و وضع الخوذة على رأسه(المغفر)..ماهذا؟؟..أخذ بالأسباب ، وطريق الهجرة وأخذ دليل وتعمية الأثر..كل هذا أخذ بالأسباب..وخرج في وقت يغفل فيه الناس..من طريق غير متوقع..وهو نبي"حَسْبَكَ اللَّهُ " الانفال :8 " وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ " المائدة :67 ولكن الله علمنا التتبع ..الهجرة أخذ بالأسباب مع التوكل على الله..
    والتوكل على الله عز وجل يجمع علم القلب وعمل القلب .. أن يعلم بأن الله مقدر الأشياء ومدبر الأشياء، وعمل القلب سكون القلب للخالق والاعتماد عليه والثقة به، فهذان أمران مهمان في التوكل يشمل التوكل علم القلب وعمل القلب..
    1- أن يعلم بالأسماء والصفات..
    2- أن يسكن ويفوض ويستسلم لله سبحانه وتعالى..

    إذا ابتليت فثق بالله وارضَ به

    إن الذي يكشف البلوى هو الله
    إذا قضى الله فاستسلم لقدرته

    ما لامريء حيلة فيما قضى الله
    اليأس يقطع أحياناً بصاحبه

    لا تيأســــــن فنعم القادر الله

    والتوكل على الله سبحانه وتعالى يكون في تحصيل الحظ من الرزق والعافية ومتع الدنيا وجلب الحوائج ودفع المكروهات والمصائب الدنيوية..
    كما يكون التوكل أيضاً في عبادته عز وجل و العبد إذا كان الله عزوجل غايته فإنه يسكن ويهدأ ولا يضطرب ويسأل ربه ويدعو ، والتوكل على الله مع اسقاط الأسباب طعن في العقل والدين أيضاً لأننا قد أمرنا بالعمل ، مثل هؤلاء الذين يظنون أنهم يريدون أن يدخلون الجنة بدون أعمال ويقولون ندخل برحمة الله..!!، كما قال أحدهم : جاهدت مع أهل زوجتي في إخراج المنكر من البيت ومن الوسائل والأجهزة المفسدة وأحاول فيهم ، وأو زوجتي يتدخل ويقول لماذا تفكر تخرج الأجهزة هذي ؟كلنا في رحمة الله ..، نعم كلنا في رحمة الله ولكن أليس هناك أسباب لدخول الجنة؟؟!!..واجتناب أسباب دخول النار..؟؟!!..مافي ابتعاد عن المحرمات..؟؟!!.قيام بالواجبات..؟!!..كذا برحمة الله بدون اتخاذ أسباب..؟ " إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ " الاعراف :56 , يا أخي..ليست قريب من الفاجرين الفاسقين..!!
    فمشكلة أن يوجد مثل هؤلاء الذين لا يريدون لا بذل أسباب دنيوية ولا شرعية ، وبعضهم يبذل أسباب دنيوية ولايبذل أسباب شرعية، في الدنيا والدراسة والتحصيل والفن والأجهزة ممتاز، وفي الصلاة تقصير والمحرمات يقع فيها ، فيأخذون بالأسباب في الدنيا ويتركون أسباب الدين..كيف تنجو في الآخرة بدون أن تأخذ أسباب الجنة..؟!!..(اعملوا فكل ميسر لما خلق له) ..

    الأمور التي تضاد التوكل
    1- التطير والتشاؤم ..قال صلى الله عليه وسلم " لاطيرة "..، التطير والتشاؤم من الشيء المرئي أو المسموع ، كمن يرى أعور فيتشائم به ، ويرى طيراً ذهب شمالاً فيتشاءم به، يريد أن يذهب لسفر أو زواج فيلغي المشروع..، هذا ينافي التوكل على الله..، قال مثلاً كرسي الحجز في الطائرة 13 ..هذا ما أركب فيه..هذا شؤم..، تجنب الرقم 13 ليس من الأسباب المشروعة إطلاقاً، ذهب يضرب صفقة مع رفيقه فرأى حماته، فقال هذا نذير شؤم..ما دخلها..؟!!، فالتطير والتشاؤم منافي للتوحيد، ولما جاء أحد المنجمين لعلي رضي الله عنه وهو خارج لقتال البغاة ، قال هنا الآن نوء العقرب إذا خرجت ياعلي ستخسر في المعركة وتنهزم فخرج علي ثقة بالله وتوكلاً عليه وكتب الله له في تلك الغزوة والخروج البركة والخير والفلاح والانتصار ، ولذلك المرء يتعمد مخالفة العرافين والكهنة ..، فإذا قال له كاهن خروجك هذا شر والنجم كذا فليقل بل مخالفة لك وإيماناً بالتوحيد وإيماناً بالسنة سأخرج و أخالفك يا أيها الدجال والمشعوذ..وإتيان الكهان والتعلق بهم.. ، تعليق التمائم يخالف التوكل..، لأن الإنسان ( من تعلق شيئاً وكل إليه)..، لذلك الإنسان لو علق أشياء ولو بالقرآن يتعلق قلبه بالجلد هذا والورق والحبر المكتوب مع أن المفترض أن يتعلق قلبه بالله وليس بأوراق وجلود يجعلها على معصمه أو يعلقها في رقبته، وبعضهم يقول هذه أسباب..!!!!..،هذا خلافنا مع بعض الناس.. أمرنا باتخاذ أسباب شرعية..أو أي أسباب..؟!!!!..، التوكل لابد أن يكون معه أسباب شرعية .. ، فالذي يلبس حلقة أو خيط أو يتبرك بالأشجار ويكتب التعاويذ ويعلقها هذه أسباب غير مشروعة فكيف تتخذها..؟!!.(من تعلق شيئاً وكل إليه) وحرم من التوكل على الله وصار توكله على هذا الشيء الموضوع ، لذلك ترى الناس الذين توحيدهم ضعيف يكثر من هذه الأشياء..يعلق في السيارة والبيت وعلى رقبته وأولاده ومنها أشياء شركية وكذا .. لأنه يريد أي أسباب.. ماعنده توحيد وتوكل قوي فهو خائف ويريد أي سبب فيفعل أي شيء ولو كان غير مشروع، لذلك ينقلب على عقبيه ويرتد على دبره ولا يحصل له ما يريد ويبقى في خوف وهم..
    2- ولابد في التوكل على الله من السعي في طلب الرزق، وهذا مهم جداً في عصر شاعت فيه البطالة، بعض الناس يتواكلون على بعض ، والابن على أبيه والأخ على أخته الموظفة، وكثير منهم لا يريدون العمل ، والله أرشدنا وفتح أبواب لطلب الرزق وأشياء مذكورة في الكتاب والسنة..
    *أ- فأول وأعظم سبب للرزق وأحل الحلال في الأرض هو غنائم القتال " فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّبًا " الانفال :80 , فالعلماء تناقشوا في قضية ماهو أطيب الرزق وأحل الحلال تجارة زراعة وصناعة.. قالوا : إن أحل الحلال على وجه الأرض غنائم المعارك في سبيل الله لأن الله قال " فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّبًا " الانفال :80 , والرسول صلى الله عليه وسلم قال: "جعل رزقي تحت ظل رمحي"..
    *ب- العمل باليد فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: "ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من عمل يده"وقال :"لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير من أن يسأل أحداً فيعطيه أو يمنعه".
    *ج- التجارة وهذي عمل كثير من المهاجرين وكذلك الأنصار"فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ " الجمعة :10 ...، وعبدالرحمن بن عوف قال : "دلوني على السوق"..، كان الصحابة يغدون إلى السوق ويشترون ويبيعون..
    *د- الحرث والغرس والزرع، وقال أن الزراعة فيها ميزة في التوكل على الله أكثر من غيرها فالمزارع إذا بذر عنده في قلبه توكل على الله أكثر من التاجر ، كلهم يحتاجون التوكل لكن الزارع أكثر، فبعضهم قدم الزراعة من هذه الجهة لما فيها من مزيد تعلق القلب من الله في رجاء حصول النماء والنبات لهذا المحصول و بأن الثمرة تظهر ولا يصيبها آفة وهكذا..
    ثم إن الإنسان يبذل الأسباب في العلاج ، غير طلب أسباب الرزق، فمثلاً قال النبي صلى الله عليه وسلم : "ما أنزل الله من داء إلا وأنزل له شفاء" " تداووا عباد الله" والتداوي ماهو إلا أخذ بالأسباب في هذا المجال..

    فوائد التوكّل
    1- بسببه النصر على الأعداء
    "وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ , فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ " ال عمران :173:174 " وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا " الاحزاب :222- يجلب المصالح ويدفع المضار والمصائب ويجلب الرزق ويعجل الشفاء ..
    3- التوكل على الله سبب لقوة القلب ونشاطه..
    4- وقاية من الانهيارات النفسية والعصبية..
    5- يباعد بين الإنسان والانتحار وما يفعله هؤلاء الذين عدموا التوكل فيئسوا وأصيبوا بالإحباط فلم يبق لهم في الدنيا مكان في نظرهم..
    6- سبب للحفظ في النفس والمال والولد والأهل "قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ " يوسف :66 يعقوب قالها لبنيه " إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ" يوسف:67، وقال:
    " إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ " المجادلة :10..وعندما يخرج الإنسان من بيته يقول: (بسم الله توكلت على الله ) فماذا يحدث له؟!!..يقول له ملك: (هُدِيت، وُقِيت،كُفيت من كل شر)..
    7- التوكل على الله يبعث في القلب الحماس والعزيمة للعمل لأنه فيه فتح لباب الأخذ في الأسباب والأسباب المشروعة، لما يفهم المرء التوكل فهماً صحيحاً ينطلق للعمل ويأخذ بالأسباب، وهذا فيه انتاجية وفيه ثمار تحدث..
    8- والتوكل على الله يرفع الروح المعنوية حتى لو أصاب الإنسان مصائب وشدائد ، ففي الجراحات والقتل الذي أصابهم مصيبة فوقها يأتي خبر أن المشركين جمعوا عليكم ليعيدوا الكرة عليكم "وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ , فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ "ال عمران :173:174 .
    9- التوكل على الله يجلب الرزق كما يرزق الطير وقد تقدم الكلام في هذا..
    10-التوكل على الله يحقق النتيجة فالطالب يريد النجاح والتاجر يريد الربح وطالب الوظيفة يريد التعيين في العمل وهكذا..
    11-من توكل على الله يشعر بمعية ربه له أنه معه ناصره مغنيه كافيه واقيه..
    12-التوكل على الله يجلب محبة الرب للعبد,وكذلك العبد يحب الرب نتيجة التوكل، لأنه يرى آثارتوكله على ربه وكيف أن الله يعطيه على نيته وتوكله عليه فيحب ربه..
    13-التوكل من حققه دخل الجنة بلا حساب ولا عذاب وهذا أعظم ثمرات التوكل كما جاء في حديث السبعين ألف..
    14-التوكل على الله عز وغنى ..

    قصص مع المتوكلين وعلى رأسهم الرسول صلى الله عليه وسلم..

    لما نزل مع أصحابه في واد فعلق سيفه في شجرة فتفرق الناس في الوادي يستظلون في الشجر فلم يرعهم إلا والنبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم فأتوه فإذا بشخص و سيف ساقط فقال الرسول إن رجلاً أتاني وأنا نائم فاتخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي فلم أشعر إلا والسيف صلفاً أي مسلولاً..انتبه النبي والسيف فوق رأسه..أين المهرب..؟!..فقال من يمنعك مني ..؟!! قلت: الله..هذه كلمة فيها التوكل والتفويض والاستعانة وكل شيء..قال: فشام السيف أي أغمده..وفي رواية سقط السيف من يده..، هاهوذا جالس..كما في صحيح مسلم..
    النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر في الغار, أبو بكر خائف على النبي أكثر من خوفه على نفسه يقول : (يارسول الله لو نظر أحدهم إلى ما بين قدميه لأبصرنا) ما بيننا وبين الهلاك إلا نظرة تحت!!..قال يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما..؟!!، هذا هو التوكل والتفويض يظهر فعلاً في أوقات الأزمات جلياً واضحاً..أن هذا العبد قلبه مفتقر إلى الرب متوكل عليه مفوض أمره إليه خصوصاً إذا لم يكن هناك أسباب تتخذ إلا تفويض الأمر إلى الله..
    وجاء الإنكار من ابن عباس رضي الله عنه على بعض أهل اليمن الذين يحجون ولا يتزودون ويقولون نحن المتوكلون فإذا قدموا مكة سألوا الناس مدوا أيديهم..فأنزل الله " وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى "البقرة :197..
    وهناك قصة لطيفة لامرأة رواها الإمام أحمد رحمه الله تعالى يقول في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : " إن امرأة خرجت في سرية من المسلمين وتركت ثنتي عشرة عنزاً لها وصيصيتها"السيخ الذي ينسجون به الغزل" كانت تنسج بها، ففقدت عنزاً من غنمها وصيصيتها فقالت ياربي إنك قد ضمنت لمن خرج في سبيلك أن تحفظ عليه وإني قد فقدت عنزاً وصيصيتي وإني أنشدك عنزي وصيصيتي ، فجعل رسول الله يذكر شدة مناشدتها لربها سبحانه وتعالى وشدة توكلها على الله وخرجت في سبيل الله ومعتمدة أن الله يحفظ مالها ولما عادت لم تقول أن الله أخلف وعده ولكن نشدت ربها ماوعد به وأخذت تلح وتلح... قال صلى الله عليه وسلم : (فأصبحت عنزها ومثلها وصيصيتها ومثلها )"..رجع مضاعفاً..!!نامت على الدعاء والتوكل ووجدته مضاعفاً من عند الله..!!
    و قال الإمام أحمد في مسنده حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا عبدالحميد بن وهران قال أبو هريرة : "بينما رجل وامرأة له في السلف الخالي لا يقدران على شيء فجاء الرجل من سفره فدخل على امرأته جائعاً قد أصابته مسبغة شديدة فقال لامرأته أعندك شيء ؟..لكن رأفة بحال الزوج أو رفع المعنويات وتسليته وما عندها شيء فلم تشأ أن تقول لزوجها راجع جائع جداً (لا)..فالمرأة اشفاقاً على زوجها وثقة بالله قالت ( نعم ابشر أتاك رزق الله) مع أنها ليس لديها شيء لكنها الثقة والاعتماد على الله ورجاء الله ، فاستحثها فقال ويحكِ ابتغي إن كان عندكِ شيء..!!..قالت: نعم هنيّة..اصبر..نرجوا رحمة الله..!حتى إذا طال عليه الطوى وجاع زيادة فوق جوعه فقال ( ويحكِ إن كان لديكِ خبز فأتيني به فإني قد بلغت وجهدت فقالت نعم الآن ينضج التنور) أوقدت الفرن والفرن ليس فيه شيء فلا تعجل فلما أن سكت عنها ساعة، وتحينت أن يقول لها قالت هي من نفسها لو قمت فنظرت إلى تنوري مع الثقة بما عند الله..فقامت فوجدت تنورها ملآن جنوب الغنم..ورحييها تتطحنان..!!! فقامت إلى الرحى فنفضتها وأخرجت مافي تنورها من جيوب الغنم ..!! قال أبو هريرة فوالذي نفس أبي القاسم بيده عن قول محمد صلى الله عليه وسلم " لو أخذت مافي رحييها ولم تنفضها لطحنتها إلى يوم القيامة".!!
    قد يقول بعض الناس ماذا نقول في قصة خالد بن الوليد لما شرب السم، أو ما جاء عن عمر أنه أكل مع مجذوم..
    قصة خالد مشهورة في كتب التاريخ، أنهم حاصروا حصناً فقال الروم لا نسلّم(نستسلم) حتى تشرب السمّ..، وحكم شربه حرام لا يجوز( من تحسّى سمّاً فقتل نفسه فسمّ تحسّاه في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً) ، خالد في وقت حرج، استسلام هؤلاء يعني حماية المسلمين وإبعاد الأذى عنهم في الحرب والجراحات فيه مصلحة عظيمة، والروم هؤلاء كأنهم يريدون شيء من الكرامات يستسلمون لهؤلاء – تحدّي- فأخذه خالد ثقة بالله وتوكلاً على الله وشرب ولم يضره وسلم الروم..
    هذه حالة خاصة ونادرة لم يكن أخذه لها بسبب الانتحار وإنما وجد خالد مصلحة عظيمة للمسلمين و وجد في نفسه توكل على الله كبير وهذا شيء يشعر به ربما بعض أولياء الله في بعض الحالات..، لم يضره من التوكل..، ولكن هذا لا يقع مع أي أحد..
    وكذلك تحمل قصة عمر رضي الله عنه لمن أراد الإثبات والبرهنة لمن يعتقد أن العدوى لابد أن تصيب فوجد في نفسه شدة وصحة توكل وقوة في القلب لإثبات للناس أنه لا عدوى ، ولكن هذه حالات خاصة تكون مع أولياء الله وليست القضية على إطلاقها فالأصل باقِ على ماهو عليه..
    [/quote]

    التعديل الأخير تم بواسطة محبة المساكين ; 08-12-2011 الساعة 01:58 AM سبب آخر: تنسيق الموضوع

  3. #3


    تاريخ التسجيل : Nov 2011
    رقم العضوية : 107803
    الجنس: أنثى
    المشاركات : 35
    التقييم : 1456
    فريق عمل تفريغ الدروس غير متواجد حالياً

    رد: سلسلة اعمال القلوب للشيخ محمد صالح المنجد

    الدرس الثالث
    الرجـــاء

    المقام دليل على الثبات والدوام لأنه لو كان شيئًا سريع الزوال لسمي حالاً وليس مقامًا، فينبغي لأعمال القلوب أن تكون مقامات وليست أمورًا عارضة..(مثال على ذلك: صفرة ثابتة الذهب، صفرة المرض بينهما، صفرة الخوف والوجل سريعة الزوال.. (

    أعمال القلوب أشياء دائمة ثابتة ومقامات الخوف والحياء من الله والإخلاص دائمًا موجود لأن بعض الناس مع الضعف تكون لديهم أحوالاً وليست مقامات ، والمطلوب أن يكون عليها مقيمًا وثابتًا دائمة وليست حالاً يزول و يحول..!
    الرجاء:هو ارتياح لانتظار ما هو محبوب عند الإنسان ، لكن هذا يكون لشيء متوقع له سبب فإن لم يوجد له سبب صار تمنيًا لأن الإنسان إذا انتظر شيء بدون سبب لا يسمّى راجيًا بل متمنيًا..!
    وأما ماله سبب وينتظر الإنسان محبوباً بسبب عمله هذا هو الرجاء.فالرجاء هو الاستبشار بجود الله وفضل الرب تعالى والارتياح لمطالعة كرمه ومنّته وهو الثقة بجود الرب وهو حادٍ يحدو القلوب إلى بلاد المحبوب (الجنة) .ولابد من التفريق بين الرجاء والتمنّي..


    الرجاء
    التمني
    حاله كحال رجل شق الأرض وسواها وبذرها وحرثها وتعهدها بالسقيا والماء وأبعد عنها الآفات وقعد ينتظر حصول الثمرة ونماء الزرع فهذا صاحب رجاء. فهو يرجو رحمة الله وثوابه بعد بذل الأسباب..
    ليس رجاء شرعيًا..
    يكون مع الكسل..، فلا يسلك صاحبه طريق الجد والاجتهاد ولا يبذل جهدًا ولا توكلاً فهذا حال من يتمنى أن ينبت زرع بدون أن يبذل ، وصاحبه مفلس..

    "
    لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ "النساء: ١٢٣ليس الإيمان بالتمنّي ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل الحسن.والرجاء ضروري للسائر إلى الله والعابد لو فارقه لحظة تلف أو كاد يتلف لأن المسلم يدور ما بين ذنب يرجو غفرانه، وعيب يرجو إصلاحه، وعمل صالح يرجو قبوله، واستقامة يرجو حصولها و ثباتها، وقرب من الله يرجو الوصول إليه، لذلك كان الرجاء من أقوى الأسباب التي تعين المرء على السير إلى ربه والثبات على الدين ، وهذا زمن الفتن والشهوات والمحن والشبهات.

    أسباب وعوامل الثبات
    الرجاء الذي هو ضد اليأس ، واليأس هو تذكر فوات رحمة الله وقطع القلب عن التماسها وهو معصية " وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّ*وْحِ اللَّـهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّ*وْحِ اللَّـهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُ*ونَ "يوسف: ٨٧ قالها يعقوب عليه السلام لأبنائه..

    درجات الوصول إلى تحقيق الرجاء
    1-
    ذكر سوابق فضل الله على العبد، أن الله له علينا فضائل سابقة
    2-
    ذكر وعد الله من جزيل ثوابه وعظيم كرمه وجوده بدون سؤال من العبد استحقاق فإن الله يعطي بدون أن يكون العبد مستحقًا إذا استقام الإنسان .
    3-
    أن تذكر نعم الله عليك في أمر دينك وبدنك ودنياك في الحال(الآن) وأن يمدك بالألطاف والنعم من غير استحقاق ولا سؤال .
    4-
    ذكر سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه وأنه الرحمن الرحيم الغني الكريم الرؤوف بعباده المؤمنين لذلك تحقيق الرجاء يقوم على معرفة أسماء الله وصفاته .

    وقد علم أرباب القلوب أن الدنيا مزرعة الآخرة والقلب كالأرض لابد لها من بذر وكذلك لابد للقلب من طاعات والأرض لابد لها من تعاهد وسقي بالماء وحفر أنهار وسوق الماء إليها وكذلك القلب لابد له من تعاهد وأن يسقى بماء الطاعة والعبادة وكذلك الأرض تحتاج حتى تنبت إلى صيانتها عن الأشياء الضارة ، وترى المزارع ينتقي الدغل فينتزعه من أرض حتى لايؤذي زرعه والمؤمن ينقي قلبه من أي شبهة وشهوة حتى لا تفسد عليه زروع الطاعة التي سقاها بماء العبودية..

    وقلّ أن ينفع إيمان مع خبث القلب كما لا ينمو البذر في الأرض السبخة إذاً ينبغي أن يقاس رجاء العبد برجاء صاحب الزرع فكل من طلب أرضًا طيبة وألقى بذرًا جيدًا وسقى وتعاهدها بالرعاية ثم جلس ينتظر فضل الله ..، انتظار هذا يسمى رجاءً، أما إن بذر في أرض سبخة مرتفعة لا يصلها الماء ، هذا غبي أحمق، أما إن بذر في أرض طيبة ولكن لا يصلها الماء وقال أنتظر المطر.، انتظار هذا تمنّي وليس رجاء ..!
    الرجاء يصدق على انتظار محبوب تمهّدت أسبابه الداخلة تحت اختيار العبد ولم يبق إلا ما ليس في اختيار وإرادة العبد..
    لذلك فالإنسان يبذل من الطاعات والعبادات وينتظر فضل الله أن يثبته وأن لا يزله ولا يزيغه حتى الممات ولا يضله حتى يلقاه وهو راضٍ عنه.

    الراجي إنسان عنده مواظبة على الطاعات قائم بمقتضيات الإيمان ، يرجو من الله أن لا يزيغه وأن يقبل عمله ولا يردّ عليه، وأن يضاعف أجره و يثيبه ، فهو باذل للأسباب التي يستطيعها يرجو رحمة ربه، ولذلك يكون الذي يقطع البذور ولا يتعاهدها بماء الطاعات أو يترك القلب مشحونًا برذائل الأخلاق منهمكًا في لذات الدنيا ثم يطلب المغفرة يكون حمقاً وغروراً " فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِ*ثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَ*ضَ هَـٰذَا الْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ* لَنَا "الأعراف: ١٦٩، والكافر صاحب الجنة قال " وَلَئِن رُّ*دِدتُّ إِلَىٰ رَ*بِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرً*ا مِّنْهَا مُنقَلَبًا "الكهف: ٣٦، فهو صاحب أماني ولا أعمال صالحة عنده " وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً "الكهف: ٣٦..!

    الرجاء دواء يحتاج له رجلان:
    1-
    رجل غلب عليه اليأس حتى ترك العبادة و جزم أنه ليس هناك فائدة..
    2-
    رجل غلب عليه الخوف حتى أضرّ بنفسه وأهله، فتعدّى خوفه الحد الشرعي المطلوب فلابدّ أن يعدّل ويمدّ بشيء يحدث موازنة وهو الرجاء الذي هو حالة طبيعية عند المؤمن.

    فبعض الناس الكلام معه في الرجاء دواء، أما العاصي المغرور المتمني على الله مع الإعراض عن العبادة لا ينفع معه أبدًا دواء الرجاء، ولو استعملت معه الرجاء لزدته ضلالاً..، لا ينفع له إلا دواء الخوف، فيوعظ بسياط الخوف ويقرّع المنايا، هذا المتمني المتساهل المفرط، فلا يصلح معه أن تحدثه عن الرجاء ، وهذا أمر مهم ينبغي أن يتنبه له الوُعّاظ..

    قال بعض العلماء: (يجب أن يكون واعظ الناس متلطفًا معهم ناظرًا إلى مواضع العلل معالجًا كل علة بما يليق بها وهذا الزمان لا ينبغي أن يستخدم فيه مع الخلق أسباب الرجاء بل المبالغة في التخويف وإنما يذكر الواعظ فضيلة وأسباب الرجاء إذا كان المقصود استمالة القلوب إليه لإصلاح المرضى)، التخويف ولكن بحيث لا تصل إلى تيئيسهم من رحمة الله..
    قال علي رضي الله عنه : " إنما العالم الذي لا يقنط الناس من رحمة الله ولا يأمّنهم مكر الله "..
    لابد أن يكون هناك توازن وحسب حال الناس، فإذا كانوا ميّالين إلى التفريط والمعاصي والتساهل غلّب التخويف وإذا كان عندهم خوف زائد ويأس من رحمة الله غلّب الرجاء.

    ثمرات الرجاء
    1-
    يورث طريق المجاهدة بالأعمال.
    2-
    يورث المواظبة على الطاعات كيفما تقلبت الأحوال.
    3-
    يشعر العبد بالتلذذ والمداومة على الإقبال على الله والتنعّم بمناجاته والتلطف في سؤاله والإلحاح عليه.
    4-
    أن تظهر العبودية من قبل العبد والفاقة والحاجة للرب وأنه لا يستغني عن فضله وإحسانه طرفة عين.
    5-
    أن الله يحب من عباده أن يسألوه ويرجوه ويلحّوا عليه لأنه جواد كريم أجود من سُئِل وأوسع من أعطي وأحب ما إلى الجواد الكريم أن يسأله الناس ليعطيهم ومن لا يسأل الله يغضب عليه والسائل عادة يكون راجٍ مطالب أن يُعطى فمن لم يرجو الله يغضب عليه، فمن ثمرات الرجاء التخلّص من غضب الرب.
    6-
    الرجاء حادٍ يحدو بالعبد في سيره إلى الله فيطيب المسير ويحث على السير ويبعثه على الملازمة، فلولا الرجاء بـ(المضاعفة-رحمة الله-الأجور والثواب المضاعف-الجنة والنعيم) ما سار أحد، والقلب يحركه الحب ويزعجه الخوف ويحدوه الرجاء.
    7-
    يطرح على عتبة محبة الله عزوجل ويلقيه في دهليزها فكلما اشتد رجاؤه وحصل له ما يرجوه؛ ازداد حبًا لربه وشكرًا له ورضا، وهذا من مقتضيات وأركان العبودية.
    8-
    الرجاء يبعث العبد على مقام الشكر لأنه يحفزه للوصول إلى مقام الشكر للنعم وهو خلاصة العبودية.
    9-
    الرجاء يوجب المزيد من التعرف على أسماء الله وصفاته .

    الخوف مستلزم للرجاء والرجاء مستلزم للخوف عند المؤمن، لأن كل خائف راجي وكل راجي خائف، ولهذا حسن وقوع الرجاء في مواضع يحسن فيه وقوع الخوف " مَّا لَكُمْ لَا تَرْ*جُونَ لِلَّـهِ وَقَارً*ا "نوح: ١٣ قال المفسرين: (مالكم لا تخافون لله عظمة ، فكل راجٍ خائف من فوات مرجوّه)، هذا يفسّر لنا كيف أن الرجاء مرتبط بالخوف وأن الراجي خائف أن يفوت مطلوبه ورحمة الله وجنته.
    انظر إلى التداخل العجيب بين مقامات الإيمان في قلب المؤمن، والخوف بلا رجاء يأس وقنوط..!!!
    قال تعالى" قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُ*وا لِلَّذِينَ لَا يَرْ*جُونَ أَيَّامَ اللَّـهِ "الجاثية: ١٤أي لا يخافون وقائع الله بهم كما وقعت في الأمم الذين من قبلهم من التدمير والإهلاك.
    10-
    ثم إن العبد إذا تعلق قلبه برجاء ربه فأعطاه ما رجاه فحصل المطلوب يحصل مزيد من التشجّع وسؤال المزيد والإقبال على الله وهكذا لا يزال العبد في ازدياد في الإيمان والقرب من الرحمن.
    11-
    على قدر رجاء العباد وخوفهم يكون فرحهم يوم القيامة بحصول المرجو الأعظم وهو نيل رضا الرب والجنة ورؤية الله فيها .

    وكذلك فإن الله يريد من العبد أن يكمل نفسه بمراتب العبودية من الذل والانكسار لله والتوكل عليه والاستعانة به والخوف منه والصبر على أقداره والشكر له وعلى إنعامه ولذلك يقدر الذنب على العبد لتكمل مراتب العبودية عند العبد فيستغفر العبد، فلولا الذنب ما حصل انكسار ولا توبة، يبتليهم بالذنوب ليعالج ما في قلوبهم بالانكسار وطلب التوبة فينكسر بين يدي الله فيتحقق معنى مهم جدًا جدًا من معاني العبودية..!!كيف تتحقق العبودية إذا لم يكن هناك انكسار وذل وخضوع..؟!!، أحياناً لا يصدر الإنكسار والذل هذا إلا بذنب يتوب منه العبد ويعرف تقصيره والبلية التي وقع فيها وحجم المعصية .
    الرجاء فيه انتظار وترقّب وتوقع لفضل الله عزوجل فيتعلق القلب أكثر بخالقه..

    أنواع الرجاء
    الرجاء ثلاث أنواع، نوعان محمودان ونوع غرور مذموم..
    1-
    رجاء رجل عمل بطاعة الله على نور من الله فماذا يرجو؟ ثواب الله..
    2-
    رجل أذنب ذنوبًا ثم تاب منها فماذا يرجو؟ يرجو مغفرة الله ومحو الذنوب والتجاوز عنها وسترها..
    3-
    رجل متمادي في التفريط والمعاصي والسيئات ويرجو رحمة ربه والمغفرة بلا عمل!! فهذا غرور وتمني ورجاء كاذب لا يعتبر رجاء محمودًا أبدًا..

    والمؤمن عندما يسير إلى الله له نظران:نظر إلى نفسه وعيوبه وآفات عمله من العجب والرياء والاغترار بالعمل وهذا يفتح عليه باب الخوف من الله، وينقله بعد ذلك إلى سعة كرم الله وفضله وبره ومغفرة ذنوبه ويفتح له باب الرجاء،وهذا هو النظر الثاني ولهذا قيل في حد الرجاء وتعريفه هو النظر إلى سعة رحمة الله عزوجل ولابد من الموازنة بين الخوف والرجاء كما قال العلماء: (( العبد في سيره إلى الله كالطائر يطير بجناحين، جناحي الطائر إذا استويا استوى الطائر وتم طيرانه وإذا نقص أحدهما اختلّ نوعًا ما وإذا ذهب الجناحان صار الطائر في حدّ الموت))، ما هما الجناحان في سير العبد إلى ربه؟ هما الخوف والرجاء.وقد سُئِل أحمد بن عاصم رحمه الله :ما علامة الرجاء في العبد؟ قال: أن يكون إذا أحاط به الإحسان أُلهِم الشكر راجيًا لتمام النعم عليه في الدنيا والآخرة وتمام عفوه عنه في الآخرة..

    هنا علماء القلوب أصحاب النظر والتأمل في الأمور الإيمانية اختلفوا..، أي الرجاءين أعظم..؟ رجاء الثواب والأجر من المحسن؟ أو رجاء المغفرة من التائب المسيء؟!!!فرجحت طائفة رجاء المحسن لقوة أسباب الرجاء معه ، فعنده طاعات و أسبابه قوية فيرجو على حقّ، والأخرى رجحت رجاء المذنب لأن رجاءه من انكسار ومسكنة مقرون بذلة رؤية الذنب واستحضار المعصية خالص من العجب والاغترار بالعمل ، الحاصل أم كلا القولين له حظ من النظر، فكلا الرجاءين محمود ولابد من تحصيلهما معًا ولا يستغنى بهذا عن هذا ، لأن المسلم إما أن يكون في طاعة يرجو قبولها أو معصية يريد غفرانها ومحوها.

    أسباب قوة الرجاء
    أسباب قوة الرجاء على حسب قوة المعرفة بالله وأسمائه وصفاته وغلبت رحمته غضبه، ولولا روح الرجاء لتعطلت عبودية القلب والجوارح وهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا..، بل لولا روح الرجاء لما تحركت الجوارح بالطاعة ولولا ريحه الطيبة لما جرت سفن الأعمال في بحر إرادات العبد وعلى حسب المحبة وقوتها يكون الرجاء (العلاقة بين المحبة والرجاء
    ) وكل محب راجٍ خائف بالضرورة فهو يرجو من يحبه أن يعطيه ما ينفعه ويخاف أن يسقط من عينه وأن يطرده وأن يبعده ويحتجب عنه لذلك خوف المحب شديد ورجاؤه عظيم ، لكن هل إذا وصل إلى محبوبه ينتهي الرجاء أم لا..؟!!أم يشتد..؟!! وماذا يحصل له بالموت..؟!!

    هل ينقطع الرجاء بالموت؟!!
    المؤمن قبل الموت عنده رجاء وخوف عظيمين، أما إذا مات قالوا أن خوفه ورجاؤه ذاتي للمحبة ، يرجو ربه قبل لقائه والوصول إليه فإذا لقيه ووصل إليه بالموت اشتد الرجاء له بما يحصل له بهم من حياة روحه ونعيم قلبه من الألطاف، فالرجاء بما عند الله يزداد ، وعنده أعمال صالحة يريد عليها الأجر والثواب والخوف أيضًا يزيد لأن الموت قرّبه إلى النار، والقبر أول منازل الآخرة، فقد دخل إلى المرحلة الخطيرة جدًا
    ..
    لذلك لا يمكن أن تقول أن الميت تنقطع مشاعره بل يمكن أن تعظم !!مشاعرهم متضاعفة لأنهم اقتربوا إلى دار الخلد..إلى نعيم أو عذاب.. فيمكن أن تكون بهذا في القبر فمن الآن زّود نفسك بالطاعات واترك المعاصي لتزيد عندك أسباب الرجاء وتأمن في القبر ، الخوف في القبر مصيبة، إذ يخاف من سوء المطلع والذي يمكن أن يرتكس فيه إذا قامت الساعة ويدخله من عذاب الله فإذاً الآن هو الآن يشتد في العمل حتى إذا لقي الله صار طلبه للجنة وأمن الخوف..

    الكفار ما حالهم في قبورهم..؟
    آل فرعون ، فرعون وجنوده، " النَّارُ* يُعْرَ*ضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْ*عَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ "غافر: ٤٦ معناها أنهم الآن في قبورهم خوفهم يتضاعف كل يوم!! وهم يعرفون في أي حفرة سيقعون فكيف الآن خوفهم وذعرهم..؟!! نسأل الله السلامة والعافية.

    وإذا وصل العبد إلى ربه ولقيه ازداد رجاؤه إذا كان محسنًا لأن الأجير إذا جاء وقت الراتب ازداد رجاؤه في الذي سيحصل عليه فإذا قدم العباد هؤلاء المحسنون على الله وكلما مضى زمن كلما ازداد رجاؤهم فيما سيحصلون عليه وينتظرونه في قبورهم (( ربي أقم الساعة)) كي يرجع إلى أهله ومال لأنه فتح له باب إلى الجنة في القبر فهو يأتيه من النعيم والطيب فيقال له: (( اسكن ونم كنومة العروس لا يوقظه إلا أحب الناس إليه)).

    درجات الرجاء
    الرجاء درجات، درجة أرفع من درجة، ومراتب بعضها فوق بعض :

    1-
    الدرجة الأولى:
    رجاء يبعث العامل على الاجتهاد بالعبادة بل يولد عنده اللذة بالعبادة ولو كانت شاقة أو صعبة فيتلذذ بها ويترك المناهي، ومن عرف القدر المطلوب هان عليه ما يبذل فيه ومن رجا الأرباح العظيمة في سفره هانت عليه مشقة السفر ، كذلك المحب الصادق الذي يسعى في مرضاة الرب تهون عليه مشقة صلاة الفجر والوضوء في البرد ومشقة الجهاد و مشقة الحج والعمرة وطلب العلم وتكرار الحفظ وانتصاب الجسم في الليل وجوع الصيام.. ، بل تنقلب إلى لذّة..!!
    فالدرجات العملية في التعبد لله: مشقة ومن ثم لذة، يقول أحد العلماء: " كابدت قيام الليل 20 سنة ثم تنعمت به 20 سنة"، فالمرء لا يصل أحيانًا إلى لذة العبادة إلا بعد أن يذوق مشقتها، فإذا قوي تعلق الرجاء بالعوض سمحت الطباع بترك العادات وترك الراحة، فالإنسان مفطور أن لا يترك محبوبًا إلا لمحبوب أعظم منه .

    2-
    الدرجة الثانية:
    المجاهدون لأنفسهم بترك مألوفاتها واستبدال مألوفات هي خير منها فرجاؤهم أن يبلغوا مقصودهم بالهمة وهذا يلزم له العلم وهو الوقوع على الأحكام الدينية لأن رجاؤهم متعلق بحصول ذلك لهم ولابد من علم وبذل الجهد بالمعرفة والتعلّم وأخذ النفس بالوقوف عند الحدود طلبًا وقصدًا..

    3-
    الدرجة الثالثة:
    رجاء أرباب القلوب لقاء الخالق والاشتياق إليه سبحانه وتعالى وهذا الذي يمكن أن يزهّد الإنسان في الدنيا تمامًا (أعلى الأنواع
    ) ، " فَمَن كَانَ يَرْ*جُو لِقَاءَ رَ*بِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِ*كْ بِعِبَادَةِ رَ*بِّهِ أَحَدًا "الكهف: ١١٠، " مَن كَانَ يَرْ*جُو لِقَاءَ اللَّـهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّـهِ لَآتٍ "العنكبوت: ٥ ، هذا الرجاء (اللقيا) محض الإيمان وزبدته وإليه تشخص أبصار العابدين المجتهدين وهو الذي يسليهم ولذلك ضرب الله لهم أجل تسكن إليه نفوسهم..

    عمير بن حمام الأنصاري لما ذكر لهم الرسول صلى الله عليه وسلم : " قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض "حديث صحيح اشتاقت نفسه إلى لقيا الله فقال: (لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها حياة طويلة) فقاتل حتى قُتِل ولقي الله شهيدًا ..
    فلما علم الله شوق هذه الطائفة من عباده وهم الندرة والقلة وأن نفوسهم تضطرب حتى تلقها؛ضرب لهم موعدًا تسكن إليه نفوسهم وتعمل حتى تقدم إلى الله.

    سُئل شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله عن قول علي رضي الله عنه : ( لا يرجون عبدٌ إلا ربه ولا يخافنّ إلا ذنبه) فقال: الحمد لله، هذا الكلام يؤثر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وهو من أحسن الكلام وأبلغه وأتمه فإن الرجاء يكون للخير والخوف يكون من الشر والعبد إنما يصيبه الشر بذنوبه" وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ* "الشورى: ٣٠ لذلك قال علي رضي الله عنه : (لا يخافن عبد إلا ذنبه ) وإن سلط عليه مخلوق فما سلط عليه إلا بذنوبه " وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ "الأنعام:١٢٩فليخف الله وليتب من ذنوبه التي ناله بها ما ناله كما في الأثر: ( يقول الله: أنا الله مالك الملوك قلوب الملوك ونواصيهم بيدي من أطاعني جعلتهم عليه رحمة ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة فلا تشتغلوا بسبّ الملوك وأطيعوني أعطّف قلوبهم عليكم)، فإن الراجي يطلب حصول الخير ودفع الشر ولا يأتي بالحسنات إلا الله ولا يذهب السيئات إلا الله " وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّـهُ بِضُرٍّ* فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِ*دْكَ بِخَيْرٍ* فَلَا رَ*ادَّ لِفَضْلِهِ "يونس: ١٠٧، " مَّا يَفْتَحِ اللَّـهُ لِلنَّاسِ مِن رَّ*حْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْ*سِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ "فاطر: ٢

    علاقة الرجاء بالتوكل

    والرجاء مقرون بالتوكل، فإن المتوكل يطلب ما رجاه من حصول المنفعة ودفع المضرة، والتوكل لا يجوز إلا على الله
    " وَعَلَى اللَّـهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ "ابراهيم: ١٢ ومن توكل على غير الله ورجاه خذل من جهته وحرم إن لم يكن في الدنيا؛ في الآخرة حين يقال: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤونهم فاطلبوا منهم الأجر..!، " مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّـهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ "العنكبوت: ٤١،" وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّـهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا ۚ سَيَكْفُرُ*ونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا "مريم ٨١ : ٨٢، فمن عمل لغير الله رجاء أن ينتفع بما عمل له كانت صفقته خاسرة، قال تعالى " وَالَّذِينَ كَفَرُ*وا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَ*ابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّـهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّـهُ سَرِ*يعُ الْحِسَابِ "النور: ٣٩فالذين كفروا أعماله كرماد اشتدت به الريح أي أصبح أخف من التراب في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء، " وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورً*ا "الفرقان: ٢٣ فكل عمل باطل إلا ما أريد به وجه الله ومن عمل لغير الله ورجاه بطل سعيه.

    أنواع الرجاء من حيث الراجي
    الراجي يكون راجيًا تارة بعمل يعمله لمن يرجوه، وتارة باعتماد قلبه عليه والتجائه إليه وسؤاله فذاك نوع من العبادة وهذا نوع من الاستعانة فإذاً
    " إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ "الفاتحة: ٥لقد ورد الرجاء في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم
    1-
    بيان رجاء المؤمنين وهوالرجاء المصحوب بعمل " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُ*وا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ أُولَـٰئِكَ يَرْ*جُونَ رَ*حْمَتَ اللَّـهِ "البقرة: ٢١٨، الذين صدقوا بالله ورسوله وما جاء به وتركوا ديارهم وأحبابهم وأوطانهم وتغربوا عن أمصارهم وتحولوا عن بيوتهم هجرة إلى الله وجاهدوا بأنفسهم وأموالهم وقدموا وبذلوا وقاتلوا وحاربوا وتحملوا الجراحات وألم طريق الجهاد والمخمصة والجوع والظمأ والنصب ؛ هؤلاء يرجون رحمة الله عنهم الله ويطمعون أن يرحمهم فيدخلهم جنته سبحانه وتعالى..

    2-
    الله عز وجل فتح باب الرجاء لعباده حتى في مغفرة أي ذنب كما قال تعالى " إِنَّ اللَّـهَ لَا يَغْفِرُ* أَن يُشْرَ*كَ بِهِ وَيَغْفِرُ* مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ "النساء: ٤٨فهذه الآية قيل أنها نزلت بعد قوله تعالى " قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَ*فُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّ*حْمَةِ اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ يَغْفِرُ* الذُّنُوبَ جَمِيعًا "الزمر: ٥٣ فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم والشرك؟ فكره رسول الله ذلك فنزلت هذه الآية " إِنَّ اللَّـهَ لَا يَغْفِرُ* أَن يُشْرَ*كَ بِهِ "النساء: ٤٨ والمقصود أن الله لا يغفر للمشرك إذا مات على الشرك، ولا يدخل المشرك تحت المشيئة وأما إذا تاب المشرك فإن الله يغفر له ذنبه حتى لو كان الشرك.. والآية في المشيئة وليست في نفي المغفرة عن التائب عن الشرك..

    3- "
    قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْ*ضِ قُل لِّلَّـهِ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّ*حْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَ*يْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُ*وا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ "الأنعام: ١٢ قال ابن جرير: قضى أنه بعباده رحيم فكيف تتمثل هذه الرحمة؟ قال: لا يعجل عليهم العقوبة مع أنهم مستحقون بل يصبر ويحلم ويقبل منهم الإنابة والتوبة فهذا يعلقهم بالرجاء" وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَ*بُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّ*حْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ* رَّ*حِيمٌ "الأنعام: ٥٤، قال ابن جرير: فتأويل الكلام إذا كان الأمر على ما وصفنا وإذا جاءك يا محمد القوم الذين يصدقون بتنزيلنا وأدلتنا فيقرون بذلك قولاً وعملاً مسترشديك عن ذنوبهم التي سلفت منهم بيني وبينهم هل لها من توبة؟ فلا تيأسهم منها وقل لهم سلام عليكم أمنة الله لكم من ذنوبكم أن يعاقبكم عليها أي عليكم الأمان لن يعاقبكم بعد توبتكم منها ..، كتب ربكم على نفسه الرحمة أي قضى الرحمة بخلقه سبحانه وتعالى..
    "
    وَآخَرُ*ونَ اعْتَرَ*فُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ* سَيِّئًا عَسَى اللَّـهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ* رَّ*حِيمٌ * خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُ*هُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ "التوبة ١٠٢ : ١٠٣ قال ابن جرير: يعني جل ثناؤه بالعمل الصالح الذي خلطوه والعمل السيء اعترافهم بذنوبهم وتوبتهم منها، والآخر السيء تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج غازيًا عسى الله أن يتوب عليهم ، وعسى من الله واجبة، يعني سيتوب فعلاً وحقًا.

    4- الرجاء مفتوح حتى في أمور الدنيا ، يرجو مال ، ولد ، زواج، وظيفة، زوال مرض، وجود مفقود، فيعقوب عليه السلام علم أبناءه الرجاء حتى في المفقودات الدنيوية " يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّ*وْحِ اللَّـهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّ*وْحِ اللَّـهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُ*ونَ "يوسف: ٨٧ ، قال ابن جرير: حين طمع يعقوب في يوسف قال لبنيه يا بني اذهبوا للموضع الذي جئتم منه وخلفتم أخويكم به ولا تيأسوا من روح الله ولا تقنطوا من أن يروّح الله عنا ما نحن فيه من الحزن و يفرّحنا برؤيتهما إنه لا ييأس من روح الله ولا يقنط من فرجه ورحمته ولا يقطع الرجاء منه إلا القوم الكافرون.

    5- "
    قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَ*فُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّ*حْمَةِ اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ يَغْفِرُ* الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ* الرَّ*حِيمُ "الزمر: ٥٣ فلا تيأسوا من رحمة الله أن الله يغفر لكم ذنوبكم كلها ولا يبقي منها شيئًا ولا نصفها ولا بعضها ولا الكبائر فقط وليس الخطاب للذين عندهم معاصي قليلة بل أسرفوا وكثرت معاصيهم وكبائرهم وصغائرهم، لا تقنطوا من رحمة الله، فهذا أمر من الله بالرجاء، فالكريم إذا أمر بالرجاء لا يليق به إلا الكرم، فابذل السبب، واستغفر وتب توبة حقيقية وامتنع عن الذنوب وأصلح واستقبل حياة نظيفة واندم على ما فات واعزم على أن لا تعود إليه.

    6-
    الحديث القدسي" يا ابن آدم ! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم ! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم ! لو أنك أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة "حديث صحيح هذا الرجاء العظيم الذي يفتحه الله عزوجل ، هذا فتح باب الرجاء للعباد .

    7-
    إن الإنسان له عند الموت أحوال في الخوف والرجاء خاصة مبنية على حسن ظنه بالله " أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء " حديث صحيح، قادر على أن أعمل به ما ظن أني عامل به ، لذلك الثلاثة الذين خلفوا لما ظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه تاب الله عليهم، فبالنسبة للموت يجب أن نجهز أنفسنا لتلك اللحظات لتفيض أرواحنا ونحن نحسن الظن بالله، والرسول صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بثلاث أيام أعطى الأمة هذه الوصية التي رواها مسلم " لا يموتنّ أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عزوجل "، فهذا تحذير من القنوط وحث على الرجاء عند الخاتمة..
    لهذا بعض السلف كان يأمر بنيه عند الموت أن تقرأ عليه آية الرحمة ؛ حتى تطلع روحه وهو محسن الظن بالله أن يغفر له ويرحمه ويتقبله ويستقبله بالإنعام ، وكذلك فإن الإنسان إذا صدق بالتوبة ولو تكرر الذنب فإن الله يغفر له ما أذنب، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً، قال:ألا أبشّر به الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا..
    هذا دليل كما قال ابن رجب: قال العلماء: يؤخذ من منع معاذ من تبشير الناس لئلا يتكلوا أن أحاديث الرخص لا تشاع في عموم الناس لئلا يقصر فهمهم عن المراد بها، يقول ابن رجب: وقد سمعها معاذ فلم يزدد إلا اجتهادًا في العمل ، وخشية لله عزوجل فأما من لم يبلغ منزلته فلا يأمن أن يقصر إتكالاً على ظاهر الخبر..
    ومعاذ من العشرة المبشرين بالجنة ، وفقيه لا يخشى عليه..
    كذلك عثمان فقد قال عنه صلى الله عليه وسلم " ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم " حديث حسن، ماذا فعل ..؟**!، لقد ازداد في الخير والبر والطاعات، هذه النفوس الله يعلم لو بشرهم برضوانه فإنهم لن يتركوا الخيرولن ينتكسوا، لذلك فأحاديث الرخص لا تشاع في عموم الناس ففيهم قلة فقه في الدين ويحتاجون عند التفريط إلى التخويف..
    ثم إن الشرك شرك أكبر وأصغر وخفي، ومن الذين ينجو منه؟ ، ثم إن الحديث مقيد عند العلماء بالآيات و الأحاديث الأخرى التي فيها التعذيب على المعصية، وبعض العلماء حملوها على ترك دخول نار الشرك، لأن جهنم فيها دركات(نار الشرك-نار الكبائر-نار المعاصي-...) حملوه حتى لا يفهم خطأ على أنه لا يدخل نار الشرك..
    القاعدة العامة " لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ "النساء: ١٢٣، فالسلف خوفتهم هذه الآية جدًا فلذلك كانوا يعملون ويخافون..

    ومن أحاديث الرجاء التي تقال لإنسان مذنب تاب، وبالرغم من التوبة صار عنده نوع من اليأس والإحباط ويرى ذنوبه كبيرة وليس هناك فائدة من العمل، فهو كما يظن محكوم عليه بالنار " إن الله يدني المؤمن ، فيضع عليه كنفه ويستره ، فيقول : أتعرف ذنب كذا : أتعرف ذنب كذا ؟ فيقول : نعم أي رب ، حتى إذا قرره بذنوبه ، ورأى في نفسه أنه هلك ، قال : سترتها عليك في الدنيا ، وأنا أغفرها لك اليوم ، فيعطى كتاب حسناته . وأما الكافر والمنافق ، فيقول الأشهاد : { هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين } "صحيح البخاري .عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رجل أصاب من امرأة قبلة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فأنزل الله (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَ*فَيِ النَّهَارِ* وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) هود: ١١٤فقال الرجل : ألي هذه؟ قال: لجميع أمتي كلهم. رواه البخاري ومسلم.
    تصريح أن الحسنات تكفر السيئات، وهل هي حسنات معينة كالصلوات الخمسة؟ أو هي الحسنات مطلقًا كما قال العلماء وبعضهم بهذا وبعضهم بهذا..
    في مرض الموت قيل للشافعي كيف أصبحت يا أبا عبدالله؟ قال : أصبحت من الدنيا راحلاً ولأخواني مفارقًا ولكأس المنية شاربًا ولا أدري أءلى الجنة تسير روحي فأهنيها أم إلى النار فأعزيها ثم أنشأ يقول..

    ولما قسى قلبي وضاقت مذاهبي *** جعلت الرجا مني لعفوك سلّماً

    تعاظمني ذنبي فلما قرنته *** بعفوك ربي كان عفوك أعظم

    " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه "صحيح مسلم، " إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَ*بُّنَا اللَّـهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُ*وا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ "فصلت: ٣٠.
    ولابد من الجمع بين الخوف والرجاء.


    أسئلة من درس الرجاء
    هل يجوز الرجاء من المخلوقين؟
    نعم فيما يقدر عليه المخلوق ولكن لا يعلق قلبه بالمخلوق بل يعلقه بالله عز وجل
    .

    هل صحيح أن الإنسان إذا كثرت عليه النعم وقلت عليه المصائب طريقه غير صحيح؟
    قد يكون هذا
    " إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا "آل عمران: ١٧٨ وقد يكون إنسان مستقيم ويدعو الله العافية فيحفظ بدعائه وصلاحه حسب حال العبد.

    هل النعمة استدراج؟
    حسب حال العبد، فإن كان مطيعًا فإن النعمة من بشرى وتوسعة الله على عبده، وإن كان عاصيًا فهي استدارج ليزداد إثمًا
    .

    رجل هل يجاهد نفسه على قيام الليل أحد عشرة ركعة أم يتدرج في ذلك؟
    يتدرج إذا خشي على نفسه أن لا تحتمل، وإذا جرّب وتحمل عليه أن يواظب
    .

    الجلد على الطاعات وطلب العلم نتيجة أي أعمال القلب؟
    مجموعة من الأعمال القلبية ومنها الرجاء لأن الإنسان إذا عرف الأجر في طلب العلم " من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة "صحيح الترميذي، فالمشي والسيارة والطائرة والانترنت والمسجل والكتاب كلها سُبُل.

    هل يجوز أن يؤم الرجل جماعة من النساء؟
    إذا لم يوجد فتنة ، وينتظر حتى ينصرفن ثم يتحول ، والدليل أن عمر وضع إمامًا خاصًا للنساء في صلاة التراويح.

    هل من يصاب بالسحر يكون سببه الذنوب؟
    يمكن
    .. " وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ "النساء: ٧٩.
    التعديل الأخير تم بواسطة محبة المساكين ; 23-12-2011 الساعة 12:30 PM سبب آخر: تنسيق الموضوع

  4. #4


    تاريخ التسجيل : Nov 2011
    رقم العضوية : 107803
    الجنس: أنثى
    المشاركات : 35
    التقييم : 1456
    فريق عمل تفريغ الدروس غير متواجد حالياً

    رد: سلسلة اعمال القلوب للشيخ محمد صالح المنجد

    السلام عليكم
    الخوف

    من مادة خ و ف التي تدل على الذعر والفزع في اللغة العربية، خفت الشيء خوفاً وخيفة وخوّف الرجل جعل الناس يخافونه " إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ " ال عمران :175 , أي يجعلكم تخافون أولياءه أي يخوّفكم بأوليائه.
    والخوف توقع مكروه لعلامة مظنونة أو معلومة، وهو ضد الأمن ويستعمل في الأمور الدنيوية أو الآخروية , فهو توقع حلول مكروه أو فوات محبوب،اضطراب القلب وحركته أو فزعه من مكروه يناله أو محبوب يفوته.

    قال ابن قدامة:
    اعلم أن الخوف عبارة عن تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه في الاستقبال ..

    مثال ذلك: من جنى على ملك جناية ثم وقع في يده فهو يخاف القتل ويجوّز العفو "احتمالات" ولكن يكون تألم قلبه بحسب قوة علمه بالأسباب المفضية إلى قتله وتفاحش جنايته وتأثيرها عند الملك،وبحسب ضعف الأسباب يضعف الخوف،وقد يكون الخوف لا عن سبب جناية بل عن صفة الذي يُخاف عظمة وجلالاً فإنه إذا علم أن الله سبحانه وتعالى لو أهلك العالمين لم يبالي ولم يمنعه مانع فبحسب معرفة الإنسان بعيوب نفسه وبجلال الله وأنه لا يسأل عما يفعل يكون الخوف على حسب هذا فهو مطالعة القلوب لسطوات الله عز وجل ونقمه فيولد في القلب الخوف"خوف الوعيد".
    والخشية أخص من الخوف فإن الخشية للعلماء بالله " إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء " فاطر :128،خوفاً مقروناً بمعرفة ..، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "إني أتقاكم لله وأشدكم له خشية"، فالخوف لعامة المؤمنين والخشية للعلماء والعارفين، وعلى حسب قدر العلم والمعرفة يكون الخوف والخشية..
    فصاحب الخوف يلجأ إلى الهرب، وصاحب الخشية يلجأ إلى الاعتصام بالعلم ، قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله - : " الخشية خوف مبني على العلم بعظمة من يخشى وكمال سلطانه"..
    فإذا خفت من شخص لا تدري هل يقدر عليك أم لا فهذا خوف وإذا خفت من شخص تعلم أنه قادر عليك فهذه خشية..
    قال ابن القيم – رحمه الله - : " في مثلهما مثل من لا علم له بالطب ومثل الطبيب الحاذق، فالأول يلجأ إلى الحمية والهرب لقلة معرفته والآخر يلتجئ إلى الأدوية ",فالخشية خوف مبني على علم..
    وقد ورد الخوف في القرآن على وجوه منها..
    القتل والهزيمة : " وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ "النساء:83، " وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ " البقرة :155 .
    2- الحرب والقتال:


    " فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ " الاحزاب :19إذا انجلت الحرب ،" فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ"الاحزاب :19.

    3- العلم والدراية : " فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا " البقرة :182أي علم ، " إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ " البقرة:229 أي يعلما، " وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى " النساء:3 أي علمتم.
    4-النّقْص: " أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ " النحل:47
    5- الرعب والخشية من العذاب والعقوبة : " يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا "السجدة :16 .
    قال ابن قدامة: " اعلم بأن الخوف سوط الله يسوق الله به عباده إلى المواظبة على العلم والعمل لينالوا بهما رتبة القرب من الله عزوجل، والخوف سراج القلوب به يبصر ما فيه من الخير والشر"..
    وكل أحد إذا خفته هربت منه إلا الله عز وجل فإنك إذا خفته هربت إليه ، فالخائف هارب من ربه إلى ربه فأين المفر..؟!!!، وما فارق الخوف قلباً إلا خربه فإذا سكن الخوف القلوب أحرق مواضع الشهوات فيها وطرد الدنيا عنها..
    فكم أطلق الخوف من سجين في لذته كانت قد استحكمت عليه سكرته وكم فك من أسير للهوى ضاعت فيه همته وكم أيقظ من غافل التحف بلحاف شهوته وكم عاق لوالديه رده الخوف عن معصيته، وكم من فاجر في لهوه قد أيقظه الخوف من رقدته، وكم من عابدٍ لله قد بكى من خشيته وكم من منيب إلى الله قطع الخوف مهجته وكم من مسافر إلى الله رافقه الخوف في رحلته وكم من محبٍّ لله ارتوت الأرض من دمعته، فلله ما أعظم الخوف لمن عرف عظيم منزلته..
    والخوف ليس مقصوداً لذاته ، ليس المقصود أن نخاف لأجل أن نخاف بل نخاف ليكون الخوف وسيلة تصلح أحوالنا.
    لو كان الخوف مقصوداً لذاته لما ذهب عن أهل الجنة!!، لكن لما كان دخول أهل الجنة الجنّة مهياً القضية وما هو مطلوب منهم وليس فيها عمل ولا اجتهاد في العبادات ومقاومة للهوى والشهوات كان الخوف من أهلها ذاهب " لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ " يونس :62 .
    ومن خاف اليوم أمِنَ غداً.. ومن أمِن اليوم خاف غداً.
    والخوف يتعلق بالأفعال ، والمحبة تتعلق بالذات والصفات، ولهذا تتضاعف محبة المؤمنين لربهم إذا دخلوا دار النعيم ولا يلحقهم فيها خوف.
    قال ابن رجب : " والله خلق الخلق ليعرفوه ويعبدوه ويخشوه ونصب الأدلة الدالة على عظمته وكبريائه ليهابوه ويخافوه خوف الإجلال ووصف لهم شدة عذابه ودار عقابه التي أعدها لمن عصاه ليتقوه بصالح الأعمال ".
    لذلك كرر الله سبحانه وتعالى ذكر النار وما أعده الله فيها لأعدائه من العذاب والنكال وما احتوت عليه من الزقوم والضريع والحميم والسلاسل والأغلال إلى غير ذلك مما فيه من العظائم والأهوال ودعا عباده بذلك إلى خشيته وتقواه وامتثال والمسارعة إلى ما يأمر به ويحبه ويرضاه واجتناب ما ينهى عنه ويكرهه ويأباه، فمن تأمل الكتاب الكريم وأدار فكره فيه وجد ذلك العجب العجاب وكذلك السنة الصحيحة المفسّرة للقرآن وكذلك سير السلف الصالح أهل العلم والإيمان من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، من تأملها علم أحوال القوم وما كانوا عليه من الخوف والخشية والإخبات وأن ذلك هو الذي رقاهم إلى تلك الأحوال الشريفة والمقامات الساميات من شدة الاجتهاد في الطاعة والكف عن المحرمات ودقائق الأعمال المكروهات فضلاً عن المحرمات..



    الخوف منازل ودرجات ..



    القدر الواجب من الخوف ما حمل على أداء الفرائض واجتناب المحارم فإن زاد على ذلك، بحيث صار باعثاً للنفوس على التشمير في نوافل الطاعات والكف عن دقائق الكروهات (يعني فعل المستحبات وترك المكروه والشبهة)، كان ذلك خوفاً محموداً فإن تزايد الخوف بحيث أدّى إلى مرض أو موت أو همٍّ لازم أو قعود عن العمل بحيث يقطع السعي عن اكتساب الفضائل المطلوبة المحبوبة إلى الله عز وجل لم يكن خوفاً محموداً.
    بعض الناس من شدة خوفهم من العذاب والنار يصابون باليأس والاحباط والقعود عن العمل ويقولون لا فائدة!!..، ليس هذا هو المطلوب ..، وهذه الزيادة مذمومة..
    الخوف المطلوب: الذي يحمل على فعل المستحبات وفعل الواجبات قبلها وعلى ترك الشبهات والمكروهات وترك المحرمات قبلها وهناك خوف ضعيف أقل من هذا ، لا يؤدي إلى ترك المحرمات كلها أو فعل الواجبات كلها فهو خوف ناقص..
    ذكر البخاري في قوله : (باب الخوف من الله عز وجل ).
    قال ابن حجر: هو من المقامات العليّة وهو من لوازم الإيمان ، قال الله تعالى :" وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ " ال عمران :175 , " فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ " المائدة :3" إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء " فاطر :128، وتقدم حديث " أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية "، وكلما كان العبد أقرب إلى ربه كان أشد له خشية ممن دونه وقد وصف الله الملائكة بقوله :
    " يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ " النحل :50، والأنبياء بقوله :" الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ " الاحزاب :39 ، وإنما كان خوف المقربين أشد لأنهم يطالبون بما لا يطالب به غيرهم فيراعون تلك المنزلة ولأن الواجب لله منه الشكر على المنزلة فيضاعف بالنسبة لعلو تلك المنزلة..
    فالعبد إن كان مستقيماً فمن أي شيء يخاف؟!!، فخوفه من سوء العاقبة لقوله تعالى : "وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ " الانفال:24 ، وكذلك يخاف من نقصان الدرجة..
    وإن كان مائلاً منحرفاً وعاصياً فخوفه من سوء فعله و ينفعه ذلك مع الندم والإقلاع..





    متى ينفع الخوف؟



    ينفع مع الندم والإقلاع، فإن الخوف ينشأ من معرفة قبح الجناية والتصديق بالوعيد أو أن يحرم التوبة أو لا يكون ممن شاء الله أن لا يغفر له.




    ماحكم الخوف من الله؟



    الخوف من الله واجب، وهو من أجل منازل الطريق وأنفعها للقلب وهو فرض على كل أحد كم قال ابن القيم، إذاً يجب الخوف من الله ومن لا يخف فهو آثم.
    قال ابن الوزير: "أنا الأمان فلا سبيل إليه ، وهو شعار الصالحين".




    أدلة وجوب الخوف




    1- " إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" ال عمران :175، قال ابن سعدي –رحمه الله- :"وفي هذه الآية وجوب الخوف من الله وحده وأنه من لوازم الإيمان فعلى قدر إيمان العبد يكون خوفهم من الله".
    2- " وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ "البقرة :40، والأمر يقتضي الوجوب.
    3- " فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ " المائدة :44، قال ابن سعدي: أمر الله بخشية الله التي هي رأس كل خير فمن لم يخشَ الله لم ينكفّ عن معصته ولم يمتثل أمره.
    4- إن الله امتدح أهل الخوف ، فقال:


    " إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ " المؤمنون :57 " أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ " المؤمنون :61 .
    عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم : "سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية"وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ "المؤمنون :60 أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال : لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون أن لا يقبل منهم".
    أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ " المؤمنون :61 قال الحسن: عملوا لله بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد عليهم ..
    إن المؤمن جمع إحساناً وخشية، وإن المنافق جمع إساءة وأمناً..!
    5- والتخويف من عذاب الله أحد مهمات الرسل "وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ " الكهف :56,والإنذار هو الإعلام بالشيء الذي يخيف ، فالإنذار في لغة العرب كما قال الراغب الأصفهاني في مفرداته: الإنذار إخبار فيه تخويف كما أن التبشير إخبار فيه سرور.
    وقد وصف الله تعالى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بأنه نذير في مواضع كثيرة..
    - جمع قومه على الصفا وقال إني " نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ " سبأ :46 (أنا النذير العريان)، وقد كان العرب إذا رأى أحدهم جيشاً يغير على قبيلته قد اقترب وهو في الخارج ولا تدري قبيلته جاء يركض ويخلع ثيابه وهو يصرخ حتى يبين لهم هول المصيبة التي ستنزل بهم وفداحة الخطر ، وهذه أشد أنواع النذارات عند العرب.
    - " وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ " الحجر :89
    -
    " فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ " الذاريات :50
    - كان من أوائل أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم هو الإنذار " يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ,قُمْ فَأَنذِرْ " المدثر:1:2، خوف الناس عذاب الله جهنم ، بأس الله وانتقامه..، قال القرطبي: خوف أهل مكة وحذرهم العذاب إن لم يسلموا.

    وقد وصف الله العذاب في كتابه في عدة مواضع لتحقيق الخوف في نفوس عباده ليتقوه ، كما قال تعالى: "لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ " الزمر:16,قال ابن كثير: ( يخوف الله عباده) إنما يقص خبر هذا الكائن لا محالة ليخوّف به عباده. قال : لينزجروا عن المحارم والمآثم "يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ " الزمر:16 ,
    أي اخشوا بأسي وسطوتي وعذابي ونقمتي.
    وبين سبحانه أن مايرسله من الآيات لتصديق الأنبياء عليهم السلام كناقة صالح إنما يرسله من أجل التخويف "وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا " الاسراء :59 , كذلك الآيات الكونية كالخسوف والكسوف وغيرها.
    وكذلك قال الله في البرق والرعد: "هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ " الرعد :12


    من فوائد الخوف




    1- أن الله جعله شرطاً لحصول الإيمان " فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ " ال عمران :175,قال ابن جرير: لا تخافوا أيها المؤمنين المشركين ولا يعظمن عليكم أمرهم ولا ترهبوا جمعهم مع طاعتكم إياي فأطعتموني واتبعتم أمري وإني متكلف لكم بالنصر والظفر ولكن خافوني واتقوني أن تعصوني أن تخالفوا أمري فتهلكوا إن كنتم مؤمنين فالله عز وجل أولى أن يخاف منه من الكفار والمشركين.
    2- ابتلى الله الصحابة رضي الله عنهم بابتلاء عظيم ليظهر الذي لا يخاف من الذي يخاف في الصيد ," يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ" المائدة :94، ليختبرنكم الله أيها المؤمنون ببعض الصيد في حال الإحرام كي يعلم أهل طاعة الله والإيمان به المنتهون إلى حدوده وأمره ونهيه، يختبر ليظهر من الذي يخاف الله والذي لا يخافه " لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ " المائدة :94، يعني يبتليهم بالصيد يغشاهم في رحالهم، يتمكنون من أخذه بالأيدي والرماح سراً وجهراً ومحرم عليهم الصيد في الإحرام لتظهر طاعة من يطيع منهم في سره وجهره ومن لا يطيع ، أما الصحابة فنجحوا في ذلك ، وأما اليهود ففشلوا عندما حرم الله عليهم الصيد يوم السبت فاستحلوا محارم الله بأدنى الحيل، فنصبوا الشباك يوم الجمعة وسحبوها يوم الحد، فلم يخافوا الله فهلكوا. فالمرء قد يتعرض أحياناً لمعصية أو شهوة والوقوع فيها يسير جداً وقد تكون الفضيحة مأمونة " لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ " المائدة :94 ،وكما في قصة يوسف وامرأة العزيز، هنا يكون الاختبار والبلاء.
    3- الخوف من الله عبادة قامت في قلب النبي صلى الله عليه وسلم فارتفعت نفسه عن المحرمات والمحظورات لأنه يخاف رب الأرض والسموات " قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ,مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ " الانعام :15:16 ,فهو يخشى عذاب الله ولا يتعد حدوده.
    4- الخوف من الله من صفات أولي الألباب " أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ ,الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلاَ يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ ,وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ " الرعد :19:20:21,الخوف من الله يدل على أن صاحبه صاحب عقل ، من أولي الألباب أي راجح العقل يعرف الشيء الذي يخوّف حقاً.




    ثمرات الخوف من الله


    أ- في الدنيا ..
    1- من أسباب التمكين في الأرض، وزيادة الإيمان والطمأنينة لأنك إذا حصل لك الموعود وثقت أكثر ، قال عز وجل : "وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ,وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ " ابراهيم :13:14، إذاً الخوف من الله يؤدي إلى التمكين في الأرض والانتصار على الأعداء وأن يهلك الله عدوهم ويخزيهم ويورث المؤمنين أرضهم وديارهم.
    2- يبعث على العمل الصالح والإخلاص فيه وعدم طلب المقابل في الدنيا فلا ينقص الأجر في الآخرة " إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا ,إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا " الانسان :9:10، "فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ ,رِجَالٌ لّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ " النور:36:37، أي تضطرب وتتقلب وهذا هو الذي دفعهم للعمل ، يريدون النجاة ويحذرون الهلاك ويخافون أن يأتوا وكتبهم بشمالهم.
    ب - في الآخرة..
    1- يجعل الإنسان في ظل العرش يوم القيامة،"ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله"، ظاهر الحديث أنه يقولها بلسانه ليزجر المرأة عن فعلها وليذكر نفسه ويصر على موقفه ولا يتراجع بعد إعلان المبادئ، "ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه"، الخشية الموجبة لدمع العين تؤدي إلى أن النار لا تمس العين يوم القيامة.
    2- من أسباب المغفرة، شاهد ذلك الحديث:

    رجل كان فيمن قبلنا عنده جهل عظيم ورزقه الله مالاً فقال لبنيه لما حضره الموت: أي أب كنت لكم؟قالوا: خير أب ، قال: فإني لم أعمل خيراً قط فإذا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني في يوم عاصف ، ففعلوا وما أسهل أن يعيده الله كما كان، قال : ما حملك؟ قال: مخافتك، فتلقاه برحمته..*!!، فعذره الله بجهله وشفع له خوفه من ربه وإلا فالذي ينكر البعث كافر.
    3- يؤدي إلى الجنة لأن النبي صلى الله عليه وسلم : "من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة" أي الذي يخاف من إغارة العدو وقت السحر يسير من أول الليل(أدلج) فبلغ المنزل والمأمن والمطلب، وهذا مثل ضربه الرسول صلى الله عليه وسلم لسالك الآخرة فإن الشيطان على طريقه والنفس الأمارة بالسوء والأماني الكاذبة وأعوان إبليس ، فإن تيقظ في مسيره وأخلص النية في عمله أمن من الشيطان وكيده ومن قطع الطريق عليه، هذه سلعة الله التي من دخلها كان من الآمنين.
    4- يرفع الخوف عن الخائف يوم القيامة: " وعزتي وجلالي، وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين وأمنين، إذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة، وإذا أمنني في الدنيا أخفته في الآخرة".
    5- سبب للنجاة من كل سوء، (( ثلاث منجيات: خشية الله تعالى في السر والعلانية)) فهذه الخشية هي التي تحفظ العبد وتنجيه من كل سوء لأنه قال ووعد الله لا يخلف وهذا رسوله (منجيات) وعمّم تشمل الدنيا والآخرة.
    6- يصبح الإنسان ممدوحاً مثني عليه ويكفيه فخراً أن يدخل في أصحاب الأسماء والألقاب الشريفة (( المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والصائمين والصائمات والقانتين والقانتات والذاكرين والذاكرات والحافظين فروجهم والحافظات)) ألفاظ شريفة كانوا يسعون لحيازتها "تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ " السجدة :16


    وفينا رسول الله يتلو كتابه


    إذا انشق معروف من الصبح ساطع


    أرانا الهدى بعد العمى


    فقلوبنا بخ موقنات أنه ماقال واقع


    يبيت يجافى جنبه عن فراشه


    إذا استتقلت بالمشركين المضاجع


    عبد الله ين رواحة



    "أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ " الزمر:9
    "وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ , إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ "المعارج :27:28 , وأثنى الله على أقرب عبادة وهم الأنبياء لخوفهم منه " إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا " الانبياء :90


    بل الملائكة " يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ " النحل:50

    قال ابن القيم: من ثمرات الخوف أن يقمع الشهوات ويكدّر اللذات فتصير المعاصي المحبوبة عنده مكروهة مكدرة.
    وليس المقصود تكدير اللذائذ المباحة ، الرسول صلى الله عليه وسلم استمتع وهو سيد الخائفين على قدر (( حبب إليه من الدنيا الطيب والنساء)).
    تكدر اللذات المحرمة بتذكر عذاب الله و وعيده لمن وقع فيها فتتكدر لذته المحرمة بتذكر مابها من عذاب.
    قال ابن القيم –رحمه الله- : كما يصير العسل مكروهاً عند من يشتهيه إذا علم أن فيه سمّاً ، فتحترق الشهوات بالخوف وتتأدب الجوارح و يذل القلب ويستكين ويفارقه الكبر والحقد والحسد ويصير مستوعب الهم لخوفه والنظر في خطر عاقبته فلا يتفرغ لغيرع ولا يكون له شغل إلا المراقبة والمحاسبة والمجاهدة والظنّة(البخل) بالأنفاس واللحظات ومؤاخذة النفس في الخطرات والخطوات والكلمات ويكون حاله (الخائف) كم وقع في مخالب سبع ضار لا يدري أيغفل عنه فيفلت أو يهجم عليه فيهلكه ولا شغل له إلا ما وقع فيه ، فقوة المراقبة والمحاسبة بحسب قوة الخوف وقوة المعرفة بجلال الله تعالى وصفاته وبعيوب نفسه وما بين يديها من الأخطار والأهوال.
    وقال ابن قدامة: فضيلة كل شيء بقدر إعانته على طلب السعادة وهي لقاء الله تعالى والقرب منه، فكل ما أعان على ذلك فهو فضيلة " وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ "الرحمن :46


    الرضا من الله ((رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه)).




    الأسباب الجالبة للخوف



    الخوف ليس مقصوداً لذاته بل لما بعده من فعل الواجبات وعدم تركها والبعد عن المحرمات وعدم ارتكابها وإذا زاد يمكن أن يكون فعل مستحبات وترك مشتبهات وإذا زاد أكثر يصبح مذموماً وإذا نقص عن هذا يكون أيضاً ناقصاً لا يؤدي إلى النتيجة المطلوبة، فمن الأسباب الجالبة للخوف:



    سابق الذَّنب الذي وقع فيه.
    حذر التقصير في الواجبات.
    الخوف من المصير أن يكون على ما يكره.
    , إجلال الله و تعظيمه : " يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ" النحل :50والملائكة خوفهم من الله شديد جداً "حتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ "سبأ :23 , فالله إذا تكلم بالكلمة في السماء من أوامره ضربت الملائكة بأجنحتها خضوعاً لقوله، فأصدرت صوتاً عظيماً كجرّ السلسلة العظيمة على الصخرة ثم يغشاهم من الفزع ما يغشاهم ورجعوا إلى حالة يستطيعون فيها الكلام قالوا ماذا قال ربكم تناقلت الأوامر قالوا الحق، فإذاً إجلال الله يقتضي الخوف والهيبة منه جل وعلا وهذه أهمية معرفة أسماء الله وصفاته







    الخوف من الله يتعلق بقضيتين



    أ – الخوف من عذابه
    ب – الخوف من الله
    الناس العامة ينزعون إلى الخوف من النار أكثر ، وأهل الفقه والعلم خوفهم من الله قبل خوفهم من ناره لأن العامة قد يكون فهمهم وعلمهم قليل وبساطة فأحياناً لا يتذكر من كل القضية إلا النار، وقد لا يستوعب أن الخوف من الله قبل الخوف من ناره أول وأكبر وأعظم ولذلك قال ابن قدامة رحمه الله: " في مقامي الخوف المقام الأول الخوف من عذاب الله وهذا خوف عامة الناس وهذا النوع من الخوف يحصل بالإيمان بالجنة والنار وكونهما جزاءين على الطاعة والمعصية ، المقام الثاني الخوف من الله نفسه عز وجل وهو خوف العلماء والعارفين لأنه يكفيهم فقط ثلاث كلمات " وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ "ال عمران :28
    ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : " أنا أعرفهم بالله وأشدهم له خشية"، وقال الله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء "فاطر :128، لأنه لما كملت معرفتهم بربهم وأسمائه وصفاته أثرت الخوف ففاض الأثر على القلب ثم ظهر على الجوارح بهذه الأعمال.
    تتأمل النجاة لمن ، وتقارن نفسك بصفاتهم " وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى" طه :82
    . و كما في سورة العصر حيث أقسم الله أن الناس في خسران واستثنى " الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ " العصر:3
    وكما في قوله تعالى: " وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ " السجدة :13
    هذه الآية تورث الخوف حيث أقسم الله أنه ليملأ جهنم فينخلع القلب والله تعالى يقول: " وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا " مريم :71
    وقيل لفلان لم تبكي؟ قال لأني أعلم يقيناً أنني سآتي على جهنم ولكن ليس لدي يقين أنني سأنجو منها..**!!، وفي مسألة قبول العمل أيضاً والله تعالى يقول : " إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ " المائدة :27,فإذا حصل الخوف حصلت أسباب النجاة.
    7- تدبر كلام الله ورسوله والنظر في سيرته ، قال ابن القيم : " لأنه سيد الخائفين وإمام المتقين وأخشاهم لله فإذا تدبر المسلم كلام الله وسنة نبيه شهد قلبه أموراً من صفات الله وعقوباته وانتقامه و كيف خاف الأنبياء والملائكة والصالحون، وليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده وأقرب إلى نجاته من تدبر القرآن وإطالة التأمل وجمع الفكر على معاني آيات الكتاب العزيز فلا تزال معانيه تنهض العبد إلى ربه بالوعد الجميل وتحذره وتخوفه بوعيده من العذاب الوبيل وتحثه على التضمرّ والتخفف للقاء اليوم الثقيل".
    يقول ابن الجوزي: " والله لو أن مؤمناً عاقلاً قرأ سورة الحديد وآخر سورة الحشر وآية الطرسي وسورة الإخلاص بتفكر وتدبر لتصدّع قلبه من خشية الله وتحيّر من عظمة الله ربّه".
    8- التفكر في عظمة الله سبحانه وتعالى، فإنه من تفكر في ذلك خاف الله لا محالة لأن التفكر يوقعه على صفات الله جل جلاله وكبريائه ومن شهد قلبه عظمة الله وكبرياءه علم شأن تحذيره عندما قال: " وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ " ال عمران :28,أي خافوه واخشوه بما أبدى لكم من صفاته وأسمائه وعدله عز وجل ، قال تعالى :"وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " الزمر:67,يمجد الرب نفسه، أنا الجبار الملك، أنا المتكبر العزيز الكريم..، قالها صلى الله عليه وسلم فرجف به المنبر حتى قال الصحابة ليخرنّ به ، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر يقول " يأخذ الجبار سماواته وأرضه بيده و قبض يده فجعل يقبضها و يبسطها ثم يقول أنا الجبار أين الجبارون أين المتكبرون"ويتمايل الرسول صلى الله عليه وسلم عن يمينه وشماله حتى نظر صحابي إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى قال أساقط هو برسول الله؟!! . ما السموات السبع في الكرسي إلا كلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة فإذا عرف الإنسان عظمة الرب جلب له ذلك الخوف منه.
    9- التفكر في الموت وشدته وأنه لا مفر منه "قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ " الجمعة :8 ، فهذا يوجب الخوف من الله "أكثروا من ذكر هادم اللذات، الموت، فإنه لم يذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه عليه ولا ذكره في سعة إلا ضيقها عليه".




    قال أبو العتاهية:


    ألا رب ذي أجل قد حضر


    كثير التمني قليل الحذر


    إذا هزّ في المشي أعطافه


    تعرفت من منكبيه البطر


    يؤمِّل أكثر من عمره


    ويزداد يوماً بيومٍ أشر


    10 – التفكر فيما بعد الموت، في القبر وأهواله، قال صلى الله عليه وسلم : " كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنه يرقّ القلب وتدمع العين تذكر الآخرة ولا تقول هجرة".


    عن البراء يقول كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فجلس على شفير القبر فبكى بلّ الثرى وقال : يا أخواني لمثل هذا فأعدّوا...


    11- إذا قدم إلى القيامة وأهوالها وحديث البعث والنشور إلى ذبح الموت, "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ " لقمان :33, لفت النظر يقوي مراقبة العبد ربه.


    12- إذا دخل أهل النار النار..، ماذا يوجد فيها من الأهوال في شدة عذابها؟!!..، " إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ "المدثر :35


    قال الحسن: كبرت منذرة داهية عظيمة أعظم الدواهي ما أنذرت الخلائق بشيء قط أفظع منها.



    وكيف قرت لأهل العلم أعينهم


    أو استلذوا لذيذ النوم أو هجعوا


    والموت ينذرهم جهراً علانية


    لو كان للقوم أسماع لقد سمعوا


    أفي الجنان وفوز لا انقطاع له


    أم الجحيم فلا تبقي ولا تدع


    لينفع العلم قبل الموت عالمه


    قد سأل قوم بها الرجعى فما رجعوا



    13- تفكر العبد في ذنوبه وأنه نسيه والله تعالى أحصاها ولا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاه، وأن الله يمكن أن يعطيه النعم استدراجاً "وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا " الكهف :36 ، في قصة صاحب الجنتين حين قال "مَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً " الكهف :36.


    14- التفكر في عاقبة محقرات الذنوب التي يحقرها الناس ، وقد مثلها النبي صلى الله عليه وسلم بقوم نزلوا بطن واد فجاء هذا بعود وهذا بعود حتى جمعوا ما أنضجوا به خبزهم ، وهناك ارتباط بين الأعواد وإيقاد النار وبين الذنوب وما تسبب من نضج جلود العصاة

    " كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ " النساء:56 .
    15- أن يعلم العبد أنه قد يحال بينه وبين التوبة بموت مفاجيء ، تسويف، شبهات ، إصرار على المعصية والشهوات، فتنة مضلّة، والحسرة حينها لا تنفع "حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ, لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ" المؤمنون :99:100" وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ " مريم:39


    16- التفكر في سوء الخاتمة حينئذ " الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ " محمد:27، وملك الموت كيف يسحب روح الفاجر فيتقطع فيها كل عرق و عصب وكيف يجعل في كفه من النار وحنوط له من جهنم..
    17- تجالس ناس يكسبونك خشية وخوف من الله من الصالحين والعلماء المتقين " وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ " الكهف :28، صاحب أصحاب الخشية، رقة قلب إذا سمعوا الذكر وتلين قلوبهم ((ثم تلين قلوبهم وجلودهم إلى ذكر الله)).




    واقرأ سيرهم فاصحب أنفاسهم..


    أهل الحديث هم أهل الرســـــول


    وإن لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا


    اصحب سير الخائفين من الله ..


    - الإمام أحمد و خشيته..



    - ابن عباس رضي الله عنه كان تحت عينيه خطّان كالشراكان الباليان أخاديد من الدموع.


    - عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ آيات فمرض مرض عاده الناس من بعده.


    - عائشة تقرأ قوله تعالى : " فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ "الطور :27


    في صلاتها فتبكي وتبكي.. " إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ " المائدة :118




    - أبو بكر رضي الله عنه يمسك لسانه ويقول (( هذا الذي أوردني المهالك))، (( يا ليتني كنت شجرة تؤكل)).


    - عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: (( ياليتني كنت هذه التبنة))((يا ليتني لم أكن شيئاً مذكوراً))(( ياليت أمي لم تلدني )) (( لو مات جمل ضياعاً على جانب الفرات لخشيت أن يسألني عنه الله يوم القيامة)).


    - ويقول: (( لو نادى منادٍ من السماء يا أيها الناس إنكم داخلون الجنة كلكم إلا واحداً لخفت أن أكون أنا هو))..!!


    - عثمان بن عفان رضي الله عنه يقول : " وددت لو أنني لو مت لم أبعث" وهو الذي كان يقطع الليل تسبيحاً وقرآناً ويتخرق مصحفه من كثر ما قرأ به ، ومات ودمه على المصحف شهيداً..


    - أبو عبيدة رضي الله عنه يقول:"وددت لو كنت كبشاً فذبحني أهلي وأكلوا لحمي وحسوا مرقي".


    - عمران بن حصين رضي الله عنه يقول:"يا ليتني كنت رماداً تذروه الرياح".


    - حذيفة رضي الله عنه يقول " وددت أن لي إنسان يكون في مالي ذم أغلق علي بابي فلا يدخل علي أحد حتى ألحق بالله".


    - عائشة رضي الله عنها تقول: " يا ليتني " كُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا "مريم :23 "



    - أبو هريرة رضي الله عنه يغشى عليه ثلاث مرات وهو يحدث بحديث أول ثلاث تسعّر بهم النار ..


    - علي رضي الله عنه يقول: " لقد رأيت أصحاب محمد فما أرى اليوم شيئاً يشبههم لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً بين أعينهم أمثال ركب المعزى قد باتوا لله سجداً وقياماً – أثر في الجلد فخشنه مثل ركب المعزى- يتلون كتاب ربهم يراوحون بين جباههم وجنوبهم فإذا أصبحوا ذكروا الله عز وجل مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح وهملت أعينهم حتى تبل ثيابهم والله لكأن القوم باتوا غافلين..




    - عمر بن عبد العزيز يبكي ويبكي حتى تغلبه عيناه ثم ينام ..تسأله زوجته فيقول "إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم " فتبكي فاطمة وتقول : " اللهم أعذه من النار".
    - حديث حسن : " أولياء الله الذين إذا رُؤوا ذُكِر الله عزوجل".
    18- سماع المواعظ وبعض الخطب.
    19- العلم بالله وأسمائه وصفاته وكلامه وكلام رسوله.
    20- الدعاء.
    وذلك مقصود في دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم يسأل الله أن يرزقه الخشية" ربي أعني ولا تعن علي وانصرني ولا تنصر علي وامكر لي ولا تمكر علي واجعلني لك شكاراً لك ذكاراً لك رهّاباً لك مطواعاً لك مخبتاً إليك أواهاً منيباً، ربي تقبل توبتي واغسل حوبتي وأجب دعوتي وثبت حجتي وسدد لساني واهدِ قلبي واسلل سخيمة صدري" ..
    ويدعو بقوله : " اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك".
    (( اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة)).





    موانع الخوف



    الخوف تمنعه أشياء منها المعاصي، الدنيا، الرفقة السيئة، الغفلة وتبلّد الإحساس..
    الخوف القاصر نوع خطير من الخوف ، وهو أن يحضر موعظة ويسمع ويتأثر ثم يمشي..
    هذا خوف لا يكفي وإنما العبرة بما وقع نفع و دخل واستقر..
    المطلوب الخوف المستمر..
    قال أحد الصحابة: " وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً بعد صلاة الغداة موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال رجل إنها موعظة مودّع ماذا تعهد إلينا؟ فأعطاهم صلى الله عليه وسلم الوصية".. انظر إليهم .. يريدون التطبيق..
    والرسول صلى الله عليه وسلم قال: " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً وخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله.. سلوني.. سلوني.."فغطّى الصحابة وجوههم يبكون..!!
    جاء حذافة وقد كان ينسب لغير أبيه فقال من أبي قال حذافة : فصار إثبات نسبه بالوحي، حتى جاء عمر فقال: رضينا بالله ربا وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً عائذاً بالله من سوء الفتن..
    فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : لم أرك اليوم قط في الخير والشر، إني صورت لي الجنة والنار رأيتهما دون هذا الحائط..
    قال صلى الله عليه وسلم : " أطّت السماء وحق لها أن تأطّ ما فيها موضع إلا وفيها ملك قائم أو قاعد أو ساجد"..
    فالخوف إذا باشر قلب العبد فاض أثره على الجوارح وظهر، وليس أنه كان شيئاً سريعاً وذهب..




    ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها


    إن السفينة لا تجري على اليبس



    قال صلى الله عليه وسلم : " ما رأيت مثل النار نام هاربها"..
    قال ابن تيمية –رحمه الله - : " كل عاصٍ لله فهو جاهل وكل خائف منه فهو عالم مطيع"، الخائف من الله يبادر إلى الخيرات قبل الممات ويغتنم الأيام والساعات..




    ويتكلم عن حال السلف ابن المبارك –رحمه الله-:


    إذا ما الليل أظلم كابدوه


    فيسفر عنهم وهم ركوع


    أطار الخوف نومهم فقاموا


    وأهل النوم في الدنيا هجوع


    لهم تحت الظلام وهم سجود


    أنين منه تنفرج الضلوع


    وخرسٌ بالنهار لطول صمت


    عليهم من سكينتهم خشوع

    التعديل الأخير تم بواسطة محبة المساكين ; 16-12-2011 الساعة 12:19 AM سبب آخر: تنسيق الموضوع

  5. #5


    تاريخ التسجيل : Nov 2011
    رقم العضوية : 107803
    الجنس: أنثى
    المشاركات : 35
    التقييم : 1456
    فريق عمل تفريغ الدروس غير متواجد حالياً

    رد: سلسلة اعمال القلوب للشيخ محمد صالح المنجد


    السلام عليكم

    الدرس الخامس الشكر

    الشكر خير عيش السعداء لم يترقوا إلى أعلى المنازل إلا بشكرهم ، ولمّا كان الإيمان صفين ، نصفٌ شكر ونصفٌ صبر ، كان حقيقاً على من نصح نفسه وآثر نجاتها وسعادتها.

    تعريف الشكر
    الشكر لغةً: الاعتراف بالإحسان، شكرت الله- شكرت لله- شكرت نعمة الله . فالشكر في اللغة هو ظهور أذر الغذاء في جسم الحيوان، والشكور من الدواب ما يكفيه العلف القليل أو الذي يسمن على العلف القليل. والشكر خلاف الكفر.
    والشكر الثناء على المحسن بما أولاه من معروف ، وتقول شكرته وشكرت له وقيل اللام أنصح ، والشكران خلاف الكفران.
    اشتكرت السماء أي اشتد وقع مطرها. واشتكر الضرع أي امتلأ لبناً .
    والشكر الزيادة والنماء.

    والشكر في الاصطلاح: ظهور أثر النعم الإلهية على العبد في قلبه إيماناً وفي لسانه حمداً وثناءً وفي جوارحه عبادة وطاعة ويكون القليل من النعمة مستوحياً الكثير من الشكر فكيف إذا كانت النعم كثيرة؟، ومن العباد من هو شاكر ومنهم من هو كافر.
    شكرت له، يتعدى باللام ، وكفرت به ؛ يتعدى بالباء!، ولابن القيم نكتة طرفة في هذا فيقول: "المشكور في الحقيقة هي النعمة وهي مضافة إلى المنعم لذلك تقول شكرت له فيتعدى باللام ، أما الكفر ففيه تكذيب وجحد بالنعمة لذلك قالوا كفر بالله وكفر بنعمته وكفر بآلائه فلذلك تعدى بالباء".

    هذا الشكر له مقامات عظيمة في الدين:
    1- قرن الله ذكره بشكره وكلاهما المراد بالخلق والأمر والصبر خادم لهما ووسيلة إليهما وعوناً عليهما، فقد قرن الله الشكر بالذكر فقال: "فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ" البقرة:152.
    2- قرن الشكر بالإيمان ، وأنه لا غرض له في عذاب الخلق إذا قالوا آمنا
    "مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ" النساء :147، أي وفيتم حقه وما خلقتم من أجله وهو الشكر بالإيمان.
    3- أهل الشكر هم المخصوصين بمنته عليهم من بين عباده فقال تعالى: "وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولُوا أَهَؤُلاء مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ" الانعام :53.
    4- قسم الناس إلى شكور وكفور فأبغض الأشياء إليه الكفر وأهل الكفر وأحب الأشياء إليه الشكر وأهل الشكر "إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا" الانسان:3
    5- يبتلي عباده ليستخرج الشكور فقال تعالى على لسان سليمان عليه السلام : "هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ" النمل : 40
    6- وعد الشاكرين بالزيادة "وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ" ابراهيم :7
    7- الله يرضى عمل الشاكرين ويرضى الشكر "إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ" الزمر : 7 .فيقارن الله بين الشكر والكفر وأنهما ضدّان "وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ " ال عمران :144.
    والشاكرون في هذه الآيات الذين ثبتوا على نعمة الإيمان ولم ينقلبوا على أعقابهم. فمن الناس من لا يصمد عند الابتلاء والمحنة فيكفر ولا يثبت، ومنهم من يظهر لربه حقيقة ما في قلبه عند المحنة والابتلاء ، فيتعالى لسانه بذكر ربه وحمده فيثبت ويشكر شكراً عملياً بالقلب واللسان والجوارح.
    8- علّق الله المزيد بالشكر والمزيد من لا نهاية له، كما أن الشكر لا نهاية له، ووقف الله الكثير من الجزاء على المشيئة..
    - "فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء " التوبة :28

    - في الإجابة : "فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء" الانعام : 41

    - في المغفرة : " يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء " ال عمران : 129

    - في الرزق: " يَرْزُقُ مَن يَشَاء " البقرة : 212

    - في التوبة : " وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَن يَشَاء " التوبة :15 .
    أما الشكر فإنه أطلقه " وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ " ال عمران :145، " وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ "ال عمران :144 ولم يقل ((إن شاء))!!
    9- أخبر سبحانه وتعالى أن إبليس من مقاصده أن يمنع العباد من الشكر، فتعهد إبليس بأشياء " ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ " الاعراف : 17 فإبليس يريد حرمانهم من الشكر والقعود بينهم وبينه.
    10- وصف الله الشاكرين بأنهم قليل من عباده " وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ " سبأ : 13 ، وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع رجلاً يقول: " اللهم اجعلني من الأقلين" فقال ما هذا؟ قال: " يا أمير المؤمنين : الله تعالى يقول " وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ " هود : 40ويقول " وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ " سبأ : 13 ,ويقول " إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ " ص : 24 , قال عمر: صدقت..!!.
    وإذا كان الشكر من صفات الأنبياء والمؤمنين فإنه ليس كذلك عند كل الناس فإن كثيراً منهم يتمتعون بالنعم ولا يشكرونها.
    11- أثنى الله على أول رسول بعثه إلى أهل الأرض بالشكر وهو نوح عليه السلام " ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا " الاسراء : 3 , إشارة إلى الاقتداء به.
    12- أخبر الله أنه يعبده من شكره وأن من لم يشكره فإنه ليس من أهل عبادته : " وَاشْكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ " البقرة :172
    13- أمر سبحانه وتعالى عبده موسى أن يتلقى ما آتاه من النبوة والرسالة والتكليف بالشكر " قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ " الاعراف :144.
    14- أول وصية أوصى بها الإنسان بعدما عقل أن يشكر له ثم لوالديه " وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ " لقمان :14
    15- أخبر الله أن رضاه في شكره " إِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ " الزمر :7
    16- أخبر عن خليله إبراهيم بشكر نعمته
    " إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ , شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ " النحل : 120 :121
    فمن صفات الأمة القدوة الذي يؤتم به بالخير يعدل مثاقيل من أهل الأرض أنه كان قانتاً لله شاكراً لأنعمه فجعل الشكر غاية خليله.
    17- الشكر هو الغاية من الخلق : " وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ " النحل :78 , فهذه غاية الخلق، أما غاية الأمر " وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ " ال عمران :123 , فكما قضى الله لهم بالنصر فليشكروا هذه النعمة.
    والخلاصة أن الشكر غاية الخلق وغاية الأمر فخلق ليشكر وأمر ليشكر " فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ " البقرة :152، والشكر مراد لنفسه والصبر مراد لغيره، أنت تصبر لأجل أن يحدث ما يترتب عليه وما يؤدي إليه من الأشياء، والشكر غاية في نفسه والصبر وسيلة إلى غيره وإلى ما يحمد وليس مقصوداً لنفسه.
    وفي منازل " إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ " الفاتحة :5 ذكر ابن القيم في الشكر أيضاً سبعة عشر وجهاً وهي:
    1- أنه من أعلى المنازل.
    2- فوق منزلة الرضا والزيادة، فالرضا مندرج في الشكر ويستحيل وجود الشكر بدونه.
    3- نصف الإيمان شكر ونصفه صبر.
    4- أمر الله به ونهى عن ضده.
    5- أثنى على أهله ووصفهم بخواص خلقه.
    6- جعله غاية خلقه وأمره.
    7- وعد أهله بأحسن الجزاء.
    8- جعله سبباً للمزيد من فضله.
    9- حارساً وحافظاً للنعمة.
    10- أهل الشكر هم المنتفعون بآياته.
    11- اشتق لهم اسماً من أسمائه (الشكور) وهو يوصل الشاكر إلى مشكوره بل يعيد الشاكر مشكوراً.
    12- غاية الرب من عبده.
    13- سمى نفسه شاكراً وشكوراً ، وسمى الشاكرين بهذا الاسم فأعطاهم من وصفه وسماهم باسمه وحسبك بهذا محبة للشاكرين وفضلاً.
    14- أخبر الله عن قلة الشاكرين في عباده.
    15- الشكر لابد معه من مزيد.
    الشكر عكوف القلب على محبة المنعم، والجوارح على طاعته وجريان اللسان بذكره والثناء عليه.

    والشكر يتعلق بأمور ثلاث : القلب واللسان والجوارح، ومعنى الشكر ينطوي على معرفة ثلاثة أمور وهي معاني الشكر الثلاثة.

    1- معرفة النعمة: استحضارها في الذهن وتمييزها والتيقن منها، فإذا عرف النعمة توصل إلى معرفتها بمعرفة المنعم بها ولو على وجه التفصيل، وهذا ما نجده في القرآن الكريم ليستحضر العبد هذه النعم فيشكر. وإذا عرف النعمة سيبحث العقل عن المنعم فإذا عرف المنعم أحبّه فإذا أحبه جد في طلبه وشكره ومن هنا تحصل العبادة لأنها طريق شكر المنعم وهو الله.
    2- قبول النعمة: تلقيها بإظهار الفقر إلى المنعم والحاجة إليه وأن وصول النعم تمّ بغير استحقاق ، فالله أعطانا النعم منّة وتفضّل .
    3- الثناء بها: الثناء على المنعم المتعلق بالنعمة نوعان :
    عام : وهو أن تصفه بالجود والكرم والبر والإحسان وسعة العطاء ونحو ذلك.
    خاص :أن تتحدث بنعمه عليك وتخبر بوصولها إليك " وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ " الضحى :11
    والتحديث المأمور به هنا فيه قولان:
    1- أن تذكر وتعدد ( أنعم الله علي بكذا وكذا...) ولذلك قال بعض المفسرين اشكر ما ذكره من النعم عليك في هذه السورة من جبرك يتيماً وهدايتك بعد الضلال وإغنائك بعد العيلة.
    2- أن تستعملها في طاعته.
    فالتحدث بالنعمة من الثناء على الله، فتثني على الله بالأسماء المناسبة لمقام الشكر(المنان-الكريم-ذو الفضل العظيم – الله واسع – عطاؤه كثير).
    حديث جابر مرفوعاً: " من صنع إليه معروفاً فليجزِ به فإن لم يجد ما يجزي به فليثني فإنه إذا أثنى عليه فقد شكره وإن كتمه فقد كفره ومن تحلّى بما لم يُعطَ كان كلابس ثوبي زور".
    ومن الثناء كقول جزاك الله خير، و الدعاء أيضاً وسيلة للشكر.

    أقسام الخلق في شكر النعمة ثلاثة:
    1- شاكر للنعمة مثني بها.
    2- جاحد لها كاتم لها.
    3- مظهر أنه من أهلها وهو ليس من أهلها ، وكما في الحديث فالمتشبع بما لم يعطَ كلابس ثوبي زور.
    وقد روى النعمان بن بشير: " من لم يشكر القليل؛ لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس؛ لم يشكر الله" والتحدث بنعمة الله شكر وتركها كفر والجماعة رحمة والفرقة عذاب ": رواه أحمد.
    والتحدث بالنعمة المأمور به ينبغي أن يكون ذلك في النفس وعند الآخرين ولكن إذا كان عند حاسديها فإن كتم ذكرها ليس من كفرها فهو لم يكتم ذكر النعمة شحاً بذلك وتقصيراً في حق الله لكن لدرء مفسدة وهي حسد صاحب العين وكيده وضرره ودفع الضرر من المقاصد الشرعية.
    أما مقابلة النعمة فلايمكن في حق الله "لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا" الحج :37، فلا سبيل إلى المجازاة ويبقى في قضية الثناء عليه استعمالها فيما يرضيه ، أما المجازاة فلا سبيل إليها ولا ينتفع الله بخلقه شيء.

    و واجبنا نحو الله في النعم :
    1- الخضوع له، خضوع الشاكر للمشكور.
    2- حبه له، حب الشاكر للمشكور.
    3- اعترافه بنعمته عليه( الإقرار).
    4- الثناء عليه بها.
    5- أن لا يستعملها فيما يكره بل يستعملها فيما يرضيه .
    وإذا كانت النعم تتفاضل فهل يتفاضل الشكر؟ نعم.
    والشكر لله يكون بالقلب واللسان والجوارح.

    الشكر بالقلب
    علم القلب وذلك بأن يعلم أن الله هو المنعم بكل النعم التي يتقلب فيها "الناس يشكرون المعبر ولا يشكرون المصدر!!"، وهذا مهم في تربية الأطفال، أن يُعرَّف من أين جاءت النعم " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ" سورة فاطر : 3 "أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ" العنكبوت :67 !!.
    أول نعمة ؛ نعمة الخلق والإيجاد، ورصد النعم والتعرف إليها مرحلة تمهيدية للشكر، وجاءت كثير من الآيات بإحصاء النعم ليكتشف الإنسان كثرتها فيعلم أن النعم لا يمكن حصرها "وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا" النحل :18 .
    ولكن ذُكِر لنا أشياء فرعية وأصلية ، والفروع نردها إلى أصولها ، كالصحة فهي نعمة أصلية وما يتفرع منها من النعم ( الحركة- المشي-العمل – الرياضة-النوم- الأكل – الشرب - السفر)، كذلك المال والوقت والعلم كلها نعم أصلية.
    وتستطيع أن تضم النعم إلى ما يحاذيها ويشابهها، أنعم علينا بوصفنا مخلوقات بعد الخلق والإيجاد ثم نعمة الآدمية والإنسانية وأنعم علينا بوصفنا مسلمين من نعمة الهداية والإيمان.
    ونعمة التربية التي ترتقي بالفرد درجة بعد درجة وتعلم علماً بعد علم حتى يبلغ كماله، وفوق كل ذلك نعمة النبوة للذين اصطفاهم الله ، والصديقين والشهداء و الصالحين.
    إن عرض النعم على العامة أمر مهم جداً وهو قضية في الدعوة، فالله عزوجل خص الآدمي أنه خلقه بيده " لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ " ص:75 , أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً" لقمان :20 وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ " ابراهيم :32 ,"وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ ,وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ,وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ " ابراهيم :32 :33:34
    وذكر في سورة النحل(سورة النعم): "وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ, وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ,وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ,أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ,وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ " سورة النحل :14:15:16:17:18

    " وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ" النحل :81
    هذه المنة للإيمان بعد الإسلام أو الإسلام اولاً "يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ " الحجرات :17
    " الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا " المائدة :3
    ومن نعمة الهداية يكون الأمن والسكينة والفرج والمغفرة والرحمة والبركة والتيسير وسعة الرزق.
    ومن مقاصد ووسائل الدعوة أنك تحدث المدعوين بنعم الله عليهم ليحصل الشكر إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ " البقرة :243, فبعض الناس اتجهوا إلى أشياء غريبة في تفسير النعم أو نسبتها إلى مصادر باطلة ليست هي، مثل الذي فعله قارون لما ذكر بنعمة الله عليه فقال "إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي " القصص :78، فالغرور يجعلهم ينسبون النعمة إلى غير المنعم، وهذا فعل الأشقياء فالله تعالى يقول: " وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ " النحل :53 " فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ " الطارق :86" فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ " عبس:24 " أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِمِنْهُ " الواقعة :69
    " وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ " الحجر :22"أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ , أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ ,لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ " الواقعة :68:69 :70



    الشكر باللسان


    لسان المرء يعرب عما في قلبه ، فإذا امتلأ القلب بشكر الله لهج اللسان بحمده والثناء عليه، وتأمل ما في أذكار النبي صلى الله عليه وسلم من الحمد والشكر لرب العالمين..


    1- كان لما يفيق من نومه يقول :"الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور", "الحمد لله الذي عافاني في جسدي ورد علي روحي وأذن لي بذكره"


    2- وإذا أوى إلى فراشه لينام يقول:"الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وآوانا فكم ممن لا كافي له وملا مؤوي".


    3- ومن أذكار الصباح والمساء" اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد والشكر" من قالها حين يصبح فقد أدى شكر ليله.


    4- سيد الاستغفار"أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي" اعتراف بالنعمة واعتراف بالتقصير في شكرها لأنه يذنب.


    5- يفتتح الأدعية بحمد الله والثناء عليه بما هو أهله.


    6- في كل خطبة أو نكاح أو أمر ذي بال يحمد الله.


    7- دعاء الاستفتاح – سورة الفاتحة – الرفع من الركوع – أذكار ما بعد السلام – ربنا ولك الحمد – أدعية التهجد – اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن – الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلاً.


    8- إذا أكل أو شرب أو سئل عن حال أو سافر أو عطس.


    9- في أي ساعة يحمد ربه من ليل ونهار ، له في كل تحميدة صدقة.


    وقعت يد عائشة على يد النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد في بطن الليل وقدماه منصوبتان يقول:" اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك". قال صلى الله عليه وسلم :" يا معاذ إني أحبك فلا تدع أن تقول دبر كل صلاة اللهم أعنّي على ذكرك و شكرك و حسن عبادتك".


    الشكر بالجوارح


    وهي ما سوى القلب واللسان من جوارح، فما من عمل يعمله ابن آدم من الطاعات والعبادات إلا وهو شاكر فيه لنعم ربه سبحانه وتعالى.
    والخلاصة في الشكر بالجوارح ؛ العمل الصالح، فعند بلوغ الأربعين
    "حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ" الاحقاق :15، فسأل الله العمل الصالح عقب سؤاله التوفيق على شكر نعمته يعني أن الشكر باللسان وحده لا يكفي.
    ومن وسائل الشكر بالجوارح حديث " كل ابن آدم يصبح وعلى كل سلام ومفصل صدقة" فكيف يؤدي شكر 360 مفصل؟، كل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة، وعدد المفاصل 360 إذا شكرها المرء "أمسى يومه وقد زحزح عن النار".
    والصدقات كثيرة جمعها ابن رجب في شرحه الأربعين النووية"الصدقات البدنية- المالية-الخبرة من تعليم صنعة أو تصنع لأخرق- التفهيم – التعليم – الوقت – الجاه.."، فذو القرنين مثلاً علم شعباً جاهلاً صناعة السدود حتى تقيهم شر أعدائهم.
    المقصود أن المسلم عليه أن يشكر ربه بجوارحه بسائر أنواع الصدقات وكل معروف صدقة ولا يغني شكر يوم عن يوم آخر.
    وليس هناك تعارض بين شكر الله وشكر الناس، لأن الله أمر بشكر الناس ، وهو سبحانه الذي أرشدنا إلى شكر الناس إذا صنعوا لنا معروفاً أن نكافئهم وأولهم الوالدين "اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ" لقمان :14 "لا يشكر الله من لا يشكر الناس"، فليس شكر المخلوق قادحاً في شكر الخالق بل المشكلة فيمن يشكر المخلوق ولا يشكر الخالق وهذه هي المصيبة، وهناك فرق بين شكر العبد وشكر الرب، فشكر الرب فيه خضوع وذل وعبودية ولا يجوز لشكر العبد أن تعبده وإنما تعطيه شيء مقابل شيء، وتدعو له وتثني عليه ..
    شكر الله أيضاً يختلف عن شكر الناس من جهة العبودية والدرجة ومافيه من أنواع الطاعات له سبحانه وتعالى..
    والإنسان الذي لا يشكر الناس إنسان لئيم وحريٌ به أن لا يشكر الله..
    والنعم تزيد بالشكر وتحفظ من الزوال بالشكر " لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ " ابراهيم :7 "وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ " النساء :32

    من الأشياء التي تؤدي إلى الشكر:


    1- أنك تنظر إلى من هو دونك، قال صلى الله عليه وسلم : "انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة الله ".
    فمما يحفظ العبد من ترك الشكر عندما ينظر إلى من هو فوقه أن هذه قسمة الله "وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ " الانعام :165

    2- أن يعلم العبد أنه مسئول عن النعمة " ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ" التكاتر :8 ومحاسب عليها حتى الماء البارد، ومن نوقش الحساب عُذِّب.
    ويشتط الناس في فهم شكر ما أسبغ الله عليهم من النعم لدرجة أنهم يحرمون أنفسهم منها، والله رضي لنا أن نستمتع وأن نشكر "كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ " البقرة :60 ," كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ " البقرة :172
    فلا يمكن أن يكون الشكر بتحريم الحلال وهذا من مباديء الصوفية، فالله رضي لنا أن نستخدم النعم المباحات ونشكره عليها سبحانه وتعالى، ولو كان شرطاً في الانتفاع بالنعمة أداء ثمنها شكراً ؛ ما وفّت كل أعمال العباد ولا على نعمة واحدة[أبوء بنعمتك علي وأبوء بذنبي ] فتشكر الله وتعترف بالنعم وتستغفر من التقصير بشكر النعمة.
    فالحل أن نستخدم النعم فيما يرضي الله ونثني عليه ونشكره ونستغفره من التقصير في الشكر وهو تعالى رضي منا بهذا..
    وقد جاء في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام حتى تفطرت قدماه وتشققت قيل له أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟قال: "أفلا كون عبداً شكوراً!!".. فتشكر الله على المغفرة.

    ومن الوسائل أن ندعو الله أن يعيننا على الشكر" اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك", قالها لمعاذ، وسئل الرسول صلى الله عليه وسلم : أي المال نتخذ؟ فلفت نظرهم صلى الله عليه وسلم فقال: " ليتخذ أحدكم قلباً شاكراً ولساناً ذاكراً وزوجة مؤمنة تعين أحدكم على أمر دينه ودنياه".
    قال صلى الله عليه وسلم : " إن الله ليرضى على العبد أن يأكل الاكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها".
    قال الحسن البصري رحمه الله : إن الله ليمتع بالنعمة ماشاء فإذا لم يشكر عليها قلبها عذاباً ولهذا كانوا يسمون الشكر(الحافظ) لأنه يحفظ النعم الموجودة و ( الجالب) لأنه يجلب النعم المفقودة.
    هكذا يحفظ ويحصّل من علو منزلة الشكر وعظمه عند الله، ولا ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من العبد قيد النعم، فهو يقيد النعمة ألا تنقلب ولا تهرب.
    قال عمر بن عبد العزيز: "قيدوا نعم الله بشكر الله", والشكر مع المعافاة عند بعض أهل العلم أعظم من الصبر على الابتلاء.
    فقال مطرف بن عبد الله: "لأن أعافي فأشكر أحبُّ إليّ من أن أُبتلى فأصبر".
    فإذا رزقت الشكر على النعمة فإن هذا لا يقل عن الصبر على المصيبة. وقال الحسن: "أكثروا من ذكر هذه النعم فإن ذكرها شكر وقد أمر الله تعالى نبيه أن يحدث بنعمة ربه (( وأما بنعمة ربك فحدث)) والله يحب من عبده أن يرى عليه أثر نعمته فإن ذلك شكرها بلسان الحال".
    وقال أبو رجاء العطاردي: خرج علينا عمران بن حصين وعليه معطف من خزّ لم نره عليه من قبل ولا من بعد فقال: "إن رسول الله قال إذا أنعم الله على عبد نعمة يحب أن يرى أثر نعمته على عبده".
    وقال صلى الله عليه وسلم : "كلوا واشربوا وتصدقوا في غير مخيلة ولا سرف فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده" , وهنا الضابط والحد الشرعي، فإذا أردت أن تظهر نعم الله عليك فإن ذلك مقيد في عدم الخيلاء والإسراف .
    عن أبي الأحوص عن أبيه قال: أتيت رسول الله وأنا قشف الهيئة فقال هل لك من مال؟قلت نعم قال من أي المال؟ قلت من كل المال ، الإبل ، الرقيق، النعم، الخيل.. قال: [ إذا آتاك الله مالاً فليرَ عليك].
    وقال الحسن: إذا أنعم الله على قوم سألهم الشكر فإذا شكروه كان قادراً على أن يزيدهم وإذا كفروه كان قادراً على أن يبعث عليهم عذاباً.
    وقد ذم الله الكنود وهو الذي لا يشكر نعمه ، قال الحسن: "إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ" العاديات :6 أي يعد المصائب وينسى النعم.
    وفي النساء أظهر، فلو أحسنت إلى إحداهن الدهر وطيلة العمر ثم رأت منك تقصيراً قالت مارأيت منك خيراً قط!، وهذا ظلم ، والنساء أكثر أهل النار لأنهم يكفرن العشير، وإذا كان ترك شكر نعمة الزوج يؤدي إلى جهنم فما حال من يكفر نعمة الله..؟!!



    يا أيها الظالم في فعله


    والظلم مردود على من ظلم


    إلى متى أنت وحتى متى


    تشكو المصيبات وتنسى النعم


    والتحدث بالنعم شكر وتركها كفر ومن لا يشكر القليل لا يشكر الكثير ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله.
    قرأ الرسول صلى الله عليه وسلم على أصحابه سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا فقال لقد قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن مردوداً منكم فلما قرأت "فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ "الرحمن :13 قالوا: لا شيء من نعمك ربنا نكذب ربنا ولك الحمد..
    وقال شُريح: وما أصيب عبد بمصيبة إلا كان لله عليه فيها ثلاث نعم:


    1- ألا تكون في دينك.


    2- أنها لا تكون أعظم مما كانت.


    3- أنها لابد كائنة فقد كانت.
    " مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ,لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ " الحديد :22:23
    كان عمر بن عبد العزيز إذا قلّب بصره في نعمة أنعمها الله عليه قال: " اللهم إني أعوذ بك أن أبدّل نعمتك كفراً وأن أكفرها بعد أن عرفتها وأن أنساها ولا أثني بها"، لأن الله ذم الذين بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار.
    والنبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رُفعت مائدته قال: " الحمد لله الذي كفانا وأروانا غير مكفيٍّ ولا مكفور، الحمد لله ربنا غير مكفي ولا مودّع ولا مستغنٍ ربنا".
    وكذلك من شكر النعم المتجددة أنك تسجد سجود الشكر وفي ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه أمر فسرّ به فخرّ لله ساجداً، وأبو بكر لما جاءه قتل مسيلمة المرتد الذي ألب عليه العرب وأشد الناس على المسلمين خرّ لله ساجداً، وعلي رضي الله عنه لما رأى ذا الثدية في الخوارج أسود مخدّج مقطوع اليد عند العضد مثل حلمة المرأة، وأنه علامة وآية أنه سيقاتل الخوارج أمرهم فبحثوا في جثث القتلى وأخرجوه ؛ سجد علي رضي الله عنه شكراً لله. وكعب بن مالك سجد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لما بشر بتوبة الله عليه.
    والسنة لم ترد بسجود الشكر يومياً لكنها وردت في النعم المتجددة والتي تذكر بالنعمة المستديمة، ولأن هذه النعم المتجددة العظيمة لها وقع في النفوس والقلوب أعلق بها وأهنأ والإنسان يُعزّى بفقدها فإن ما توجبه من فرح النفس وانبساطها والذي يدفع الأشر والبطر عند نزول النعمة فجأة.

    ومن النعم المتجددة كما يقول أحد السلف: بشّرت الحسن بموت الحجاج وهو مختفٍ فخرّ لله ساجداً،فموت ظالم نعمة و ولادة مولود ، وجاء الخبر في الانتصار.
    قال ابن القيم: " الدين نصفان، نصف شكر ونصف صبر، فهو قاعدة كل خير، والشكر مما يحبه الله فهو يحب أن يُشكر عقلاً وشرعاً وفطرةُ"، فوجوب شكره أظهر من كل واجب، وقد فاوت الله بين عباده بالنسبة للنعم الظاهرة والباطنة وفي خلقهم وأخلاقهم و أديانهم وأرزاقهم ومعايشهم. لذلك فقد روى الإمام أحمد في كتاب الزهد: " قال موسى هلاّ سويت بين عبادك قال إني أحببت أن أشكر"، فالتفاوت بين العباد يؤدي إلى الشكر.
    وقد تنازع أهل العلم بين الفقير الصابر والغني الشاكر، أيهما أفضل في كلام طويل، والظاهر أن كل واحد في حق صاحبه أفضل، فالشطر في حق الغني أفضل والصبر في حق الفقير أفضل.


    أسئلة من درس الشكر


    كيف نوفق بين " وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ " الضحى : 11 ,و "استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود"؟
    إظهار النعم عام، كيف يحدث بنعم الله قولاً وفعلاً بأن يظهرها وأن الإظهار ليس فيه إسراف ولا خيلاء ولا كسر لنفوس الفقراء، وأن لا يغترّ بها ، كذلك إن وُجد حاسد فله أن يكتم النعمة عنده فهذا خاص. فإذا وجد حاسد فكتمانها لأجل الحسد وليس كفران بالنعمة.


    ما هو الفرق بين الحمد والشكر؟
    الحمد يتضمن مدح المحمود والثناء عليه بذكر محاسنه ولو لم يحسن إليك بشيء لأنه مستحق للحمد بصفاته، ويكون باللسان أكثر ما يكون بغيره، والشكر لمن أحسن إليك و إحسان الشاكر إلى المشكور يكون بالقلب واللسان والجوارح.


    كيف نجمع بين شكر الله على الإيجاد وتمني أبو بكر لو كان طيراً؟
    أبو بكر رضي الله عنه قال ذلك لما عرض عليه الخوف من الله، قالها خوفاً من ربّه وليس في سائر أحواله.


    هل الحمد بعد العطاس واجب؟
    قال بعض العلماء بوجوبه لوروده في الحديث بصيغة الأمر"فليقل الحمد لله وليقل صاحبه يرحمك الله " .

    ماذا عن شكر المفاصل؟
    إذا لم يستطع فإن ركعتي الضحى تجزيان عن ذلك وتصلى ركعتان أو أربع أو ستة أو ثمانية أو اثنتا عشرة، من بعد ارتفاع الشمس إلى قبيل الظهر قبل أن تسير الشمس في وسط السماء، وقبل أذان الظهر برُبع ساعة.




    هل هناك تسليم في سجود الشكر؟

    لا، بل يخرّ ساجد ثم يرفع.


    هل المال والأولاد نعمة وهم فتنة؟

    نعم" الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا " الكهف:46، والنعم كلها ممكن أن يفتن بها إذا استعملت في معصية الله.[/quote]

    التعديل الأخير تم بواسطة محبة المساكين ; 06-12-2011 الساعة 01:35 AM سبب آخر: تنسيق الموضوع

  6. #6


    تاريخ التسجيل : Nov 2011
    رقم العضوية : 107803
    الجنس: أنثى
    المشاركات : 35
    التقييم : 1456
    فريق عمل تفريغ الدروس غير متواجد حالياً

    رد: سلسلة اعمال القلوب للشيخ محمد صالح المنجد

    **الدرس السادس**
    *الرضا*
    · عمل عظيم من أعمال القلوب و من رؤوسها .
    الرضا : ضد السخط " اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك " .
    الرضا : يقال ( في عيشةٍ راضيةٍ ) ، أي : مرضيةٍ ذات رضا .
    الرضوان : الرضا الكثير .
    الرضا في الشرع : رضا العبد عن الله : أن لا يكره ما يجري به قضاؤه ، و رضا الله عن العبد أن يراه مؤتمراً بأمره منتهياً عن نهيه .
    أرضاه : أي أعطاه ما يرضى به ، و ترضَّاه : أي طلب رضاه .
    إذا العجوز غضبت فطلِّقِ و لا ترضَّاها و لا تملَّقِ
    و لمَّا كان أعظم رضا هو رضا الله سبحانه و تعالى ؛ خُصَّ لفظ الرضوان بما كان من الله عز وجل "يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا " الحجرات:29و قال عز و جل :"يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ"التوبه:21. و إذا نظرنا إلى هذا الرضا في القرآن فإننا سنجده في عدد من المواضع . . .
    1)قال الله عز و جل في العمل ابتغاء مرضاته سبحانه :" وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ"البقره:207، يشري نفسه : يبيع نفسه بما وعد الله به المجاهدين في سبيله ، ابتغاء مرضاة الله : أي أن هذا الشاري يشري " يكون مشترياً حقاً"
    إذا اشترى طلب مرضاة الله . .
    كذلك في الصدقات ، قال تعالى : "وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ"البقره:265أي : يتصدقون بها و يحملون في سبيل الله و يقوّون أهل الحاجة من الغزاة و المجاهدين طاعةً لله و طلباً لمرضاته . .
    و قال الله عن الذين يعملون أعمال البر ابتغاء رضاه . .
    "لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا "النساء:114، فأخبر تعالى عن عاقبة هذا بقوله : " فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا "إذا فعله ابتغاء مرضاة الله . .
    و قد رضي الله الإسلام ديناً لهذه الأمة ، فهذا مما رضيه سبحانه . .
    " الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا"المائدة:3
    أي : رضيتُ لكم أن تستسلموا لأمري و تنقادوا لطاعتي على ما شرعته لكم و أن تستسلموا لشرعي و تنقادوا إليه طاعةً منكم لي و كذلك قوله تعالى : " يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ"المائدة:15-16 فيهدي سبحانه بهذا الكتاب المبين و يرشد و يسدِّد . .
    و الرضا من الله سبحانه و تعالى أن يقبل العبد و هو مدح و ثناء ، و كذلك فإنه عز و جل يرضى عنه و يقتضي رضاه على العبد الثناء عليه ومدحه . .
    و قال عز و جل عن المنافقين و هم يحلفون الأيمان . .
    " يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ "التوبه:62.فهؤلاء المنافقين يريدون بالأيمان الكاذبة الخداع ، و يريدون الكيد للمسلمين و يحلفون الأيمان الفاجرة أنهم لا يريدون شراً بالمسلمين و أنهم لا يريدون المكيدة لهم ، و لكنّ الله أبى أن يقبل المسلمون منهم هذا . . و لو أنهم كانوا صادقين لأرضوا ربهم تبارك و تعالى و ليس أن يسعوا في إرضاء المخلوقين . .
    و كذلك فإن الله سبحانه ذكر في كتابه العزيز الذي يبني المساجد ابتغاء مرضاة الله ..
    " أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ "التوبه:109فهؤلاء الذين بنوا المساجد خير أيها الناس عندكم من الذين ابتدؤوا البناء على اتقاء الله بطاعته في بنائه و أداء فرائضه و رضا من الله لبنائهم ، فما فعلوه هو خير لهم . أما الذين ابتدؤوا بناءهم على شفا جرف هار فستكون عاقبتهم في النار ، فأيّ الفريقين خيرٌ إذاً ؟!!
    كذلك أثنى الله على الفقراء المهاجرين الذين خرجوا من مكة إلى المدينة و تركوا ديارهم و أموالهم يبتغون فضلاً من الله و رضواناً و كذلك أراد الله أن يولّي نبيه قِبلة يرضاها فجعل يحوّل النبي صلى الله عليه و سلم و يصرف بصره في السماء يتمنى أن تحوّل القِبلة من بيت المقدس إلى الكعبة حتى أنزل الله " فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا"البقره:144 أي : فلنصرفنّك عن بيت المقدس إلى قِبلة تهواها و تحبّها .
    أداء الواجبات سبيل إلى رضوان الله عز و جل . .
    " الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ"التوبه:20. . و النتيجة ؟" يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ"التوبه:21-22
    وكذلك الصبر على الطاعة و العبادة يؤدي إلى حصول الرضا من العبد على الرب و من الرب على العبد ، و من العبد عن الرب و من الرب عن العبد . .
    "
    فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى"طه:130و الله يرضي أهل الإيمان و الدين لَمَّا ضحَّوا في سبيله ، يرضيهم و يعطيهم يوم القيامة حتى يأخذوا كل ما كانوا يرجونه و زيادة . .
    " وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (58) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ"الحج:58-59و إن الصحابة لما جاهدوا في سبيله و اتبعوا نبيه و دافعوا عن شريعته و نشروا دينه و بلّغوا شريعته . .
    " لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا"الفتح:18و هؤلاء الذين هاجروا في سبيل الله لا يوادّون من حادّ الله و رسوله و لو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان و أيّدهم بروحٍ منه و يدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم و رضوا عنه ..
    فالرضا هنا متبادل بين الرب و العبد . .
    و يوم القيامة ستكون العيشة الراضية عاقبة هؤلاء و أهل اليمين ، قال تعالى : " فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ"الحاقه:19-21و قال تعالى : " وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (8) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ "الغاشيه:8-9، و قال تعالى : " يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً "الفجر:27-28، و قال تعالى" وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (21) "الليل:17-21و قال تعالى" فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ"القارعه:6-7رضا الله عز و جل أعلى مطلوب للنبيّين و الصديقين . .
    " ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا"مريم:2-6
    "
    وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا"مريم:54-55ماذا فعل موسى عندما استعجل لقاء الله ؟! و لماذا استعجل ؟!!
    " وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (83) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى"طه:83-84.. استعجل الخير و اللقاء لينال رضا الله . .
    و كذلك سليمان عليه السلام لما سمع كلام النملة تبسم ضاحكاً من قولها ، و قال :
    " رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا"الاحقاف:15
    وكذلك فإن هذا الإنسان الذي يبلغ أشده و يبلغ أربعين سنة يقول صاحبه :
    " رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا"الاحقاف:15و هذا مطلوب الصحابة لمّا عبدوا الله يبتغون فضلاً من الله و رضواناً ..
    و يوم القيامة : الفئة هذه المرضيّ عنها هي التي تشفع و الذين لا يرضى الله عنهم ليسوا من أهل الشفاعة . .
    " يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا"طه:109فأهل رضاه يشفعون . .
    و قال عز و جل : " وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى"الانبياء:28و شرع الله لنا ديناً يرضيه لنا " وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ"النور:55
    و من الأمور التي ينبغي على العبد : أن يرضى بما قسم الله له . .
    و يعمل الزوج لكي ترضى زوجاته عن عيشهنّ بالعدل بينهنّ " تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آَتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ"الاحزاب:51إذا انتقلنا إلى سنّة النبي صلى الله عليه و سلم ، نجد طائفة من الأحاديث عن الرضا :
    أخبر أن الله يرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها و يشرب الشربة فيحمده عليها .
    .
    أخبر أن الله رضي لنا أن نعبده لا نشرك به شيئاً و أن نعتصم بحبله و ألا نتفرق ، و كره لنا قيل و قال و كثرة السؤال و إضاعة المال .
    ·
    أخبر أن رضا الرب في رضا الوالد .
    ·
    أخبر أن السواك مطهرة للفم و مرضاة للرب .
    ·
    أخبر أن من التمس رضا الله بسخط الله رضي الله عنه و أرضى عنه الناس .
    ·
    أخبر أن ملائكته تلعن المتمردة على زوجها الناشزة عن فراشه حتى يرضى عنها .
    ·
    أخبر أنه عندما مات ولده لا يقول إلا ما يُرضي الرب ، فلما مات إبراهيم جعلت عيناه تذرفان ، ثم أتبع الدمعة بدمعةٍ أخرى ، و قال : "إن العين لتدمع ، و إن القلب ليحزن ، و لا نقول إلا ما يُرضي ربنا ، و إنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون".
    ·
    علّمنا في السجود في الدعاء .
    "
    نستعيذ برضا الله من سخطه"هذا الرضا شأنه عظيم و أمره كبير و منزلته في الدين عالية ..
    هذا الرضا عليه مدار أمورٍ كثيرةٍ من الأمور الصالحات ، هذا الرضا الذي هو من منازل السائرين و السالكين ، ما حكمه ؟هل هو واجبٌ ؟! أم مستحبٌ ؟!
    قال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله : و أما الرضا فقد تنازع العلماء و المشايخ من أصحاب الإمام أحمد و غيرهم في الرضا بالقضاء ، هل هو واجبٌ أو مستحبٌ على قولين : فعلى الأول يكون من أعمال المقتصدين ، و على الثاني يكون من أعمال المقرَّبين . و الخلاصة : أن أصل الرضا واجب و منازله العليا مستحبّة .
    و الرضا له أصلٌ و مراتبٌ أعلى من الأصل . .
    فيجب الرضا من جهة الأصل"فالذي ليس عنده رضا عن الله و الدين و الشرع و الأحكام فهذا ليس بمسلم"..
    فلابد لكلِّ مسلمٍ موحّدٍ يؤمن بالله و اليوم الآخر من درجةٍ من الرضا ، أصل الرضا لابد أن يكون متوفّراً ؛ لأنه واجبٌ .. فقد قال صلى الله عليه و سلم : "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً و بالإسلام ديناً و بمحمد نبياً"
    قال تعالى :"فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا "النساء:65." و هذا هو الرضا"" وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ"التوبه:59.." ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ"محمد:28
    حتى المنهيّات لابد أن نفهم ما معنى الرضا بالمنهيّات ؟!
    لا يُشْرَع الرضا بالمنهيّات طبعاً..
    كما لا تُشْرَع محبتها ؛ لأن الله لا يرضاها و لا يحبها..
    و الله لا يحب الفساد و لا يرضى لعباده الكفر .. و هؤلاء المنافقين يُبَيّتون ما لا يرضى من القول ، بل اتبعوا ما أسخط الله و كرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم . .
    فالرضا الثابت بالنص هو أن يرضى بالله رباً و بالإسلام ديناً و بمحمدٍ صلى الله عليه و سلم نبياً ،يرضى بما شرعه الله لعباده من تحريم حرامٍ أو إيجاب واجبٍ أو إباحة مباحٍ ، يرضى عن الله سبحانه و تعالى و يرضى عن قضائه و قدره و يحمده على كل حالٍ و يعلم أن ذلك لحكمةٍ ، و إن حصل التألم بوقوع المقدور ..
    فإن قال قائل : لماذا يحمد العبدُ ربَّه على الضراء ؟ إذا مسّه الضراء ؟.. فالجواب من وجهين :
    1)أن تعلم أن الله أحسنَ كل شيءٍ خلَقه و أتقنَه ، فأنت راضٍ عما يقع في أفعاله؛ لأن هذا من خلقه الذي خلقه ، فالله حكيم لم يفعله إلا لحكمةٍ .
    2)أن الله أعلم بما يصلحك و ما يصلح لك من نفسك ، و اختياره لك خيرٌ من اختيارك لنفسك .
    قال صلى الله عليه و سلم :"و الذي نفسي بيده لا يقضي الله لمؤمنٍ قضاءً إلا كان خيراً له" و ليس ذلك إلا للمؤمن " ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً "
    فهذا حديثٌ عظيمٌ : فالمسلم في أذكار الصباح و المساء و في أذكار الأذان بعد " أشهد أن محمداً رسول الله " الثانية يقول : "رضيتُ بالله رباً و بالإسلام ديناً و بمحمد نبياً"
    رضا بربوبيته سبحانه و رضا برسوله صلى الله عليه و سلم و الانقياد و التسليم و لذلك من حصلت له هذه الأمور الأربعة : الرضا بربوبيته و ألوهيته سبحانه و الرضا برسوله و الانقياد له و الرضا بدينه و التسليم له فهو الصدِّيق حقاً..
    و هي سهلةٌ بالدعوى ، و لكن ما أصعبها عند الامتحان !!!
    أما الرضا بالله :فيتضمّن الرضا بمحبته وحده و الرضا بعبادته وحده أن تخافه وحده ترجوه و تتبتّل إليه و تتذلل إليه عز و جل و تؤمن بتدبيره و تحب ذلك و تفرده بالتوكل عليه و الاستعانة به و تكون راضياً عما يفعل عز و جل فهذا رضا بالله ..
    ترضى بما قدّر و حكم .. حَكَم أن الزنا حرامٌ ، و أن الربا حرامٌ ، و أن بر الوالدين واجبٌ ، و أن الزكاة فرضٌ ، فيجب أن ترضى بحكمه..
    قدّر عليك أشياء من فقرٍ ، و ضيق حالٍ ، فيجب أن ترضى ..
    الرضا بمحمدٍ صلى الله عليه و سلم نبياً :أن تؤمن به و تنقاد له و تستسلم لأمره و يكون أولى بك من نفسك ، و أنه لو كان موجوداً صلى الله عليه و سلم و وجِّهَ إليه سهمٌ وجب عليك أن تتلقاه عنه و أن تفتديه بنفسك ، و أن تموت فداءً له .
    و ترضى بسنّته فلا تتحاكم إلا إليها ..
    ترضى بسنّته فلا ترجع إلا إليها و لا تُحَكِّم إلا هي ..
    الرضا بالإسلام ديناً :فما في الإسلام من حكمٍ أو أمرٍ أو نهيٍ فإنك ترضى عنه تماماً و ليس في نفسك أيّ حرجٍ و تُسَلِّم تسليماً كاملاً لذلك و لو خالف هواك و لو كان أكثر الناس على خلافه و لو كنتَ في غربةٍ و لو كانت عليك الأعداء مجتمعون فيجب أن ترضى بأحكام الدين و تسعى لتنفيذها و إن خالفتَ العالم..
    سؤال / الرضا هل هو شيءٌ موهبيٌّ أم كسبيٌّ ؟ أي : هل يُوهَبُ من الله أم يمكن للعبد تحصيله ؟ هل هو فطريٌّ أم العبد يُحَصِّل هذا بالمجاهدة و رياضة النفس إذا روَّض نفسه ؟!!
    الرضا كسبيٌّ باعتبار سببه ، موهبيٌّ باعتبار حقيقته ..
    فإذا تمكن العبد في أسباب الرضا و غرس شجرة الرضا في قلبه جنى الثمرة ..
    لأن الرضا آخر التوكل ..
    بعدما يعجز التوكل يأتي الرضا ..
    و الذي ترسخ قدمه في طريق التوكل ينال الرضا ..
    لأن بعد التوكل و التسليم و التفويض يحصُل الرضا ، و بدونها لا يحصل الرضا ،
    و لذلك لو قال أحدهم : نريد تحصيل الرضا ، نقول له : يجب أن يكون لديك توكلٌ صحيحٌ و تسليمٌ و تفويضٌ ثم ينتج الرضا بعد ذلك ..
    و لذلك لم يُوجِب الله على عباده المنازل العالية من الرضا ؛ لأن ذلك شيءٌ صعبٌ جداً ، و أكثر النفوس ربما لا يحصُل لها ذلك ..
    فالله ندب إليه و لم يوجبه "ليس أساس الرضا و إنما ما فوق ذلك"..
    فإذا حصل للعبد شيءٌ فإنه لابد أن يكون محفوفاً بنوعيه من الرضا : رضا قبله ، و رضا بعده ..
    و كذلك الرضا من الله عز و جل عن العبد إنما هو ثمرة رضا العبد عن الرب سبحانه ، فإذا رضيتَ عن الله رضي الله عنك ..
    و الرضا باب الله الأعظم و جَنة الدنيا و مُسْتَراح العارفين و حياة المحبين و نعيم العابدين و هو من أعظم أعمال القلوب ..
    قال يحيى بن معاذ لما سئل :" متى يبلغ العبد إلى مقام الرضا ؟ قال : إذا أقام نفسه على أربعةِ أصولٍ يُعامِل بها ربه ..
    يقول : إن أعطيتني قبلتُ ، و إن منعتني رضيتُ ، و إن تركتني عبدتُ ، و إن دعوتني أجبتُ ."..
    و الرضا إذا باشر القلب ؛ فإنه يدل على صحة العلم و ليس الرضا و المحبة كالرجاء و الخوف ، فمن الفروق أن أهل الجنة مثلاً لا يخافون في الجنة و لا يرجون مثل رجاء الدنيا .. لكن لا يفارقهم الرضا أبداً ..
    فإن دخلوا الجنة فارقهم الخوف " فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ"البقره:38
    في الدنيا هناك خوف .. إذا دخلوا الجنة زال الخوف .. أما الرضا فلا يزول .. خارج الجنة و داخلها .. الرضا موجودٌ ..
    الخوف و الرجاء في الدنيا ليس موجوداً عند أهل الجنة يفارقون العبد في أحوال..
    أما الرضا فلا يفارق العبد لا في الدنيا و لا في البرزخ و لا في الآخرة و لا في الجنة ، ينقطع عنهم الخوف ؛ لأن الشيء الذي كانوا يخافونه أمِنوه بدخولهم الجنة ، و أما الشيء الذي كانوا يرجونه فقد حصل لهم ، أما الرضا فإنه لا يزال معهم و إن دخلوا الجنة : معيشتهم راضيةٌ و هم راضون ، و رضوا عن الله ، و راضون بثوابه و ما آتاهم في دار السلام ..
    هل يشترط أن الرضا إذا حصل لا يكون هناك ألمٌ عند وقوع مصيبة ؟!
    الجواب : ليس من شروط الرضا ألا يحس العبد بالألم و المكاره ، بل من شروط الرضا عدم الاعتراض على الحكم و ألا يسخط ، و لذلك فإن الرضا لا يتناقض مع وجود التألم و كراهة النفس لما يحصل من مكروه ..
    فالمريض مثلاً يرضى بشرب الدواء مع أنه يشعر بمرارته و يتألم لمرارته ، لكنه راضٍ بالدواء مطمئنٌ بأخذه مقبلٌ على أخذه ، لكنه في ذات الوقت يَطْعَم مرارة الدواء ..
    الصائم رضي بالصوم و صام و سُرَّ بذلك .. لكنه يشعر بألم الجوع .. هل بشعوره بألم الجوع يكون غير راضٍ بالصيام ؟! لا .. هو راضٍ بالصيام و يشعر بالجوع ..
    المجاهد المخلص في سبيل الله راضٍ عند الخروج للجهاد .. و مُقْدِمٌ عليه .. مقتنع به ..
    لكن يحس بالألم .. و التعب .. و الغبار .. و النعاس .. و الجراح ..
    إذاً لا يشترط أن يزول الألم و الكراهية للشيء إذا حصل الرضا ، لكن بعض أصحاب المقامات العالية جداً يستلذّون بالألم إذا حصل في الجهاد أو الصيام ..
    لكن لا يشترط أن الفرد إذا أحس بالألم في العبادة أن يكون غير راضٍ .. ليس شرطاً .,.
    و طريق الرضا طريقٌ مختصرٌ قريبةٌ جداً ، لكن فيها مشقةٌ ، و ليست مشقتها أصعب من مشقة المجاهدة ، و لكن تعتريها عقبتان أو ثلاث : 1)همةٌ عاليةٌ ،
    2)نفسٌ زكيّةٌ ، 3) توطين النفس على كل ما يَرِدُ عليها من الله تعالى ..
    و يسهُل ذلك على العبد إذا عرف ضعفه و قوة ربه ، و جهله و علم ربه ،
    و عجزه و قدرة ربه .. و أن الله رحيمٌ شفيقٌ به ، بارٌّ به ، فهو البرُّ الرحيم ..
    فالعبد إذا شهد هذه المقامات رضي، فالله عليمٌ حكيمٌ وهو رؤوفٌ ، وهو أعلم بما يُصْلِح العبد من العبد ، و توقن أن ما اختاره لك هو الأفضل و الأحسن ..
    عباراتٌ أحياناً ترد لكن الإنسان إذا آمن بها وصل إلى المطلوب ..
    أحياناً هناك مقاماتٌ إيمانيةٌ يبلغها الإنسان بقلبه و يأخذ بها أجراً عظيماً يرتقي بها عند الله وهي عبارةٌ عن تفكّراتٍ " يفكّر فيها فيهتدي إليها فيأخذ بها فيحصل على المطلوب فلم يبذل جهداً بل هي أشياءٌ تأمليةٌ" ..
    فالتفكّر من أعظم العبادات ...
    فإذا تفكّر العبد أن ما يختاره له ربه هو الأحسن و الأفضل ..
    فإذا آمن بها الإنسان رضي ..
    و تحصيل الرضا غير معقّدٍ .. كيف ؟!
    أن تؤمن بأن ما اختاره الله لك وقدّره عليك هو أحسن شيءٍ لك .. سواءً كان موتُ ولدٍ أو مرضٍ أو تركُ وظيفةٍ ..
    لكن أنت قد تجهل لماذا هو أحسن شيءٍ !! أنت لا تعلم لماذا لو أعطاك ليس مصلحتك !!
    أنت في حال الفقر لا تعلم لماذا ليس في مصلحتك أن تحصّل المال .. و هكذا ..
    فنتيجة إذا اعترف العبد بجهله و آمن بعلم ربه و أن اختياره له أولى و أفضل
    و أحسن من اختياره لنفسه ..
    وصلنا إلى الرضا ..
    فطريق المحبة و الرضا تسير بالعبد و هو مستلقٍ على فراشه فيصير أمام الركب بمراحل !!
    هناك أناسٌ يعملون و يجهدون و صاحب الرضا بعبادته القلبية يسبقهم بمراحل ،
    و هم من خلفه مع أنه على فراشه و هم يعملون ؛ لأنه راضٍ عن الله و يتفكّر في هذا الأمر و يؤمن به فيقترب من الله و أناسٌ لم يصلوا لهذا المستوى و يعملون و يجهدون ...
    لذلك أعمال القلوب مهمةٌ جداً ؛ لأن المرء يمكن يبلغ بها مراتب عند الله و هو قاعدٌ ..
    و هذا لا يعني ألا يعمل و لا يصلي ..
    و قد يكون هناك أناسٌ آخرين أكثر منه عملاً ( صيام ــ صدقة ــ حج ) ، لكنهم أقل منه درجةً ..
    لماذا ؟!!
    لأنك بهذا العلم بأعمال القلوب قد تحصّل مراتب عند الله أكثر منهم ؛ لأن عمل القلب نفسه يرفع العبد في كثيرٍ من الأحيان أكثر من عمل الجوارح
    فأبو بكر ما سبق أهل هذه الأمة لأنه أكثرهم صلاةً و قياماً في الليل ... هناك أناسٌ أكثر منه في عمل العبادات و الجوارح ... لكن سبقهم بشيءٍ وَقَرَ في نفسه ..
    الرضا عن الله لو تحققت في صدر العبد ؛ تميز بين مستويات العباد و ترفع هذا فوق هذا .. ينبغي التفطّن لها .. كما تعمل بالجوارح هناك أعمال قلوبٍ لا تقل أهميةً بل هي أعلى منها ، مع الجمع بين الواجب من هذا و ذاك ..
    و لكن قد يدرك الإنسان أحياناً بتفطّنه و تأمله و تفكّره و إيمانه مراتب أعلى من الذي أكثر منه عملاً بالجوارح .. و لذلك يقول ابن القيّم :" فطريق الرضا و المحبة تسيّر العبد و هو مستلقٍ على فراشه فيصبح أمام الركب بمراحل " و هو على فراشه " ..
    الرضا مقاماتٌ فمنها :
    3)الرضا بما قسم الله و أعطاه من الرزق و هذا ممكنٌ يجيده بعض العوامّ ..
    و المرتبة الأعلى :
    2)الرضا بما قدّره الله و قضاه ..
    و مرتبةٌ أعلى من هذه ..
    1)أن يرضى بالله بدلاً من كل ما سواه ..
    هذه منازل قد يأتي البعض بواحدةٍ و لا يقدر على الأخرى ، و قد يأتي البعض بجزءٍ من الدرجة .. و لا يحقق كل الدرجة ..
    قد يرضى عن الله فيما قسم له من الزوجة و لا يرضى بما قسم له في الراتب .. مثلاً ..
    قد يصبر على سرقة المال .. و لا يصبر على فقد الولد ..
    و أما أن الإنسان يرضى بالله عن كل ما سواه ، معنى ذلك أن يهجر كل شيءٍ لا يؤدي إلى الله ( ملاهٍ ــ ألعاب ــ أمورٌ مباحةٌ لا تقود إلى الله ) فالمشتغل بها لا يعتبر أنه رضي بالله عن كل ما سواه .. هذه حالةٌ خاصةٌ لشخصٍ مع الله دائماً، كل شيءٍ أي عملٍ أي حركةٍ أي سكنةٍ كلها طريقٌ إلى الله تؤدي إلى مرضاة الله .
    درجات الرضا :
    منها الرضا بالله رباً و تسخّط عبادة ما دون الله ، و هذا قطب رحا الإسلام لابد منه ، أن ترضى بالله و لا ترضى بأي إلهٍ آخر .. "بوذا .. ما يعبده المشركون .. اليهود .. النصارى "، لم يتخذ غير الله رباً يسكن إليه في تدبيره و ينزل به حوائجه ..
    و هذا محرومٌ منه غلاة الصوفية المشركون عبّاد القبور، فينزلون حوائجهم بالأولياء و الأقطاب و يسألونهم و يستغيثون بهم و يتوكّلون عليهم و يرجون منهم ما لا يقدر عليه إلا الله ..
    لو آمنوا بالله حقاً لطلبوا المدد من الله و لم يذهبوا إلى المخلوقين في قبورهم ، يقولون :
    يا فلان المدد ، يا فلان أغثنا ..!!
    ثم يأتي الصوفية و يقولون : نحن متخصّصون بالقلوب و قد ضيّعوا الأساس ..!!
    "قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ "الانعام:164قال ابن عباس : " يعني سيداً و إلهاً ، فكيف أطلب رباً غيره و هو ربُّ كل شيءٍ ؟!! "
    " قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ "الانعام:14.يعني : أ غير الله أتخذ معبوداً
    و ناصرا و مُعيناً و ملجأً ؟!!
    ولياً من الموالاة التي تتضمّن الحب و الطاعة ..
    " أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا "الانعام:114.هل أرضى بحَكَمٍ آخر يحكم بيني و بينكم غير الله بكتابه و سنّة نبيه صلى اله عليه و سلم ..
    فلو قال أحدهم : أنا أرضى بالقانون الوضعيّ يحكم بيننا .. هذا لا يمكن أن ينطبق عليه أنه يؤمن بالله ربا ..!! إذاً هناك أناسٌ يدّعون الرضا بالله ثم يخالفون في تعاملاتهم قاعدةً و أساساً من أعظم الأسس ..، فإذا رضيت بالله رباً : يجب أن ترضى به حَكَماً (( إنِ الحُكْمُ إلا لله )) و من خصائصه سبحانه : أن التحكيم و الحُكْمَ له سبحانه وحده ..
    ثم إذا تأملتَ هذه الأمور عرفتَ أن كثيراً من الناس يدّعون الرضا بالله رباً و بالإسلام ديناً و بمحمدٍ نبياً ثم هنا يخالفون حكم الله و يرضون بحكم غيره و يخالفون السنّة و هناك يميلون و يوالون أصحاب دياناتٍ أخرى ، فأين هم من هذه الثلاثة ؟؟!!
    و القرآن مليءٌ بوصف المشركين أنهم اتخذوا من دون الله أولياء !! من تمام الإيمان صحة الموالاة و مدار الإسلام على أن يرضى العبد بعبادة الله وحده و يسخط عبادة غيره ..،
    و الفرق بين الرضا بالله والرضا عن الله :
    أ ــ الرضا بالله : تحدثنا عنه .بأنه الله و أنه المعبود فقط لا غيره و أن الحكم له فقط لا لغيره و أن نرضى بما شرع .و لا يمكن أن يدخل فيه المؤمن و الكافر معاً. لا يكون إلا للمؤمن ..
    ب ــ الرضا عن الله : أي : ترضى بما قضى و قدّر .. تكون راضياً عن ربك فيما أحدث لك و خلَق من المقادير .. و يدخل فيه المؤمن و الكافر ..
    فلابد من اجتماع الأمرين معاً : الرضا بالله و لرضا عن الله ، و الرضا بالله أعلى شأناً و أرفع قدراً ؛ لأنها مختصّةٌ بالمؤمنين . و الرضا عن الله مشتركةٌ بين المؤمن و الكافر ؛ لأن الرضا بالقضاء قد يصح من المؤمن و الكافر ، فقد تجد تصرّف كافرٍ فتقول : هذا راضٍ بالقضاء و مسلّم و لا اعتراض عنده ، لكنه لم يرضَ بالله رباً .
    فالرضا بالله رباً آكد الفروض باتفاق الأمّة .. فمن لا يرضى بالله رباً فلا يصح له إسلامٌ و لا عملٌ ..
    الرضا عن الله .. الرضا بالقضاء .. ما حكمه ؟!
    يجب التفصيل أولاً في قضيّة القضاء :
    1)قضاءٌ شرعيٌّ :و هو ما شرعه الله لعباده " وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا "الإسراء:23.قضى علينا و شرع .. قد يلتزم العباد به و قد لا يلتزمون به ..
    2)قضاءٌ كونيٌّ :كُنْ فيكون .. إذا قضى الله بموتِ شخصٍ .. أو مرضٍ .. أو شفاءٍ .. أو غنىً .. أو فقرٍ .. أو نزولِ مطرٍ .. إذا قضاها فلا رادّ لقضائه ، قضاءٌ كونيٌّ .. لا يستخلف .. لابد أن يقع .. كُنْ فيكون ..
    فبالنسبة للقضاء الشرعي أن يكون عندنا رضا به قطعاً و هو أساس الإسلام و قاعدة الإيمان .. لابد أن نرضى بدون أي حرجٍ و لا منازعةٍ و لا معارضةٍ ..
    " فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا"النساء:65
    لكن الرضا بالمقادير التي تقع ، هناك فرقٌ بين الرضا و الصبر ، الرضا بالمقدور
    و الصبر على المقدور .. الرضا درجةٌ أعلى من الصبر ..
    ليس الرضا عمليةً سهلةً .. و على ذلك يُحْمَل كلام من قال من العلماء إن الرضا ليس بواجبٍ في المقدور ..
    الله لم يوجب على عباده أن يرضوا بالمقدور" المصائب "؛ لأن هذه الدرجة لا يستطيعها كل العباد ، و لكن أوجب عليهم الصب ، و هناك فرقٌ بين الرضا و الصبر ..
    قد يصبر الإنسان و هو يتجرّع المرارة و ألم المصيبة ، و يمسك نفسه و يحبسها عن النياحة و شقّ الجيب أو قول شيءٍ خطأٍ ، فنقول : هو صابرٌ ..
    لكن هل وصل إلى مرحلة الرضا ؟!!
    يعني هل وصل إلى مرحلة الطمأنينة و الرضا بهذه المصيبة ؟!!
    ليس كل الناس يصلون إلى هذا ..
    لا يجوز لطم الخدود و لا النياحة و لا شقّ الجيب ؛ لأن هذا ضد الصبر الواجب، فالرضا لم يوجبه الله على كل عباده .. لكن من وصل إلى الرضا شأنه عظيمٌ ..
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : "الرضا بالقضاء ثلاثة أنواعٍ :
    1
    ــ أحدها : الرضا بالطاعات : و حكمها طاعةٌ ..
    2
    ــ الرضا بالمصائب : فهذا مأمورٌ به ، فهو إما واجبٌ أو مستحبٌّ ..
    أما الواجب : فهو ما يوازي الصبر و هو الدرجة الأولى من الرضا ..
    أما الدرجة العليا من الرضا عند المصيبة التي فيها سكينة النفس التامة : فهذا عزيزٌ لا يصل إليه إلا قلّةٌ من المخلوقين ..
    و الله من رحمته لم يوجبه عليهم ؛ لأنهم لا يستطيعونه ..
    3
    ــ الرضا بالمعصية : معصيةٌ .."
    فما حكم الرضا بالكفر و الفسوق و العصيان ؟!
    يرى في أهله الخبث و هو راضٍ .. الرضا بالمعصية معصيةٌ حرامٌ ..
    الرضا بالكفر .. كفرٌ ..
    حكم الرضا بالمعصية .. لا يجوز ..
    بل الإنسان مأمورٌ ببغض المعصية ، و الله لا يحب الفساد و لا يرضى لعباده الكفر و لا يحب المعتدين و لا يحب الظلم و لا الظالمين ..
    ثمرات الرضا:
    إن للرضا ثمراتٌ كثيرةٌ .. على رأسها ..
    1ــ الرضا و الفرح و السرور بالرب تبارك و تعالى .. و النبي صلى الله عليه
    و سلم كان أرضى الناس بالله و أسرّ الناس بربه و أفرحهم به تبارك و تعالى ..
    فالرضا من تمام العبودية و لا تتم العبودية بدون صبرٍ و توكلٍ و رضا و ذلٍّ و خضوعٍ و افتقارٍ إلى الله ..
    2ــ إن الرضا يثمر رضا الرب عن عبده ، فإن الله عز و جل رضي بمن يعبده عمّن يعبده على من يعبده و إذا ألححتَ عليه و طلبتَه و تذلّلتَ إليه أقبل عليك.
    3ــ الرضا يخلّص من الهمّ و الغمّ و الحزن و شتات القلب و كسف البال و سوء الحال ، و لذلك فإن باب جنة الدنيا يفتَح بالرضا قبل جنة الآخرة ؛ فالرضا يوجب طمأنينة القلب و بَرْده و سكونه و قراره بعكس السخط الذي يؤدي إلى اضطراب القلب و ريبته و انزعاجه و عدم قراره
    فالرضا ينزِل على قلب العبد سكينةً لا تتنزّل عليه بغيره و لا أنفع له منها ؛ لأنه متى ما نزلت على قلب العبد السكينة : استقام و صلُحت أحواله و صلُح باله ، و يكون في أمنٍ و دَعَةٍ و طيبِ عيشٍ ..
    4ــ الرضا يخلّص العبد من مخاصمة الرب في الشرائع و الأحكام و الأقضية ..
    مثلاً إبليس لما أُمِر بالسجود عصى ؟ رفض ؟
    لم يرضَ .. كيف أسجد لبشرٍ خلقتَه من ترابٍ ؟ .. فعدم الرضا من إبليس أدّى إلى اعتراضٍ على أمر الله .. فإذاً منافقو عصرنا الذين لا يرضون بحكم الله في الربا و الحجاب و تعدّد الزوجات في كل مقالاتهم في مخاصمةٍ مع الرب سبحانه .. لماذا ؟!!! … كلامهم يدور على مخاصمة الرب في شرعه و إن لم يصرّحوا بهذا .. ! فالرضا يخلّص الإنسان من هذه المخاصمة ..
    5ــ الرضا من العدل .. الرضا يُشْعِر العبد بعدل الرب ..و لذلك كان صلى الله عليه و سلم يقول : "عدلٌ فيَّ قضاؤك"و الذي لا يشعر بعدل الرب فهو جائرٌ ظالمٌ ، فالله أعدل العادلين حتى في العقوبات ..
    فقطع يد السارق عقوبةٌ ،فالله عدَل في قضائه و عقوباته فلا يُعْتَرض عليه لا في قضائه و لا في عقوباته .
    6ــ و عدم الرضا إما : أــ لفواتِ شيءٍ أخطأك و أنت تحبه و تريده ..
    ب ــ أو لشيءٍ أصابك و أنت تكرهه و تسخطه .. فيحصل للشخص الذي ليس عنده رضا قلقٌ و اضطرابٌ إذا نزل به ما يكره و فاته ما يحب حصل له أنواع الشقاء النفسي، و إذا كان راضياً لو نزل به ما يكره أو فاته ما يحب ما شقي و لا تألّم ؛ لأن الرضا يمنع عنه هذا الألم ، فلا هو يأسى على ما فاته و لا يفرح بما أوتي " لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ "الحديد:23. الرضا مفيدٌ جداً أن المرء لا يأسف على ما فاته و لا يحزن و لا يتكدّر على ما أصابه ؛ لأنه مقدّرٌ مكتوبٌ ..
    7ــ الرضا يفتح باب السلامة من الغشّ و الحقد و الحسد ؛ لأن المرء إذا لم يرضَ بقسمة الله سيبقى ينظر إلى فلانٍ و فلانٍ .. فيبقى دائماً عينه ضيقةٌ و حاسدٌ و متمنٍّ زوال النعمة عن الآخرين .. و السخط يدخل هذه الأشياء في قلب صاحبه ..
    8ــ الرضا يجعلك لا تشكّ في قضاء الله و قدره و حكمته و علمه .. فتكون مستسلماً لأمره معتقداً أنه حكيمٌ مهما حصل .. لكن الإنسان الساخط يشكّ و يوسوس له الشيطان ما الحكمة هنا و هنا ؟؟.. !!
    و لذلك ( الرضا و اليقين ) أخوان مصطحبان ..
    و ( السخط و الشكّ ) توأمان متلاصقان .. !!
    إذا استطعتَ أن تعمل الرضا مع اليقين فافعل ، فإن لم تستطع فإن في الصبر خيراً كثيراً ..
    9ــ من أهم ثمرات الرضا : أنه يثمر الشكر . . . فصاحب السخط لا يشكر .. فهو يشعر أنه مغبونٌ و حقّه منقوصٌ و حظّه مبخوسٌ .. !! لأنه يرى أنه لا نعمة له أصلاً ..!!
    السخط نتيجة كفران المنعم و النعم ..!!!
    الرضا نتيجة شكران المنعم و النعم..!!!
    10ــ الرضا يجعل الإنسان لا يقول إلا ما يرضي الرب ..
    السخط يجعل الإنسان يتكلّم بما فيه اعتراضٌ على الرب ، و ربما يكون فيه قدحٌ في الرب عز و جل ..
    صاحب الرضا متجرّدٌ عن الهوى .. و صاحب السخط متّبعٌ للهوى ..
    و لا يجتمع الرضا و اتباع الهوى ، لذلك الرضا بالله و عن الله يطرد الهوى ..
    صاحب الرضا و اقفٌ مع اختيار الله ..

    يحسّ أن عنده كنزٌ إذا رضي الله عنه أكبر من الجنة ..
    لأن الله عندما ذكر نعيم الجنة قال : " وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ"التوبه:72
    رضا الله إذا حصل هو أكبر من الجنة و ما فيها ..
    و الرضا صفة الله و الجنة مخلوقةٌ .. و صفة الله أكبر من مخلوقاته كلها ..
    (( وعد الله المؤمنين و المؤمنات جناتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها و مساكنَ طيبةً في جناتِ عدْنٍ و رضوانٌ من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم ))..
    رضا الله أكبر من الجنة ..!!!11ــ الرضا يخلّص العبد من سخط الناس .. لأن الله إذا رضي عن العبد أرضى عنه الناس .. و العبد إذا سعى في مرضاة الله لا يبالي بكلام الناس ..
    أما المشكلة إذا سعى في مرضاة الناس فسيجد نفسه متعباً ؛ لأنه لن يستطيع إرضاءهم فيعيش في شقاءٍ .. أما من يسعى لرضا الله فلا يحسب لكلام الناس أي حسابٍ و لن يتعبَ نفسياً .. و لو وصل إليه كلام الناس فلن يؤذيَه نفسياً و لن يبالي مادام الله راضياً عنه ..
    12ــ الله يعطي الراضي عنه أشياءَ لم يسألها ، و لا تكون عطايا الله نتيجة الدعاء فقط مادام في مصلحته ..
    13ـ الرضا يفرّغ قلب العبد للعبادة .. فهو في صلاته خالٍ قلبُه من الوساوس .. في الطاعة غير مشتّت الذهن .. فيستفيد من العبادة ..الرضا يركّز و يصفّي الذهن فينتفع صاحبه بالعبادة ..
    14ــ الرضا له شأنٌ عجيبٌ مع بقية أعمال القلوب الصالحة ، فأجره لا ينقطع و ليس له حدٌّ بخلاف أعمال الجوارح ، فأجرها له حدٌّ تنتهي بمدّةٍ معينةٍ .. فعمل الجوارح محدودٌ .. لكن عمل القلب غير محدودٍ ..
    فأعمال الجوارح تتضاعف على حدٍّ معلومٍ محسوبٍ .. أما أعمال القلوب فلا ينتهي تضعيفها و إن غابت عن بال صاحبها .. كيف ؟؟!!
    إنسانٌ راضٍ يفكّر بذهنه و قلبه أنه راضٍ عن الله و عن قضائه ، عرضت له مسألةٌ حسابيّةٌ فانشغل ذهنه بها .. العلماء يقولون : أجر الرضا لا ينقطع و إن شُغِل الذهن بشيءٍ ثانٍ ؛ لأن أصله موجودٌ و لو انشغل القلب بشيءٍ ثانٍ الآن ..
    إنسانٌ يخاف الله ، أحياناً يحصل له بكاءٌ و وجلٌ نتيجة هذا الخوف ، لو انشغل باله مع ولده يضمّد جراح ولده و نسي موضوع التأمل في الخوف و ما يوجب البكاء و الخشية فلازال أجره على الخوف مستمرّاً؛ لأنه عملٌ قلبيٌّ مركوزٌ في الداخل لم ينتهِ أجره بل هو مستمرٌّ .. و هذا من عجائب أعمال القلوب . . .
    و هذا يمكن أن يوضِّح لماذا أجر أعمال القلوب أكثر من أجر أعمال الجوارح ، مع أنه لابد من أعمال الجوارح طبعاً .. لأنه إذا لم يكن هناك أعمال جوارح فالقلب خرِبٌ ..
    · هل الرضا يتنافى ( يتعارض ) مع الدعاء ؟!!
    لا .. لسبب أن الدعاء يرضي الله و هو مما أمر الله به ..
    · هل الإنسان إذا دعا أن يزيل الله عنه مصيبةً لا يكون راضياً ؟!!
    الجواب : لا .. ليس هكذا .. لأن الله قال : " ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ"غافر:60.
    و قال" يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا "السجدة:16.يدعون ربهم يريدون نعماً و دفعَ نقمٍ .
    الدعاء لجلبِ منفعةٍ أو دفعِ مضرّةٍ .. فلأن الله قال : ادعوني و لأن الدعاء يرضي الله ، فإن الدعاء لا يتعارض مع الرضا ..
    فالمرء لو كان راضياً بالمعصية و سأل الله أن يزيل أثرها أو يعوّضه خيراً ، لم يعارضِ الدعاءُ الرضا .. لأن الله أمرنا أن نسأله الرزق فقال :" فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ" العنكبوت:17.
    · هل الرضا يتنافى مع البكاء على الميّت ؟!!
    قال شيخ الإسلام : "البكاء على الميت على وجه الرحمة حسنٌ مستحبٌّ و ذلك لا ينافي الرضا ، بخلاف البكاء عليه لفوات حظه منه".. و بهذا يُعْرَف قوله صلى الله عليه و سلم لما بكى على الميت : "إن هذه رحمةٌ جعلها الله في قلوب عباده و إنما يرحم الله من عباده الرحماء "..
    و ينبغي أن نفرّق ؛ لأن النبي صلى الله عليه و سلم لما رأى ولده إبراهيم يموت بكى لماذا بكى ؟.. رحمةً أو تأسّفاً على فقد الولد !!..
    و إن هذا ليس كبكاء من يبكي لحظِّه إلا لرحمة الميت ، فإن الفضيل بن عياض لما مات ابنه علي ضحك و قال : "رأيت أن الله قد قضى ، فأحببتُ أن أرضى بما قضى الله به".. فحاله حالٌ حسنٌ بالنسبة لأهل الجزع ، و أما رحمة الميت مع الرضا بالقضاء و حمد الله على كل حالٍ كما قال صلى الله عليه و سلم فهذا أكمل ..
    فإذا قيل : أيهما أكمل : النبي صلى الله عليه و سلم بكى رحمةً بالميت أو الذي من السلف ضحك ؟؟!!
    بكاء رحمة الميت مع حمد الله و الرضا بالقضاء أكمل ، كما قال تعالى : " ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ "البلد:17.فذكر الله التواصي بالصبر
    و التواصي بالمرحمة ..
    الناس أربعة أقسامٍ :
    1-منهم من يكون فيه صبرٌ بقوةٍ "ما فيه رحمة."
    2ــ و منهم من يكون فيه رحمةٌ بقوةٍ "ينهار".
    3ــ و منهم من يكون فيه القسوة و الجزع " جمع الشر من الطرفين".
    4- المؤمن المحمود الذي يصبر على ما يصيبه و يرحم الناس .
    و مما يجب أن يعلم أنه لا يسوغ في العقل و لا في الدين طلب رضا المخلوقين
    بإطلاقٍ ؛ لوجهين : 1ــ أحدهما أن هذا غير ممكن ، كما قال الشافعي : "رضا الناس غايةٌ لا تُدْرَك " ، فعليك بالأمر الذي يصلحك فالزمه و دع ما سواه و لا تعانِه
    2ــ أنّنا مأمورون أن نتحرّى رضا الله و رسوله " وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ"التوبه:62.· هل نحن مكلّفون أن نرضي الناس كلهم ؟!!
    لا ، لسنا مكلّفين ؛ لسببين : 1ــ لأنه غير ممكنٍ ،2ــ لأننا مكلّفون بإرضاء الله و ليس بإرضاء الناس ..
    ذكر السلف رحمهم الله أقوالاً في الرضا:
    1ــ قال أبو الدرداء رضي الله عنه : "إن الله إذا قضى قضاءً أحبَّ أن يُرضى به من قِبَل العباد"
    2ــ قال ابن مسعود رضي الله عنه : "إن الله بقسطه و عدله جعل الرَّوح و الفرح في اليقين و الرضا و جعل الهمّ و الحزن في الشكّ"
    3ــ قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله : "أصبحتُ و ما لي سرورٌ إلا في مواضع القضاء و القدر"
    فينعكس هذا على نفسه انشراحاً و طمأنينةً ، و من وصل إلى هذه الدرجة كان عيشه كله فى نعيم وسرور
    " مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً"النحل:97.
    4ــ قال بعض السلف : "الحياة الطيبة هي الرضا و القناعة"
    5ــ قال عبد الواحد بن زيدٍ رحمه الله : "الرضا باب الله الأعظم و جنة الدنيا
    و مُستراح العابدين".. و ربما رضي المبتلى حتى لم يَعُدْ يشعر بالألم ..
    عذابه فيك عذبُ * * * و بُعْدُه نَيْلُ قُرْبِ ..
    6ــ و كذلك قال عمر بن الخطاب لأبي موسى رضي الله عنهما : "أما بعد : فإن الخير كله في الرضا ، فإن استطعتَ أن ترضى و إلا فاصبر" .. هذا مما تقدّم أن الرضا منزلةٌ أعلى من الصبر ..
    7ــ و قال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما
    "إذا تُوُفِّي العبد المؤمن أرسل الله إليه مَلَكين و تحفةً من الجنة ، فيقال : اخرجي أيتها النفس المطمئنة إلى رَوْحٍ و ريحانٍ و ربٍّ عنكِ راض"ــ و قال ميمون بن مهران رحمه الله : "من لم يرضَ بالقضاء فليس لحمقه دواءٌ"89ــ و نقل عبد الله بن المبارك رحمه الله عبارة : "يا بنيّ إنما تستدلّ على تقوى الرجل بثلاثة أشياءٍ : لحُسْن توكله على الله فيما نابَه ، و لحُسْن رضاه فيما آتاه ، و لحُسْن زهده فيما فاته"
    منزلة الرضا هي التي تثمر محبة الله و النجاة من النار و الفوز بالجنة و رضوان الله و حُسْن ظنّ العبد بربه و النفس المطمئنّة و الحياة الطيبة ..
    و الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات و صلى الله على نبينا محمد و على آله و صحبه و سلم تسليماً كثيراً ...
    التعديل الأخير تم بواسطة محبة المساكين ; 16-12-2011 الساعة 12:25 AM سبب آخر: تنسيق الموضوع

  7. #7


    تاريخ التسجيل : Nov 2011
    رقم العضوية : 107803
    الجنس: أنثى
    المشاركات : 35
    التقييم : 1456
    فريق عمل تفريغ الدروس غير متواجد حالياً

    رد: سلسلة اعمال القلوب للشيخ محمد صالح المنجد

    السلام عليكم



    الصبر



    الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. وبعد..


    فإن الله جعل الصبر جواداً لا يكبو، وصارماً لا ينبو، وجنداً لا يُهزم، وحصناً حصيناً لا يُهدم،وهو مطيّة لا يضل راكبها فهو والنصر أخوان شقيقان،فالنصر مع الصبر، وهو أنصر لصاحبه من الرجال بلا عدّة ولا عدد، ومحله من الظفر محل الرأس من الجسد، وهو سبيل النجاح والفلاح، وهو فضيلة يحتاج إليه الإنسان في دينه ودنياه، فحال الإنسان إما بين صبر على أمر يجب عليه امتثاله وتنفيذه ، ونهي يجب عليه اجتنابه وتركه، وقدر يجري عليه اتفاقاً، ونعمة يجب عليه شكر المنعم عليها، وإذا كانت هذه الأحوال لا تفارقه فالصبر لازم إلى الممات، فالحياة لا تستقيم إلا بالصبر، فهو دواء المشكلات لدار الابتلاء، والصبر زاد المجاهد إذا أبطأ عنه الصبر، وزاد الداعية إذا أبطأ عنه الناس بالإجابة، وزاد العالم في زمن غربة العلم، بل هو زاد الكبير والصغير ، والرجل والمرأة ، فبالصبر يعتصمون وإليه يلجئون وبه ينطلقون.


    قال الإمام أحمد – رحمه الله – في كتاب الزهد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : " وجدنا خير عيشنا بالصبر"،إن الله وصف الصابرين بأوصاف وخصّهم بخصائص لم تكن لغيرهم،وذكر الصبر في نحو تسعين موضعاً من الكتاب الكريم، وأضاف أكثر الدرجات والخيرات إلى الصبر وجعلها ثمرة له.

    إن للصابرين معيّة مع الله ، ظفروا بها بخير الدنيا والآخرة، وفازوا بها بنعمة الله الظاهرة والباطنة ، وجعل الله سبحانه الإمامة في الدين منوطة بالصبر واليقين .

    فقال تعالى: " وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ" السجدة :23 ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " بالصبر واليقين ؛ تُنال الإمامة في الدين".


    تعريف الصبر

    الصبر لغة: الحبس والكف، قال تعالى: "وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ" الكهف :28 ، يعني احبس نفسك معهم، والصبر حبس النفس عن الجزع واللسان عن التشكي والجوارح عن لطم الخدود وشق الثياب ونحوهما، ويقال صبر يصبر صبراً، وصبَر نفسه.


    والصبر في الاصطلاح الشرعي: حبس النفس على فعل شيء أراده الله أو عن فعل شيء نهى الله عنه فهو صبر على شيء أمر به الله وصبر عن شيء نهى الله عنه ، جعل الله فيه الأجر العظيم لمن أراد به وجهه، وكافأ أهل الجنة لأنهم صبروا ابتغاء وجه ربهم ، والصبر فيه معنى المنع والشدة والضنّ، و تصبّر رجل يعني تكلّف الصبر وجاهد نفسه عليه وحمل نفسه على هذا الخلق، وصبّرها إذا حملها على الصبر وهو ثبات على الدين إذا جاء باعث الشهوات ، وهو ثبات على الكتاب والسنة ، لأن من أخذ بهما فقد صبر على المصائب وصبر على العبادات وصبر على اجتناب المحرمات ، فهذه


    أنواع الصبر الثلاثة إذاً:


    1- صبر على طاعة الله.

    2- صبر عن معصية الله.

    3- صبر على أقدار الله المؤلمة.

    هذا الصبر علّق القرآن الفلاح عليه فقال الله سبحانه وتعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"ال عمران:200، فعلّق الفلاح بمجموع هذه الأمور ،ونهى عن ما يضاد الصبر فقال : "فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ" الاحقاق :35، كما قال: "وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا" ال عمران:139، وكذلك فإنه سبحانه وتعالى أخبر عن مضاعفة الأجر للصابرين : أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا" القصص:54، وإذا كانت الأعمال لها أجر معلوم محدود فإن الصبر أجره لا حد له ، قال تعالى: "إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ" الزمر:10.

    قال سليمان بن القاسم:كل عمل يعرف ثوابه إلا الصبر لأجل هذه الآية"إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ" الزمر:10، قال : كالماء المنهمر، وعلق الله الإمامة في الدين على الصبر وعلى اليقين كما مرّ في الآية ،وجعل الله الظفر بمعية الصبر فقال: "إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ" البقرة:153، وجعل للصابرين أموراً ثلاثة لم يجعلها لغيرهم، وهي الصلاة منه والرحمة والهداية, "وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ,الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ,أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ " البقرة: 153:154:155, وجعل الصبر سبحانه وتعالى عوناً وعدة وأمر بالاستعانة به، فقال "وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ" البقرة :145، فمن لا صبر له؛ لا عون له، وعلّق النصر على الصبر والتقوى فقال تعالى: "بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ " ال عمران:125، وقال صلى الله عليه وسلم : " واعلم أن النصر مع الصبر"،وجعل سبحانه الصبر والتقوى جنة عظيمة من كيد العدو ومكره فقال :"وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا" ال عمران:120، وأخبر أن ملائكته تسلّم في الجنة على الصابرين فقال: "سَلامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ " الرعد:24 ، وجعل الله الصبر منزلة فوق منزلة المعاقِب لمن عاقبه بمثل العقوبة فهو أفضل وأكثر أجراً فقال: "وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ " النحل :126، فتأمل هذا التأكيد (لَئِن) اللام ولامٌ أخرى للتأكيد(لهو).


    ورتب المغفرة والأجر الكبير على الصبر مع العمل الصالح فقال: "إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ " هود: 11، وجعل الصبر على المصائب من عزم الأمور وهذه مرتبة لا ينالها أي أحد ,فقال عز وجل : "وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ " الشورى:43 ، وأوصى لقمان الرجل الصالح الحكيم ولده بأن يصبر على ما أصابه في سبيل الله "يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ " لقمان:17

    ووعد الله المؤمنين بالنصر والظفر، وهي كلمته التي سبقت لهم نالوها بالصبر فقال تعالى: "وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ" الاعراف:137

    وعلّق تعالى محبته بالصبر ، وجعلها لأهل الصبر فقال: "وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ " ال عمران:146، وأخبر عن خصال من الخير لا يلقاها إلا الصابرون فقال تعالى في أهل العلم الذين علموا قومهم المفتونين بقارون : "وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ" القصص :80، وعند الدفع بالتي هي أحسن , "وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ " فصلت:35، وأخبر أنه لا ينتفع بآياته ولا يستفيد منها إلا صاحب الصبر المكثر منه فأتى به بصيغة المبالغة في قوله تعالى: "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ " ابراهيم:5، وفي سورة لقمان قال: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ " لقمان:31، وبعد قصة سبأ قال:"فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ" سبأ :19، وفي ذكر النعمة بالسفن على العباد تنقل أنفسهم وبضائعهم قال: "وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ ,إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ " الشورى:32:33، فهذه أربع مواضع في القرآن الكريم تدل على أنه لا ينتفع بالآيات إلا أهل الصبر والشكر، الدين كله صبر وشكر، الإيمان نصفان صبر وشكر، حياة المسلم كلها صبر وشكر،ماذا يوجد في الطاعات والعبادات والتقرب إلى الله غير الصبر والشكر..؟*!

    وأثنى الله على عبده أيوب بأحسن الثناء لأنه صبر فقال: "إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ" ص:44، فمدحه بقوله نعم العبد لأنه صبر، وحكم الله بالخسران حكماً عاماً على من لم يكن من أهل الصبر فقال: "وَالْعَصْرِ ,إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ,إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ " العصر 1:2:3، وخص الله أهل الميمنة( أصحاب اليمين) بأنهم أهل الصبر والمرحمة فقال تعالى:"ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ" البلد:17، وقرن الصبر بأركان الإسلام ومقامات الإيمان فقرنه بالصلاة فقال: "وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ" البقرة:45، وقرنه بالأعمال الصالحة فقال: "إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ" هود:11 ،

    وقرنه بالتقوى فقال : "إِنَّهُ مَنَّ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ" يوسف:90، وقرنه بالتواصي بالحق فقال: "وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ" العصر:3، وقرنه بالرحمة فقال: وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ" البلد:17، وقرنه باليقين فقال: "لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ" السجدة:24، وقرنه بالصدق فقال: "وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ" الاحزاب:35، فنعم المنزلة منزلة الصبر ونعم الخلق خلق الصبر ونعم أهله أهل الصبر ، فالصبر طريق الجنة: "أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ" البقرة:214.

    هذا الصبر العناية به في القرآن الكريم كبيرة جداً دليلاً على أهميته، دليلاً على أنه خلق عظيم:
    لا تيأسنّ وإن طالت مطالبة
    إذا استعنت بصبر أن ترى الفرج
    أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته
    ومدمن القرع للأبواب أن يلج
    وقل من جد في أمر يحاوله
    واستصحب الصـبر إلا فاز بالظفر

    والصبر لدخول الجنة وسبب النجاة من النار، فالجنة حفت بالمكاره، والنار حفت بالشهوات، فكيف تدخل الجنة بدون صبر على المكاره؟ ، وكيف تقي نفسك النار بدون صبر عن الشهوات؟.
    وقد نبّه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على المعنى اللطيف في هذا الحديث، حفت الجنة بالمكاره؛ علمنا أنه لا طريق للجنة إلا عبر المكاره، لأنه قال حُفّت، من جميع الجهات، فإذا ما ركبت المكاره لا تدخل الجنة، والمكاره هي ما تكرهه النفس من المجاهدة اللازمة لأداء العبادات( صلاة الفجر – الوضوء في البرد- الصبر على المصائب- الجهاد ....)،فلا يمكن دخول الجنة إلا باختراق المكاره، ولا يمكن اختراقها إلا بالصبر، وأما النار فإنها حفت بالشهوات، ولا يمكن منع النفس من الدخول في النار إلا إذا صبر عن المعاصي وامتنع عن المعصية وحبس نفسه عن ذلك فهذه إذاً فضائل هذا الخلق الكريم.


    ما حكم الصبر؟
    أصل الصبر واجب، الصبر من حيث الجملة واجب، والله أمر به "وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ" البقرة :45 "اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ " ال عمران :200، ونهى عن ضده "وَلا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ " الاحقاق:35 "فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ " الانفال :15"وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ " محمد :33، ورتب عليه خيري الدنيا والآخرة، لكن عندما نأتي إلى التفصيل فالصبر منه ما هو صبر واجب، يأثم الإنسان إذا لم يصبر ومنه ما هو صبر مستحب فهو واجب في الواجبات و واجب عن المحرمات و مستحب عن المكروهات و إذا صبر عن المستحب ولم يفعله فصبره مكروه ، ومما يدل علىأن الصبر قد يكون لازماً قول الله تعالى: "وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ" النحل:126 ،فهذا يدل على أن الصبر قد لا يكون لازماً كقوله : "وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ " النحل:126
    فما حكم الصبر هنا ؟، أنت مخيّر بين أن تعاقب من عاقبك؟، ما الحكم الشرعي؟
    يجوز لك القصاص فتنتقم منه بمثل ما ظلمك، ما حكم الصبر وعدم الانتقام؟، مستحب ، فإذا ً لو قلت ما حكم الصبر على صلاة الفجر؟ ، واجب، ما حكم الصبر عند المصيبة بمنع النفس عن النياحة؟ واجب، ما حكم الصبر عن الانتقام ممن أساء إليك بمثل ما أساء؟ مستحب..
    فالصبر إذاً منه ما يكون واجباً ومنه ما يكون مستحباً والصبر جاء في صيغة المفاعلة في القرآن فقال "وَصَابِرُواْ" ال عمران :200، ، وهذه عادة ما تكون إلا بين طرفين "وَصَابِرُواْ" ال عمران :200، فمعنى ذلك أن هناك مغالبات بين المسلم والعدو، وأننا لابد أن نصابر أنفسنا على باطلهم وعلى جهادهم وعلى مقاتلتهم ومرابطتنا في الثغور وثباتنا عليها حتى لا ينفذوا إلينا من هذه الجهات فهذا صبر مهم جداً ..
    الصبر نوعان :
    1- بدني .
    2- نفسي.
    وكل منهما قسمان : اختياري واضطراري، فصارت القسمة أربعة..
    1- بدني اختياري: تعاطي الأعمال الشاقة.
    2- بدني اضطراري: الصبر على ألم الضرب، لأنه يضرب وماله حيلة إلا الصبر.
    3- نفسي اختياري: صبر النفس عن فعل مالا يحسن شرعاً، مكروه مثلاً.
    4- نفسي اضطراري:صبر النفس عن فقد المحبوب الذي حيل بينها وبينه بحيث لو لم تصبر هذا الصبر لوقعت في الجزع المحرم أو النياحة أو لطم الخدود أو شق الجيوب أو قص وحلق الشعور ونحو ذلك.
    والبهائم تشارك الإنسان في النوعين الاضطراريين ولكن الصبر الاختياري هو الذي يميز الإنسان عن البهيمة، فقال رجل من أهل الحكمة: (( ما غلبني رجل كما غلبني شاب من مرو، قال لي مرة ما الصبر، قلت : إن وجدنا أكلنا وإن فقدنا صبرنا، قال : هذا ما تفعله كلاب مرو عندنا!، قلت فما الصبر عندكم؟ قال: إن فقدنا صبرنا وإن وجدنا آثرنا وأعطينا لغيرنا))، فإذاً هناك صبر تشارك فيه البهائم الإنسان ولكن هناك صبر يتفوق به المسلم الإنسان على البهيمة والدابة ، وقد تجد من الكفار من يصبر على المصائب ويتجلد ولا ينهار ولكن لا يرجو من وراء ذلك جزاء من عند ربه ولا أجراً يوم القيامة..
    وكذلك فإن الصبر متعلق بالتكليف لأن الله ابتلى العباد بواجبات لابد أن يفعلوها ومحرمات لابد أن يتركوها، وأقدار لابد أن يصبروا عليها،فلا يقعوا في الجزع والتسخط و شكوى الخالق إلى المخلوقين.


    وقد ورد الصبر في السنة أيضاً في مواضع متعددة:
    1- بشر النبي صلى الله عليه وسلم الذي يصبر على فقد عينيه بالجنة : "إن الله تعالى قال إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه ثم صبر عوضته منهما الجنة" [رواه البخاري].
    2- " ومال عبد مؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة".
    3- لما مرضت الأمة السوداء بالصرع جاءت تشتكي للنبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إني أُصرع وإني أتكشف فادعُ الله لي، قال : " إن شئتِ صبرتي ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيكِ)) فقالت: أصبر ولكن ادع الله لي ألا أتكشف. فدعا لها فكانت تصرع ولا تتكشف." [متفق عليه].
    4- ورد في السنة ما يفيد أن الصبر خلق يمكن تحصيله، فهناك أناس جبلهم الله على الصبر وبعضهم جبله على قليل منه، فلو كان عند المرء نقص في هذا العمل من أعمال القلوب فيمكن تحصيله بالمران والرياضة النفسية والتدريب عليه والمجاهدة، فهو شيء ممكن اكتسابه وليس شيئاً فطرياً فقط لا يمكن الزيادة عليه، والدليل على أن الصبر خلق مكتسب وليس خلق فطري فقط أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ومن يتصبّر يصبّره الله"، فقد يكون إنسان جزع بأصل طبعه لكن لما علم فضل الصبر وأجره وأهميته ومكانته في الدين قرر ألا يمر بحادث وموقف في حياته إلا ويستعمل الصبر ويجاهد نفسه عليه ويجبرها عليه حتى تصبح صبّارة.
    5- بينت السنة أن الصبر للمؤمن خير عظيم، إذا أصابته ضراء يكون الخير له.


    6- بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن الصبر ضياء ، كما جاء في حديث مسلم فقال: "الصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك".

    7- لما مر النبي صلى الله عليه وسلم عند امرأة تبكي عند قبر فأراد أن يعظها فقال لها : (( اتقي الله واصبري)) قالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه.فلما مضى صلى الله عليه وسلم لم يشأ أن يجادل المرأة في هذه الحالة، وهذا هو الموقف الصحيح للداعية في مثل هذا الحال ، فلما مضى صلى الله عليه وسلم قيل لها إنه النبي صلى الله عليه وسلم فأخذها مثل الموت لأنه ردت عليه هذا الرد وهو نبي الله صلى الله عليه وسلم فأتت بابه لتعتذر فلم تجد عنده بوابين ولا حرس من تواضعه فقالت معتذرة : لم أعرفك. فقال: (( إنما الصبر عند الصدمة الأولى)).[رواه البخاري].
    8- كذلك لما مات أبو سلمة ، ماذا تقول أم سلمة وزوجها بهذه المكانة الكبيرة في نفسها، قالت ما تعلمته سابقاً: ((إنا لله وإنا إليه راجعون ، اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها))، ولما مات زوجها وجاءت لتقول العبارة فقالت أي المسلمين خير من أبي سلمة؟بعدما رأت من حسن معشره وطيب خصاله،ولأنها مؤمنة قالت ما تعلمته، قالت: فأخلف الله لي رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقد خطبها وتزوجها .


    9- وإذا صبر العبد على فقد الولد، يقول صلى الله عليه وسلم : " إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته قبضتم ولد عبدي فيقولون نعم، قال قبضتم ثمرة فؤاده فيقولون نعم، فيقول ماذا قال عبدي، فيقولون حمدك واسترجع، فقال: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد". فلا يقبض لمؤمن صفي من أهل الأرض فيصبر ويحتسب إلا وكان له ثواب إلا الجنة.

    10- كذلك فالناس يبتلون على حسب دينهم وعلى حسب صبرهم " أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان دينه صلباً وعنده صبر قوي زيد له في البلاء ليزداد أجراً".يوم القيامة يود أهل العافية عندما يعطى أهل البلاء الثواب ويقسم عليهم ، الذين صبروا في الدنيا،يتمنون لو أن جلودهم كانت قرضت في الدنيا بمقاريض..*! الحديث في الترمذي وحسنه الألباني.

    11- والنبي صلى الله عليه وسلم مما ورد في سنته أيضاً وعلّمنا إياه تمهيد نفسي للمواجهة : " إن من ورائكم أيام الصبر للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم".
    أيام الصبر هي أيا م الابتلاء في الدين والشهوات المستعرة والشبهات المستحكمة ومع ذلك المرء صابر لدينه. فسماها أيام الصبر لأنه لا يستعمل فيها إلا الصبر ولا حلّ إلا الصبر. المؤمنون في مكة ابتلوا فيأتي الصحابي فيأتي الصحابي يقول للنبي صلى الله عليه وسلم ادع الله لنا ، ألا تستنصر لنا؟، فصبرهم صلى الله عليه وسلم بأنه كان من قبلهم كان الرجل يُحفر له في الأرض فيجاء بالمئشار فيوضع على رأسه فيشق اثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه وعصبه ما يصده ذلك عن دينه. فهناك مواقف والصبر هو القائد وهو الملاذ والحصن الحصين ، من دخله عصم..


    الناس في الصبر أنواع وهذا تقسيم شيخ الإسلام ابن تيمية لأنه سبر نفوس الناس حسب ما رأى من الدين:
    1- أهل الصبر والتقوى، وهم الذين أنعم الله عليهم من أهل السعادة في الدنيا والآخرة ، صبروا على طاعته وصبروا على ترك محارمه.
    2- ناس عندهم تقوى بلا صبر، فقد يكون هناك رجل عابد زاهد قوام صوام متصدق منفق ذاكر قانت لكن إذا نزلت به المصيبة ينهار، فعنده تقوى لكن إذا نزلت به مصيبة انهار. يقول ابن الجوزي: رأيت كبيراً قارب الثمانين كان يحافظ على الجماعة فمات ولد لابنته فقال ما ينبغي لأحد أن يدعو فإنه لا يستجيب. فإذاً من الناس من عنده عبادة لكن لا يصبر ولا يتجلد ولا يقاوم عند المصيبة فينهار. بل إن أحد هؤلاء قال: عندي كذا أولاد لا أخشى عليهم إلا منه!- تعالى الله انظر إلى الكفر إذا وصل إلى درجات في هذا الباب ، سوء ظنه بالله، ماذا تنفع الصلاة وهذه عقيدته التي في قلبه؟ قل من يكلأكم بالليل والنهار "لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ " الرعد :11 إذاً الذي ليس عنده صبر لا تنفعه عبادته.
    3- ناس لديهم صبر بلا تقوى. مثل الفجار لكنهم جلدين يصبرون على ما يصيبهم ككثير من اللصوص وقطاع الطرق يصبرون على الآلام والمشاق لنيل الحرام، وكذلك طلاب الرياسة والعلو ، يصبرون على أنواع من الأذى لا يصبر عليها أكثر الناس.فهو من أجل أن يصل إلى هدفه يضيع صلوات ويأكل حرام ولا يبالي فعنده صبر بلا تقوى وغالب هؤلاء لا يرجون من الله جزاء على صبرهم، فالصبر لديهم خلق مفطورين عليه. ويوجد من الكفار من يتجلّد عند المصيبة فقد جاء مدح الروم في حديث عمرو بن العاص: (( أسرع الناس إفاقة بعد مصيبة))، تقع عليهم الكارثة فيستدركونها بسرعة، ومن تأمل ما حدث لهم وهم النصارى بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، كيف تهدمت بلادهم فما أسرع ما أعادوا بنائها و أعادوا مسيرة الاقتصاد و الإنتاج والزراعة والصناعة وقد مات منهم أكثر من 40 مليون .قال: وكذلك أهل المحبة للصور المحرمة من العشق، يصبرون على ما يهوونه من المحرمات من أنواع الأذى، فربما هذا المعشوق يجعل العاشق يتعذب من أجله ويشتغل لأجله ويحاول إرضائه بشتى الطرق ، فعنده صبر ولكن بلا تقوى وهكذا..،وقد يصبر الرجل على ما يصيبه من مصائب كالمرض والفقر ولا يكون فيه تقوى إذا قدر ، إذا قدر صار جباراً شقياً.
    4- وهو شر الأقسام، لا يتقون إذا قدروا ولا يصبرون إذا ابتلوا "إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ,إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا " المعارج :19:20.


    مراتب الصبر
    والصبر مراتب فالصبر على طاعة الله أعلى منزلة من الصبر عن المعاصي والصبر عن المعاصي أعلى منزلة من الصبر على الأقدار. فالصبر على الواجبات أعلى أنواع الصبر لأن جنس فعل الواجبات أعلى درجة عند الله من جنس ترك المحرمات ، وأجر ترك المحرمات أكبر من أجر الصبر على المصائب ، لأن الصبر على الواجب والصبر على ترك الحرام عملية اختيارية، لكن لما نزلت به المصيبة ، شيء بدون اختياره، ليس له إلا كف النفس والصبر. فقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن يوسف عليه السلام: " كان صبر يوسف عن مطاوعة امرأة العزيز على شأنها الذي دعته إليه من الحرام أكمل من صبره على إلقاء أخوته له في الجبّ"، فصبره على الفاحشة أكمل وأعظم وأكثر أجراً من صبره على السجن وإلقاء أخوته له لأن الأول فيه شيءاختياري وصبره عليها صبر رضا ومحاربة للنفس لا سيما مع وجود الأسباب القوية المزينة للحرام فكان شاباً أعزباً وغريباً عند البلد و عبداً مملوكاً والمرأة جميلة وصاحبة منصب وهي التي دعته فسقطت الحواجز النفسية ثم استعانت عليه بكيد النسوة وهددته بالسجن ، ثم إن زوجها ليست عنده غيرة "يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ " يوسف :29 ، وغُلّقت الأبواب وغاب الرقيب، فصار داعي الزنا قوي جداً جداً ولكنه صبر عليه الصلاة و السلام،أما الأمور الأخرى من السجن وإلقاء أخوته له في الجبّ فجرت عليه بغير اختياره ولا كسب له فيها.


    مجالات الصبر
    1- الصبر على بلاء الدنيا " لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ " البلد :4 , مشقة وعناء وبلاء وفتن، والله تعالى قال : "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ " البقرة :155
    2- الصبر على مشتهيات النفس " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ " المنافقون :9 ، ولذلك قال بعض السلف: " ابتلينا بالضراء فصبرنا وابتلينا بالسراء فلم نصبر..!".وقالوا: " البلاء يصبر عليه المؤمن والعافية لا يصبر عليها إلا صدّيق".


    والصبر على مشتهيات النفس لابدّ أن يكون من وجوه أربعة كما قال ابن القيم رحمه الله :
    1- أن لا يركن إليها ولا يغترّ بها.
    2- أن لا ينهمك في نيلها ويبالغ في استقصائها.
    3- أن يصبر على أداء حق الله فيها.
    4- أن لا يصرفها في حرام.
    3- الصبر عن التطلع إلى ما بيد الآخرين، وعن الاغترار بما ينعمون به من مال وبنين، فبعض قوم قارون ما صبروا فقالوا: "يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ" القصص :79 ، والله تعالى قال: "أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ ، نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لّا يَشْعُرُونَ" المؤمنين :55:56 "وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى " طه :131، إنما أعطيناهم "لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى" طه :131
    4- الصبر على طاعة الله، وهذا أعظم أنواع الصبر وأشده على النفوس" فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ " مريم :65، اصطبر أكمل وأبلغ من اصبر فالزيادة في المبنى تدل على الزيادة في المعنى {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها} على الصلاة وعلى أمر الزوجة بالصلاة،

    والصبر على الطاعة له ثلاث أحوال:
    *أ- قبل الطاعة بتصحيح النية وطرد شوائب الرياء .
    *ب- حال الطاعة أن لا تغفل عن الله فيها ولا تتكاسل عن أدائها وتراعي واجباتها وأركانها والخشوع في الصلاة.
    *ج- بعد الفراغ منها بأن لا تفشي ما عملت وتُعجَب به وتُسَمّع به في المجالس "لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى" البقرة :264 ، "وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ " محمد :33


    5- الصبر على مشاق الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى فإنه غير خافٍ على الدعاة حال الناس اليوم من البعد عن الدين و البعد هذا يستلزم دعوة كبيرة وإنكاراً للمنكرات وصدع بالحق ، عمر بن عبد العزيز لما استشعر المسؤولية الكبيرة في تغيير الانحرافات المتراكمة من سنوات طويلة في العهود السابقة قال : "إني أعاجل أمراً لا يعين عليه إلا الله"..!.فنوح عليه السلام صبر هذا الصبر العظيم في الدعوة 950 سنة ، ألف سنة إلا خمسين عاماً على جميع أنواع الابتلاءات "
    دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا وَنَهَارًا ,فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَارًا " نوح :5:6 ,

    وهكذا سراً وجهاراً ماترك فرصة إلا قام بالدعوة، ثم الدعوة ليست عملية سهلة لأن الإنسان يجد كيد من الأعداء وحسد حتى من الناس الذين يظنهم معهم والقريبين منه على ما آتاه الله من فضله فيتمنون أن يوقع به ويضر ويتوقف ولذلك لابد للداعية أن يصبر في الداخل والخارج، القريبين والبعيدين، مع الناس الذين هم ضده علناً أو الذين يضمرون له الشر في داخل أنفسهم، "لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا " ال عمران :186 ، والحل .."" وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ " ال عمران :186، "وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلا " المزمل :10، الرسل كان من رأس مالهم وبضاعتهم الصبر على إيذاء أقوامهم بل أكّدوا على ذلك وقالت الرسل لأقوامهم: "وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ" ابراهيم : 12 ، "وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا " الانعام :34 ، وهكذا يصبر الداعية على طول الطريق وعقباته وبطء النصر وتأخره ، "أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ " البقرة :214, "حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ " يوسف:110.
    6- إن هناك صبراً حين البأس وفي الحرب وعند لقاء العدو والتحام الصفين فيكون الصبر شرط للنصر والفرار كبيرة ولذلك أوجب الله الثبات "إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ " الانفال:45, وحذر من الفرار وتولي الأدبار وعندما تضطرب المعركة وينفرط العقد فيكون الصبر أشد "أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ " ال عمران :142، "وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا " ال عمران :144، وحدثنا الله عن الثلة المؤمنة البقية الباقية بعد عمليات الترشيح المستمرة في قصة طالوت، "إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ"البقرة :249، وعصوه من قبل ومن بعد وما بقي معه إلا قليل، "فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ" البقرة :249، حتى الذين جاوزا النهر كان بعضهم استسلاميين فقالوا: "لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ "البقرة :249، "قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ " البقرة :249، لذلك كان المسلمون صُبُر عند اللقاء، يصبرون وكانوا يتناقلون بينهم عبارة " إنما النصر صبرُ ساعة"، والمراغمة والمدافعة الآن بين فريقين، الذي يصبر أكثر هو الذي ينتصر، فأوصى الله عباده بالصبر على ما يلاقونه من ضرر الناس وأن لا يقابلوا السيئة بمثلها "وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ " فصلت :34 ، فالصبر يكون أحياناً للمعلم على أذى التلميذ، للداعية على أذى المدعوّ، للمربي على أذى المتربي وهكذا.. ، ولذلك يقول الخضر لموسى " إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ,وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا " الكهف :67 :68، فتعهّد وقال: "سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا " الكهف :69، تعهد ولكنه لم يستطع أن يصبر في تلك المواقف، فإذاً الصبر له مواقف ومواطن وحالات ومجالات ينبغي علينا أن نكون من الصابرين لله فيها...



    ماهي الأسباب المعينة على الصبر؟
    1- المعرفة بطبيعة الحياة الدنيا وما جُبِلت عليه من المشقة والعناء وأن الله خلق الإنسان في كبد وأنه كادح إلى ربه كدحاً فملاقيه وأن الآلام والتنغيص من طبيعة هذه الدنيا والابتلاءات "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ" محمد :31..



    جبلت على كدرٍ وأنت تريدها


    صفو من الآلام والأكدار


    ومكلف الأيام ضد طباعها


    متقلب في الماء جذوة نار



    ومن لا يعرف هذه الحقيقة سيتفاجأ بالأحداث، أما الذي يعرف طبيعة الحياة الدنيا إذا حصل له أي ابتلاء ومنغصات فإن الأمر عنده يهون.
    2- الإيمان بأن الدنيا كلها ملك لله تعالى، يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، "وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ " النحل:53 ، ولذلك الإنسان إذا حرم من شيء وابتلي يقول: {إنا لله وإنا إليه راجعون} ، لا يوجد كلمة أبلغ في علاج المصاب وأنفع له عند المصيبة من تذكير العبد نفسه بهذين الأصلين . والدنيا فانية، والعبد وأهله وماله ملك لله، والمال وأولاده جعلوا عنده عاريّة، وصاحب العارية متى ما شاء استردها، ومصير الناس العودة إلى الله سبحانه وتعالى.
    وأم سليم لما فقهت هذا كان لها مع أبي طلحة ذلك الموقف المشهور فلما مات ولده الذي يحبه فقالت: ( يا أبا طلحة أرأيت لو أن قوماً أعاروا أهل بيت عارية فطلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم؟)قال: لا ..إن العارية مؤداة، قالت: ( إن الله أعارنا فلاناً – ولدنا- ثم أخذه منا) فاسترجع..
    3- معرفة الجزاء والثواب على هذا الصبر .. وقد تقدم ذكر شيء من هذا.. "نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ, الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ " العنكبوت:58:59، يوفون أجرهم بغير حساب..
    4- الثقة بحصول الفرج، والله جعل مع كل عسر يسرين رحمة منه عز وجل "فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ,إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا " الشرح :5:6 ، العسر معرفة بأل ، و يسر نكرة ، فالعسر هو نفسه و يسر يسر ٌثانٍ، ولن يغلب عسرٌ يسرين.
    والله تعالى جعل اليسر مع العسر وليس بعده، ولذلك فالله ينزل المعونة على قدر البلاء، والله لا يخلف الميعاد، "فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ" الروم:60 ، والفجر ينبلج ولو بعد ليل طويل..



    اشتدي يا أزمة تنفرجي


    قد آذن ليلك بالبلج



    يعقوب صبر على فقد يوسف والولد الثاني، وقال : "فَصَبْرٌ جَمِيلٌ"يوسف:83،لا تسخّط فيه ولا جزع ، وقال: "عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا " يوسف:83، فبعض الناس يصبرون صبراً غير جميل، والصبر الجميل ليس فيه تشكّي للمخلوقين، "إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ"يوسف:86 وليس إليكم.
    5- الاستعانة بالله تعالى واللجوء إلى حماه وطلبة معونته سبحانه،قالها موسى لقومه: "إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ" الاعراف:128 ، وحاجة الصابرين إلى الاستعانة عظيمة جداً ولذلك كان التوكل جانباً للمعونة من الله "الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ " النحل:42
    6- الإيمان بالقضاء والقدر من أعظم ما يعين على الصبر، وأن يعلم العبد أن قضاء الله نافذ وأن يستسلم لما قضاه وقدره مما لا حيلة له به، "مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا " الحديد:22، ثم إن العبد يعلم أن الجزع والهلع والتبرم والاعتراض والتشكّي والتضجر لا يجدي شيئاً ولا يعيد مفقوداً فلا حلّ إلا بالصبر، والعاقل يفعل في أول يوم من المصيبة ما يفعله الجاهل بعد سبعة أيام..!، أي يستسلم.




    آفات في طريق الصبر
    1- قضية الاستعجال "خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ" الانبياء:37، الإنسان يجب أن يصبر ويتأنى والثمرة تأتي ولو بعد حين..، "فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ" الاحقاق :35..لقد باءت دعوات بالفشل.. لماذا؟ .. لأن أصحابها لم يصبروا..




    2- الغضب ينافي الصبر، ولذلك لما خرج يونس مغاضباً قومه ابتلاه الله بالحوت، فتعلم الصبر في بطن الحوت"فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ" القلم :48..، ولولا أنه كان من المسبّحين قبل أن يبتلعه الحوت للبث في بطنه إلى يوم يبعثون ، لذلك العبادة في وقت الرخاء تجلب الفرج في وقت الشدة، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، ولذلك لما نادى يونس في بطن الحوت؛ عرفت الملائكة صوته لأنها كانت تسمعه وهو يذكر الله في حال الرخاء..
    3- اليأس أعظم عوائق الصبر، ولذلك حذر يعقوب أولاده منه "يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ" يوسف:87 "وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ" ال عمران:139
    ، "وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ" محمد:35، إذاً إضاءة شمعة الأمل دواء اليأس والاستعانة بالله هي الأمل ، لأن الله لا يخيب ولا يضيع من رجاه ويأتي الفرج ولو بعد حين..



    التأمل في قصص الصابرين من أعظم الأسباب المعينة على الصبر:
    فهذا نوحٌ عليه السلام صبر في دعوته لقومه صبراً عظيماً دام ألف سنة إلا خمسين عاماً جاهد ودعوة، وصبر على الإيذاء والسخرية، اتهموه بالجنون والسحر والضلال وهو يقابل ذلك بالصبر حتى قالوا:
    "لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ" الشعراء :116
    ، وصبر..


    إبراهيم تعرض لمحنة عظيمة ويصبر صبر الموحد الموقن بوعد الله، حتى لما ألقي في النار قال: "حسبي الله ونعم الوكيل"، حتى لما أُمِر بذبح ولده صبر وهمّ بذبح الولد ، وأخذ السكين وأضطجع الولد استسلاماً لأمر الله، والله ابتلاه بهذا الأمر فصبر.
    وموسى واجه التهديد والإيذاء من قومه وقوم فرعون قبلهم، فصبر على دعوة قومين!.
    والنبي صلى الله عليه وسلم قال لما تذكر أخيه موسى: { يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر}.
    إبراهيم لما أُمِر بترك ولده وهو حديث عهد ولادة ، وقد كان عقيماً ، جاءه اسماعيل بعد سنوات طويلة جداً وهو شيخ كبير، وجاءه الأمر من الله اتركه وأمه في وادٍ غير ذي زرع!، مانال الخليل هذه المرتبة من شيء قليل، فمضى ولم يلتفت ولم يتحسر ولم يتردد ، حتى قالت هاجر: لمن تتركنا؟آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، فرجع للشام ورزقه الله من سارة بإسحاق ومن ورائه يعقوب.
    وعيسى عانى من بني إسرائيل من التهم الباطلة، تآمروا على قتله وصلبه وصبر حتى رفعه الله إليه.
    وخاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم كم تعرض للأذى والاضطهاد، قالوا عنه مجنون ساحر كذاب خائن، وأشد شيء على الصادق أن يتهم بالكذب ,أشد شيء على العاقل أن يقال عنه مجنون، وأشد شيء على الأمين أن يتهم بالخيانة، وأشد شيء على المؤمن أن يقال عنه شاعر ساحر به جنّة، وهو أكمل الخلق وأصدقهم وأعقلهم ، ووضعوا الشوك وأخرجوه من بلده ، وذهب للطائف يعرض نفسه على القبائل، وأحسّ بالاضطهاد وخرج من مكة لا يدري من الهم لم يستفق إلى في قرن الثعالب، حتى تآمروا على قتله" لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ" الانفال :30، وقتلوا بعض أصحابه وعذبوا بعضهم، وأشد شيء على النبي أن يرى أتباعه يضطهدون ويقتلون أمامه، يمر عليهم فيقول: ( صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة)، وهكذا صبر صلى الله عليه وسلم حتى أتاه اليقين من ربّه بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة حتى لما ذهب المدينة لا يُظَنّ أن مجالات الصبر قد خفّت لأنه عانى من المنافقين معاناة عظيمة، يكفي حادثة الإفك، وصبر على كيد اليهود ، ووضعوا له السم، وكانت نوبات الحمى تنتابه حتى مات في آخر نوبة منها فكان في ذلك أجله وهكذا أصحابه، بلال ، سمية،صهيب،عمار، مقداد ، أبو بكر، صهروهم في الشمس وعذبوهم..
    وهذا الصحابي خبيب ، يسجن ليقتل ويصلب..

    ولست أبالي حين أقتل مسلماً
    على أي جنبٍ كان في الله مصرعي

    المرأة التي قُتِل أبوها وأخوها وزوجها في يوم أحد فصبرت على ما حصل لها من هذه الأقدار، فماتوا في رفعة الدين ونصرة الدين وجهاد الكفار، وهكذا سار على هذا المنوال التابعون وتابعو التابعين..
    عروة بن الزبير من أفاضل التابعين وأخيار التابعين، كان له ولد اسمه محمد من أحسن الناس وجهاً، دخل على الوليد في ثياب جميلة فقال الوليد:هكذا تكون فتيان قريش، ولا دعا بالبركة فقالوا أنه أصابه بالعين،خرج هذا محمد بن عروة بن الزبير من المجلس فوقع في اصطبل للدواب فلا زالت الدواب تطأه حتى مات، ثم مباشرة وقعت الآكلة(الغرغرينا)في رجل عروة وقالوا لابد من نشرها بالمنشار وقطعها حتى لا تسري لأماكن الجسد فيهلك، فنشروها فلما وصل المنشار إلى القصبة(وط الساق) وضع رأسه على الوسادة فغشي عليه ثم أفاق والعرق يتحدّر من وجهه وهو يهلل ويكبّر ويذكر الله، فأخذها وجعل يقلبها ويقبلها في يده وقال: ((أما والذي حملني عليك إنه ليعلم أنني ما مشيت بك إلى حرام ولا إلى معصية ولا إلى ما لا يرضي الله))، ثم أمر بها فغسلت وطيبت وكفنت وأمر بها أن تقدم إلى المقبرة، لما جاء من السفر بعد أن بترت رجله وفقد ولده قال لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً ، ولما قالوا: نسقيك شيئاً يزيل عقلك؟قال: إنما ابتلاني ليرى صبري، ورفض.




    أبوقلابة ممن ابتلي في بدنه ودينه،وأريد على القضاء وهرب إلى الشام فمات بعريضة وقد ذهبت يداه ورجلاه وبصره وهو مع ذلك حامد شاكر.



    أحمد بن بنصر الخزاعي من كبار علماء السلف كان قوالاً بالحق آمراً بالمعروف، نهاءً عن المنكر ،ثبت في محنة خلق القرآن، حملوه إلى سامراء فجلس مقيداً وعرض عليه الرجوع عن القول بأن القرآن كلام الله المنزل وعرض عليه القول بخلق القرآن فرفض ، وقاموا عليه بحرب نفسية وجسدية..، فيقوم القاضي عند خليفة السوء فيقول إنه حلال الدم، ووافقه من كان حاضراً، وأحمد بن أبي دؤاد قال شيخ كبير ، يتظاهر بالشفقة عليه، فقال الخليفة:ما أراه إلا مؤدياً لكفره فأخذ السيف وقال إني أحتسب خطاي إلى هذا الكافر..!، فضرب به عنقه بعد أن مدوا رأسه بحبل، ونصب رأسه بالجانب الشرقي من بغداد، يقول أحد أهل العلم جعفر بن محمد الصائغ رأيت أحمد بن نصر الخزاعي حين قُتِل قال رأسه لا إله إلا الله وهذا من كراماته رحمه الله، قال الإمام أحمد رحمه الله عنه: جاد بنفسه في سبيل الله.
    والإمام أحمد نفسه كيف صبر في محنة خلق القرآن؟، حُمِل هو ومحمد بن نوح وهو شاب وليس عالماً لكن صبر مع الإمام أحمد ، فحُمِل إلى المأمون، يشاء الله أن محمد بن نوح يمرض ويوصي الإمام أحمد: أنت إمام وأنا أموت ولا أحد يأبه لي، فاصبر..، ويموت محمد في الطريق، ويؤخذ الإمام أحمد رحمه الله مقيد ، ودخل عليه بعض الناس قبل الدخول على الخليفة ( هناك أحاديث في التقية والمرء عند الشدة يمكن أن يورِّي حتى تمضي العاصفة)، قال: كيف تصنعون بحديث خبّاب؟ إنه من كان قبلكم يُنشَر أحدهم بالمنشار ثم لا يصده ذلك عن دينه فيئسوا منه وتركوه، وقال اللهم لا تريني وجه المأمون،فمات المأمون قبل أن يصل أحمد، ووصل الخليفة الذي بعده والمحنة مازالت مستمرة، فيقول له: يا أحمد إنها والله نفسك ، إنه لا يقتلك بالسيف ولكن يضربك ضرباً بعد ضرب حتى تموت ، قال ناظَر ابن أبي دؤاد، فأسكت، هاتوا شيء من القرآن أقول به، هاتوا شيء من السنة أقول به فلا يأتون بدليل، يقول الخليفة لأحمد :تعرف صالح الرشيدي؟،قال :سمعت باسمه، قال:كان مؤدبي، فسألته عن القرآن فخالفني، ولما خالفني وأصر على أن القرآن غير مخلوق أُمِرت به فوطيء وسُحِبَ حتى مات، قال: هاتوا العقابين والسياط، قال:اءتوني بغيرها، ثم قال الخليفة للجلادين : تقدموا واضربوه ، وربطوا الإمام أحمد، وكل فرد منهم يضرب سوطين و بأقوى ما عنده ويقول الخليفة للجلاد: شدّ يداً قطع الله يدك..،لينال أحمد رحمه الله أعظم العذاب بالضرب على أيديهم، ثم يقول الخليفة علامَ تقتل نفسك إني عليك لشفيق وجعل ذلك القائم على رأسه الحارس ينخسه بالسيف، وذاك يقول ويحك يا أحمد ما أجبتني ، أجبني إلى أي شيء يكون لك فيه فرج حتى أطلقك فيقول: يا أمير المؤمنين أعطني شيئاً من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يأتي الجلاد ويضرب وهكذا تستمر عملية الضرب حتى قال ذهب عقلي فأفقت والأقياد في يدي فقال لي رجل كببناك على وجهك وجعلنا فوقك حصيراً ووطئنا عليك فقال ماشعرت بذلك، أتوني بأكل فقلت لا أفطر وكان صائماً، ثم جاؤوا به والدم يسيل في ثوبه فصلى فقال أحدهم: صليت والدم يسيل في ثوبك؟ قال أحمد:صلى عمر وجرحه يثعب دماً، ثم مكث في السجن ثم خُلّي عنه بعد 28 شهراً، ثم جُعِل في الإقامة الجبرية، في بيته، وليس هناك أصعب على العالم من أن يتوقف عن نشر العلم، سئل أحدهم عن الإمام أحمد رحمه الله فقال: رجل هانت عليه نفسه في سبيل الله فبذلها كما هانت على بلال نفسه، لولا أحمد لذهب الإسلام.
    فيا ضعيف العزم الطريق طويل..تعب فيه آدم.. وجاهد فيه نوح.. وألقي في النار إبراهيم.. واضطجع للذبح إسماعيل.. وشق بالمنشار زكريا وذبح الحصور يحيى وقاسى الضر أيوب وزاد على المقدار بكاء داود، واتهم بالسحر والجنون نبي الله الكريم وكسرت رباعيته وشج رأسه ووجهه وقُتِل عمر مطعوناً وذو النورين علي والحسين وسعيد بن جبير وعذب ابن المسيب ومالك..، فالشاهد أنه في النهاية لا سبيل إلا الصبر..
    ولذلك يقول عمر رضي الله عنه : " أدركنا أفضل عيشنا بالصبر"،يعني ما طابت الحياة إلا بالصبر مع مافيها من المنغصات والشدائد، فهو العمل القلبي الذي تطيب معه الحياة ولا تطيب بدونه، ولذلك ينبغي على العبد أن لا يفعل شيئاً ينافي الصبر ، مثل شكوى الخالق للمخلوق والتبرم والتضجر فإما أن يخبر الإنسان الطبيب بعلته ليداويه فلا بأس..
    والأنين .. الألم .. ما يحدث من صوت من المريض المتألم..، هناك أنين استراحة وتفريح فلا يكره، وأنين شكوى فيكره ففيه تفصيله..
    ومما ينافي الصبر ما يحدث من النائحات وغيرهم وحتى من الرجال الآن من لطم الرأس والخد و ضرب الوجه باليدين والكفين والنياحة.. واويلاه.. واثبوراه..
    ولذلك فإن المسلم عليه أن يتقي الله سبحانه وتعالى وأن يسلك سبيل الصابرين، نسأل الله عزوجل أن يجعلنا منهم، وأن يرزقنا هذا الخلق الكريم، إنه جواد كريم..





    أسئلة من درس الصبر



    كيف يصبر الإنسان على غض البصر عن المحرمات؟
    يصبر بأمور فمن ذلك أن لا يغشى الأماكن التي فيها هذه المنكرات،يبتعد عن الفتن ويفر منها، ثم إذا علم حلاوة غض البصر ومافيه من الأجر وما يورثه الله في قلبه من عاقبة الصبر عليه هان عليه غض البصر، ثم إذا علم مناتن الصورة في ذهنه فهو مفيد في النفرة وعدم التعلق..




    زوجها يفرض عليها حضور حفلات فيها أقاربه وفيها مزامير فإذا امتنعت تعتبر عاصية له؟
    نعم لكنها معصية واجبة، يجب أن تعصي زوجها لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وهناك طاعة أوجب من طاعة الزوج.




    كلام المرأة في البال توك مع الرجال؟
    باب فتنة عظيم، وسبق التنبيه عليه والتحذير منه، والتي تريد أن تكتب شيئاً في مكان بأسلوب شرعي مؤدب تكتب ويُعلّق أما الحوارات المباشرة فلا لأنها طريق فتنة.




    إذا لم تدرس فإن أمها ستغضب عليها والدراسة فيها منكرات؟
    لا طاعة لمخلوق في طاعة الخالق، فإذا كانت الدراسة مختلطة، والبنت عليها خوف وخشية من هذه الأماكن المختلطة، فإنها لا تطيع أمها ولا أباها في هذا، وتنتظر فرج الله بزوج ينقذها من المحنة التي هي فيها.
    ذهبنا إلى مكة لزيارة أحد الأصدقاء،وأدوا صلاة العصر ، هل يلزم الإحرام؟
    من أدى عمرة الفريضة من قبل فلا يلزمه أن يدخل مكة محرماً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة وقد دخل وعلى رأسه المغفر، مادام أدى عمرة وحج الفريضة فلا يجب عليه الإحرام ولو كان في وقت الحج.
    التعديل الأخير تم بواسطة محبة المساكين ; 07-12-2011 الساعة 07:18 PM سبب آخر: تنسيق الموضوع

  8. #8


    تاريخ التسجيل : Nov 2011
    رقم العضوية : 107803
    الجنس: أنثى
    المشاركات : 35
    التقييم : 1456
    فريق عمل تفريغ الدروس غير متواجد حالياً

    رد: سلسلة اعمال القلوب للشيخ محمد صالح المنجد

    الدرس الثامن
    المحاسبة
    المحاسبة قضية مهمة للغاية ، تدور عليها السعادة ولا يحصل الصلاح إلا بها..

    محاسبة النفس أمر عظيم جداً، المحاسبة لا تصلح النفس إلا بها، المحاسبة من قام بها اليوم أمِن غداً ،المحاسبة أن تنظر في نفسك وتتأمل فيها وتعرف عيوبها، المحاسبة لا نجاة إلا بها (( يوم يبعهم الله جميعاً فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد)).المجادلة6

    المحاسبة تصدر من التأمل في هذه النصوص:

    ((يومئذ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شرّاً يره)).الزلزلة 8

    المحاسبة انطلاقاً من آثار قوله تعالى: ((يوم تجد كلا نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد))..ال عمران 30

    المحاسبة تنطلق من الإيمان باليوم الآخر وأن الله يحاسب فيه الخلائق وقد حذرنا الله ذلك اليوم فقال: (( واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون)).البقرة281

    المحاسبة تنطلق من الإيمان بأسماء الله وصفاته وأنه تعالى الرقيب المهيمن المطّلع على ما تعمل كل نفس وأنه شهيد على أعمالنا فهو الشهيد على أعمال عباده، جعل علينا كراماً كاتبين يحصون أعمالنا(( ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مالهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ماعملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً))الكهف.49

    المحاسبة تنطلق من إيمان الإنسان بالهدف، بالغرض، أن يعلم أنه لأي شيء خُلِق ((أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون))المؤمنون115 ((أيحسب الإنسان أن يترك سدى)).القيامة36

    محاسبة النفس طريقة المؤمنين وسمة الموحدين وعنوان الخاشعين ، فالمؤمن متق لربه محاسب لنفسه مستغفر لذنبه ، يعلم أن النفس خطرها عظيم، وداؤها وخيم ، ومكرها كبير وشرها مستطير، فهي أمارة بالسوء ميالة إلى الهوى،داعية إلى الجهل، قائدة إلى الهلاك،توّاقة إلى اللهو إلا من رحم الله، فلا تُترك لهواها لأنها داعية إلى الطغيان ، من أطاعها قادته إلى القبائح ، ودعته إلى الرذائل،وخاضت به المكاره،تطلعاتها غريبة،وغوائلها عجيبة،ونزعاتها مخيفة، وشرورها كثيرة، فمن ترك سلطان النفس حتى طغى فإن له يوم القيامة مأوىً من جحيم ((أما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى))النازعات39،وعلى النقيض(( وأما من خاف مقام ربه ونهة النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى)).النازعات 40

    الدليل على المحاسبة من القرآن الكريم
    الآية التي أمرنا الله فيها بالمحاسبة هي قوله تعالى :((يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون * ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم))الحشر19 تنظر أي تفكر وتتفكر.

    يقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي – رحمه الله - : يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بما يوجبه الإيمان ويقتضيه من لزوم تقواه سراً وعلانية في جميع الأحوال وأن يراعوا ما أمرهم الله به من أوامره وحدوده وينظروا مالهم وما عليهم وماذا حصلوا عليه من الأعمال التي تنفعهم أو تضرهم يوم القيامة فإنهم إذا جعلوا الآخرة نصب أعينهم وقبلة قلوبهم واهتموا للمقام بها اجتهدوا في كثرة الأعمال الموصلة إليها وتصفيتها من القواطع والعوائق التي توقف عن السير أو تعوقهم أو تصرفهم، وإذا علموا أن الله خبير بما يعملون لا تخفى عليه أعمالهم ولا تضيع لديه ولا يهملها أوجب لهم الجد والاجتهاد.

    وقال الشيخ عن هذه الآية: وهذه الآية الكريمة أصل في محاسبة العبد نفسه وأنه ينبغي له أن يتفقدها فإن رأى زللاً تداركه بالإقلاع عنه والتوبة النصوح والإعراض عن الأسباب الموصلة إليه وإن رأى نفسه مقصراً في أمر من أوامر الله بذل جهده واستعان بربه في تتميمه وتكميله وإتقانه ويقايس بين منن الله عليه وبين تقصيره هو في حق الله فإن ذلك يوجب الحياء لا محالة، والحرمان كل الحرمان أن يغفل العبد عن هذا الأمر ويشابه قوماً نسوا الله وغفلوا عن ذكره والقيام بحقه وأقبلوا على حظوظ أنفسهم وشهواتها فلم ينجحوا ولم يحصلوا على طائل بل أنساهم الله مصالح أنفسهم وأغفلهم عن منافعها وفوائدها فصار أمرهم فرطاً فرجعوا بخسارة الدارين وغبنوا غبناً لا يمكن تداركه ولا يجبر كسره لأنهم هم الفاسقون.

    وقد قال تعالى في كتابه العزيز : (( وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون))النور31، فإذاً ينبغي على العبد أن ينظر في حاله ويحاسبها ويتوب من التقصير فالمحاسبة تقود إلى التوبة (( إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون)).

    ولا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة شريكه(( والشريكان يتحاسبان عند نهاية العمل))، ورُوي عن عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال لها عند الموت :[ماأحد من الناس أحب إليّ من عمر]، ثم قال : كيف قلت؟ فأعادت عليه كلامه، فقال: [لا أحد أعزّ عليّ من عمر]. فانظر كيف نظر بعد الفراغ من الكلمة فتدبرها وأبدلها بكلمة أخرى لأنه رآها أنسب وأحسن وأدق وأصدق..

    قال الحسن البصري رحمه الله: [ المؤمن قوّام على نفسه يحاسبها لله وإنما خفّ الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شقّ الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة] ثم قال: [ المؤمن يفجأه الشيء يعجبه فيقول والله إنك تعجبني وإنك من حاجتي ولكن هيهات !حيلي بيني وبينك!]، هذا نموذج من الحساب لشيء يعرض للإنسان مزيّن ويعجبه وتميل إليه نفسه ولكنه يتركه لأنه ليس من مصلحته في الآخرة ، [ ويفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه فيقول ماذا أردتِ بهذا؟!!]، يفرط أي يسبق ويحصل ويقع.

    قال أنس بن مالك رضي الله عنه سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوماً وقد خرج وخرجت معه حتى دخل حائطاً فسمعته يقول بيني وبينه جدار[ يا أمير المؤمنين!بخٍ!بخٍ!والله لتتقين الله أو ليعذبنّك!]، فهو يذكر نفسه بأن هذا اللقب أمير المؤمنين لا يغني عنه من الله شيئاً..

    قال الحسن البصري رحمه الله في قوله تعالى: ((ولا أقسم بالنفس اللوامة))القيامة 2: [ لا يلقى المؤمن إلا وهو يعاتب نفسه، ماذا أردت بكلمتي؟ماذا أردت بأكلتي؟ماذا أردت بشربتي؟والفاجر يمضي قدماً لا يعاتب نفسه].

    وقال مالك بن دينار رحمه الله : رحم الله عبداً قال لنفسه ألستِ صاحبة كذا ؟ ألست صاحبة كذا؟ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمّها ثم خطمها ثم ألزمها كتاب الله تعالى فكان لها قائداً. وهذا من حساب النفس.

    وقال ميمون بن مهران: [ التقي أشد محاسبة لنفسه من سلطان غاشم ومن شريك شحيح].

    وقال إبراهيم التميمي: [مثلت نفسي في الجنة آكل من ثمارها وأشرب من أنهارها وأعانق أبكارها ثم مثلت نفسي في النار آكل من زقومها وأشرب من صديدها وأعالج سلاسلها وأغلالها فقلت لنفسي : يا نفس أي شيء تريدين؟قالت: أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحاً، قال:فأنتِ في الأمنية فاعملي إذاً لتكوني في الجنة في ذلك النعيم].

    قال ابن القيم في إغاثة اللهفان: [إن سائر أمراض القلب إنما تنشأ من جانب النفس فالمواد الفاسدة كلها إليها تنصبّ ثم تنبعث منها إلى الأعضاء وأول ما تنال القلب].

    وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبة الحاجة: (( الحمد لله نستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا))[رواه الترمذي].

    وقد استعاذ صلى الله عليه وسلم من شرها عموماً ومن شر ما يتولد منها من الأعمال ومن شر ما يترتب على ذلك من المكاره والعقوبات وجمع الاستعاذة من سيئات النفس وسيئات الأعمال فهذا معناه أن هناك أمرين:

    1- أعوذ بك من هذا النوع من الأعمال.
    2-
    المراد به عقوبات الأعمال التي تسوء صاحبها.
    فاستعاذ من صفة النفس وعملها أو استعاذ من العقوبات وأسبابها ويدخل العمل السيء في شر النفس لأن النفس الشريرة تولد سيء العمل فاستعاذ منهما جميعاً..

    وهذا العمل الذي يسوء صاحبه يوم القيامة وهذه النفس الشريرة التي تأمر بسيء العمل؛لابد من محاسبتها وقد اتفق السالكون إلى الله على اختلاف طرقهم وتباين سلوكهم على أن النفس قاطعة بين القلب وبين الوصول إلى الرب وأن لا يُدخل على الله سبحانه ولا يوصل إليه إلا بعد الظفر بالنفس وكفها عن الشر فإن الناس قسمين:

    1- قسم ظفرت به نفسه فملكته وأهلكته وصار طوعاً لنفسه الشريرة الأمّارة بالسوء تحت أوامرها ويعمل على هواها.
    2-
    قسم ظفروا بأنفسهم فقهروها فصارت طوعاً لهم منقادة لأمرهم.
    قال بعض أهل الإيمان والحكمة: (( انتهى سفر الطالبين إلى الظفر بأنفسهم فمن ظفر بنفسه؛ أفلح وأنجح، ومن ظفرت به نفسه خسِر وهلك)).

    (( فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى)).النازعات 40


    ومن لم يحاسب نفسه فاته من الخير بقدر ما فاته من المحاسبة ولذلك على المسلم أن يصون نفسه عن المحرمات ويبتعد عن الشبهات ولا سيما أهل العلم فمن لم يصن نفسه بهذا لم ينفعه علمه لأن العلم للعمل كالسلاح للمجاهد فإذا لم يستعمله ماذا يفيده؟**!، وكالأطعمة المدخرة للجائع إذا لم يأكل منها فبماذا تنفعه؟!


    يحاول نيل المجد والسيف مغمدٌ

    ويأمل إدراك العُلا وهو نائم!


    إذاً بدون محاسبة لا يمكن الوصول والذي لا يصون نفسه عن ما يخرم المروءة وعن ما يُكره بعد ما يصونها عن الحرام فهذا إنسان هالك ، فصيانة النفس أصل الفضائل لأن من أهمل نفسه إتكالاً على العلم الذي عنده ( وهذه آفة ينزلق إليها بعض طلبة العلم) ربما لا يحاسبون أنفسهم إتكالاً إلى العلم الذي عندهم فربما يكون هنا الجاهل أو العامي أفضل من هذه الجهة لأنهم يحسون أن أنفسهم قاصرة فيحاسبون ويفتشون ، أما بعض الناس الذي يطغيهم العلم فلا يحاسبون أنفسهم ويتكلون على العلم الذي معهم لأنه يرون به رفعة درجة فلماذا يحاسبون فيتركون الحساب والمحاسبة فتظهر القبائح والعورات فيكون الحسد منهم واتباع الهوى والتنازلات في الفتاوى والأخطاء.



    فلذلك محاسبة العلماء لأنفسهم وطلبة العلم ينبغي أن تكون أشد ما تكون لأنه إن حاسب نفسه انتفع ونفع الناس وإذا ترك محاسبة نفسه ضلّ وأضلّ، الجاهل لا يقتدي به أحد، لكن هذا الذي ينصب نفسه قدوة في الدعوة والعلم ثم لا يحاسب نفسه يُهلك..!


    أيها العالم إياك الــــزلل

    واحذر الهفوة والخطب الجلل!

    هفوة العالم مستعظــــمة

    إذ بها أصبح في الخلق مثل!

    وعلى زلّته عمدتهـــــــم

    فبها يحتج بها من أخطأ وزلّ

    لا تقل يستر عليّ العلم زلّتي

    بل بها يحصل في العلم خلل

    إن تكن عندك مستحقــــرة

    فهي عند الله والناس جبل

    ليس من يتبعه العلــــم في

    كل ما دقّ من الأمر وجلّ

    مثل من يدفع عنــــه جهله

    إن أتى فاحشة قيل قد جهل

    انظر الأنجم مهما ســـقطت

    من رآها وهي تهوي لم يُبل

    فإذا الشمس بدت كاســـــفة

    وَجِل الخلق لها كل الوجل

    وتراءت نحوها أبصـــــارهم

    في انزعاجٍ واضطرابٍ ووجل

    وسرى النقص لهم من نقصها

    فغدت مظلمة منها السُبُل

    وكذا العالِم في زلّتــــــــــه

    يفتن العالم طُرّاً و يُضِلّ!

    فنحن نرى الآن نماذج كثيرة من إضلال بعض هؤلاء في الفتاوى المتساهلة لأنهم لا يحاسبون أنفسهم وبالتالي يقعون في المزالق وما استقطبهم أهل الشر إليه من الأفخاخ التي نصبوها لهم فقعوا فيها وجاملوا على حساب الدين..
    فينبغي على كل الناس أن يحاسبوا أنفسهم الذين عندهم علم والذين ليس لديهم علم، فالذي لديه علم يحاسب نفسه هل عمل به؟وهل هو يقوم به لله؟ وهل يبلغه؟أم يكتمه؟ وهل هو مقصّر فيه؟ وهل عبد ربه به؟وهل بذله للناس صحيحاً أم راعة أهواء بعض القوم فسهّل لهم أشياء بزعمه؟، أما صاحب الجهل فيحاسب نفسه، كيف يعبد الله على جهل؟متى يزيل الجهل؟كيف يزيله؟إلى متى يبقى؟كيف يتعلم؟ وبماذا يبدأ.... وهكذا..

    والنفس تدعو إلى الطغيان وإيثار الحياة الدنيا، والرب يدعو العبد إلى خوفه ونهي النفس عن الهوى والقلب بين الداعيين، يميل إلى هذا الداعي مرة وإلى هذا مرة وهذا موضع الابتلاء والمحنة..

    وقد وصف الله النفس في القرآن الكريم بثلاثة أوصاف: المطمئنة واللوامة والأمّارة بالسوء..

    فالنفس إذا سكنت إلى الله واطمأنت بذكره وأنابت إليه واشتاقت إلى لقائه وأنست بقربه فهي نفس مطمئنة، وهي التي يقال له عند الوفاة (( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي))الفجر 30، المؤمن اطمأنت نفسه إلى وعد الله ، النفس المطمئنة بما قال الله والمصدقة بما قال، النفس المطمئنة هي المنيبة المخبتة التي أيقنت أن الله ربها، وضربت جأشاً لأمره وطاعته وأيقنت بلقائه..[ هذه أقوال ابن عباس وقتادة والحسن ومجاهد].

    وحقيقة الطمأنينة السكون والاستقرار فسكنت إلى ربها نتيجة طاعته وذكره واتباع أمره ولم تسكن إلى سواه، فاطمأنت إلى محبته وعبوديته والإيمان بخبره ولقائه، واطمأنت إلى التصديق بحقائق أسمائه وصفاته، وللرضا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً، واطمأنت إلى قضائه وقدر وإلى كفايته وحسبه وأن الله يدافع عنها ويكفيها الشرور وكيد الكائدين والحاسدين والأعداء، فاطمأنت بأنه وحده ربها وإلهها ومعبودها ومليكها ومالك أمرها كله وأن مرجعها إليه ولا غنى لها عنه طرفة عين..

    وعلى الضد النفس الأمارة بالسوء ، تأمر صاحبها باتباع الشهوات من الغي والباطل فهي مأوى كل سوء، تقوده إلى القبيح والمكروه..

    وقال أمّارة ولم يقل آمرة!!، أمّارة صيغة مبالغة ، وهو أبلغ، فهي كثيرة الأمر بالسوء إلا إذا رحمها الله فجعلها زاكية تأمر صاحبها بالخير فعند ذلك تكون شيئاً آخر..، والنفس أصلاً خُلِقت ظالمة جاهلة إلا من رحمها الله، والإنسان ظلوم كفار((أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً))النحل،78 نعم أوجد عندهم الاستعداد الفطري لقبول الحق إذا عُرِض عليهم بغير مؤثرات خارجية مفسدة (( فطرة الله التي فطر الناس عليها))الروم30، لكن بدون تعلم ؛ النفس تبقى جاهلة فيها هوى ولو تركت بدون تربية وتروض تدعو إلى الطغيان وتميل إلى الشر ، والعدل والعلم طارئ عليها وليس أصل فيها..

    الأصل في النفس ليس أنها صاحبة علم وعدل!!، الأصل في النفس الجهل والظلم! الإنسان ظلوم جهول! كما أخبر الله سبحانه وتعالى إلا من رفع الجهل بالعلم ورفع الظلم بالعدل، وألزم نفسه العلم والعدل فقام عليها بهما فعند ذلك تلهم رشدها وتتوقّى الظلم والجهل، ولولا فضل الله ورحمته على المؤمنين ما زكى منهم نفس واحدة..، فإذا أراد بها خيراً جعل لها اتجاهاً إلى العلم ومجاهدة في العدل..

    وسبب الظلم في النفس الأمارة بالسوء إما الجهل وإما الحاجة، ولذلك كان أمرها بالسوء لصاحبها لازماً لها إلا إذا أدركته رحمة الله..، وبذلك يعلم أن العبد مضطر إلى الله دائماً محتاج إلى ربّه باستمرار(( إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي))يوسف،53 فإذاً الإنسان محتاج إلى الرب حتى يكفى شر نفسه،سائلاً إياه أن يعينه على شر نفسه، وضرورة العبد إلى ربه فوق كل ضرورة،وأكثر من ضرورته للطعام والشراب والنَّفَس..

    أما النّفس اللوامة فقال بعضهم: من التلّوُّم وهو التلوّن والتردد،وقال بعضهم: من اللوم وهذا أرجح، لأنه لو كان من التلون والتردد لقال ((ولا أقسم بالنفس المتلومة)) المتلونة والمترددة، لكن الأرجح أن اللوامة من اللوم ، تلوم صاحبها على الخير وعلى الشر، حتى يوم القيامة يمكن أن تلومه نفسه ،إن كان محسناً لماذا لم يزدد إحساناً وهذه مراتب الجنة أمامه، وإن كان مسيئاً لماذا عمل السوء ، وهذه النار أمامه؟!فهي تلومه في الدنيا وتلومه في الآخرة!!، تلوم المسيء أن لا يكون رجع في إساءته وتلوم المحسن أن لم يزدد إحساناً، فإذاً النفس اللوامة في الخير والشر؛نفسٌ مخلّطة فيها خير وشر، فتلوم صاحبها على الخير، لماذا لم تزدد منها وتلومه على الشر لماذا وقع فيه.

    إن المؤمن والله ما تراه إلا يلوم نفسه على كل حالاتها، يستقصرها في كل ما يفعل فيندم ويلوم نفسه، وإن الفاجر ليمضي قدماً لا يعاتب نفسه كما قال الحسن البصري رحمه الله .

    فإذاً اللوم صفة لهذه النفس، فالنفس تارة تكون أمارة بالسوء وتارة لوامة وتارة مطمئنة!، إذاً ليس بشرط أن تكون النفس عند فلان من الناس دائماً مطمئنة أو دائماً أمارة بالسوء ، قد تكون ساعات هكذا وهكذا!!، بل في اليوم الواحد والساعة الواحدة يحصل فيها هذا وهذا والحكم للغالب عليها من أحوالها.

    فكونها مطمئنة وصف مدح لها، وكونها أمارة بالسوء وصف ذمٍّ لها ، وكونها لوّامة ينقسم إلى مدح وذم بحسب ما تلوم عليه وهذه حال النفس..

    كثيراً ما يكون الإنسان المسلم العادي يمر في حالات نفس مطمئنة كأن يكون في عبادة(صلاة التراويح-في الحرم-في عمرة- في عرفة)، وتارة أمارة بالسوء(إجازات- سياحة- سفريات – معاصي) ، وتارة لوامة تلوم صاحبها في الخير والشر.

    ومحاسبة النفس من علاج مرض القلب لأن مرض القلب لا يمكن إزالته وعلاجه إلا بمحاسبة النفس ومخالفتها فعندنا مبدآن في التعامل مع النفس ، المحاسبة يتبعها المخالفة، وهلاك القلب من إهمال محاسبتها ومن موافقتها واتباع هواها، لذلك العاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني..!

    وعمر بن الخطاب رضي الله عنه قال كلاماً مشهوراً محذراً من الإهمال في محاسبة النفس وأنه يقود إلى الهلاك يوم القيامة : [ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أنفسكم (أعمالكم) قبل أن توزنوا فإنه أهون عليكم في الحساب غداً أن تحاسبوا أنفسكم اليوم]، وقال صلى الله عليه وسلم : ((من نوقش الحساب عُذِّب))، فكيف يتلافى المرء مناقشة الحساب غداً؟!!، بمحاسبة النفس اليوم.

    والحساب اليسير صاحبه ناجٍ وسينقلب إلى أهلها مسروراً، أما حاسبناها حساباً شديداً وعذبناها عذاباً نكراً فهذا الحساب الشديد نتيجة عدم المحاسبة الآن..

    وتزينوا للعرض الأكبر((يومئذٍِ تعرضون لا تخفى منكم خافية))الحاقة18، فقال الحسن رحمه الله : (( لا تلقى المؤمن إلا ويحاسب نفسه ، ماذا أردتِ تعملين؟ماذا أردتِ تشربين؟ماذا أردتِ تأكلين؟))، وقال قتادة في قوله (وكان أمره فرطاً): [ أضاع نفسه وغُبِن]، يحفظ ماله ويضيع دينه!

    قال الحسن: [ إن العبد لايزال بخير ما كان له واعظ من نفسه وكانت المحاسبة من همته].

    ويوجد واعظ في قلب كل مسلم إذا أراد أن يدخل في باب حرام قال: ويلك لا تفتحه، إنك إن تفتحه تلجه!، لا تزح الستار عن باب الحرام، إنك لو نظرت انجذبت، ويلك لا تفتحه، إنك إن تفتحه تلجه!..

    قال ميمون بن مهران: [ النفس كالشّريك الخوّان إن لم تحاسبه؛ ذهب بمالك!].

    المحاسبة وقت الرخاء سهلة بالنسبة للمحاسبة في وقت الشدة، فرحم الله عبداً قال لنفسه ألستِ صاحبة كذا وكذا؟! هذا نوع من الحساب على المعاصي ، وحساب على النوايا كقولك ماذا أردتِ بالعمل والأكلة والشربة..

    تعريف المحاسبة

    في اللغة: مصدر من حاسب يحاسب مأخوذ من حسب حسبتُ الشيء أحسبه حسباناً وحساباً إذا عددته والحساب والمحاسبة عدُّك الشيء.

    هذا إذاً العدّ هو معنى المحاسبة في اللغة، فكأنك إذا جئت تطبقه بالمعنى الاصطلاحي عدّ السيئات.. عدّ العيوب.. وهكذا..

    عرّف الماوردي المحاسبة فقال: [ أن يتصفح الإنسان في ليله ما صدر من أفعال نهاره فإن كان محموداً أمضاه وأتبعه بما شاكله وضاهاه وإن كان مذموماً استدركه إن أمكن وإن لم يمكن فيتبعها بالحسنات لتكفيرها وينتهي عن مثلها في المستقبل].

    وعرّف بعضهم المحاسبة بأنها: [ قيام العقل على حراسة النفوس من الخيانة ليتفقد زيادتها ونقصانها، وأنه يسأل عن كل فعل يفعله لمَ فعلته ، فإن كان لله مضى فيه و إن كان لغير الله امتنع عنه وأنه يلوم نفسه على التقصير والخطأ وإذا أمكن المعاقبة أو صرفها إلى الحسنات الماحية].

    ومحاسبة النفس نوعان كما يقول ابن القيم رحمه الله: نوع قبل العمل ونوع بعد العمل..

    1- محاسبة النفس قبل العمل
    أن يراعي الهمّ والخواطر والإرادات والعزائم التي في نفسه ، فالنفس لها إرادة وعزيمة وهم، تهم بالشيء، فمن أصدق الأسماء الحارث وهمّام ، لأن النفس تهمّ وتحرث، فلها همّ وعمل، فإذاً يبدأ بالمحاسبة على ما همّ به وما أراده وما خطر بباله، فالمحاسبة تبدأ من مرحلة الخواطر والإرادات والعزائم ، وهذه محاسبة قبل العمل، فيفكّر في إرادة العمل هذا هل هي في مصلحته ؟ فإن كان نعم أقدم عليه، وإن كان ليس في مصلحته تركه..

    ولذلك يقول الحسن رحمه الله : [ رحم الله عبداً وقف عند همّه يحاسب فإن كان لله مضى وإن كان لغيره تأخر ولم يعمل].

    هذا النوع من المحاسبة مهم جداً في إيقاع الأعمال على الإخلاص، بدون المحاسبة هذه تقع الأعمال بغير الإخلاص فيهلك الإنسان وهو يعمل (( عاملة ناصبة "3"تصلى ناراً حامية)) الغاشية 4، فما استفاد من العمل شيء مع أن ظاهره أعمال صالحة لكن لأنها ليست لله.

    وكذلك ينظر ثانياً إذا تحركت نفسه لعمل من الأعمال وقف، هل هذا العمل مقدور عليه أو غير مقدور، فإن كان غير مقدور تركه حتى لا يضيع الوقت، وإن كان مقدوراً عليه وقف وقفة أخرى ونظر هل فعله خير من تركه أو تركه خير من فعله، فإن كان فعله خير من تركه عمله وإن كان تركه خيراً من فعله ..،وإذا كان فعله فيه مصلحة..هل سيفعله الآن والباعث عليه الله وإرادة وجهه أو الباعث عليه أمر آخر (جاه المخلوق وثنائهم ومالهم).

    وهذه المحاسبة مهمة جداً في وقاية النفس من الشرك الخفي، الأول يقيها من الشرك الأكبر والأصغر ويقيها أيضاً من الشرك الخفي، ولئلا تعتاد النفس الشرك وتقع في مهاوي الرياء، لذلك فإن هناك أربع مقامات يحتاج إليها العبد في محاسبة نفسه قبل العمل:

    1- هل هو مقدور له.
    2- هل فعله خير من تركه.
    3- هل هو يفعله لله.
    4- ماهو العون له عليه.
    والاستعانة طبعاً بالله (( إياك نعبد وإياك نستعين)).الفاتحة 5

    2- محاسبة النفس بعد العمل:
    وهو على ثلاثة أنواع:

    أولاً: محاسبتها على طاعة قصرت فيها من حق الله، مثل تفويت خشوع في الصلاة وخرق الصيام ببعض المعاصي أو فسوق وجدال في الحج، كيف أوقع العبادة؟هل على الوجه الذي ينبغي؟هل وافق السنة؟هل نقص منها؟ وحق الله في الطاعة ستة أمور:

    1- الإخلاص في العمل.

    1- النصيحة لله فيه.
    2- متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم .
    3-
    أن يحسن فيه ويتقن فيه.
    4-
    أن يشهد منّة الله عليه فيه أنه جاء توفيق من الله وتيسير للعمل الصالح وإعانة منه.
    5- أن يشهد تقصيره بعد العمل الصالح، وأنك مهما عملت لله فأنت مقصر.

    ثانياً: محاسبة على عمل كان تركه خير من فعله، وهذا يمكن أن يكون للمعاصي، أو اشتغال بمفضول ففاته الفاضل، مثل أن يشتغل بقيام الليل فتفوته صلاة الفجر، أو يشتغل بأذكار وغيرها أفضل منها، كما قال صلى الله عليه وسلم لأم المؤمنين: [ لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وُزِنَت بما قلتِ لوزنتهن: سبحان الله عدد خلقه،سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله مداد كلماته].


    ثالثاً: محاسبة على أمر معتاد مباح لمَ فعله؟ هل أراد به الله أم الدار الآخرة؟أم فاته الربح وعمله عادة؟، فتحاسب نفسك على الأمور المباحة والعادات، هل كان لك فيها نية صالحة أو ذهبت عليك؟

    فالمحاسبة تولد عنده أرباح مهمة يحتاجها يوم الحساب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر: [ أن الذي ينفق نفقة على أهله يحتسبها تكون له صدقة]، وأراد لفت النظر إلى أن ما ينفقه الناس على أهلهم بالعادة إذا كان فيه نية حسنة فليس خارجاً عن الصدقة بل داخل فيها وأجرها، حتى يتشجع الناس للإنفاق على أهليهم ولا يبخلوا على أولادهم ، بل يحتسبون الأجر بدون إسراف ولا تقتير.

    من أين نبدأ في محاسبة النفس؟

    قال ابن القيم رحمه الله – مختصر كلامه- : أن يبدأ بالفرائض فإذا رأى فيها نقص تداركه ثم المناهي "المحرمات" فإذا عرف أنه ارتكب منها شيئاً تداركه بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية ثم يحاسب نفسه على الغفلة عما خُلِق له، فإن رأى أنه غفل عما خُلِق له فليتدارك ذلك بالذكر والإقبال على الله ويحاسب نفسه على كلمات الجوارح من كلام اللسان ومشي الرجلين وبطش اليدين ونظر العينين وسماع الأذنين ماذا أردتُ بهذا ولمن فعلته وعلى أي وجه فعلته؟ السُبُل العملية.. التفكير في المجالات أين يتجه الإنسان عند المحاسبة..

    1-
    الفرائض ، ويجب أن نعرف أن جنس الواجبات في الشريعة أعلى من ترك المحرمات، كلاهما لابد من، لكن للفائدة فجنس فعل الواجب أعلى في الشريعة وأكثر أجراً من جنس ترك المحرم، لأن الواجبات هي المقصود الأصلي وهذه المحرمات ممنوعة، ولكن ماهو الأصل؟ أن تقوم بالواجبات، فأول ما يبدأ بالفرائض فإن رأى منها نقصاً تداركه ( الوضوء-الصلاة-الصيام بدون نية- كفارة اليمين)..، فاستدراك الخطأ في الواجبات نتيجة للمحاسبة، وهناك تقصير يمكن استدراكه وهناك آخر لا.
    2-
    المحرمات والمناهي..، فهناك أمور تحتاج التوقف الفوري(كسب حرام – عمل حرام)، وأشياء تدارُكها(التخلص من الأموال الحرام بعد التوبة-أكل حقوق العباد فيعيد المال إلى أصحابه)، وبعضها يحتاج إلى التحلل منها وطلب السماح ، وهناك أشياء لا يمكن تداركها إلا بالتوبة والندم وعقد العزم على عدم العودة والإكثار من الحسنات الماحية لأن الله تعالى قال: (( أقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات)).
    3-
    ثم يحاسب نفسه على الغفلة عما خُلِق له(الانغماس في الملاهي والألعاب مع أنها ليست حرام)، فيتدارك ذلك بأن يأتي بفترات طويلة تفوقها في الذكر والعبادة والأعمال الصالحة لتعويض الغفلة التي حدثت..

    وهناك طريقة أخرى للمحاسبة وهي محاسبة الأعضاء، ماذا فعلت برجلي؟بيدي؟بسمعي؟ ببصري؟ بلساني؟، المحاسبة على الأعضاء تعطي نتيجة فيكون الاستدراك بإشغال الأعضاء في طاعة الله، ثم المحاسبة على النوايا (ماذا أردت بعملي هذا؟ومانيتي فيه؟.
    والقلب من الأعضاء ولابد له من محاسبة خاصة لصعوبة المحاسبة في النوايا لأنها كثيراً ما تتقلب فسمّي القلب قلباً من تقلّبه..

    وينبغي للعبد كما أن له في أول نهاره توصية لنفسه بالحق أن يكون له في آخر نهاره ساعة يطالب نفسه فيها ويحاسبها على جميع حركاتها وسكناتها كما يفعل التجار في الدنيا مع الشركاء.

    فالمحاسبة لما ضرب لها العلماء مثل محاسبة الشريك الشحيح لشريكه فهذا فيه تدقيق، وهي صفة مهمة للمحاسبة؛ أن الإنسان يدقق مع نفسه ويفتّش الأمور تفتيشاً بالغاً، فقد يتناسى أشياء وهي خطيرة، ومع النفس لا تصلح المسامحة [ رحم الله امرءاً سمحاً إذا باع سمحاً إذا اشترى سمحاً إذا قضى سمحاً إذا اقتضى]، نعم يفوّت للناس ولكن مع نفسه لا يفوّت..! فينبغي أن يكون هناك تدقيق زائد للنفس.

    ومعاقبة النفس على التقصير مهمة بإلزامها بالفرائض والواجبات والمستحبات بدلاً من المحرمات التي ارتكبتها،والعجب أن الإنسان يمكن أن يعاقب عبده وأمته وأهله وخادمته وسائقه والموظف عنده على سوء الخلق والتقصير ولكن لا يعاقب نفسه على ما صدر عن نفسه من سوء العمل.

    ماهي العقوبات؟

    اسم العقوبات فيها تسامح وتجوّز، العقوبات المقصود منها أنك تلزم نفسك بطاعات، ولنضرب لذلك أمثلة من السلف كيف كانوا يعاقبون أنفسهم:

    -
    عاقب عمر بن الخطاب رضي الله عنه نفسه حين فاتته صلاة العصر في جماعة بأن تصدّق بأرض قيمتها مائتي ألف درهم!!
    -
    ابن عمر رضي الله عنهما كان إذا فاتته صلاة في جماعة أحيا تلك الليلة كلها، وأخّر ليلة صلاة المغرب حتى طلع كوكبان فاعتق رقبتين مع أن وقت الصلاة لم يخرج..!!
    -
    فاتت ابن أبي ربيعة ركعتا سنة الفجر فأعتق رقبة!!
    والتقصير عند السلف من أصحاب النفوس العالية ليس ترك واجب أو فعل محرم ، لكن تقصير في واجب و مستحب، أي فوات طاعة مثلاً أو أذكار وأوراد، والمعاقبة أن يضاعف الأذكار والأوراد.

    والنفس لا تستقيم إلا أن تُجَاهد وتُحَاسَب و تُعَاقَب..، ومما يعين على معاقبة النفس أو إرغام النفس على استدراك النقص؛ التأمُّل في أخبار المجتهدين.

    والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (( من قام بعشر آيات لم يُكتب من الغافلين ، ومن قام بمائة آية كُتِب من القانتين، ومن قام بألف آية كُتِب من المقنطرين)).

    ومن تأمل في حال السلف وماذا كانوا يفعلون مع ندرة النماذج هذه في هذا الزمان لعله يقود إلى معاقبة النفس بإلزامها بمزيد من العبادات والمستحبات إذا قصّرت..

    قالت امرأة مسروق : ما كان يوجد مسروق إلا وساقاه منتفختان من طول الصلاة، والله إن كنت لأجلس خلفه فأبكي رحمة له.

    قال أبو الدرداء: لولا ثلاث ما أحببت العيش يوماً واحداً ، الظمأ لله بالهواجر ، والسجود لله في جوف الليل، ومجالسة قوم ينتقون أطايب الكلام كما ينتقى أطايب الثمر.

    أم الربيع كانت تشفق على ولدها من كثرة بكائه وسهره في العبادة فنادته(يابني لعلك قتلت قتيلاً) قال(نعم يا أماه) قال(فمن هو حتى نطلب أهله فيعفو عنك، فوالله لو يعلمون ما أنت فيه لرحموك وعفوا عنك) قال( يا أماه..هي نفسي!!).

    قال القاسم بن محمد : غدوت يوماً وكنت إذا غدوت بدأت بعائشة رضي الله عنها أسلم عليها، فغدوت يوماً إليها فإذا هي تصلّي الضحى وهي تقرأ ( فمن ّ الله علينا ووقانا عذاب السموم)الطور27 وتبكي وتدعو وتردد الآية وقمت حتى مللت وهي كما هي فلما رأيت ذلك ذهبت إلى السوق فلما فرغت من حاجتي رجعت إليها فوجدتها كما هي ففرغت ورجعت وهي تردد الآية وتبكي وتدعو!

    هذه القلوب، سريعة الذنوب، لابد من قرعها ومطالعة مافيها، ومن قواعد المحاسبة توبيخ النفس، لأنها مادامت أمارة بالسوء فتحتاج إلى شدة وتوبيخ والله أمر بتزكيتها وتقويمها ، فهي تحتاج إلى سلاسل ولا تنقاد إلا بسلاسل القهر إلى العبادة ولا تمتنع عن الشهوات إلا بهذه السلاسل ولا تنفطم عن اللذات إلا بهذا الحزم معها، فإن أهملت نفسك جمحت وشردت وإن لازمتها بالتوبيخ والمعاتبة والملامة كانت هي النفس اللوامة ويُرجى أن ترتقي بعد ذلك إلى النفس المطمئنة.

    كيف يحاسب الإنسان نفسه ؟بماذا يذكر نفسه؟ بنقصها..بخستها ودناءتها وما تدعو إليه من الحرام وترك الواجب والتفريط في حق الله..


    فوائد المحاسبة ومصالحها


    أن المرء يطّلع على عيوب نفسه ويكتشف أشياء تدهشك ولا يفقه الرجل حتى يمقت نفسه ويحتقرها في جنب الله، وكان بعض السلف يقول في دعائه في عرفة ( اللهم لا ترد الناس لأجلي)! ، وكان محمد بن واسع يقول: (لو كان للذنوب ريح ماقدر أحد أن يجلس إليّ)!، مع أنه من كبار العباد في هذه الأمة، وقال يونس بن عُبيد: ( إني لأجد مائة خصلة من خصال الخير ما أعلم أن في نفسي منها واحدة)!

    وهذا حمّاد بن سلمة دخل على سفيان الثوري وهو يحتضر فقال: ( يا أبا عبد الله أليس قد أمنت مما كنت تخافه وتقدم على من ترجوه وهو أرحم الراحمين؟!) قال: (يا أباسلمة أتطمع لمثلي أن ينجو من النار) قال: (إي والله إني لأرجو لك ذلك).

    وقال جعفر بن زيد: ( خرجنا في غزاة إلى كابل وفي الجيش صلة بن أشيم فنزل الناس عند العتمة فصلوا ثم اضطجع فقلت: لأرمقنّ عمله، فالتمس غفلة الناس فانسلّ وثبا فدخل غيظة (مجموعة أشجار ملتفة) قريب منا، فدخلت على أثره فتوضأ ثم قام يصلي فجاء أسد حتى دنا منه فصعدت في شجرة فتراه التفت إليه أو عدّه جرو! فلما سجد قلت الآن يفترسه فجلس ثم سلّم ثم قال: ( أيها السبع اطلب الرزق من مكان آخر)، فولّى وإن له زئيراً، فمازال كذلك يصلي حتى كان الصبح فجلس يحمد الله وقال: (اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار ومثلي يستحي أن يسألك الجنة)! ثم رجع وأصبح وكأنه بات على حشاياً ، أما أنا فأصبح بي ما الله به عليم من هول ما رأيت!

    وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : (اللهم اغفر لي ظلمي وكفري)، فقال قائل: ( يا أمير المؤمنين هذا الظلم فما الكفر؟) قال: (إن الإنسان لظلوم كفّار)،ابراهيم34 فإذا تمعّن الإنسان حال السلف عرف حاله والبعد الشديد مابينه وبينهم.

    إذاً ففي المحاسبة:

    1- مقارنة حال بحال فينكشف التقصير العظيم.
    2- ومن التفكر في العيوب أن الإنسان ينظر في عمله ما دخل عليه فيه من العُجب والغرور فيرى نفس كاد أن يهلك ومهما عمل فهو مقصِّر.
    3- أن يخاف الله عزوجل.
    4-
    ومما يعين على المحاسبة استشعار رقابة الله على العبد وإطلاعه على خفاياه وأنه لا تخفى عليه خافية (( ونعلم ماتوسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) ق16. وقال تعالى: (( اعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه)).البقرة 235
    5-
    من الأشياء المهمة في المحاسبة التفكر في الأسئلة يوم القيامة وأن تعلم أنك مسئول يوم القيامة ، ليس سؤال المذنبين فقط، فالله تعالى قال: ((ليسأل الصادقين عن صدقهم))،الاحزاب 8 وإذا كان الصادقين سيسألهم الله عن صدقهم فما بالك بغيرهم؟! (( فلنسألنّ الذين أرسل إليهم ولنسألنّ المرسلين))الاعراف 6 وحتى الرسل يُسألون..!!!
    التعديل الأخير تم بواسطة محبة المساكين ; 08-12-2011 الساعة 02:05 AM سبب آخر: تنسيق الموضوع

  9. #9


    تاريخ التسجيل : Nov 2011
    رقم العضوية : 107803
    الجنس: أنثى
    المشاركات : 35
    التقييم : 1456
    فريق عمل تفريغ الدروس غير متواجد حالياً

    رد: سلسلة اعمال القلوب للشيخ محمد صالح المنجد

    السلام عليكم
    الدرس التاسع
    التفكر
    الحمد لله الذي ارتفع فوق العالمين ذاتاً وقدراً.. وتمجد فوق خلقه وعلاهم عزة وقهراً.. وأمر بإعمال التدبر في آياته ومخلوقاته قلباً وفكراً فصارت قلوب الطالبين في بيداء كبريائه حيرى .. كلما اهتزت لنيل مطلوبها ردتها سُبحات الجلال قسراً .. وإذا همت بالانصراف آيسة نوديت من سرادقات الجمال صبراً صبراً.. ثم قيل لها أجيلي في ذل العبودية منك فكراً.. وإن طلبتِ وراء الفكر في صفاتكِ أمراً..فانظري في نعم الله تعالى وأياديه كيف توالت عليكِ تترى.. وجددي لكل نعمة منها ذكراً وشكراً.. وتأملي في بحار المقادير كيف فاضت على العالمين خيراً وشراً ونفعاً وضراً وعسراً ويسراً وفوزاً وخسراً وجبراً وكسراً وطياً ونشراً وإيماناً وكفراً وعرفاناً ونكراً.. ، والحمد لله الذي جعل لنا فيما خلق تفكراً وأمراً عظيماً وأنعامه تتوالى علينا وتترى .. والصلاة على محمد سيد ولد ابن آدم وإن كان لم يعد سيادته فخراً.. صلاة تبقى لنا في عرصات القيامة عدة وذخراً.. وعلى آله وصحبه الذين أصبح كل واحد منهم في سماء الدين بدراً.. ولطوائف المسلمين صدراً.. وسلم تسليماً كثيراً.. أما بعد..
    فإن التفكر من أعمال القلوب العظيمة وهو مفتاح الأنوار ومبدأ الإبصار و شبكة العلوم والفهوم وأكثر الناس قد عرفوا فضله ولكن جهلوا حقيقته وثمرته و قليل منهم الذي يتفكر ويتدبر وقد أمر الله تعالى في التفكر والتدبر في كتابه العزيز في مواضع لا تحصى و أثنى على المتفكرين فقال
    " الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً " ال عمران :191
    وقال عطاء انطلقت يوماً أنا وعبيد بن عمير إلى عائشة رضي الله عنها فكلمتنا وبيننا وبينها حجاب فقالت : يا عبيد ما يمنعك من زيارتنا؟ قال: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : "زر غبّاً ؛ تزدد حبّاً"، قال ابن عمير: فأخبرينا بأعجب شيء رأيتيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فال فبكت، وقالت: كل أمره كان عجباً، أتاني في ليلتي ثم قال: ذريني أتعبد لربي عز وجل فقام إلى القربة فتوضأ منها ثم قام يصلي فبكى حتى بل لحيته ثم سجد حتى بل الأرض ثم اضطجع على جنبه حتى أتاه بلال يؤذنه بصلاة الصبح ، فقال: يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر..فقال: لقد أنزلت عليّ الليلة آيات ويلٌ لمن قرأها ولم يتدبر فيها أو كما قال عليه الصلاة والسلام
    " إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الأَلْبَابِ " ال عمران :190
    ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها. :الحديث صححه الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة.


    وعن محمد بن واسع أن رجلاً من أهل البصرة ركب إلى أم ذر بعد موت أبي ذر فسألها عن عبادة أبي ذر فقالت : "كان نهاره أجمع في ناحية البيت يتفكر".
    قال الحسن:" تفكر ساعة خير من قيام ليلة".
    قال الفضيل:" الفكر مرآة تريك حسناتك وسيئاتك".
    قيل لإبراهيم إنك تطيل الفكر فقال:" الفكرة مخ العقل".
    وكان سفيان بن عيينة كثيراً ما يتمثل بقول القائل: "إذا المرء كانت له فكرة؛ ففي كل شيء له عبرة" .
    وقال الحسن: "من لم يكن كلامه حكمة فهو لهو، و من لم يكن سكوته تفكراً فهو سهو، ومن لم يكن نظره اعتباراً فهو لهو".
    وفي قوله تعالى :
    " سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ " الاعراف :146, قال : أمنع قلوبهم التفكر في أمري .
    وكان عدد من أهل العلم والحكمة يطيلون الجلوس والتفكر.
    وقال عبد الله بن المبارك يوماً لسهل بن عدي لما رآه ساكتاً متفكراً: أين بلغت؟قال: الصراط!
    وقال بشر :" لو تفكر الناس في عظمة الله ما عصوا الله عز وجل".

    وقال ابن عباس: "ركعتان مقتصدتان في تفكر خيرٌ من قيام ليلة بلا قلب".
    وبينما كان أبو شريح يمشي إذ جلس فتقنع بكسائه فجعل يبكي فقيل له ما يبكيك؟ قال:" تفكرت في ذهاب عمري وقلة عملي واقتراب أجلي".

    وقال أبو سليمان: "عودوا أعينكم البكاء وقلوبكم التفكر".
    وقال:" الفكر في الدنيا حجاب عن الآخرة و عقوبة لأهل الولاية، والفكر في الآخرة يورث الحكمة ويحي القلوب. ومن الذكر يزيد الحب ومن التفكر يزيد الخوف".

    وقال ابن عباس: "التفكر في الخير يدعو إلى العمل به والندم على الشر يدعو إلى تركه. وإذا كان هم العبد وهواه في الله عز وجل جعل الله صمته تفكراً وكلامه حمداً" .

    وقال الحسن:"إن أهل العقل لم يزالوا يعودون بالذكر على الفكر ، وبالفكر على الذكر حتى استنطقوا قلوبهم فنطقت بالحكمة".

    وكان داود الطائي رحمه الله على سطح في ليلة قمراء فتفكر في ملكوت السموات والأرض وهو ينظر إلى السماء ويبكي حتى وقع في دار جار له، فوثب صاحب الدار من فراشه وبيده سيف ظن أنه لصّ، فلما نظر إلى داود رجع ووضع السيف وقال من ذا الذي طرحك من السطح ، قال: ما شعرت بذلك.
    وأشرف المجالس وأعلاها الجلوس مع الفكرة في التأمل في أسماء الله وصفاته، وجنته وناره ، و نعيمه وعذابه ، وآخرته وآلائه وآياته المسطورة في كتابه والمنثورة في كونه وما خلق سبحانه و تعالى ، وما ألذ هذه المجالس وما أحلاها وما أطيبها لمن رزقها،
    وقال الشافعي رحمه الله: استعينوا على الكلام بالصمت وعلى الاستنباط بالفكر.
    وكان الشافعي رحمه الله : من أقوى الناس عقلاً وأجودهم استنباطاً، ومن القلائل الذين مروا في الأمة الإسلامية بهذه المنزلة، وقال أيضاً: صحة النظر في الأمور نجاة من الغرور والعزم على الرأي سلامة من التفريط والندم والفكر يكشفان عن الحزم والفطنة و مشاورة الحكماء ثبات في النفس وقوة في البصيرة ، ففكر قبل أن تعزم وتدبر قبل أن تهجم وشاور قبل أن تقدم.
    وقال أيضاً : الفضائل أربع، إحداها الحكمة وقوامها الفكرة والثانية العفة وقوامها التغلب على الشهوة والثالث القوة و قوامها التغلب على الغضب ، والرابعة العدل وقوامه في اعتدال قوى النفس.

    التفكر لغة: مأخوذ من مادة- ف ك ر -التي تدل كما يقول ابن فارس رحمه الله من علماء اللغة : على تردد القلب في الشيء، يقال تفكر إذا ردد قلبه معتبراً، ولفظ التفكر مصدر، وفكر مصدرها التفكير ، والفكر هو التأمل وإعمال الخاطر في الشيء، فالتفكر هو تصرف القلب في معاني الأشياء لدرك المطلوب..
    أما التفكر الشرعي : فقد قال ابن القيم رحمه الله قاعدة جليلة: أصل الخير والشر من قبل التفكر فإن الفكر مبدأ الإرادة والطلب في الزهد والترك والحب والبغض وأنفع الفكر؛
    1- الفكر في مصالح المعاد ..
    2-وطرق اجتلابها ..
    3- وفي دفع مفاسد المعاد..
    4- و في طرق اجتنابها..،
    فهذه أربعة أفكار هي أجل الأفكار ويليها أربعة ..
    1- فكر في مصالح الدنيا..
    2- وطرق تحصيلها..
    3- وفكر في مفاسد الدنيا..
    4- وطرق الاحتراز منها، فعلى هذه الأقسام الثمانية دارت أفكار العقلاء.

    قال: ورأس القسم الأول الفكر في آلاء الله ونعمه وأمره ونهيه وطرق العلم به وبأسمائه وصفاته من كتابه وسنة نبيه وما والاهما، وهذا الفكر يثمر لصاحبه المحبة والمعرفة فإذا فكر في الآخرة وشرفها ودوامها وفي الدنيا وخستها وفنائها يثمر له ذلك الرغبة في الآخر ة والزهد في الدنيا، وكلما فكر في قصر الأمل وضيق الوقت أورثه ذلك الجد والاجتهاد وبذل الوسع في اغتنام الوقت .

    وقد ذكر الله سبحانه وتعالى التفكر في كتابه مقروناً بذكر الأمثال والنعم و المخلوقات وكذلك ما نراه في هذا الكون من قدرته عز وجل وهذه بعض الآيات التي فيها الأمر بالتفكر أو مدح المتفكرين أو أنه خلق أشياء للمتفكرين..
    1- " أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ " البقرة :266
    فهذا الرجل قلبه متعلق بالبستان من حيث:
    *أ- أنه جنة وليس مزرعة صغيرة.
    *ب- أن فيها أشجار متنوعة .. نخيل وأعناب.
    *ج- أن فيها أشجار نفيسة وأعلاها قيمة وقدراً.. النخيل والأعناب.
    *د- أن الماء الذي في هذه الجنة لا يستخرج من الآبار بالمجهود الكبير بل إن هناك أنهار تجري في هذه الجنة.
    *ه- أصابه الكبر.. والإنسان إذا أصابه الكبر يحتاج إلى شيء يعود إليه بالمال دون أن يتعب فيه كثيراً.
    *و- له ذرية ضعفاء صغار مرضى فهو يخشى أن يموت والأولاد أين مصدر رزقهم.. لا يوجد إلا هذه الجنة.
    فدرجة تعلقه بهذه الجنة كبير جداً، فكيف يكون شعوره وخيبة أمله والإحباط إذ أصابها إعصار فيه نار فاحترقت..؟..كبير جداً..، فكر لماذا ضرب المثل ولأي شيء ساق هذا المثل..؟
    إنه مثل ضربه الله للذي يعمل أعمالاً كثيرة.. صدقات وغيرها ولكنه يرائي..، يوم القيامة يأتي في غمرة الأهوال وهو محتاج إلى كل حسنة فيرى أعماله التي عملها في الدنيا وأمامه النار من تلقاء وجهه والشمس دانية من رأسه وفي العرق والصراط مضروب على جهنم ولا ينجو إلا بعمل صالح فجعل الله أعماله كلها هباءً منثوراً في وقت هو أحوج ما يكون إلى الحسنات فكيف يكون إحباطه وذله وخيبة أمله في ذلك الوقت..، ما الذي ينشئ الانقياد والسعي للإخلاص في العمل؟ التفكر في مثل هذه الآيات..
    2- "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الأَلْبَابِ ,الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ , رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ " ال عمران :190:192:193

    3- "إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ " يونس :24
    4- "اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ , وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ " الرعد :2:3
    5- " هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ,يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ,وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ,وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ,وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ " النحل:10:11:12:13:14
    6- " وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ,بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ " النحل :43:44
    ،يتفكرون في القرآن والتبيان السنة ، فيتفكرون في القرآن والسنة.
    7- " أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ ,أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ " الروم :8 :9 ,إذاً التفكر في النفوس والتفكر في مصائر الأقوام البائدة مجال آخر للتفكر.
    8- "لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ , لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ " الحشر :20:21
    فليتفكر الإنسان في هذا القرآن وقوته لو أنزل على جبل لانهدّ فماذا ينبغي أن يكون أثره على نفسه؟*
    والنبي صلى الله عليه وسلم علّمنا التفكر : لما قام من الليل ينظر في السماء ويقرأ ، فقراءة الآيات من سورة آل عمران في الليل سنة قبل صلاة الليل ، وهذه من السنن المهجورة، إذا قام من النوم يمسح النوم عن عينيه كما ورد في السنة ثم يقرأ " إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الأَلْبَابِ " ال عمران :190, في البخاري عن ابن عباس بعد أن قرأ الآية صلى الله عليه وسلم ثم قام فتوضأ واستنّ فصلى ركعتين ثم خرج فصلّى الصبح، فلذلك على أحد القولين قراءتها قبل الخروج لصلاة الصبح وقبل الوضوء وقبل سنة الفجر..والقول الآخر قبل قيام الليل.
    وفائدة التفكر تكثير العلم واستجلاب المعرفةلأنه إذا اجتمع في القلب اجتمعت المعلومات الأساسية وازدوجت على ترتيب مخصوص أثمرت معرفة أخرى، فالمعرفة نتاج المعرفة ، فإذا حصلت معرفة أخرى وازدوجت مع معرفة أخرى حصل نتاج آخر!..فالعلماء من أين أنتجوا انتاجهم وأحاكم الفقه والأحكام المستنبطة والتفسير..؟ جزء كبير خرج من التأمل في آيات الله والتأمل في الأحداث والوقائع..!

    الأمور المشكلة والمستعصيات كيف حُلّت..؟!

    أبو حنيفة قالوا له هذا شخص وهذا أخوه عقدنا لهما على أختين لما صارت الدخلة بالخطأ دخل الأخ الأول على زوجة الثاني ودخل الأخ الثاني على زوجة الأول و وطئها تلك الليلة و لم يكتشفوا ذلك إلا في الصباح ، الحل يحتاج لتفكر وتدبر ، تعال يا فلان هل أعجبتك المرأة التي دخلت بها؟ رضيت بها؟ نعم، وأنت يافلان؟ نعم، يا فلان طلق فلانة التي عقدت عليها ويا فلان طلق فلانة ثم عقد لكل منهم على الأخرى!

    الجمع بين النصوص كيف حُلّت..؟!

    كيف نجمع بين " وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى " الزمر:7 و (الميت يعذب ببكاء أهله عليه)(بما نيح عليه)..؟!!
    فيفكر العلماء .. يقولون هذا خاص بالكافر مثلاً ..هذا إذا كان راضياً بالنياحة و هو يعلم بما يفعلون بالعادة و لم ينههم قبل موته..وهكذا..
    من وسائل زيادة الإيمان التفكر في آيات الله في الكون.. في الآفاق .. في النفس.. " أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ " الروم :8 .. فيما خلق الله..، فهذه الميادين في التفكر مهم جداً للإنسان المسلم والتفكر رأس المال وينتج بضاعة عظيمة جداً..
    فالثمرة الخاصة للتفكر العلم.. وإذا حصل العلم في القلب تغير حال القلب.. وإذا تغير حال القلب تغيرت أعمال الجوارح ..، فالعلم تابع للفكر فالفكر هو المبدأ ينتج علماً والعلم ينتج حال في القلب من الخشية والإحساس بالتقصير في حق الله والرغبة والجد .. ينتجها العلم فيؤدي إلى زيادة أعمال الجوارح لأن القلب يأمر الجوارح بالعمل..، فيصلح الإنسان ويعلو شأنه ويتحسن حاله من نتيجة التفكر..

    محبة الله تحصل من التفكر في النعم..لأن النفس مجبولة على محبة من أحسن إليها..وكذلك فإن التفكر وسيلة لفهم الشر يعة و وسيلة للفقه في الدين " ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين".. وهكذا تحصل البصيرة بالتفكر..

    التفكر في النفس ماهو..؟

    يشمل أن يتفكر في خلق الله كيف خلق نفس الإنسان وجسده، والتفكر في النفس أيضاً يشمل التفكر في عيوبها وهذا مهم جداً جداً جداً ولا يمكن عمل تقويم وتصحيح وتعديل وتحسين إلا بعد التفكر ، وإذا كان فكره صحيحاً عرف العيوب واكتشف الأخطاء وبالتالي يمتنع عن الوقوع فيما وقع فيه سابقاً من الأخطاء ويجتهد في تحصيل ما يستر به عيوب نفسه .. غضب شديد .. حاد الطبع .. عجول.. متهور .. عصبي.. جبان .. خواف.. ظلوم .. معتدي.. باغي.. متعدي .. يفري بلسانه في أعراض الخلق.. وهكذا..، كذلك يفكر في حال عائلته وأسرته وأولاده كيف يحسن من أحوالهم ما هي الثغرات فيه؟
    لو أردنا أن نصلح أحوال المسلمين ..المصلحين الكبار والمجددين الذين مروا على العالم الإسلامي ماذا فعلوا؟.. بالتأكيد أول ما فعلوا هو النظر في حال المسلمين.. ماذا ينقصهم؟ أين الخلل؟ ما هي الثغرات؟..ثم شمروا في تحصيل أسباب القوة والارتقاء بحال المسلمين و سد الثغرات.. جهل ..شرك.. معاصي..
    ومن التفكر.. التفكر في خلق الله تعالى.. فإن فيه من العجائب والغرائب الدالة على حكمة الله وقدرته وجلاله شيء يهون الناظرين والمتفكرين والموجودات منقسمة إلى أشياء معروفة و غير معروفة..، ومجال العلم التجريبي والدنيوي أن يكتشف الأشياء غير المعروفة وهي موجودة مما خلق الله عز وجل " وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ " النحل :8.."سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ "أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ " يس: 36.. " وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ " الواقعة :61 .. فما لا نستطيع أن نعرفه فلا يمكن إضاعة الوقت في استكشافه وهذا من الفروق في النظرة الإسلامية والغربية في قضايا المستكشفات والمخترعات..، مثلاً ما صحة القيام بما يسمى <أبحاث الروح>؟.. لو هناك عالم طبيب مسلم وآخر كافر.. مالفرق؟ .. المسلم يعلم أنه لا سبيل لمعرفة أي شيء في موضوع الروح زيادة عما ورد في الكتاب والسنة فلا حاجة لإضاعة الوقت لأنه يعلم "قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي " الاسراء :85 ، الكافر.. لا .. ما عنده منطلقات وقواعد ممكن أن يبذل 50 سنة من عمره في التجارب وبلا فائدة..!، حتى الدخول في العوالم الغيبية و عمل التجارب على الملائكة مثلاً..!
    لذلك فمجال التفكر في الموجودات التي نعلمها من جهة الاستكشاف العلمي الدنيوي المقدور عليه..، وغير المقدور عليه لا يمكن ندخل فيه، وهناك أشياء موجودة لا يمكن معرفة تفاصيلها إلا من الوحيين ( مثل معرفة الملائكة والجنة وما بعد الموت) فالتفكر فيها يكون منطلقاً فقط من النصوص الشرعية.. ، أما قضايا الدنيا .. علم الأجنة .. والنجوم.. مثلاً وكالة ناسا أطلقت مناظير و مسبارات..أو في أعماق البحار و قيعان المحيطات.. تنظر فيها تتأمل في ملكوت الله و خلقه..، تبقى الأشياء القطعية حتى في الأمور الدنيوية وهي ما جاء الكتاب والسنة مثل من كل شيء زوجين اثنين.. وهكذا..
    قال بعض العلماء من 1000 سنة : فمن آياته الإنسان المخلوق من نطفة و أقرب شيء إليك نفسك وفيك من عجائب الله الدالة على عظمة الله تعالى ما تنقضي الأعمار في الوقوف على عشر عشيره وأنت غافل عنه فيا من هو غافل عن نفسه وجاهل بها كيف تطمع في معرفة غيره و قد أمرك الله في التدبر في نفسك في كتابه العزيز فقال: "وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ" الذاريات :21 وذكر أنك مخلوق من نطفة قذرة فقال: " قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ,مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ,مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ,ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ " عبس:17:18:19:20، و قال: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ " الروم :20، وقال: "أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى ,ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى " القيامة :37:38
    ، وقال:
    أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ ,فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ,إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ " المرسلات :20:21:22
    " أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ " يس :77,إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ " الانسان :2 , ثم ذكر كيف جعل النطفة علقة والعلقة مضغة والمضغة عظاماً كما قال سبحانه : " وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ ,ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ " المؤمنون :12:13 ... الآية , فتكرير ذكر النطفة في الكتاب العزيز ليس ليُسمَع لفظه ويترك التفكر في معناه..!
    انظر إلى النطفة وهي قطرة من الماء قذرة لو تُرِكت ساعة ليضربها الهواء فسدت وأنتنت كيف أخرجها رب الأرباب من الصلب والترائب؟و كيف جمع بين الذكر والأنثى وألقى الألفة والمحبة في قلوبهم؟ وكيف قادهم بسلسلة المحبة والشهوة إلى الاجتماع وكيف استخرج النطفة من الرجل بحركة الوقاع وكيف استجلب دم الحيض من أعماق العروق و جمعه في الرحم ثم كيف خلق المولود من النطفة وسقاه بماء الحيض وغذاه حتى نما وربا و كيف جعل النطفة وهي بيضاء مشرقة علقة حمراء ثم كيف جعلها مضغة ثم كيف قسم أجزاء المضغة و هي متساوية متشابهة إلى العظام والأعصاب والعروق والأوتار واللحم ثم كيف ركب من اللحوم والأعصاب والعروق الأعضاء الظاهرة، فدوّر الرأس وشقّ السمع والبصر و الأنف والفم وسائر المنافذ ثم مد اليد والرجل وقسم رؤوسها بالأصابع وقسم الأصابع بالأنامل، ثم كيف ركب الأعضاء الباطنة من القلب والمعدة والكبد والطحال والرئة والرحم والمثانة والأمعاء، كل واحد على شكل مخصوص، ومقدار مخصوص ، لعمل مخصوص، ثم كيف قسم كل عضو من الأعضاء بأقسام أخر، فركب العين من سبع طبقات لكل طبقة وصف مخصوص وهيئة مخصوصة لو فقدت طبقة منها أو زالت صفة من صفاتها تعطلت العين عن الإبصار وهكذا..
    فانظر الآن إلى العظام وهي أجسام صلبة قوية كيف خلقها من نطفة سخيفة رقيقة ثم جعلها قواماً للبدن و عماداً له ثم قدرها بمقادير مختلفة و أشكال مختلفة فمنه صغير وكبير وطويل مستدير و مجوف ومصمت وعريض ودقيق ولما كان الإنسان محتاج إلى الحركة بجملة بدنه وببعض أعضائه لم يجعل عظمه عظماً واحداً بل عظاماً كثيرة بينها مفاصل حتى تتيسر بها الحركة وقدر شكل كل واحدة منها على وفق الحركة المطلوبة بها ثم وصل مفاصلها وربط بعضها ببعض بأوتار أنبتها من أحد طرفي العظم وألصقه بالعظم الآخر كالرباط له ثم خلق في أحد طرفي العظم زوائد خارجة منه وفي الأخرى حفراً غائصة فيه موافقة لشكل الزوائد لتدخل فيها و تنطبق عليها فصار العبد إن أراد تحريك جزء من بدنه لم يمتنع عليه ولولا المفاصل لتعطل عليه ذلك.." فلتلك النعمة العظيمة ( على كل سلام من أحدكم صدقة) 360 مفصل تجزيء عنها ركعتي الضحى" ..فلننظر كيف خلق عظام الرأس وكيف جمعها وركبها وقد ركبها من 55 عظم مختلفة الأشكال والصور فألف بعضها إلى بعض بحيث استوى به كرة الرأس كما ترى ، وليس المقصود من ذكر أعداد العظام أن يعرف عددها فإن هذا علم قليل يعرفه الأطباء والمشرحون إنما الغرض أن ينظر في مدبرها وخالقها كيف قدرها ودبرها وخالف بين أشكالها وأقدارها وخصصها بهذا العدد المخصوص لأنه لو زاد عليها واحداً لكان وبالاً على الإنسان يحتاج إلى قلعه ولو نقص منها واحداً لكان نقصاناً يحتاج إلى جبره، فالطبيب ينظر فيها ليعرف وجه العلاج في جبرها ، وأهل البصائر ينظرون فيها ليستدلوا على جلالة خالقها ومصورها فشتّان بين النظرين..، وكذلك التفكر في أمر هذه الأعصاب والعروق والأوردة والشرايين و عددها ومنابتها وانشعابها فانظر الآن إلى ظاهر الإنسان وباطنه، فترى به من العجائب والصنعة ما يقضى به العجب وكل ذلك صنعه الله في قطرة ماء قذرة، فترى من هذا صنعه في قطرة ماء فما صنعه في ملكوت السموات وكواكبه؟ وما حكمته في أوضاعها و أشكالها ومقاديرها وأعدادها واجتماع بعضها وتفرق بعضها واختلاف صورها وتفاوت مشارقها ومغاربها..؟فلا تظنن أن ذرة من ملكوت السموات تنفك عن حكمة بل هي أحكم خلقاً وأتقن صنعاً " أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا " النازعات :27 " لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ " غافر:57 ، فارجع الآن إلى النطفة وتأمل حالها أولاً وما صارت إليه ثانياً وتأمل أنه لو اجتمعت الجن والإنس على أن يخلقوا للنطفة سمعاً أو بصراً أو عقلاً أو قدرة أو علماً أو روحاً أو يخلقوا فيها عظماً أو عرقاً أو عصباً أو جلداً أو شعراً ..هل يقدرون على ذلك؟ بل لو أرادوا أن يعرفوا كنه حقيقته لربما عجزوا عن بعضه! والذي يعملونه في الاستنساخ هو تلاعب بخلق الله " وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ " النساء :119 , وحتى الذبابة فلا يستطيعون أن يخلقوها من عدم فصارت قمة تطورهم الطبي التلاعب في الخلق، وزرع بويضة ملقحة لإنسان في قرد أو كلب و زرع بويضة ملقحة لكلب في رحم امرأة..هذه هي التجار ب الطبية, فالعجب منك لو نظرت إلى صورة إنسان مصوّر على حائط، تأنّق النقاش في تصويرها حتى قرب ذلك من صورة الإنسان وقال الناظر إليها كأنه إنسان، تعجبت من صنعة النقاش وحذقه وخفة يده وتمام فطنته وعظم في قلبك محله مع أنك تعرف أن تلك الصورة إنما تمت بالصبغ والقلم واليد وأن كل ما فعله أنه جعل الصبغ على هذا الحائط على ترتيب مخصوص وأنت تستعجب من النقاش والرسام فكيف بالذي جعل من النطفة القذرة التي كانت معدومة فخلقها في الأصلاب والترائب وأخرج منها هذا الشكل الحسن وقدرها فأحسن تقديرها وصورها فأحسن تصويرها ورتب عروقها وأعصابها وجعل لها مجاري لغذائها ليكون ذلك سبب بقائها وجعل البطن حاوياً لآلات الغذاء والرأس جامعاً للحواس وهكذا جعل في الأذنين وجعل في الأنف حاسة الشم ليستدل صاحبه باستنشاق الروائح على مطاعمه وأغذيته و يميز الطيب من الخبيث..، وهكذا إذا تأملت في الشفتين و حسن لونها وشكلها لتنطبق على الفم فتسد منفذه و ليتم بها حروف الكلام وخلق الحنجرة وهيأها لخروج الصوت وخرج اللسان قدرة للحركات والتقطيعات لتتقطع الأصوات في مخارج مختلفة تختلف بها الحروف ليتسع بها طريق النطق لكثرتها، ثم خرج الحناجر مختلفة الأشكال في الضيق والسعة والخشونة والملاسة وصلابة الجوهر ورخاوته والطول والقصر حتى اختلفت بسببه الأصوات فلا يتشابه صوتان بل يظهر بين كل صوتين فرقاً حتى يميز السامع بعض الناس عن بعض بمجرد الصوت في الظلمة.. إلى غير ذلك من الآلاء والنعم..
    ثم تفكر في ما يحدث في خلق الجنين في الرحم في ظلمات ثلاث..ولو كشف الغطاء والغشاء وامتد البصر لرأيت التخطيط والتصوير يظهر عليها شيئاً فشيئاً ولا ترى المصوّر و لا آلته فهل رأيت مصوراً أو فاعلاً لا ترى آلته ومع ذلك يتشكل خلقه سبحانه وتعالى..
    ثم من تمام رحمته أنه لما ضاق الرحم عن الصبي لما كبر كيف هداه السبيل حتى تنكّس و انقلب وتهيأ للخروج وتحرك وخرج من ذلك المضيق وطلب المنفذ كأنه عاقل بصير بما يحتاج إليه، ثم لما خرج واحتاج إلى الغذاء كيف هداه إلى التقام الثدي ، ثم لما كان بدنه سخيفاً لا يحتمل الأغذية الكثيفة كيف دبر له في اللبن اللطيف المستخرج بين الفرث والدم شيئاً سائغا خالصاً، وكيف خلق الثديين وجعل فيهما اللبن و أنبت منهما حلمتين على قدر ما ينطبق عليهما فم الصبي ..قدر الحلمة على قدر فتحة الفم في الصبي ثم فتح في حلمة الثدي ثقباً ضيقاً جداً حتى لا يخرج اللبن منه إلا بعد المص تدريجاً فإن الطفل لا يطيق منه إلا القليل ثم كيف هداه إلى الامتصاص حتى يستخرج من ذلك المضيق اللبن الكثير عند شدة الجوع، ثم انظر إلى عطفه ورحمته ورأفته كيف أخّر خلق الأسنان إلى تمام الحولين، لأنه في الحولين لا يتغذى إلا باللبن فيستغني عن السن وإذا كبر لم يوافقه اللبن السخيف ، و يحتاج إلى طعام غليظ ويحتاج الطعام إلى المضغ والطحن فأنبت له الأسنان في وقت الحاجة..فسبحانه كيف أخرج تلك العظام الصلبة في تلك اللثاة اللينة ثم حنن قلوب الوالدين عليها للقيام بتدبيره في الوقت الذي كان عاجزاً عن تدبير نفسه..، فلو لم يسلط الله الرحمة على قلوبهما لكان الطفل أعجز الخلق عن تدبير نفسه ، ثم انظر كيف رزقه القدرة والتمييز والعقل والهداية تدريجاً..حتى يتكامل فيصير مراهقاً ثم شاباً ثم شيخاً إما شاكراً أو كفوراً "هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا , إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا , إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا " الانسان 2:3، فتأمل وتفكر في عظمة الرب سبحانه وتعالى وهذا في شيء واحد من مخلوقاته وهو الإنسان وفي الإنسان أشياء كثيرة أخرى وكثير منها غير معلوم للآن فما بالك فيما جعل في الأرض في أكنافها وأنهارها وجبالها وهيأ السكن للساكن و جعل الأرض فراشاً وكيف جعلها كفاتاً وأنه أرساها بالجبال الرواسي وأودع فيها المياه وفجر العيون وأسال الأنهار و جعل خزانات جوفية "وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ " الحجر:52، وهكذا ترى في البوادي والأزهار والثمار والمعادن والجواهر وانقسامها إلى خسيس و ثمين وهكذا جعل منها ما يصنعه الإنسان من حاجته وحتى الحلي والنفط والكبريت و القار وحتى الملح الذي يحتاجه لتطييب طعامه و ما في هذه الحيوانات من الأمور العظيمة والتناسب الدقيق الهندسي فترى العنكبوت يبني بيته على طرف نهر فيطلب أولاً موضعين متقاربين بينهما فرجة بمقدار ذراع فما دونها حتى يمكنه أن يصل بالخيط بين طرفيه ثم يبتديء ويلقي اللعاب الذي هو خيطه على جانب ليلتصق به ثم يغدو إلى الجانب الآخر فيحكم الطرف الآخر من الخيط ثم كذلك يتردد ثانياً وثالثاً ويجعل بعد ما بينهما متناسباً تناسباً هندسياً حتى إذا أحكم معاقد القمط ورتب الخيوط كالسدى اشتغل باللُحمة (الكسوة)، فيضع اللحمة على السدى ويضيف بعضه إلى بعض ويحكم العقد على مواضع التقاء اللحمة بالسدى و يراعي في جمع ذلك تناسب الهندسة ويجعل ذلك شبكة يقع فيها البقّ والذباب و يقعد في زاوية مترصداً لوقوع الصيد في الشبكة فإذا وقع الصيد بادر إلى أخذه وأكله فإن عجز عن الصيد كذلك طلب لنفسه زاوية من حائط ووصل بين طرفي الزاوية بخيط ثم علق نفسه فيها بخيط آخر وبقي منكساً في الهوا ء ينتظر ذبابة تطير ، فإذا طارت رمى بنفسه إليها فأخذه ولفّ خيطه على رجليه وأحكمه ثم أكله وما من حيوان صغير ولا كبير إلا وفيه من العجائب ما لا يحصى.. ، أفترى أنه تعلم هذه الصنعة من نفسه؟أو تكون من نفسه؟أو علمه آدمي؟
    فإذاً البصير يرى في هذا الحيوان الصغير من عظمة الخالق المدبر وجلاله وكمال قدرته وحكمته ما تتحير فيه الألباب والعقول فضلاً عن سائر الحيوانات ، وإذا رأيت حيواناً غريباً ولو دوداً تجدد التعجب .. وقال سبحان الله..!
    والإنسان أعجب من الحيوانات..ومع ذلك إذا رأى حيواناً عجيباً تعجب وليس يتعجب من نفسه..!
    وهكذا ما خلقه الله في البحار وما يكون في قيعانها وفي السحاب وما يجتمع فيها من المطر وكيف ينزل وفي ملكوت السموات والأرض..، والتفكر في مخلوقات الله قد أمر الله به وأنه سبحانه وتعالى مدح عباده "وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ " ال عمران :191 ,وأمر في التفكر وحث عليه..في النفس " أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ " الروم :8 .. يتفكرون في خلق السموات والأرض لماذا..؟ قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله : " ليستدلوا بها على المقصود منها ودل هذا على أن التفكر عبادة من صفات أولياء الله العارفين فإذا تفكروا عرفوا أن الله لم يخلقها عبثاً فيقولون" رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ " ال عمران :191, يعني نزهناك عن كل ما لا يليق بك"، بعض الناس تفكره فقط إلى حد إتقان الصنعة وأنها صنعة جميلة لكن المقصود الأعظم ليس فقط التعجب من دقة الصنع بل لشيء وراء ذلك..
    والتفكر في أمور الآخرة من الأمور المهمة جداً ، وحيث أننا ما رأينا الآخرة ولا عشنا فيها ولا عندنا الآن من ثمار الجنة شيء ولا سلاسل النار شيء، لكن عندنا من النصوص الشرعية ما يصف لنا بدقة بالغة كيف سيكون الحال يوم القيامة وهذه الأوصاف والتفاصيل من رحمة الله حتى نجد شيء نتفكر فيه، فلذلك كلما ازداد علمك بتفاصيل مافي اليوم الآخر كلما ازدادت حركة القلب في التفكر في هذه التفاصيل ، ولذلك لما سأل ابن المبارك ذاك لما رآه يتفكر قال له أين بلغت ؟ قال : الصراط..، التفكر كان يأخذ وقت طويل جداً عند العلماء والأولياء بل كانوا يقدمون التفكر على صلاة الليل..
    عن يوسف بن أسباط قال لي سفيان بعد العشاء: ناولني المطهرة- الإناء الذي يتوضأ به- فناولته ، فأخذها بيمينه ووضع يساره على يده فبقي مفكراً ونمت ثم قمت وقت الفجر فإذا المطهرة في يده كما هي..فقلت هذا الفجر قد طلع.. فقال : لم أزل منذ ناولتني المطهرة أتفكر في الساعة..

    لماذا ذكر الله أشراط الساعة ..؟
    لتكون مجالاً للتفكر.. لا بد أن تشغلنا هذه القضايا دائماً و هذا من الخلل الموجود فينا أننا لا نتأمل..المشكلة أن مجالات التفكر اليوم يا في الحرام والعشق والحب والغرام أو في الدنيا فقط..طغت الحياة الدنيا على الناس.. فصار التفكير نادر في القضايا المهمة التي عليها مدار السعادة..
    وجاء عن سفيان الثوري أيضاً أنهم كانوا جلوساً في مجلس فانطفأ السراج فعمّت الظلمة الغرفة فبعد ذلك أشعلوه فوجدوا سفيان رحمه الله دموعه انهمرت كثيراً كثيراً فقالوا مالك؟ قال : تذكرت القبر..
    فنظراً لأن قلوبهم حية ممكن أي مشهد أو حدث يصير في الواقع يربطه مباشرة بالآخرة والقبر..
    وأحد السلف كان على تنور فرن خباز فوقف ينظر في النار التي في التنور..ثم جعلت دموعه تنهمر فبكى بكاء حاراً..فقيل له مالك؟ قال: "ذكرت النار"..
    قال ابن عباس:" ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة بلا قلب"..

    قال عمر بن عبد العزيز:" الفكرة في نعم الله عز وجل من أفضل العبادات"..
    وبكى عمر يوماً فسئل عن ذلك فقال:" فكرت في الدنيا ولذاتها وشهواتها فاعتبرت منها بها ، ما تكاد شهواتها تنقضي حتى تكدرها مرارتها ولئن لم يكن فيها عبرة لمن اعتبر ، إن فيها مواعظ لمن ادّكر"..
    فمن رحمة الله أنه جعل لذات الدنيا مهما عظُمت فيها تنغيص وتكدير حتى لا يستسلم العباد إليها ومع ذلك يستسلمون إليها!
    وسأل عبدالله بن عتبة أم الدرداء ما كان أفضل عبادة أبي الدرداء؟ قالت: "التفكر والاعتبار"..
    نور الإيمان التفكر.. أفضل العمل الورع والتفكر.. تفكر ساعة خير من قيام ليلة..
    كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: " اعلم أن التفكر يدعو إلى الخير والعمل به والندم على الشر يدعو إلى تركه"..
    وعن محمد بن كعب القرظي: " لئن أقرأ في ليلتي حتى أصبح بإذا زلزلت والقارعة لا أزيد عليهما وأتردد فيهما وأتفكر أحب إلي من أن أهذ القرآن ليلتي هذّاً أو أنثره نثراً"..

    قال وهب: " ما طالت فكرة امرئ قط إلا علم وما علم امرئ قط إلا عمل"..

    قال فضيل: " الفكر مرآة تريك حسناتك وسيئاتك"..

    عودوا قلوبكم البكاء وقلوبكم التفكر..
    إني رأيت عواقب الدنيا

    فتركت ما أهوى لما أخشى

    فكرت في الدنيا وعالمها
    فإذا جميع أمورها تفنى

    وبلوت أكثر أهلها فإذا

    كل امرئ في شأنه يسعى

    أسمى منازلها وأرفعها

    في العز أقربها من المهوى

    تعفو مساويها محاسنها

    لا فرق بين النعي والبشرى

    وقد مررت على القبور

    فما ميزت بين العبد والمولى

    أتراك تدري كم رأيت


    من الأحياء ثم رأيتهم موتى؟


    فالإنسان عليه أن يديم التفكر ويطيله لأنه يوصل إلى مرضاة الله وانشراح الصدر وسكينة القلب ويورث الخوف و الخشية من الله ويورث العلم والحكمة والبصيرة ويحيي القلوب و يصير هناك اعتبار واتعاظ من سير السابقين.. هذا التفكر.. العمل القلبي العظيم.
    نسأل الله أن يجعلنا من الذين يتفكرون ومن الذين يعقلون ومن الذين يتدبرون..

    التعديل الأخير تم بواسطة محبة المساكين ; 15-12-2011 الساعة 11:30 PM

  10. #10


    تاريخ التسجيل : Nov 2011
    رقم العضوية : 107803
    الجنس: أنثى
    المشاركات : 35
    التقييم : 1456
    فريق عمل تفريغ الدروس غير متواجد حالياً

    رد: سلسلة اعمال القلوب للشيخ محمد صالح المنجد

    السلام عليكم
    الدرس التاسع
    المحبة

    الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد و على آله وصحبه أجمعين .. وبعد..
    حديثنا عن مقام عظيم وعمل كبير من أعمال القلوب فهو أساسها جميعاً ألا وهو محبة الله تعالى.
    المحبة هي الرأس والخوف والرجاء هما الجناحان والعبد يسير إلى الله بالمحبة والخوف والرجاء.
    هذه المحبة هي المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون وإليها شخص العاملون وإلى علمها شمر السابقون وعليها تفانى المحبون وبروح نسيمها تروح العابدون فهي قوت القلوب وغذاء الأرواح وقرة العيون وسرور النفوس ونور العقول وعمارة الباطن و غاية الأماني ونهاية الآمال وروح الحياة وحياة الأرواح.
    وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات ،والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام ، فهي روح الإيمان والأعمال والمقامات والأحوال التي متى ما خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه.
    تحمل أثقال السائرين إلى بلاد لم يكونوا إلا بشق الأنفس بالغيها ،وتوصلهم إلى منازل لم يكونوا بدونها أبداً واصليها، وتبوءهم من مقاعد الصدق مقامات لم يكونوا لولاها داخليها ، وهي مطايا القوم التي مسراهم على ظهورها دائماً إلى الحبيب، وطريقهم الأقوم الذي يبلغهم إلى منازلهم الأولى من قريب.
    تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة إذ لهم من معية محبوبهم أوفر نصيب وقد قضى الله يوم قدر مقادير الخلائق بحكمته البالغة أن المرء مع من أحب..، فيالها من نعمة على المحبين سابغة. تالله لقد سبق القوم السعاة وهم على ظهور الفرش نائمون وقد تقدموا الركب بمراحل وهم في سيرهم واقفون. " من كلام ابن القيم في المحبة "

    المحبة في اللغة:

    من الحب . قيل المحبة أصلها الصفاء لأن العرب تقول لصفاء بياض الأسنان ونضارتها حبب الأسنان ، وقيل إنها مأخوذة من الحباب الذي يعلو الماء عند المطر الشديد فعلى هذا المحبة غليان القلب عند الاهتياج إلى لقاء المحبوب، وقيل المحبة مشتقة من اللزوم والثبات ومنه أحب البعير إذا برك.

    حلّت عليه بالفلاة ضربة * * * ضرب بعير السوء إذا أحبَّ


    أي إذا أقام في المقام ولزمه فكأن المحب قد لزم قلبه محبوبه فلم يرم عنه انتقالاً، وقيل بل المحبة مأخوذة من القلق والاضطراب ومنه سمي القرط حباً لقلقه في الأذن واضطرابه كما قال الشاعر:

    تبيت الحية النضناض منه * * * مكان الحب تستمع السرار

    وقيل مأخوذة من الحب جمع حبة وهو لباب الشيء وخالصه وأصله فإن الحب أصل النبات والشجر وقيل بل مأخوذة من الحِب الذي هو إناء واسع يوضع فيه الشيء فيمتلئ به بحيث لا يسع غيره وكذلك قلب المحب ليس فيه سعة لغير محبوبه. وقيل مأخوذة من حبة القلب وهي سويداءه ويقال ثمرته فسميت المحبة بذلك لوصولها إلى حبة القلب.
    وأياً ما كان فإن هذه الصفات تجتمع في المحب وتكون مما يشعر به، و محبة الله هي التي نتحدث عنها وهي أمر هائل جسيم وفضل غامر جزيل لا يقدر على إدراك قيمته إلا من عرف الله بصفاته كما وصف نفسه .

    علامات محبة الله تعالى للعبد:

    العلامات التي إذا وجدت في العبد أو أحس بها تدل على أن الله يحبه..
    1- حسن التدبير له فيربيه من الطفولة على أحسن نظام ويكتب الإيمان في قلبه وينور له عقله فيجتبيه لمحبته ويستخلصه لعبادته فيشغل لسانه بذكره وجوارحه بطاعته ، فيتبع كل ما يقربه إلى محبوبه و هو الله عز وجل ويجعله الله نافراً من كل ما يباعد بينه وبينه ثم يتولى هذا العبد الذي يحبه بتيسير أموره من غير ذلّ للخلق فييسر أموره من غير إذلال، ويسدد ظاهره وباطنه، ويجعل همه هماً واحداً بحيث تشغله محبته عن كل شيء.
    2- الرفق بالعبد والمراد اللين واللطف والأخذ بالأسهل وحسن الصنيع.
    3- القبول في الأرض والمراد قبول القلوب لهذا العبد الذي يحبه الرب والميل إليه والرضا عنه والثناء عليه كما جاء في حديث أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله إذا أحب عبداً دعا جبريل فقال إني أحب فلاناً فأحبّه ، فيحبه جبريل ، ثم ينادي في السماء فيقول إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبداً دعا جبريل عليه السلام إني أبغض فلاناً فأبغضه، فيبغضه جبريل ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلاناً فيبغضوه ثم توضع له البغضاء في الأرض": رواه البخاري ومسلم
    4- الابتلاء، فعن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله إذا أحبّ قوماً ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط" فيبتليهم بأنواع البلاء حتى يمحصهم من الذنوب ، ويفرغ قلبوهم من الشغل بالدنيا غيرة منه عليهم ، فالله يغار ومن صفاته الغيرة ، يغار أن يشتغل العبد الذي يحبه بغيره فلا يريد أن يشتغل بالدنيا فيبتليه ويتلذذ العبد بالبلاء ويصبر ولا يجد وقتاً وإمكاناً للاشتغال بالدنيا التي تصرفه عن الله فلا يقع العبد فيما يضره في الآخرة، ويبتليه بضنك من المعيشة أو كدر من الدنيا أو تسليط أهلها ليشهد صدقه معه في المجاهدة ، قال تعالى: " وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ " محمد :31 , وهذا الابتلاء على حسب قدر الإيمان ومحبة الله للعبد كما قال سعد بن أبي وقاص : يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ قال: " الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى العبد على حسب دينه فإن كان في دينه صلباً اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة" : رواه الترمذي وقال الألباني حسن صحيح.
    وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك فوضعت يدي عليه فوجدت حره بين يدي – وجد الحر فوق اللحاف- فقلت يارسول الله ماأشدها عليك، قال : "إنا كذلك يضعّف لنا البلاء ويضعّف لنا الأجر"، قلت يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ قال:"الأنبياء" قلت يا رسول الله ثم من؟ قال: "الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد أحدهم إلا العباءة يحوّيهاوإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء" : أخرجه ابن ماجة وصححه الألباني
    – قالوا في اللغة التحوية أن يدير كساءً حول سنام البعير-.
    5- الموت على عمل صالح، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم : "إذا أحب الله عبداً عسّله قالوا وما عسّله؟ قال : يوفق له عملاً صالحاً بين يدي أجله حتى يرضى عنه جيرانه أو من حوله": رواه أحمد وابن حبان والحاكم وصححه الألباني.

    علامات العبد الدالة على محبته لله تعالى:

    لما كانت المحبة خفية في القلب سهُل أن يدّعيها كل أحد " وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ " المائدة :18 ,فما أسهل الدعوى وأعز الحقيقة، فلا ينبغي أن يغتر الإنسان بتلبيس الشيطان وخداع النفس إذا ادعت نفسه محبة الله ما لم يمتحنها بالعلامات ويطالبها بالبراهين ، والمحبة شجرة طيبة أصلها ثابتة وفرعها في السماء ، وثمارها تظهر في القلب والجوارح كدلالة الثمار على الأشجار والدخان على النار وهذه العلامات كثيرة:
    1- حب لقاء الله تعالى فإنه لا يتصور أن يحب القلب محبوباً إلا ويحب لقاءه ومشاهدته ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" :رواه البخاري ومسلم ، فالمحب الصادق يذكر محبوبه دائماً والموعد الذي بينهما للقاء، ولا ينسى موعد لقاء حبيبه ، و ما هو موعد اللقاء؟ ، هناك موعدان ، الأول الموت و الثاني يوم القيامة، والثالث اللقاء في الجنة والنظر إلى وجه الرب. إذاً فالموت هو الموعد الأول للقاء مع الله وليس معنى هذا أن العبد يريد الموت الآن وأنه يتمناه ويدعو به على نفسه، لكن إذا نزل الموت بالعبد الصالح أحب نزوله ، لأنه سيفضي به الآن إلى لقاء الله وما أعد له من الثواب والنعيم ويكون بقرب ربه " إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ,فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ" القمر: 54:55 ، يريد أن يكون عند ربه وأن يصل إليه من الألطاف والإنعام بعد الموت من الله ما يصل ، فضلاً عن ما يكون له من الجزاء العظيم في الجنة ، فمحبة لقاء الله تعالى ولما علم الله عز وجل شوق عباده المحبين له والمطيعين ضرب لهم موعداً بينه وبينهم وهو الموت " مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ " العنكبوت :5 .
    2- أن يكون أنسه بالخلوة ومناجاة الله تعالى وتلاوة كتابه فيواظب على التهجد ويغتنم هدوء الليل وصفاء الوقت بانقطاع العوائق ، فإن أقل درجات التنعم بمناجاة الحبيب فمن كان النوم والاشتغال بالحديث ألذّ عنده من مناجاة الليل فكيف تصح محبته؟، فإن المحب يتلذذ بخدمة محبوبه وتصرفه في طاعته وكلما كانت المحبة أقوى كانت لذة الطاعة والخدمة أكمل وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " حبب إلي من الدنيا الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة" : رواه النسائي قال الألباني حسن صحيح.
    فقرة العين كما قال ابن القيم فوق المحبة، فجعل النساء والطيب مما يحبه، وأخبر أن قرة العين التي يطمئن القلب بالوصول إليها ومحض لذته وفرحه وسروره و بهجته إنما هو بالصلاة التي هي صلة بالله وحضور بين يديه ومناجاة له واقتراب منه فكيف لا تكون قرة العين؟ وكيف تقر عين المحب بسواها؟ومن قرة عينه بصلاته في الدنيا ؛ قرة عينه بقربه من ربه عز وجل في الآخرة وقرة عينه به أيضاً في الدنيا ومن قرت عينه بالله قرت به كل عين، ومن لم تقر عينه بالله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات، فقرة عين المحب ولذته ونعيم روحه في طاعة محبوبه بخلاف المطيع كرهاً، المتحمل للخدمة ثقلاً ، الذي يرى أنه لولا ذل القهر ما أطاع فهو يتحمل طاعته كالمكره الذي أذله مكرِهه وقاهره بخلاف المحب الذي يعد طاعة محبوبه قوتاً ونعيماً ولذة وسروراً فهذا ليس الحامل له على الطاعة والعبادة والعمل ذل الإكراه، بل تكون دواعي قلبه وجواذبه منساقة إلى الله طوعاً ومحبة وإيثاراً كجريان الماء في منحدره ، يتم تلقائياً بكل يسر وسهولة، وهذا حال المحبين الصادقين فإن عبادتهم طوعاً ومحبة ورضا ففيها قرة عيونهم وسرور قلوبهم ولذة أرواحهم.
    إذاً إذا أحب العبد ربه عمل له بيسر وسهولة منقاداً طائعاً مستلذاً ، كيف نوفّق بين هذا الكلام وبين ما يجده الإنسان من المشاق في القيام لصلاة الفجر وتحمل المكاره التي يرغم نفسه عليها إرغاماً، و يرغم نفسه أحياناً على الطاعات ، هل معنى ذلك أن هذا إنسان لا يحب الله؟
    الجواب: أن الوصول إلى مرحلة يكون فيها العابد لربه كالماء الذي يجري في المنحدرات؛ هذه لا تتم من أول الأمر ولا يصل إليها العبد من أول العبادة والعمل ، بل يصل إليها بعد تدريب ومكابدة ومشقة ومجاهدة، ولذلك فإن اللذة والتنعم بالطاعة تحصل بعد الصبر على التكره والتعب أولاً، فإذا صبر وصدق في صبره وصل إلى مرحلة اللذة التي تكون العبادة بعدها عنده كجريان الماء في منحدره، ولذلك قال بعض السلف:" كابدت نفسي في قيام الليل عشرين سنة، وتلذذت به بقية عمري".ومن عرف هذا عرف الطريق إلى محبة الله كيف يكون أوله وآخره وماذا سيلقى وأعد نفسه لهذا وهذه مسألة في غاية الأهمية.
    ولا يزال السالك عرضة للفتور والانتكاس والآفات حتى يصل إلى هذه الحالة ( إذاً فترة المشقة تكون مصحوبة باحتمالات انتكاس وفتور وبرود وآفات حتى يصل إلى مرحلة اللذة بالطاعة، ويمكن للفرد أن يشعر أنه يتلذذ بالطاعة أحياناً وتشق عليه أحياناً، وأن نفسه تتقلب حتى تستقر على التلذذ بالطاعة دائماً. فواضح إذاً أن العمل لله والعبادة مراتب ودرجات ومن فقه التدرج هذا عرف كيف يصل، أما الذي لا يعرف عن هذا الموضوع شيئاً فعباداته كلها تقليد وليس عنده تصور لقضية البدء والاستمرار ومايحصل في الطريق من آفات ثم الوصول بعد ذلك في النهاية إلى هذه المرحلة العظيمة التي تسهل عليه بعدها كل مشقة وتهون عليه كل صعوبة) فحين إذٍ يصير نعيمه في سيره ولذته في اجتهاده وعذابه في فتوره وتوقفه عن العبادة فترى أشد الأشياء عليه ضياع شيء من وقته ووقوفه عن سيره ولا سبيل إلى هذا إلا بالحب الذي يدفعه إلى العمل( ولذلك تجد بعض العابدين إذا مرض ينزعج جداً ويتألم من المرض، لا لأجل ألم المرض ، ولكن لأجل أنه قطعه عن العبادة التي كان متعوداً عليها فتصبح القواطع عن العمل أكره شيء عنده ، ولذلك عوضه الله بالأجر،" إذا مرض العبد أو سافر كُتِب له مثل ما كان يعمل صحيحاً مقيماً" فإذاً علامة المحبة كمال الأنس بمناجاة المحبوب وكمال التنعم بالخلوة وكمال الاستيحاش من كل ما ينغص عليه الخلوة.
    3- أن يكون صابراً على المكاره، والصبر من آكد المنازل في طريق المحبة وألزمها للمحبين ، وهم أحوج إلى منزلة الصبر من كل منزلة، فإن قيل كيف تكون حاجة المحب إليه ضرورية مع منافاته لكمال المحبة ، فإنه لا يكون إلا مع منازعات النفس النفس لمراد المحبوب؟ قيل: هذه هي النكتة ولب الموضوع والقصد والفائدة التي لأجلها كان الصبر من آكد المنازل في طريق المحبة وأعلقها به وبه يعلم صحيح المحبة من معدومها وصادقها من كاذبها فإنه بقوة الصبر على المكاره في مراد المحبوب يعلم صحة المحبة ومن هنا كانت محبة أكثر الناس كاذبة لأنهم كلهم ادعوا محبة الله تعالى فحين امتحنهم بالمكاره انخلعوا عن الحقيقة ولم يثبت إلا الصابرون ، فلولا تحمل المشاق وتجشّم المكاره بالصبر ماثبتت صحة الدعوة وقد تبين أن أعظم الناس محبة لله أشدهم صبراً وهذا ماوصف الله به أولياءه وخاصة فقال عن عبده أيوب لما ابتلاه " إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا " ص:44
    فهذه العلاقة بين الصبر والمحبة" نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ " ص :30 ، وأمر أحب الخلق إليه بالصبر لحكمه وأخبر أن الصبر لا يكون إلا لله ، فيصبر لله و الصبر لا يكون إلا بالله "وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ " النحل :127
    4- أن لا يؤثر عليه شيئاً من المحبوبات، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" أنت يا رسول الله أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، قال: حتى أكون أحب إليك من نفسك، قال : أنت أحب إلي من كل شيءحتى نفسي، قال: الآن ياعمر"، إذاً من العلامات أن لا يقدم العبد شيئاً على الله لا ولده ولا والده ولا الناس ولا أي شهوة، ومن آثر على الله شيئاً من المحبوبات فقلبه مريض، و إذا كان العبد مؤثراً ما أحبه الله على ما يحبه هو فيكون عند ذلك مقاوماً لداعي الهوى معرضاً عن الكسل مواظباً على الطاعة متقرباً بالنوافل فيظهر الطاعة ولذلك قال الشاعر:

    تعصي الإله وأنت تزعم حبه *** هذا محال في القياس بديع

    لو كان حبك صادقاً لأطعته***إن المحب لمن يحب مطيـــــع


    وهذه ملاحظة مهمة تهم الدعاة في التعامل مع المدعوين وهي أن العصيان لا ينافي أصل المحبة إنما يضاد كمالها. فالمحبة كالإيمان لها أصل ولها كمال، فبحسب المعاصي ينقص الكمال، وإذا دخل المرء في مرحلة الشك والنفاق الأكبر ذهب الأصل وانخلع وانعدم، فالذي ليس في قلبه محبة لله هذا كافر مرتد ومنافق نفاق أكبر، ليس له من الدين نصيب، أما العصاة لا يقال لهم أنه ليس عندهم محبة لله بل يقال محبتهم لله ناقصة وعلى هذا يعَاملون والدليل على هذا حديث نعيمان الذي أُتي به عند النبي صلى الله عليه وسلم يوماً وهو سكران فحدّه في شرب الخمر ، فلعنه رجلٌ وقال ما أكثر ما يؤتى به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله": رواه البخاري، يعني عنده أصل المحبة ، وعنده نقص بقدر ما عصا. ولأن هذا صحابي فلا نتكلم فيه في ذاته بل وإنما الشاهد الإتيان بالحديث لنبين أن المعصية لا تنفي أصل المحبة ، وقد يكون الرجل قد تاب وختم له بخير فنحفظ حقوق صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم حتى الذين عصوا منهم، ومعروف أن الحدود تكفر المعاصي. وهذا ما ينبغي التعامل به مع صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم حتى الذين ورد في الأحاديث أنهم وقعوا في المعاصي، فإنهم عند الله بمكان عظيم حتى العاصي منهم كان يخرج للجاهد و يقدم نفسه وروحه فداء لله ورسوله، وعندهم طاعات عظيمة قد تكون أكب بكثير مما فعلوا من السيئات.
    5- أن يكون مولعاً بذكر الله تعالى ، لا يفتر لسانه ولا يخلو عنه قلبه ، فإن من أحب شيئاً أكثر من ذكره بالضرورة ومن ذكر ما يتعلق به.فيحب عبادته وكلامه وذكره وطاعته وأولياءه. ولقد أمر الله تعالى عباده بذكره في أخوف المواضع " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا " الانفال:45 تحت ظلال السيوف وقعقعات السيوف ولا تشغلكم عن ذكر ربكم. فعلامة المحبة الصادقة ذكر المحبوب عند الرغب والرهب، وحتى العرب في الجاهلية كان المرء يفتخر بالأشعار أنه ذكر محبوبته في الحرب و تحت وقع السلاح . وأهل الإيمان أولى بهذا منهم بحبهم للرحمن وأكثر مما يفعله العاشقون والضلاّل مع محبوبينهم.ومن الذكر الدال على صدق المحبة سبق ذكر المحبوب إلى قلب المحبوب ولسانه عند أول يقظة من منامه وآخر شيء يذكره قبل أن ينام مرة أخرى، وهذه من فوائد أذكار النوم والاستيقاظ.
    6- المحب الصادق إذا ذكر الله خالياً وجل قلبه وفاضت عيناه من خشية الله " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ " الانفال :2
    7- أن يغار لله فيغضب لمحارمه إذا انتهكها المنتهكون و لحقوقه إذا تهاون بها المتهاونون فهذه هي غيرة المحب حقاً، والدين كله تحت هذه الغيرة فأقوى الناس ديناً وأعظمهم محبة لله أعظمهم غيرة على حرمات الله، ولذلك ينكرون المنكرات ويمنعونها غيرة ، لأن محبوبهم لا يرضى بهذا فهم لا يرضون به ولا يرضون بحصوله ويسعون في تغييره.
    8- محبة كلام الله عزوجل، فإذا أردت أن تعلم ماعندك وعند غيرك من محبة الله فانظر محبة القرآن من قلبك فإن من المعلوم أن من أحب محبوباً كان كلامه وحديثه أحب شيء إليه ، فلا شيء عند المحبين أحلى من كلام محبوبهم فهو لذة قلوبهم وغاية مطلوبهم، ومن هنا كان عكوف هؤلاء المحبين لله على كتاب الله، تلاوة وتفسيراً وتدبراً والاستشهاد به في كل موقف. يكثرون من القراءة نظراً وحفظاً. فيكثرون التلاوة ينتج عنها التعلق بكلام المحبوب والإكثار منه .
    9- أن يتأسف على ما يفوته من طاعة الله وذكره، فترى أشد الأشياء عليه ضياع شيء من وقته فإذا فاته ورده وجد لفواته ألماً أعظم من تألم الحريص على ماله من فوات ماله وسرقة ماله وضياع ماله، وبادر إلى قضائه في أقرب فرصة كما كان يفعل الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم فقالت عائشة رضي الله عنها: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عمل عملاً أثبته وكان إذا نام من الليل أو مرض صلّى من الليل اثنتا عشرة ركعة": رواه مسلم .
    10- أن يستقل في حق محبوبه جميع أعماله ولا يراها شيئاً، ولا يرى أن ما عبده به وأطال وصبر عليه أنه بذل شيئاً، فلا يراه قط إلا بعين النقص والإزدراء ويرى شأن محبوبه أعظم من كل ما عمل من أجله وأعلى قدراً فلا يرضى بعمله، بل يتهم عمله ويحتقره ويخشى أنه ما وفّى حق محبوبه بل ويتوب إليه من النقص. لذلك بعد الصلاة يقول أستغفر الله ، فهو دائم الاستغفار للنقص الحاصل في عبادة الرب. وكلما ازداد حباً لله ازداد معرفة بحقه فاستقل عمله أكثر. فكلما ازداد حبّاً ازداد عملاً واحتقاراً لما عمل "وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ " المؤمنون :60 .


    ما هي الأسباب الجالبة لمحبة الله تعالى؟

    1- قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أريد به. قال تعالى:
    " أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا " محمد :24 "كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ " ص :29 ، فهذا هو المقصود الأعظم والمطلوب الأهم من إنزال القرآن ، وأن يشغل قلبه بالتفكير في معنى ما يقرأ ويتجاوب مع كل آية بمشاعره وعواطفه دعاءً واستغفاراً ورجاءً . قال حذيفة صليت مع الرسول صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت يركع عند المائة ثم مضى، فقلت يصلي بها في ركعة فمضى فقلت يركع بها ، ثم افتتح النساء فقرأها ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلاً إذا مر بآية فيها تسبيح سبّح ، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مرّ بتعوّذ تعوّذ.
    وكان صلى الله عليه وسلم إذا قرأ "سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى " الأعلى :1 , قال سبحان ربي الأعلى. فلا شيء أنفع للقلب وأجلب لمحبة الله من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر فإنه جامع لجميع منازل السائرين وأحوال العاملين وهو الذي يورث المحبة والشوق والخوف والرجاء والإنابة والتوكل والرضا والشكر والصبر وسائر الأحوا ل وأعمال القلوب .
    ثم يزجر عن الصفات المذمومة والأفعال القبيحة التي تفسد القلب وتهلكهه . قال الحسن البصري: "أنزل القرآن ليعمل به فاتخذوا تلاوته عملاً " فالتفكر بالقرآن أصل صلاح القلب والعمل به متمم لذلك ولا بد لهذا من هذا.
    2- التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض لأنها توصل إلى درجة المحبة كما جاء في الحديث القدسي: " من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ، و ما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، و بصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطيينه ولأن استعاذني لأعيذنّه" فتضمن هذا الحديث الالهي الشريف حصر أسباب محبة الله في أمرين : أداء فرائضه، والتقرب إليه بالنوافل.
    وأخبر سبحانه أن أداء الفرائض أحب ما يتقرب إليه المتقربون ثم بعدها النوافل، وأن المحب يستكثر من النوافل ، لا يزال يكثر منها حتى يصير محبوباً لله فإذا صار محبوباً شغلته المحبة عن أي أفكار وخواطر أخرى أجنبية غريبة عن العبادة فلا تخطر على باله وإذا جاءت تنصرف وتنطرد بسرعة ، لأنه صار عنده من مراقبة الله ما يمنع هذه الأفكار من الورود ويكون عنده من المهابة والعظمة لربه ما يمنع من الانشغال بأي شيء أجنبي عن العبادة، ويكون عنده من الإجلال لله والأنس به والشوق إليه ما يجعله دائماً ذاكراً تالياً عابداً عاملاً .
    فإذا قيل أن هناك أناس وهذا أكثر حال المسلمين، يستكثرون من النوافل و هم مقصرون في الواجبات ويقترفون المعاصي فما الحل؟
    ليس الحل في ترك النوافل فبتركها يزداد حاله سوءاً فالنوافل تجبر النقص، بل الحل في البقاء على النوافل لكن يصلح حال الواجبات و يصلح حال ترك المحرمات فيمتنع عن المحرمات ويزيد في النوافل. وفي الحديث كما قال ابن حجر عظم قدر الصلاة فإنه ينشأ عنها محبة الله للعبد الذي يتقرب بها وذلك لأنها محل المناجاة والقربى ، ولا واسط فيها بين العبد وربه، ولا شيء أقر لعين العبد منها ومن كانت قرة عينه في شيء فإنه يود أنه لا يفارقه ولا يخرج منه لأن فيه نعيمه وبه تطيب حياته وهذا للعابد.
    إذاً المحافظة على الصلاة فرضاً ونفلاً من أعظم ما يجلب المحبة ومنها قيام الليل. ولا تكاد تجد فريضة إلا وله نوافل ( الصلاة- الصيام – الزكاة- الحج- صلة الرحم والبر بالوالدين)حتى المرء إذا قصّر في الواجب وجد ما يعوّض به ، لكن لا يمكن للمرء أن يشتغل بالنوافل ويترك الواجبات وهذا من خلل التصور واضطراب الميزان وخلل المنهج.
    3- أن يكثر ذكر الله باللسان والقلب والعمل فنصيبه من المحبة على حسب نصيبه من هذا الذكر ، ولهذا أمر تعالى بالإكثار من ذكره , وأنه سبب للفلاح "وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ " الانفال :45 ،وأثنى على أهل الذكر ومدحهم وأخبر نبيه صلى الله عليه وسلم أنه فوق منزلة الجهاد، وجعل الله هذا الذكر حتى بعد العبادات العظيمة وخاتمة الأعمال الصالحة وبعد الصيام " وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ " البقرة :185، والحج " فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ " البقرة :200
    ، والصلاة " فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ " النساء:103 ، والجمعة إذا انقضت "فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا " الجمعة :10 ،وهكذا..، فالذكر هذا مقارن للأعمال الصالحة " وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي " طه :14 ، و بناء على ذلك فإن ذكر الله تعالى من أعظم ما يوصل إلى محبته عز وجل ..
    4- أن تؤثر محابه على محابّك عند غلبات الهوى، وأن تتسنم إلى محابّه ولو صعُب المرتقى،وعلامة هذا الإيثار شيئان:
    أ*- فعل ما يحبه الله ولو كانت نفسك تكرهه.
    ب*- ترك ما يكرهه الله ولو كانت نفسك تحبه.
    وبهذين الأمرين يصح مقام الإيثار، ومؤونة هذا الإيثار شديدة لقوة داعي الهوى والطبع والعادة ولكن المؤمن الذي يريد أن يصل إلى مرتبة المحبة وأن يجلب محبة الله له يتكلف المؤونة الشديدة ويراغم نفسه الضعيفة لكي يصل إلى هذا ويحقق هذاالإيثار، فيشمر وإن عظمت المحنة ويتحمل الخطر الجسيم إرضاء للملك ولأجل الحصول على الفوز الكبير، فإن ثمرة هذا في العاجل والآجل ليست تشبهه ثمرة من الثمرات ولا تتحقق المحبة إلا بهذا الإيثار.
    قال ابن القيم –ر حمه الله- : " ما ابتلى الله سبحانه عبده المؤمن بمحبة الشهوات والمعاصي وميل نفسه إليها إلا ليسوقه بها إلى محبة ماهو أفضل منه وأنفع وأخير وأدوم وليجاهد نفسه على تركها لله فتورثه هذه المجاهدة محبة الله والوصول إلى المحبوب الأعلى، فكلما نازعته نفسه إلى تلك الشهوات واشتدت إرادته لها وشوقه إليها ؛ صرف ذلك الشوق والإرادة بشوق أعظم ومحبة أكبروهي محبة الله عز وجل".
    والقاعدة أن الإنسان لا يمكن أن يترك محبوباً إلا لمحبوب أعلى منه.
    فكان لأجل ذلك من مشى إلى محبوبه على الجمر والشوك؛ أعظم من مشى إليه راكباً على النجائب. فليس من آثر محبوبه مع منازعة نفسه كمن آثره مع عدم منازعتها، لماذا كان صالحو البشر أفضل من الملائكة؟، لأن الملائكة ليس لديهم شهوات و منازاعات ، منقادون إلى الله بطبيعتهم، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، ما من موضع أربعة أصابع في السماء إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد ولذلك أطّت السماء من ثقل الملائكة الذين يعبدون الله فيها، لكن الذي يسبح ويعبد دون أن يفتر مع منازعة نفسه والشهوات وهذه العوائق والعلائق ومع ذلك صامد صابر ؛ هذا أعلى . ولماذا كانت المرأة من البشر في الجنة أفضل من الحور العين؟ بمجاهدتها نفسها ومراغمتها نفسها والتغلب على الشهوات وصبرها وصلاتها وصومها وعبادتها.فهو سبحانه يبتلي عبده بالشهوات إما حجاباً له عنه أو حجاباً له يوصله إلى رضاه.
    5- مشاهدة بره تعالى وإحسانه وآلائه ونعمه الظاهرة والباطنة فإنها داعية إلى محبته، والقلوب قد جبلت على محبة من أحسن إليها وبغض من أساء إليها ، ولا أحد أعظم إحساناً على أحد من الله عزوجل؛ فإن إحسانه على عبده في كل نفس ولحظة والعبد يتقلب في نعم الرب دائماً في كل الأحوال، ويكفي أن بعض أنواع نعمة النفس لا تخطر على بال العبد وله عليه في كل يوم وليلة أربعة وعشرون ألف نعمة، كيف عرفوا ذلك ؟ ، لأنهم حسبوا كم نفس يتنفس المرء في الأربع والعشرين ساعة، فحسبوها وقدروها، فإذا كان أدنى نعمه في جانب التنفس فقط أربع وعشرون ألف نعمة في اليوم فما الظن بالنعم الأخرى إذا أردت أن تعد ؟ " وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا " النحل :18 !! ، فكيف بالمضرّات التي يصرفها ويدفعها عنك إضافة لهذه النعم والإحسان؟ وكّل سبحانه حفَظَة
    " لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ " الرعد :11 , نعم مجلوبة ونقم مدفوعة لا نحس بها والله يكلأنا بالليل والنهار " قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ " الانبياء :42، فهو سبحانه المنعم بالكلاءة والحفظ والحراسة من كل المؤذين" فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ " يوسف :64
    و بعض النعم تحصل رغم معاصي وإساءات وتقصير حصل..!، لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله؛ يدّعون له الولد ثم يعافيهم ويرزقهم..!
    6- مطالعة القلب لأسماء الله وصفاته مشاهدتها ومعرفتها وتقلب القلب في رياض هذه المعرفة، فمن عرف الله تعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله أحبّه لا محالة، وهذا الباب الذي يدخل منه خواصّ أولياء الله العارفين به وهو باب المحبين حقاً الذي لا يدخل منه غيرهم ، ولا يشبع من معرفته أحدٌ منهم ، كلما بدا لهم منه علم ؛ ازدادوا شوقاً ومحبة إلى الله فإذا انضمّ داعي الإحسان والإنعام إلى داعي الكمال والجمال لم يتخلف عن محبة من هذا شأنه إلا أردأ القلوب وأخبثها وأبعدها عن كل خير، فإن الله فطر القلوب على محبة المحسن الكامل في أوصافه وأخلاقه، وإذا كانت هذه فطرة الله التي فطر عليها قلوب عباده ؛ فمن المعلوم أنه لا أحد أعظم إحساناً من الله ولا شيء أكمل من الله ولا شيء أجمل من الله فكل جمال وكمال في المخلوق أصلاً من آثار صنعه سبحانه وتعالى ، لا يُوصف جلاله وجماله ، ولا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه بجميل صفاته وعظيم إحسانه وبديع أفعاله بل هو كما أثنى على نفسه، فإذا كان بعض الناس يحبون الجميل ؛ فالله عزوجل أجمل من كل شيء،وله صفة الجمال، قال الرسول صلى الله عليه وسلم : " إن الله جميل"، ولذلك إذا رآه أهل الجنة نسوا كل شيء، ومن تأمل هذا عرف كيف يتغلب على الأشياء الجميلة في الدنيا من المعاصي، وكل اسم من أسمائه وصفة من صفاته تستدعي محبة خاصة..محبة أكثر.. تنطلق من هذا الاسم وهذه الصفة وهذا الفعل ، فهو المحبوب المحمود على كل ما فعل و كل ما أمر إذ ليس في أفعاله عبث ولا في أوامره سفَه، بل أفعاله كلها لا تخرج عن الحكمة ولا المصلحة ولا العدل ولا الفضل والرحمة وكل واحد من هذه يستوجب حمداً وثناءً على الله سبحانه وتعالى.


    ما للعباد عليه حق واجـــــــــــبٌ *** كـلا ولا سعي ٌلديهِ ضــائعُ



    إن عُذِّبوا فبعدله أو نُعِّموا فبفضله *** وهو الكريم الواســــــــــعُ




    ولا يتصور بشر هذا المقام حق تصوره فضلاً عن أن يوفيه حقه، وأعرف خلقه به وأحبهم إليه محمد صلى الله عليه وسلم قال: "لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك" !،فلا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه البتة وله الأسماء والأوصاف منها مالا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل، ولله تسع وتسعين اسم وله أسماء أخرى، ولكن هذه الأسماء التسع والتسعين من أحصاها وحفظها وعمل بها وعرف معناها دخل الجنة.وهناك أسماء غير معلومة لذلك يوم القيامة الله يعلم نبيه أشياء عندما يسجد تحت العرش لم تخطر ببال أحد ويثني عليه بمحامد ما علمها لأحد قبله ، فإذاً لله الأسماء والصفات التي يحب لأجلها ومن تأمل في أسمائه وصفاته ازداد محبة له ، ولو شهد العبد بقلبه صفة واحدة لله من أوصاف كماله استدعت المحبة التامة فكيف إذا شهد بقية الصفات والأسماء والأفعال، وما نعلمه نحن عن الله وأسمائه وصفاته ليس إلا كنقرة عصفور في بحر!. ولا نعرف الله تعالى معرفة مشاهدة بالعين بل ما عرفناه إلا من خلال الأسماء والصفات، وما وصل إلى العباد من العلم بالله عن طريق الوحي وما رأوه في الواقع هو آثار أسماء الله وصفاته، فاستدلوا بما علموه على ما غاب عنهم فكيف لو شاهدوا ذات الرب ووجه الرب..؟! ، فلو شاهدوه ورأوا جلاله وجماله وكماله سبحانه ؛ لكان لهم في حبه شأن آخر. ولذلك إذا رأوه في الجنة أشغلهم عن كل نعيم آخر..!
    وإنما تتفاوت منازلهم ومراتبهم في محبته على حسب تفاوت مراتبهم في معرفته والعلم به ، ولذلك العلماء هم أكثر الناس محبة لله لأنهم يعرفون من الأسماء والصفات و معاني الأسماء والصفات وآثارها مالا يعرفه عامة الناس، و كذلك الإيمان بأن له وجهاً يليق بجلاله وعظمته وأن له سمعاً وبصراً . ومن تأمل في هذه الأشياء ازداد تعظيماً لربه ومحبة له وتعلقاً به. وأعرف الخلق بالله أشدهم حباً له، ولذلك كانت رسله أعظم الناس حبّاً له ، والخليلان من بينهم أعظم الناس محبة و أعظم الأنبياء محبة لله وأعرفهم به تعالى؛ إبراهيم عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم فوقه. وإنما تظهر هذه المحبة من مطالعة الصفات بإثباتها أولاً ومعرفتها ثانياً ونفي التحريف والتعطيل والتمثيل والتشبيه والتكييف عنها. ولذلك لا يصح مطالعة أسماء الله وصفاته إلا بقواعد صحيحة مبنية على عدم التعطيل والتمثيل والتشبيه والتكييف والنفي. وكلما أكثر القلب من مطالعة أسمائه وصفاته وأفعاله ؛ ازدادت محبته للمتصف بها وللمتسمي بها وللفاعل وكل لذة ونعيم وسرور وبهجة بالإضافة إلى ذلك كقطرة في بحر!. فكم يُحرَم من هذا النعيم نفاة الصفات الذين ينفون أن لله وجهاً وسمعاً وبصراً وينفون أن له محبة وبغض.
    7- انكسار العبد بين يدي الرب والافتقار إليه ، والخضوع والتذلل والإخبات والاستسلام والانطراح بين يديه، فما أقرب الجبر من هذا القلب المكسور، وما أدنى النصر والرحمة والرزق من هذا العبد الذي أذل نفسه لربه وأحب القلوب إلى الله قلب تمكن منه الانكسار وملكته الذلة والله سبحانه يحب من عبده أن يكمل مقام الذل بين يديه لأن هذه حقيقة العبودية، الذل بين يدي الله. ويقال طريق معبّد مذلل من كثرة وطأ الأقدام عليه فصار طريقاً معبداً، ولذلك كلما ذل العبد بين يدي ربه كلما ازداد محبة، والذل أنواع ، وأكملها : ذل المحب لحبيبه، وهناك ذل المالك لمملوكه وهناك ذل الجاني عند المحسن إليه، وهناك ذل العاجز عند القادر على إطعامه وإيوائه، فأعلاها إذاً ذل الحبيب لحبيبه، فإذا كان الذل لله عز وجل قائماً كثيراً؛ كانت المحبة كبيرة..، والعبد ولا شك يذل بين يدي الله كل هذه الأنواع. والذي امتلأ قلبه من محبة الله سبحانه وتعالى فقلبه منكسر عند ربه ليس معجب بعمله ولا مغترّ بما قدّم مهما كان كثيراً، فإنه لا يراه شيئاً ويرى نفسه مقصراً ويرى سائر ما عمِل لا يكافئ نعمة واحدة.
    8- الخلوة بالله تعالى في وقت النزول الإلهي لمناجاته وتلاوة كلامه والوقوف بتأدب معه بأدب العبودبة استغفاراً وتوبة " تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ " السجدة :16 ,"أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ "الزمر :9


    أحوال يحب الله تعالى أهلها

    1- قال الله عز وجل:" وَأَحْسِنُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ " البقرة :195
    ، فالعبد يندفع للإحسان لأنه إن صار من جملة المحسنين نال المحبة.
    2- قال تعالى : " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ " البقرة :222
    ، الحرص على الطهارة الباطنة والظاهرة.
    3- قال تعالى " وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ " ال عمران :146
    4- قال تعالى " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ " ال عمران :159
    5- قال تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ " المائدة :54، وما هي صفاتهم ؟
    " أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ " المائدة :54..
    6- وأخبر الله تعالى أنه يحب المتقين..
    7- وأخبر أنه يحب المقسطين، أصحاب العدل الذين يعدلون في أهليهم والولايات التي يتولونها والمناصب التي يتبوءونها..
    8- أخبر تعالى أنه يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص.
    9- ومما ورد في السنة : " ثلاثة يحبهم الله عزوجل: رجل أتى قوماً فسألهم بالله ولم يسألهم بقرابة بينه وبينهم فمنعوه فتخلفهم رجلٌ بأعقابهم فأعطاه سراً لا يعلم بعطيته إلا الله عز وجل والذي أعطاه - فالمعطي بهذه الصفة من الإخفاء يحبه الله - ، وقوم ساروا ليلتهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل به نزلوا فوضعوا رؤوسهم فقام يتملقني ويتلو آياتي- فبالرغم من تعبه ونصبه فقام يتملقني أي يسألني ويلحّ علي ويتلو كتابي- ، ورجل كان في سرية فلقوا العدو فانهزموا فأقبل بصدره حتى يُقتَل أو يُفتح له" : رواه النسائي وله شواهد حسن بعضها الشيخ الألباني رحمه الله .
    10- ما جاء في حديث عامر بن سعدبن أبي وقاص قال : كان سعد بن أبي وقاص في إبله فجاءه ابنه عمر فلما رآه سعد قال أعوذ بالله من شر هذا الراكب، فنزل الولد للقاء أبيه فقال الابن لأبيه: أنزلت في إبلك وغنمك وتركت الناس يتنازعون الملك بينهم؟قال: اسكت، سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي". الغني عن الناس والخفي من لا يريد علواً في الأرض ولا مناصب ولا جاه. الخامل المنقطع إلى العبادة والانشغال بأمور نفسه.
    11- ما جاء في حديث عمرو بن شعيب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده"، من غير إسراف وخيلاء ثم يتوسط ولا يبخل على نفسه.
    12- عن أبي حازم بن دينار عن أبي إدريس الخولاني قال دخلت مسجد دمشق فإذا أنا بفتى برّاق الثنايا وإذا الناس حوله إذا اختلفوا في شيء أسندوه إليه وصدروا عن رأيه فقيل من هذا قالوا: معاذ بن جبل، فجاءه بعد ذلك فوجده يصلي فانتظره حتى قضى صلاته فسلّم عليه وقال قلت له والله إني لأحبك لله عز وجل، فقال : آلله؟فقلت: آلله, فقال: آلله.فقلت: آلله. فأخذ بحبوة ردائي فجذبني إليه فقال أبشر فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله عز وجل : "وجبت محبتي للمتحابين فيّ والمتجالسين فيّ والمتزاورين في ّ والمتباذلين فيّ". فالحب في الله والزيارة في الله والمجالسة في الله والتعاون على البر والتقوى والتواصي بالحق والصبر واجلس بنا نؤمن ساعة ومجالس الذكر تنال بها محبة الله، وكذلك قصة الرجل الذي زار أخاً له في الله في قرية أخرى ليس بينهم علاقة مالية ولا شراكة ولا شغل فبعث الله ملكاً يقول له : " إن الله قد أحبك كما أحببته"، وكلما زادت المحبة بين المؤمنين كان هذا أقرب إلى الله، فيقول صلى الله عليه وسلم : " ما تحابّ رجلان في الله إلا كان أحبهم إلى الله عزوجل أشدهم حباً لصاحبه" : رواه الطبراني وصححه الألباني.
    13- أحد الصحابة كلما صلّى إماماً قرأبعد الفاتحة بقل هو الله أحد ثم يقرأ سورة أخرى دائماً أو يقرأها فقط ، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟ فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها ، الأحد الصمدالذي يصمد لحوائج الخلائق ، الصمد الذي ليس بأجوف، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أخبروه أن الله يحبه".
    14- ما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس ، وأحب الأعمال إلى الله عزوجل سرور يدخله على مسلم أو يكشف عن كربة أو يقضي عنه ديناً أو يطرد عنه جوعاً ولأن أمشي مع أخٍ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد شهراً" : حديث حسن .
    15- سُئل النبي صلى الله عليه وسلم من أحب عباد الله إلى الله؟ قال: "أحسنهم خلقاً": رواه الطبراني وصححه الألباني في السلسلة ، والله يحب سمح البيع وسمح الشراء وسمح القضاء و الاقتضاء.
    وبالجملة فالله يحب الصالحات، ويبغض كل منكر ومعصية.
    نسأل الله أن يرزقنا محبته وأن يجعل حبه أحب إلينا من الماء البارد على الظمأ وأن يجعلنا ممن يقوم ويعمل بما يحب سبحانه وتعالى.
    __________________________________________________ ____________


    أسئلة من درس المحبة




    سؤال: هل يجوز لمسلم تعزية الكافر وهو معه في العمل؟
    جواب: يعزيه دون أن يدعو لكافر بالرحمة فلا يقول مثلاً غفر الله لأبيك وأبوه كافر، فلا يجوز الدعاء للكافر بالمغفرة والرحمة
    " مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُولِي قُرْبَى " التوبة :113 ، وإنما يقال جبر الله مصيبتك، عوضك الله خيراً منه، اصبر هذه حال الدنيا ، ونحو ذلك، يعزيه ويغتنم الفرصة لدعوته إلى الله.فيقال له مثلاً اتعظ بالموت الذي حصل لقريبك وأن تستعد له بالتوحيد، وأنك تعتنق الدين الذي لا يقبل الله غيره حتى تنجو.

    سؤال: محبة الدنيا هل هي من الشرك؟
    جواب: النبي صلى الله عليه وسلم:" حبب إلي ّمن دنياكم الطيب والنساء"، إذاً هناك أشياء في الدنيا محبتها ليست من الشرك لأن النبي صلى الله عليه وسلم أحبها ، ولذلك يجوز للإنسان أن يحب أشياء من الدنيا مادامت ليست محرمة، فلا يجوز أن يحب المرء الزنا والرشوة والخمر، ولكن يحب زوجاته والزرع والطيب و أكلة معينة ، هذا حب طبيعي، لكن إذا طغى هذا الحب على محبة الله ، فضحى بمرضاة الله من أجل الزوجة وسرق من أجل الطيب، فهنا تكون هذه المحبة الدنيوية معصية غير جائزة، وهناك محبة شركية تُخرج عن الملة، إذا أحب غير الله أكثر من الله ، محبة عبودية فهنا يخرج عن الدين.
    التعديل الأخير تم بواسطة محبة المساكين ; 16-12-2011 الساعة 12:28 AM سبب آخر: تنسيق الموضوع

صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. سلسلة كيف للشيخ صالح المنجد
    بواسطة أمة ذليلة لله في المنتدى الصوتيـــــــات الإسلاميــــــة
    مشاركات: 11
    آخر مشاركة: 26-01-2014, 09:39 AM
  2. برنامج هدى وبينات للشيخ محمد صالح المنجد
    بواسطة نسيبة بنت كعب في المنتدى المرئـيــــــــات الإسلاميــــــة
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 23-08-2010, 12:16 AM
  3. سلسلة معاني الأذكار الشيخ محمد صالح المنجد حفظه الله (16 حلقة)
    بواسطة اخوكم مصعب في المنتدى المرئـيــــــــات الإسلاميــــــة
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 23-11-2008, 08:32 AM

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •