بنرات المنتدى
صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 24
  1. #1

    مراقبة قسم المرئيات الإسلامية


    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    رقم العضوية : 76540
    الجنس: أنثى
    المشاركات : 26,457
    التقييم : 63791
    اقرأ القرآن وأذكر ربك متواجد حالياً

    سلسلة الاداب الشرعية للشيخ محمد المنجد

    آداب المشي إلى الصلاة
    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
    فإن المسلم بحاجة ماسة لمعرفة الآداب المشروعة التي تسبق الصلاة، استعداداً لها؛ لإن الصلاة عبادة عظيمة ينبغي أن يسبقها استعداد وتهيؤ مناسب، ليدخل المسلم في هذه العبادة على أحسن الهيئات. فمن تلك الآداب ما يلي:
    المشي بسكينة ووقار:
    إذا مشى المسلم إلى المسجد ليؤدي الصلاة مع جماعة المسلمين، فليكن ذلك بسكينة ووقار، والسكينة: هي الطمأنينة والتأني في المشي، والوقار: الرزانة والحلم وغض البصر وخفض الصوت وقلة الاتفات(1).
    عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-أنه قال: (إذا نودي بالصلاة فأتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا)(2)، وفي لفظ: (إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم بالسكينة والوقار ولا تسرعوا فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا)(3)، وفي لفظ: (إذا ثوب للصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة)(4).
    التبكير بالخروج إلى المسجد:
    من الأفضل للمسلم أن يخرج إلى المسجد مبكراً ليدرك تكبيرة الإحرام مع الإمام، ويحضر الصلاة من أولها، فإن في المحافظة على الصلاة من أولها مع الإمام فضيلة عظيمة، فعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من صلى لله أربعين يوماً في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتبت له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق)(5).
    المقاربة بين الخطا:
    المقاربة بين الخطا في المشي إلى الصلاة من طرق تكثير الحسنات، فكلما كثرت الخطوات التي يمشي بها المصلي إلى المسجد كثرت حسناته، ورفعت درجاته، ومحيت كثير من سيئاته، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إن أحدكم إذا توضأ فأحسن وأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه خطيئة، حتى يدخل المسجد، وإذا دخل المسجد كان في صلاة ما كانت تحبسه، وتصلي عليه الملائكة ما دام في مجلسه الذي يصلي فيه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يحدث فيه)(6)، وعنه -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط)(7)، وعن أبي موسى قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إن أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم، والذي ينظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجراً من الذي يصليها ثم ينام) وفي رواية أبي كريب: (حتى يصليها مع الإمام في جماعة)(8).
    حتى رجوع المصلي من الصلاة له به أجر، والدليل على ذلك، حديث أبي بن كعب قال: كان رجل لا أعلم رجلاً أبعد من المسجد منه، وكان لا تخطئه صلاة، فقيل له، أو قلت له: لو اشتريت حماراً تركبه في الظلماء وفي الرمضاء، قال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (قد جمع الله لك ذلك كله)(9). قال الإمام النووي -رحمه الله-: (فيه إثبات الثواب في الخطا في الرجوع من الصلاة كما يثبت في الذهاب)(10)، وكذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لبني سلمة عندما أرادوا أن يبيعوا بيوتهم التي كانت بعيدة عن المسجد ويتحولون إلى قرب المسجد فقال لهم: (يا بني سلمة! ديارَكم تكتب آثاركم، ديارَكم تكتب آثاركم)(11).
    ذكر الذكر الوارد:
    عن عبد الله بن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خرج إلى الصلاة وهو يقول: (اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي لساني نوراً، واجعل في سمعي نوراً، واجعل في بصري نوراً، واجعل من خلفي نوراً، ومن أمامي نوراً، واجعل من فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً، اللهم أعطني نوراً)(12).
    تقديم الرجل اليمنى عند دخول المسجد، واليسرى عند الخروج:
    إذا وصل المصلي إلى باب المسجد فيقدم رجله اليمنى عند الدخول، ويقول: (بسم الله، أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم(13)، اللهم صلى على محمد، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك)، وإذا أراد الخروج؛ قدم رجله اليسرى، وقال: (بسم الله والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك)(14).
    صلاة ركعتين تحية المسجد:
    فإذا دخل المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)(15).
    الإكثار من ذكر الله:
    فيكثر المسلم في المسجد وهو ينتظر الصلاة من ذكر الله، والدعاء، وقراءة القرآن، ويتجنب العبث؛ كتشبيك الأصابع وغيره؛ فقد ورد النهي عنه في حق منتظر الصلاة، فعن كعب بن عجرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إذا توضأت فعمدت إلى المسجد فلا تشبكن بين أصابعك؛ فإنك في صلاة)(16).
    الحرص على الصف الأول:
    يحرص المصلي على أن يصلي في الصف الأول، لما لذلك من الأجر العظيم فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لا يجدون إلا أن يستهموا عليه لا ستهموا)(17)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (خير صفوف الرجال أولها)(18)، ويحرص على القرب من الإمام؛ فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: (ليَلِني منكم أولو الأحلام والنهى)(19)، وهذا بالنسبة للرجال، وأما النساء فالصف الأخير من صفوف النساء أفضل لها؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (وخير صفوف النساء آخرها)(20)؛ لأن ذلك أبعد لها عن رؤية الرجال(21).
    اللهم وفقنا وسدد خطانا، واجعلنا من الراشدين، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
    ________________________________________
    1 - راجع الملخص الفقهي (صـ 87).
    2 - متفق عليه.
    3 - رواه البخاري.
    4 - رواه مسلم.
    5 - رواه الترمذي، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي رقم (200) ومشكاة المصابيح رقم (1102).
    6 - رواه البخاري.
    7 - رواه مسلم.
    8 - رواه مسلم.
    9 - رواه مسلم.
    10 - شرح النووي على صحيح مسلم (5/168).
    11 - رواه مسلم.
    12 - رواه مسلم.
    13 - رواه أبو داود، والنسائي وابن ماجه، وأحمد، وصححه الألباني في صحيح أبي داود رقم (485).
    14 - سنن ابن ماجه، وروى أبو داود والنسائي نحوه، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه رقم (625)، وعند مسلم: (إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك).
    15 - متفق عليه.
    16 - رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني في صحيح الترمذي رقم (316).
    17 - متفق عليه.
    18 - رواه مسلم، وأصحاب السنن، وأحمد.
    19 - رواه مسلم، وأصحاب السنن، وأحمد.
    20 - رواه مسلم، وأصحاب السنن، وأحمد.
    21 - راجع: الملخص الفقهي (صـ 89).
    =================

  2. #2

    عضو مجتهد


    تاريخ التسجيل : Jun 2011
    رقم العضوية : 102787
    الجنس: أنثى
    المشاركات : 203
    التقييم : 124
    وردة العلم غير متواجد حالياً

    رد: آداب المشي إلى الصلاة

    جزاكِ الله خيراً أختي أمة الله ..

    و لكن ماذا عن مُلقي الدرس ؟؟

  3. #3

    مراقبة قسم المرئيات الإسلامية


    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    رقم العضوية : 76540
    الجنس: أنثى
    المشاركات : 26,457
    التقييم : 63791
    اقرأ القرآن وأذكر ربك متواجد حالياً

    رد: آداب المشي إلى الصلاة

    ستركم الله في الدنيا والآخرة
    و
    جزاكم الله خيرا
    أسأل الله أن يثبتناوإياكم على الحق
    نفع الله بكم ورفع قدركم

  4. #4

    مراقبة قسم المرئيات الإسلامية


    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    رقم العضوية : 76540
    الجنس: أنثى
    المشاركات : 26,457
    التقييم : 63791
    اقرأ القرآن وأذكر ربك متواجد حالياً

    سلسلة الاداب الشرعية للشيخ محمد المنجد

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    عناصر الموضوع :
    1. آداب العطاس
    2. من آداب التثاؤب
    3. من آداب التجشؤ
    4. من آداب البصاق
    5. آداب التثاؤب والتجشؤ
    إن النبي صلى الله عليه وسلم ما ترك خيراً إلا ودلنا عليه، وما ترك شراً إلا وحذرنا منه، وإن من الخير العميم الذي علمنا إياه النبي صلى الله عليه وسلم آداب الإسلام في احترام وتقديس الأماكن والهيئات، وإعطاء الناس حقوقهم، ومن تلك الآداب آداب العطاس والتثاؤب، وآداب البصاق والبزاق في المسجد وحال الصلاة.
    آداب العطاس:
    عقيدة أهل الجاهلية في العطاس:
    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فقد ذكرنا في الدرس الماضي طائفة من أحكام العطاس وآدابه، وسوف نتم الكلام عن موضوع العطاس وندخل في أدب التثاؤب والجشاء، وكذلك البصاق والتفل والنخاعة والنخامة إذا كان الوقت متسعاً. ندخل في تتمة الكلام عن موضوع العطاس، ونذكر النقطة التي أشار إليها أحد الإخوة، ونتكلم عنها في هذه الليلة، ماذا كان يعتقد العرب في العطاس؟قال ابن القيم في مفتاح دار السعادة : "ومما كان الجاهلية يتطيرون به ويتشاءمون منه العطاس، كما يتشاءمون بالبوارح والسوانح" -هذه من أنواع الطيور التي كانوا يتطيرون بها، وأتى ببعض الأبيات تدل على تشاؤم أهل الجاهلية من العطاس- قال: "وكانوا إذا عطس من يحبونه قالوا له: عمراً وشبابة، وإذا عطس من يكرهونه، قالوا له: وراً وقحابة"، والوري: داءٌ يصيب الكبد فيفسدها، والقحاب: السعال وزناً ومعنى، فكأنهم يدعون عليه بالداء الذي يصيب كبده وبالسعال، فكان الرجل إذا سمع عطاساً فتشاءم به يقول: بك لا بي، أي: أسأل الله أن يجعل شؤم عطاسك بك أنت لا بي أنا، وكان تشاؤمهم في العطسة الشديدة أشد، كما يحكى عن بعض الملوك أن مسامراً له عطس عطسةً شديدة راعته -أي: أخافته- فغضب الملك، فقال سميره: والله ما تعمدت ذلك، ولكن هذا عطاسي، فقال: والله لئن لم تأتني بما يشهد لك بذلك لأقتلنك، فقال: أخرجني إلى الناس لعلي أجد من يشهد لي، فأخرج وقد وكل به الأعوان، فوجد رجلاً، فقال: ناشدتك بالله إن كنت سمعت عطاسي يوماً فلعلك تشهد لي به عند الملك، فقال: نعم. أنا أشهد لك، فنهض معه فقال: أيها الملك! أنا أشهد أن هذا الرجل يوماً عطس فطار ضرس من أضراسه، فقال له الملك: عد إلى حديثك ومجلسك. يقول ابن القيم رحمه الله" فلما جاء الله بالإسلام وأبطل برسوله ما كان عليه الجاهلية الطغاة من الضلال والآثام، نهى أمته عن التشاؤم والتطير، وشرع لهم أن يجعلوا مكان الدعاء على العاطس بالمكروه دعاءً له بالرحمة" -أي: إذا كان أهل الجاهلية يقولون: بك لا بي، إذا عطس، وأيضاً يدعون عليه بالداء والمرض والسعال، فجاء الله عز وجل بهذا الشرع المطهر الذي فيه الدعاء للعاطس بالرحمة، وحمد العاطس الله عز وجل بعد العطاس. ولما كان الدعاء على العاطس نوعاً من الظلم والبغي جُعل الدعاء له بلفظ الرحمة المنافي للظلم، وأُمر العاطس أن يدعو لسامعه ومشمته بالمغفرة والهداية وإصلاح البال، فيقول: يغفر الله لنا ولكم، أو يهديكم الله ويصلح بالكم، فأما الدعاء بالهداية فلمّا أنه اهتدى إلى طاعة الرسول، ورغب عما كان عليه الجاهلية فدعا له ليثبته الله عليها ويهديه إليها. لما قال هذا العاطس: الحمد لله، فقال له المشمت: يرحمك الله، فيقول: يهديكم الله ويصلح بالكم. وكذلك الدعاء بإصلاح البال وهي كلمة جامعة لصلاح شأنه كله وهي من باب الخيرات، ولما دعا لأخيه بالرحمة فناسب أن يجازيه بالدعاء له بإصلاح البال، أما الدعاء بالمغفرة فجاء بلفظ يشمل العاطس والمشمت، فيقول: يغفر الله لنا ولكم، ليتحصل من مجموع دعوى العاطس والمشمت لهما المغفرة والرحمة معاً، وهو تأسٍ أيضاً بآدم عليه السلام. هذا بالنسبة لما كان عليه أهل الجاهلية، وما جاء الله به في هذا الدين من إبطال ذلك وإبداله بالأمر الحسن.
    أما بالنسبة لحديث: "من سبق العاطس بالحمد أمن من الشوص واللوص والعلوص" فهو ضعيف، ولذلك لا يسبق العاطس بالحمد؛ لأنه قال: من "سبق العاطس بالحمد، فإذاً: العاطس يترك حتى يحمد الله سبحانه وتعالى"، وهذا الشوص وجعٌ في البطن والضرس، والعلوص وجعٌ في التخمة ووجعٌ في البطن، واللوص: وجعٌ في الأذن، أنواع من الأوجاع.
    إذا عطس أكثر من ثلاث يدعى له بالعافية:
    وكذلك فإنه بالنسبة للعاطس إذا عطس أكثر من ثلاث مرات، فإنه قد سبق القول أنه يُدعى له بالعافية، ولذلك يقول ابن عبد القوي رحمه الله في منظومته: "وقل للفتى عوفيت بعد ثلاثةٍ وللطفل بورك فيك وأمره يحمدِ"
    وعوفيت بعد ثلاثة، أي: بعد ثلاث مرات، يدعى له بالعافية، يقال له: عوفيت، ليس في هذا حديث صحيح، لكن بما أنه أخبر أنه مزكوم، فالمناسب أن يُدعى له بالعافية، بعد تشميته ثلاث مرات، فإذا عطس الرابعة يقال له: عوفيت، وقال شيخ الإسلام وهو منصوص الإمام أحمد : "إن عطس ثانياً وحمد شمته، وثالثاً شمته، ورابعاً دعا له بالعافية، ولا يشمت للرابعة إلا إذا لم يكن شمته قبلها ثلاثاً"، فالاعتبار بفعل التشميت لا بعدد العطسات، هذا كلام صاحب الإقناع وشارح الإقناع، أن العبرة بالتشميت لا بعدد العطسات، فلو عطس شخص ثلاث مرات متوالية، ثم قال: الحمد لله، فشمته، ثم عطس رابعة فشمته، ثم عطس خامسة فشمته، كم عطسة عطس؟ خمس، كم مرة شمته؟ ثلاثاً. إذاً: في العطسة السادسة تقول له: عوفيت، فقال: إذاً العبرة بفعل التشميت لا بعدد العطسات، فلو عطس أكثر من ثلاث متواليات شمته بعدها إذا لم يتقدم تشميت، ويقال له: عافاك الله؛ لأنه مزكوم أو به داء. وقال مهنا للإمام أحمد : "أي شيء مذهبك في العاطس يشمت إلى ثلاث مرار؟ فقال: إلى قول عمرو بن العاص قال: العاطس بمنزلة الخاطب، يشمت إلى ثلاث، فما زاد فهو داء في الرأس." وتقدمت الأحاديث في هذا الأمر، وهناك مسألة، وهي: إذا دعا للعاطس بالعافية فهل يقول العاطس شيئاً؟ قال السفاريني رحمه الله في غذاء الألباب شرح منظومة الآداب: " لم أرَ لأحدٍ من الأصحاب ولا غيرهم في أن الداعي للعاطس بالعافية، هل يستحق جواباً أم لا". ولعله يجيب بقوله: عافانا الله وإياك، أي: لو قلت له: عوفيت بعدما عطس وشمته المرة الثالثة، عطس الرابعة، فقلت له: عوفيت، فيقول: عافانا الله وإياك، وهو مأخوذٌ من قول ابن عمر رضي الله عنهما. وهل يكون مستحباً أو واجباً أو مباحاً؟ لم أر من تعرض لشيءٍ من ذلك، والذي يظهر إن قلنا: الدعاء له بالعافية مستحب فالإجابة كذلك، إذا قلنا: عوفيت أو عافاك الله مستحب، فالإجابة بقول: عافانا الله وإياك، أو وإياك مثلاً: ونحو ذلك من الألفاظ الطيبة أنه مستحب كذلك، وإن قلنا: واجبٌ فكذلك الإجابة والله ولي الإنابة."
    الدعاء للغلام بالبركة إذا عطس:
    أما بالنسبة لقول الغلام: بورك فيك كما أشار الناظم فليس فيه حديثٌ صحيحٌ والله أعلم أن الغلام يخص بشيء، ولكن جاء في حديثٍرواه الحافظ السلفي"أن النبي صلى الله عليه وسلم عطس عنده غلام لم يبلغ الحلم، فقال: الحمد لله رب العالمين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (بارك الله فيك يا غلام)" لكن يحتاج إلى معرفة صحته،ويكون هذا الحديث مستند الناظم ابن عبد القوي رحمه الله: "وقل للفتى عوفيت بعد ثلاثةٍ وللطفل بورك فيك وأمره يحمد", يعني: مره أن يحمد الله.
    تذكير العاطس الحمد إذا نسي:-
    العاطس إذا نسي أن يحمد الله عز وجل قال بعض العلماء:" يُذكَّر"، وقال بعضهم: "لا يُذكَّر"، وقد تقدم الخلاف في هذه المسألة، أما ابن القيم رحمه الله فقد قال في العاطس: "إذا ترك العاطس الحمد هل يستحب لمن حضره أن يذكره الحمد؟" قال ابن العربي: "لا يذكره وهذا جهلٌ من فاعله." وقال النووي: "أخطأ من زعم ذلك، بل يذكره؛ لأنه مرويٌ عن النخعي، وهو من التعاون على البر والتقوى،" فقال ابن القيم بعد ذلك: "وظاهر السنة يقوي قول ابن العربي ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشمت الذي لم يحمد الله، ولم يذكره، وهذا تعزيرٌ له وحرمانه لتركه الدعاء، لما حرم نفسه بتركه الحمد، فنسي الله تعالى، فصرف قلوب المؤمنين وألسنتهم عن تشميته والدعاء له، ولو كان تذكيره سنة لكان النبي صلى الله عليه وسلم أولى بفعلها وتعليمها والإعانة عليها"، هذا رأي ابن القيم رحمه الله تعالى في المسألة. وذكر في شرح الإقناع ما يؤيد أنه ينبغي تذكير من نسي حمد الله، قال المروذي: "أن رجلاً عطس عند أبي عبد الله -الإمام أحمد رضي الله عنه ورحمه- فلم يحمد الله، فانتظره أبو عبد الله أن يحمد الله فيشمته، فلما أراد أن يقوم، قال له أبو عبد الله: كيف تقول إذا عطست؟ قال:
    أقول: الحمد لله، فقال له أبو عبد الله : يرحمك الله." قال في الآداب: "وهذا يؤيد ما سبق". أي: من كون بعض الأصحاب كان يذكر خبر من سبق العاطس بالحمد أمن الشوص ونحوه ويعلمه الناس، قال: "وهو متجه. فالمسألة فيها قولان: هل يذكر أو لا؟ ولكل من ذهب إلى أحد المذهبين له رأي".
    من آداب التثاؤب:
    وأما بالنسبة للتثاؤب، فإن التثاؤب من الشيطان، كما قال البخاري رحمه الله في كتاب الأدب: باب ما يستحب من العطاس وما يكره من التثاؤب، وذكر حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب العطاس)، وفيه: (وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان، فليرده ما استطاع، فإذا قال: ها، ضحك منه الشيطان)، وفي رواية أبي داود : (فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع، ولا يقول: هاها، فإنما ذلك من الشيطان يضحك منه"، وفي رواية: "إذا تثاءب أحدكم فليمسك على فيه فإن الشيطان يدخل" أي: يدخل مع التثاؤب. إذاً: التثاؤب من الشيطان، والشيطان يدخل مع التثاؤب إلى جوف الشخص، ويضحك من العبد المتثائب، أما بالنسبة للتثاؤب فأصله من ثئب فهو مثئوب، إذاً: مرد التثاؤب إلى الكسل، ومأخوذ منه.
    رد التثاؤب أو وضع اليد على الفم:
    أرشد النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث بقوله: "فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع" وجاء في الرواية الأخرى: "فليضع يده على فيه". إذاً: وضع اليد على الفم جاء هذا في حديث مسلم:"إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فيه" أما بالنسبة لقوله عليه الصلاة والسلام:) "التثاؤب من الشيطان" أي: أن الشيطان يحب التثاؤب، وهو مبعث التثاؤب، وكل فعلٍ مكروه ينسبه الشرع إلى الشيطان؛ لأنه واسطته، والتثاؤب من امتلاء البطن، وينشأ عنه التكاسل، وذلك بواسطة الشيطان، وأضيف التثاؤب إلى الشيطان -كما يقول النووي رحمه الله-" لأنه يدعو إلى الشهوات، إذ يكون عن ثقل البدن واسترخائه وامتلائه"، والمراد: التحذير من السبب الذي يتولد منه التثاؤب وهو التوسع في الأكل. أما قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع" هل المقصود: إذا تثاءب يرده بعد انتهاء التثاؤب؟ الجواب: لا. هذا أسلوب تستعمله العرب، "إذا تثاءب أحدكم"، أي: إذا شرع فيه، إذا بدأ فيه " فليرده ما استطاع" يأخذ في أسباب رده، وقيل: إن المقصود إذا تثاءب أي: إذا أراد أن يتثاءب، مثل: "فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ "[النحل:98] أي: إذا أردت قراءة القرآن، إذا أردت أن تشرع فيها، وقوله صلى الله عليه وسلم: "فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان"، وفي رواية: "فإذا قال: آه"، وفي رواية: "فإذا قال: ها -مرة بتقديم الهاء ومرة بتأخيرها- ضحك منه الشيطان"، وفي رواية: " فإن الشيطان يدخل " يدخل مع التثاؤب، وورد في رواية ضعيفة لـابن ماجة : "فليضع يده على فيه ولا يعوي، فإن الشيطان يضحك منه" أي: شبَّه الصوت بعواء الكلب، ولكن هذه الرواية لم تثبت.
    غطية التثاؤب ورده في الصلاة وخارجها:
    هل تغطية الفم وكظم التثاؤب خاصٌ بالصلاة أو هو عامٌ يشمل الصلاة وغير الصلاة؟ الجواب: أما رواية الصحيحين فأكثرها عامة، ليس فيها تقييد بالصلاة، وورد في بعض الروايات تقييده بحال الصلاة، فهناك احتمال أن يحمل المطلق على المقيد، ونقول: الكظم والتغطية والمجاهدة والحبس هو في الصلاة، أو أن نقول: إنه عامٌ، ولكنه في الصلاة يكون أوكد، ولعل هذا هو الأقوى والله أعلم، فإن الشيطان في الصلاة له غرضٌ قوي في التشويش على المصلي، وهناك قاعدة أصولية يذكرها بعض أهل العلم، وهي: أن المطلق إنما يحمل على المقيد في الأمر لا في النهي، وموضوعنا الآن في حديث التثاؤب أمر، وبناءً على ذلك قاعدة حمل المطلق على المقيد لا تنطبق، لأنه هنا قال: ( إذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع؛ فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان) وقال هنا: (فليرده منكم ما استطاع، فإن أحدكم إذا قال: ها، ضحك منه الشيطان) فاللام هنا لا شك أنها لام الأمر، فقال بعضهم: إن المطلق إنما يحمل على المقيد في الأمر لا في النهي، وهذا ظاهره أنه يقيد هاهنا، لكن ابن حجر رحمه الله ذكر في الفتح أن هناك ما يؤيد كراهته مطلقاً وهو كونه من الشيطان، أي: إذا كان التثاؤب من الشيطان هل هناك فرقٌ بين الصلاة وخارج الصلاة؟ حديث كون التثاؤب من الشيطان هل يعني: أنك تجاهده في الصلاة وخارج الصلاة لا تجاهده؟ ما هو الفرق إذا كان كلاهما من الشيطان؟ لكن في حال الصلاة هو أشد، قال ابن العربي رحمه الله: ينبغي كظم التثاؤب في كل حالة، وإنما خص الصلاة؛ لأنها أولى الأحوال بدفعه، ولا شك أن التثاؤب فيه خروج عن اعتدال الهيئة، وفيه اعوجاجٌ للخلقة، والمتثائب إذا أفرط في التثاؤب ربما شابه الكلب، ويرفع رأسه فيه أيضاً، وبذلك يُعلم أن الشيطان إذا دفع العبد إلى التثاؤب فإنه يصيره في وضعٍ كريه، فإن الإنسان لو قدر له أن يرى حاله أمام المرآة وهو يتثاءب لرأى منظراً كريهاً بشعاً، فالشيطان من كيده أنه يدفع للتثاؤب، وهو هيئة كريهة وبشعة، وهو أيضاً يدخل مع التثاؤب، وظاهر الحديث الدخول الحقيقي. فإن قال قائل: إنه يجري من ابن آدم مجرى الدم؟ فنقول: إذا كان ذاكراً لله يتمكن منه، لكنه إذا تثاءب في تلك الحالة ولم يرده، تمكن الشيطان من الدخول فيه حقيقةً، ولا يمنع أن يدخل فيه وهو يسير منه أو يجري منه مجرى الدم. والقضايا الغيبية، لا تحكم فيها بالعقول، ونقول: هذا داخل فكيف يدخل؟ وهذا خارج... هذه قضايا مردها إلى الله تبارك وتعالى، فهو يعلم كيفية ذلك.
    تغطية المتثائب فمه بكفه ونحوها:
    أما تغطية الفم فإنه يغطى بالكف ونحوه إذا انفتح، فإذا كان منطبقاً فهل يغطيه أم لا؟ أي: شخص استطاع أن يجاهد نفسه بألا ينفتح فمه عند التثاؤب، فنقول: يغطيه احتياطاً؛ لأن التثاؤب فيه رغبة قوية في فتح الفم، فاحتياطاً يغطي فمه بيده، أما إذا انفتح فتتأكد التغطية. هل يلزم وضع اليد بالذات، أو يمكن أن يضع ثوبه؟ لو وضع طرف الغترة أو غطاء الرأس، أو الكم، أو منديل مثلاً، فنقول: المقصود هو التغطية، وليس الشرط أن تكون في اليد، لكن إذا كان لا يستطيع أن يغطي إلا باليد تعينت اليد، مثل ألا يكون عنده شيءٌ قريبٌ يغطي به ونحو ذلك، وتتأكد التغطية في حال الصلاة أيضاً، كما تتأكد مجاهدة التثاؤب في حال الصلاة.
    إذا تثاءب حال قراءة القرآن أمسك عن القراءة:
    ومن الأشياء المفيدة: أن الإنسان المصلي أو قارئ القرآن إذا تثاءب أثناء قراءة القرآن فعليه أن يكف عن القراءة حتى ينتهي من مقاومة التثاؤب؛ لأن التثاؤب يغير نظم القراءة، وربما تتغير الحروف، وجاء عن مجاهد و عكرمة وعدد من التابعين المشهورين هذا، وهو الأمر بالإمساك عن القراءة حال التثاؤب، وحكم التثاؤب في الصلاة مكروه إذا أمكن دفعه، وينبغي عليه مجاهدة نفسه للأمر الوارد في الحديث، خصوصاً أن طريقة كثير من أهل الظاهر أنهم يوجبونه في مثل هذه النصوص. هل إذا تثاءب يستخدم في التغطية باليد اليمنى أو اليسرى؟ الجواب: ليس هناك -والله أعلم- نصٌ في هذه المسألة، ولكن قال بعضهم: يغطي فمه بيده اليسرى؛ لأن مبعثه من الشيطان، وذكر السفاريني رحمه الله كلاماً عن أحد شيوخه، لكن ليس فيه دليل، يقول: قال لي شيخنا التغلبي فسح الله له في قبره: إن غطيت فمك في التثاؤب بيدك اليسرى فبظاهرها، وإن كان بيدك اليمنى فبباطنها. وهذا التفريق ربما لا دليل عليه، لكن هذا من مراعاة المعنى وليس من مراعاة الدليل، يقول: "والحكمة من ذلك؛ لأن اليسرى لما خبث ولا أخبث من الشيطان، وإذا وضع اليمنى فبباطنها؛ لأنه أبلغ في الغطاء" تحكم بالتغطية بباطن اليد أكثر من الظاهر إذا قلبها. قال: "واليسرى مُعدَّة لدفع الشيطان، وإذا غطى بظهر اليسرى فببطنها معدٌ للدفع، أي: أن هذا الذي يدفع به، فيجعل الظاهر على الفم والباطن كأنه للدفع، وهذا لم يذكر فيه دليلاً، فالمسألة واسعة إن شاء الله إذا غطى باليمنى أو باليسرى، لكن فيه معنى إذا قلنا: إنه باليسرى لأجل أنه من الشيطان.
    كراهية إظهار التثاؤب بين الناس:
    بالنسبة للتثاؤب؛ فقد ذكر بعض أهل العلم بحثاً في تتمة كلام ابن مفلح رحمه الله في موضوع التثاؤب، قال: "ويكره إظهاره بين الناس مع القدرة على كفه، وإن احتاجه تأخر عن الناس وفعله"، أي: احتاج وغلبه التثاؤب أخفى ذلك عن الناس. وقال بعضهم: "يكره التثاؤب مطلقاً سواءً كان مع الناس أو لوحده"، أي: يقاوم التثاؤب حتى لو كان منفرداً، "ومما يعين على دفع التثاؤب: الإقلال من الطعام والشراب".
    من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم عدم التثاؤب:
    ومن الأشياء التي ذكرها بعض أهل العلم في موضوع التثاؤب: هل يتثاءب النبي صلى الله عليه وسلم أم لا على أساس أن التثاؤب من الشيطان؟ قال ابن حجر رحمه الله في الفتح : ومن الخصائص النبوية ما أخرجه ابن أبي شيبة و البخاري في التاريخ من مرسل يزيد بن الأصم -إذاً هذا مرسل- قال: (ما تثاءب النبي صلى الله عليه وسلم قط)، وأخرج الخطابي من طريق مسلمة بن عبد الملك بن مروان قال: (ما تثاءب نبيٌ قط) ومسلمة أدرك بعض الصحابة وهو صدوق. إذاً: هو تابعي، ويؤيد ذلك ما ثبت أن التثاؤب من الشيطان، فإذاً أتى بروايتين مرسلتين، وقالوا: ويؤيد ذلك أن التثاؤب من الشيطان، وجاء في الشفاء لـابن سبع: (أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يتمطى لأنه من الشيطان) والله أعلم. هذا بالنسبة لما يتعلق بموضوع التثاؤب.
    من آداب التجشؤ:
    وأما بالنسبة للتجشؤ: فإن التجشؤ الذي هو خروج الصوت نتيجة الشبع، ويخرج معه ريح عادةً من البطن، فقد ورد فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه الترمذي و ابن ماجة، عن ابن عمر وحسنه الشيخ: الألباني بلفظ: (كف عنا جشاءك، فإن أكثرهم شبعاً في الدنيا أطولهم جوعاً يوم القيامة) هذا الحديث ذكر الشيخ: الألباني طرقه في السلسلة الصحيحة ، وقال: روي من حديث ابن عمر و أبي جحيفة و ابن عمرو و ابن عباس و سلمان، ثم ذكر حديث يحيى البكاء، عن ابن عمر، قال: (تجشأ رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: .. ) فذكره، أخرجه الترمذي ، وقال الترمذي : حديث غريب من هذا الوجه، قلت: يعني: ضعيف؛ لأن يحيى البكاء ضعيف. وأما حديث أبي جحيفة وله عنه طرق: الأولى: عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: "أكلت خبز بر بلحم سمينٍ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فتجشأت، فقال: احبس أو اكفف جشاءك..." الحديث، وزاد قال: "فما أكل أبو جحيفة ملء بطنه حتى فارق الدنيا"أخرجه ابن أبي الدنيا في الجوع، قلت: فيه الوليد وهو ضعيف، لكنه لم يتفرد به، لأن له متابعة. وكذلك من القصص التي وردت حديث سلمان يرويه عطية بن عامر الجهني قال:" سمعت سلمان وأُكِرَه على طعامٍ يأكله، فقال: حسبي، أي: عزموا عليه أن يأكل ويزيد، فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أكثر الناس شبعاً في الدنيا، أطولهم جوعاً يوم القيامة)". بعدما ذكر الشيخ طرق الحديث قال في آخره: وجملة القول: أن الحديث قد جاء من طرق عمن ذكرنا من الصحابة، وهي وإن كانت مفرداتها -أي: كل طريق بمفرده- لا تخلو من ضعفٍ، فإن بعضها ليس ضعفها شديداً، ولذلك فإني أرى أنه يرتقي بمجموعها إلى درجة الحسن على أقل الأحوال، والله سبحانه وتعالى أعلم.
    كظم التجشؤ ورده:
    الحديث على ماذا يدل؟ على كظم التجشؤ ورده، وهذا فيه أيضاً الإقلال من الطعام، وكذلك تغطية الفم، وحبس الصوت، وكف الرائحة التي تخرج؛ لأن التجشؤ بالذات إذا أكل ثوماً أو بصلاً وتجشأ في المسجد بين المصلين، فإن فيه تنفيرٌ وإيذاءٌ لعباد الله المصلين، وكثيرٌ من الناس يتساهلون في هذا، ولا يبالون به، ويفعلونه في مجامع الناس، ويصدر أقوى ما لديه من الأصوات، وكأنه يرى من الصحة إخراج التجشؤ بأعلى صوت ممكن، ولا يبالي بتغطية فمه ولا بغير ذلك، وإنما يتجشأ بحضرة الناس أو وهم جلوس، أو في حلقة علم، أو في الصلاة، أو في اجتماع الناس، بدون مبالاة، وهذا من قلة الأدب أن يفعل ذلك بحضرة الناس، وخصوصاً أن التجشؤ غالباً يكون مصحوباً برائحة كريهة، خصوصاً عند أكل الثوم أو البصل أو الكراث.
    التجشؤ في الصلاة:
    الإنسان قد يغلبه التجشؤ فماذا يفعل؟ يكفه ما استطاع، حتى أن الإمام أحمد رحمه الله في رواية أبي طالب قال: "إذا تجشأ وهو في الصلاة، فليرفع رأسه إلى السماء حتى تذهب الريح، وإذا لم يرفع رأسه آذى من حوله من ريحه، وهذا من الأدب،" وقال في رواية مهنا، عن الإمام أحمد: "إذا تجشأ الرجل ينبغي أن يرفع رأسه إلى فوقه؛ لكي لا يخرج من فيه رائحة يؤذي بها الناس، فإذا تجشأ عن يمينه أو شماله، أو وجهه إلى الأمام كأن الرائحة تكون أشد، فأكثر ما يمكن أن يفعله أن يرفع رأسه إلى فوق وهذا إذا اضطر إلى ذلك."

    إذا حمد المتجشئ.. ماذا يقال له؟:
    ماذا يقول المتجشئ؟ هل يحمد الله؟ هل يقاس على العطاس؟ ليس هناك دليلٌ في الموضوع والله أعلم، وقال ابن مفلح رحمه الله: "ولا يجيب المجشئ بشيءٍ، فإن قال: الحمد لله، قيل له: هنيئاً مريئاً، أو هنَّاك الله وأمراك" ذكره في الرعاية الكبرى، وكذا ابن عقيل ، وقال: "لا نعرف فيه سنة، بل هو عادةٌ موضوعة"، وذكر أن بعض الأطباء قالوا في علاج التجشؤ: ينفع فيه الكراويا أو الصعتر، أو النعناع مضغاً أو شرباً، أو الكندر مضغاً أو شرباً.
    من آداب البصاق:
    أما بالنسبة للبصاق والتفل، فالبصاق ماء الفم إذا خرج منه، يقال: بصق يبصق بصاقاً، ويقال: البزاق والبساق، والتفل لغةً: البصق، ولكن هناك فرق، والتفل بالفم: نفخٌ معه شيءٌ من الريق، فإذا كان نفخاً بلا ريق فهو النفث، والتفل شبيهٌ بالبزاق وهو أقل منه.. إذاً: هناك ثلاث مراتب: البزق أو البصق وهو أعلاها الذي يكون فيه اللعاب أكثر شيء، ثم التفل ويكون فيه اللعاب أقل، ثم النفث ويكون فيه اللعاب أقل ما يمكن، ثم النفخ ليس فيه لعاب أبداً؛ لأنه هواء. أما بالنسبة للبصاق فالأصل أن ماء فم الإنسان طاهر ما لم ينجسه نجس، أما ما يتعلق بالبصاق من الأحكام، فإنها كثيرة؛ فمن ذلك: ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في عددٍ من الأحاديث، ولنذكر بعضها "إذا تنخم أحدكم فلا يتنخمن قبل وجهه ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى" قاله النبي صلى الله عليه وسلم "لما رأى نخامة في جدار المسجد فتناول حصاة فحكها ثم قال.." الحديث رواه الإمام أحمد و البخاري و مسلم وغيرهم، وكذلك جاء عند أبي داود وهو حديث صحيح: "التفل في المسجد خطيئة وكفارته أن يواريه"، وجاء أيضاً عند أبي داود من حديث أبي سعيد وهو حديث حسن: "أيسر أحدكم أن يُبصق في وجهه؟ إن أحدكم إذا استقبل القبلة إنما يستقبل ربه عز وجل، والملك عن يمينه، فلا يتفل عن يمينه ولا في قبلته، وليبصق عن يساره أو تحت قدمه، فإن عجل به أمرٌ فليتفل هكذا" أي: في ثوبه، وروى النسائي و الحاكم و البيهقي وغيرهم وهو حديث حسن: "إذا صليت فلا تبصق بين يديك ولا عن يمينك، ولكن ابصق تلقاء شمالك إن كان فارغاً، وإلا فتحت قدميك وادلكه" وأحاديث البزاق أخرجها الإمام البخاري رحمه الله في الصحيح ، وقال: باب حك البصاق باليد من المسجد، وجاء في حديث أنس : "أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نخامةً في المسجد فحكه" .
    النهي عن البصاق جهة القبلة وعن اليمين:
    وقال في حديث: باب لا يبصق عن يمينه في الصلاة، قال في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "رأى نخامة في حائط المسجد، فتناول حصاة فحتها، ثم قال: إذا تنخم أحدكم فلا يتنخم قبل وجهه ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى"، وحديث أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يتفلن أحدكم بين يديه ولا عن يمينه ولكن عن يساره أو تحت رجله" وهذا الحديث " لا يتفلن أحدكم " وحديث: " إذا تنخم أحدكم " ليس فيه تقييد للصلاة، فالآن هل هذا مقيد بالصلاة أم لا؟ هل النهي عن البصاق إلى جهة القبلة خاصٌ بالصلاة أم لا؟ أما النووي رحمه الله "فإن رأيه المنع في كل حالة"، داخل الصلاة وخارجها، سواءً كان في مسجد أو غيره، وجاء عن مالك أنه قال: "لا بأس به خارج الصلاة"، وقال ابن حجر : "يشهد للمنع عن ابن مسعود أنه كره أن يبصق عن يمينه وليس في صلاة، عندنا الآن جهتين منهي عن البصق فيها: جهة القبلة والجهة اليمنى، هل هذا خاص بالصلاة؟ وإلا لو أن إنساناً يمشي في الشارع لا يبصق في اتجاه القبلة ولا يبصق عن يمينه". قال ابن حجر رحمه الله: "ويشهد للمنع ما رواه عبد الرزاق وغيره"، عن ابن مسعود: "أنه كره أن يبصق عن يمينه وليس في صلاة"، وعن معاذ بن جبل قال: "ما بصقت عن يميني منذ أسلمت" وعن عمر بن عبد العزيز أنه نهى أبناءه عنه مطلقاً، فالذين قالوا: إنه مخصوص بحالة الصلاة، قالوا: إنه قال في حديث أبي هريرة : "فإن عن يمينه ملكا" فإذا قلنا: إن الملك هذا غير الكاتب والحافظ؛ لأن هناك ملكاً يكتب، وملائكة تحفظ، فيظهر عند ذلك اختصاصه بحال الصلاة، أي: هناك ملك غير الحافظ، ملك في الصلاة يكون عن يمين المصلي، فغير الصلاة لا يكون فيها، إذاً: يجوز أن يبصق خارج الصلاة عن يمينه، هؤلاء الذين قالوا: إن العلة وجود ملك -فهموا الحديث- في الصلاة عن يمين المصلي. والقاضي عياض رأيه أن النهي عن البصاق عن اليمين في الصلاة إنما هو مع إمكان غيره، فإن تعذر فله ذلك، أي: إذا لم يتمكن أن يبصق في جهة أخرى غير اليمين، ولذلك قال ابن حجر :" لا يظهر وجود التعذر مع وجود الثوب الذي هو لابسه، فإنه يمكن مثلاً أن يأخذ طرف الثوب ويبصق فيه عن الجهة اليسرى مثلاً، وإذا كان عن يساره أحد -طبعاً المساجد من قديم كان فيها تراب وحصى- فإذا كان في المسجد تراب وأراد أن يبصق يبصق عن يساره تحت قدمه اليسرى ويدلكها بالتراب وتنتهي، لكن الآن المساجد ليست مفروشة لا بالحصى ولا بالتراب ولا بالرمل، فإذاً: لو بصق ستكون في السجاد فيحصل تلويث وتقذير للمسجد. إذاً: ما هو الحل؟ أن يخرج منديلاً فيبصق فيه أو يبصق في طرف الثوب إذا احتاج لذلك، فقد يكون فيه علة حيث يجتمع البلغم ونحو ذلك ويسد مجرى التنفس ولا يستطيع القراءة ولابد من إخراجه، فإذا احتاج إلى البصاق، فماذا يفعل؟ يبصق عن يساره في ثوبه، أو في منديل، أما البصاق على الأرض تحت القدم اليسرى هذا محله إذا كان في مكانٍ فيه رملٌ أو تراب أو نحوه بصق تحت قدمه اليسرى ودلك ذلك حتى يذهب أثرها، كما إذا كان يصلي في أرضٍ مكشوفة في الرمل.
    مشروعية البصاق تحت القدم:
    وإذا كان عن شماله شخص فعند ذلك يبصق تحت قدمه اليسرى حتى لا يؤذي من بجانبه، وقال ابن حجر: "ولو كان تحت رجله مثلاً شيءٌ مبسوطٌ أو نحوه تعين الثوب"؛ لأنك إذا بصقت سيأتي على البساط فيتعين البصق في الثوب، ولو فقد الثوب مثلاً فلعل بلعه أولى من ارتكاب المنهي عنه، إذا كان عن يسارك أناس، وفي المسجد بساط، قال في النهاية:" فلعل بلعه أولى من ارتكاب المنهي، أنك تقذر البساط، أو تتفل عن يسار صاحبك أو تفعل شيئاً من الأشياء التي نهي عنها ". وبالنسبة للنخامة والبصاق، والنخامة والنخاعة: شيءٌ ينزل من الأنف إلى الحلق، والأخرى شيء يصعد من الصدر إلى الحلق، فهذا الفرق بينهما، فحكمها حكم البصاق، لكنها أشد من جهة أنها لعابٌ فيه شيءٌ مخلوط به مما يتقذر به بزيادة.. البلغم والنخامة والنخاعة أشد من مجرد البصاق، لكن حكمها حكمه، أي: قضية اليمين والشمال ونحو ذلك حكمها حكمه، أي: إذا أراد أن يمتخط في الصلاة فأخرج منديلاً يلتفت إلى اليسار ويمتخط.
    كفارة البزاق في المسجد دفنها:
    كذلك قال في باب كفارة البزاق في المسجد؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: " البزاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها" لأن المساجد من تراب ورمل، فلذلك يمكن أن تدفن، والكفارة تدل على أن من بصق في المسجد آثم؛ لأنه لما قال: (خطيئة) أي: أنه آثم وأن لها كفارة. هنا قال بعضهم: "إنما تكون خطيئة إذا لم يدفن، أما إذا دفنت فلا تكون خطيئة"، لكن هذا لعله ليس هو الأقوى؛ لأن مجرد فعله في المسجد لوحده فيه ما فيه، لكن قال ابن حجر رحمه الله تعالى "يستدل برواية أحمد بإسنادٍ حسن، من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعاً: "من تنخم في المسجد فليغير نخامته أن تصيب جلد مؤمنٍ أو ثوبه فتؤذيه" قال: وأوضح منه في المقصود ما رواه أحمد و الطبراني بإسناد حسن، من حديث أبي أمامة مرفوعاً: "من تنخع -من النخاعة- في المسجد فلم يدفنه فسيئة، وإن دفنه فحسنة" فلم يجعله سيئة إلا بقيد عدم الدفن، وفي حديث مسلم مرفوعاً قال: "ووجدت في مساوئ أعمال أمتي النخاعة تكون في المسجد لا تدفن" فهذا يدل على رأي القائلين بأنها تكون خطيئة إذا لم تدفن، فإذا دفنت لم تعد خطيئة ولا تكتب خطيئة. وذَكَر قصة لطيفة: روى سعيد بن منصور، عن أبي عبيدة بن الجراح، أنه تنخم في مسجد ليلةً فنسي أن يدفنها حتى رجع إلى منزله، فأخذ شعلة من نار، ثم جاء فطلبها حتى دفنها، ثم قال: " الحمد لله الذي لم يكتب عليَّ خطيئة الليلة" فدل على أن الخطيئة تختص بمن تركها لا بمن دفنها؛ لأن هذا تراب لو ألقى عليه ما ألقاه ثم دفنه زال المحذور، والعلة المذكورة في الحديث: إيذاء المؤمن، فإذا دفنها زالت العلة. إذاً: هناك من العلماء من يقول: لا يلقيها في المسجد أصلاً، وهناك من يقول: إذا دفنها فلا حرج في إلقائها، وكذلك لو جعلها في ثوب فهو جائز حتى لو كان في مسجد. وعند أبي داود من حديث عبد الله بن الشخير: "أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فبصق تحت قدمه اليسرى ثم دلكه بنعله" إسناده صحيح، والظاهر أن ذلك كان في المسجد فيؤيد ما تقدم. وتوسط بعضهم، فحمل الجواز على ما إذا كان له عذرٌ، كأن لم يتمكن من خروج المسجد، أي: لو كنت في المسجد واحتجت إلى إخراجها فاخرج إلى خارج المسجد وألقها، لكن لو كنت في الصلاة ولا تتمكن من الخروج خارج المسجد فماذا تفعل؟ فعند ذلك يجوز إلقاؤها في المسجد، لكن بدون تقذير أو تجعلها في منديل.. ونحو ذلك. قال ابن حجر رحمه الله: وهو تفصيلٌ حسن، والله أعلم. وينبغي أن يفصل أيضاً بين من بدأ بمعالجة الدفن قبل الفعل كمن حفر أولاً ثم بصق وأورى، وبين من بصق أولاً بنية أن يدفن مثلاً، فأيهما أحسن؟ الذي يهيئ المكان قبل أن يبصق فيه كحفرٍ ثم يدفنه فيه أولى من إبرازها ثم دفنها. وقال الجمهور: يدفنها في تراب المسجد أو رمله أو حصبائه، هذا أيضاً بناءً على أن المساجد مفروشة بالتراب أو الحصباء. وأورد كذلك البخاري رحمه الله في باب دفن النخامة في المسجد حديث أبي هريرة: "إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يبصق أمامه، فإنما يناجي الله ما دام في مصلاه، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكاً، وليبصق عن يساره أو تحت قدمه فيدفنها" هذا بالنسبة لاستدلاله بالحديث على كونه في المسجد، وقال في حديث:"إذا بدره البزاق فليأخذ بطرف ثوبه" عن أنس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في القبلة فحكها بيده، ورئي منه كراهية، وقال: إن أحدكم إذا قام في صلاته، فإنما يناجي ربه، فلا يبزقن في قبلته ولكن عن يساره أو تحت قدمه، ثم أخذ طرف ردائه فبزق فيه ورد بعضه على بعض، قال: أو يفعل هكذا" يعني: النبي صلى الله عليه وسلم أخذ طرف الثوب فبصق فيه ورد بعضه على بعض، كأنه أغلقه عليه ومسحه بحيث أنه لا ينتقل إلى شيءٍ آخر، ثم قال: "أو يفعل هكذا" فإذا عرض البصاق فهذا الإرشاد إلى ما يفعل، هكذا تكون الطريقة. الحديث فيه إزالة هذه الأشياء من المسجد وتفقد الإمام أحوال المسجد، وإزالة الأذى منه، وهذا من تواضعه صلى الله عليه وسلم، واستدلوا بالحديث على أن خروج الصوت مثل النحنحة والنفخ في الصلاة لا يبطلها، ولكن بعضهم قال: إذا خرج منه أحرف هجاء أكثر من حرفين تبطل الصلاة؛ لأنه صار كلاماً عندهم، ولكن المسألة في قضية التعبد إذا تعمد أن يتكلم في الصلاة بكلام أجنبي بطلت وإلا فلا؛ لأنه إذا تنخم خرج حرف الخاء على سبيل المثال. هذا ما سنقف عنده في هذا الموضع، وبقي أشياء يسيرة في البصاق والنخامة والنخاعة نتكلم عليها إن شاء الله تعالى.والله أعلم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً
    التعديل الأخير تم بواسطة محبة المساكين ; 12-11-2011 الساعة 10:40 PM سبب آخر: تنسيق الموضوع

  5. #5

    مراقبة سابقة


    تاريخ التسجيل : May 2010
    رقم العضوية : 80300
    الجنس: أنثى
    المشاركات : 6,866
    التقييم : 12350
    محبة المساكين غير متواجد حالياً

    رد: محاضرة( آداب التثاؤب والتجشؤ ) للشيخ محمد المنجد

    بارك الله فيكى
    وجزاكى الله خيرا
    اللهم فقهنا فى ديننا

  6. #6

    مراقبة قسم المرئيات الإسلامية


    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    رقم العضوية : 76540
    الجنس: أنثى
    المشاركات : 26,457
    التقييم : 63791
    اقرأ القرآن وأذكر ربك متواجد حالياً

    محاضرة( آداب المصافحة والمعانقة والتقبيل )للشيخ محمد المنجد

    عناصر الموضوع :
    1.أهمية الالتزام بآداب الصحبة
    2.آداب الأخوة
    3.الأسئلة
    4.آداب الصحبة
    إن الإنسان في هذه الحياة لا بد أن يكون له أصدقاء وإخوان؛ لأن الإنسان اجتماعي بطبعه، وقد جاءت أحاديث في السنة النبوية تدل على فضل الأخوة وعِظَم منزلتها إذا كانت خالصة لله تعالى ليس فيها أي غرض من أغراض الدنيا، وإن أفضل طريقة لدوام الصحبة والمحافظة عليها هي الالتزام بآداب الصحبة، والتي ذكر الشيخ منها في هذا الدرس آداباً كثيرة.
    أهمية الالتزام بآداب الصحبة:
    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فحديثنا في هذه الليلة أيها الإخوة عن أدب آخر من الآداب الشرعية ألا وهو "آداب الصحبة". وآداب الصحبة كثيرة, والصحبة ولا شك من الأمور المهمة للغاية, فإن الإنسان اجتماعي بطبعه ولا بد أن يكون له إخوان وأصحاب و"المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل" كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. والله سبحانه وتعالى قد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه خيراً فقال الله عز وجل: " فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ "[آل عمران:159] وقال سبحانه: " لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ"[الأنفال:63] وإذا كان الإنسان على دين خليله فلا بد أن يكون لهذا الخليل صفات تجعل مصاحبته في مرضاة الله سبحانه وتعالى, والصاحب يؤثر في صاحبه ولا شك، وقد أوصى أهل العلم بوصايا فقال أحدهم:

    لا تصحب أخا الجهل وإيـاك وإيـــاه

    فكم من جاهل أردى حليماً حيـن آخـاه

    يقاس المرء بالمـرء إذا ما المرء ماشـاه

    وللشيء من الشـيء مقـاييـس وأشـباه

    وللقلـب من القلـب دليـل حيـن يلـقاه

    ولا شك أن الاعتناء بآداب الصحبة يربط الإخوان ببعضهم البعض, ويجعل المسلمين جسداً واحداً كما يريد الله سبحانه وتعالى، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً" وإذا اعتنى الإنسان بإخوانه فصفت العشرة ودامت المودة، وأصبح المؤمنون كالجسد الواحد؛ كان ذلك بناء عظيماً للمجتمع الإسلامي، وسداً منيعاً في وجه الشرّ وأهل الكفر.
    آداب الأخوة:
    فتعالوا بنا نستعرض بعض آداب الأخوة التي ذكرها بعض أهل العلم, فمن آداب الأخوة: أولاً: حسن الخلق، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم "أن خير ما يُعطَى الإنسان خلق حسن", كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وأبو داود وغيرهما، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم "بمخالطة الناس بالخلق الحسن ", فقال صلى الله عليه وسلم: "وخالق الناس بخلق حسن"وهو اقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم. ولا شك أن حسن الخلق يولد الأخوة ويؤلف الطباع. ومن آداب الصحبة أيضاً أن تعطي كل أحد من الذين تصاحبهم حقه على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم, قال بعض أهل العلم: للمعاشرة أوجه، فللمشايخ والأكابر بالاحترام والخدمة والقيام بأشغالهم, وللأقران والأوصاف بالنصيحة وبذل الموجود، وللتلاميذ بالإرشاد والتأديب، والحمل على ما يوجبه العلم وآداب السنة. ومن آداب الأخوة كذلك: الإغضاء عن العثرات, فعثرات الإخوان لا بد من حصولها, والصفح عنها من قيم الصاحب المؤمن, قال الفضيل بن عياض رحمه الله: "الفتوة: الصفح عن عثرات الإخوان"
    وكما يحب الإنسان أن يعامل إذا أخطأ بالصفح والتغافر فينبغي كذلك أن يعامل إخوانه, قال ابن الأعرابي: "تناسَ مساوئ الإخوان يدم لك ودهم " . ولا شك أن الذين لا يتناسون عثرات إخوانهم يقعون في مأزق عندما يفقدونهم الواحد تلو الآخر, والله سبحانه وتعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: " فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ "[الحجر:85]ما هو الصفح الجميل؟ الذي ليس فيه تقريع ولا تأنيب وإنما هو معاتبة للرفيق, والمؤمن يألف ويؤلف, ومن الأشياء التي تجعل الإنسان يؤلف أن يتغاضى عن عثرات إخوانه. وكذلك من الآداب: ستر عيوب الإخوان.. وتحسين عيوبهم, فبعض الناس قد يجد في أخيه عيباً؛ فالموقف أن يحاول إصلاح عيبه، وأن يرشده إلى الطريقة التي به يقوم عيبه, ويستر عيوبهم؛ بمعنى أنه لا يشيعها ولا يتطلبها, ولذلك قال بعض السلف : "المؤمن يطلب معاذير إخوانه, والمنافق يطلب عثرات إخوانه", وينبغي على الإنسان إذا أخطأ أخاه أن يلتمس له الأعذار الكثيرة، وإذا لم يقبل عذره فليتهم نفسه، كيف تطلب كل هذه الأعذار ثم لا تقبلها؟ ومن آداب الأخوة: أن يعاشر من يوثق بدينه وأمانته في الظاهر والباطن؛ لأن الله قال: " لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ" [المجادلة:22] ولذلك لا خير في مصاحبة أهل الدنيا؛ لأن أهل الدنيا يدلون على طلبها وجمعها ومنعها, ولا شك أن هذا يبعد الإنسان عن سبيل النجاة، وإنما يعاشر أهل الخير ومن يدله على طلب الآخرة، ولذلك أوصى بعضهم صاحباً له يريد مفارقته بقوله: "عليك بصحبة من تسلم منه بظاهر أمرك، وتبعثك على الخير صحبته، ويذكرك الله رؤيته أي: رؤيته تذكرك بالله، هذا الذي تحرص على صحبته. وكذلك من آداب الصحبة: ألا يحسد إخوانه على ما يراه من النعم عندهم, لأن الله سبحانه وتعالى قد فاوت بين العباد في الأرزاق والعطيات، والمواهب والأموال، ونحو ذلك, فينبغي على الأخ إذا آخى أخاً له ألا يحسده على نعمة عنده, وأن يحمد الله سبحانه وتعالى أن وهبها الله لأخيه, والله عز وجل قال: " أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ "[النساء:54] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تحاسدوا". وكذلك من آداب الصحبة: ألا يواجه أخاً من إخوانه بما يكرهه, فإذا كان يكره أمراً معيناً فلا يواجهه به، ما لم يكن في ذات تلك المواجهة مصلحة له أو نصيحة في الدين. ومن آداب الصحبة: ملازمة الحياء مع الأخ، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الحياء من الإيمان" وقال عليه الصلاة والسلام: "استحي من الله كما تستحي رجلاً صالحاً من قومك" بل استحي من الله أعظم مما تستحي من رجل صالح من قومك, لكن ضربه مثلاً للتقريب. وكذلك من آداب الأخوة: بشاشة الوجه، ولطف اللسان، وسعة القلب، وإسقاط الكبر. ومن آداب الأخوة: ألا يصحب إلا عاقلاً وعالماً، وحليماً تقياً.. فإن صاحب العقل مهم, بالإضافة إلى كونه صاحب دين. وكذلك من آداب الأخوة: سلامة الصدر للإخوان والأصحاب، والنصيحة لهم، وقبول النصيحة منهم, وأن يكون كما قال الله: " إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ " [الشعراء:89] وأن يكون صاحب صدر سليم؛ خال من الأحقاد والضغائن على إخوانه. وكذلك من آداب الأخوة: ألا يخلف الإنسان وعده, إذا وعد أخاه لا يخلفه؛ لأن إخلاف الوعد من علامات النفاق كما قال صلى الله عليه وسلم : "آية المنافق ثلاث.. وذكر منها إذا وعد أخلف" وقال الثوري رحمه الله: "لا تعد أخاك موعداً فتخلفه فتستبدل المودة بغضه " يحل محل المودة البغض, وقال نصر المروزي رحمه الله:

    يا واعد الوعد الذي أخلـفا ما الخلف من سيرة أهل الوفا

    ما كان ما أظهرت من ودنا إلا سـراجـاً لاح ثم انطفـا

    ومن آداب الأخوة: أن يصحب من يستحي منه ويحتشمه.. وقال بعضهم: أحب الطاعات بمجالسة من يستحيا منه, وقالوا كذلك: ما أوقعني في بلية إلا صحبة من لا أحتشم, وما المقصود بصحبة من لا تحتشم أي: الذي لا تستحي أن تفعل أمامه من المنكرات ما شئت, هذا لا تصحبه, لأنك مهما فعلت من الأخطاء والمنكرات فإنك لا تشعر بالحشمة. لا تحتشم أي: لا تقيم له وزناً, احرص على مصاحبة الشخص الذي تستحي من فعل أو قول المنكر أمامه، احرص على مصاحبة الشخص الذي تحتشم وتحرص على ألا يظهر منك عيب ولا خلل أمامه, لأن كثرة مصاحبة هؤلاء توجب للإنسان الابتعاد عن هذه السيئات, أما إذا صاحب أشخاصاً من السفلة الذين لا يستحي أن يسمع أمامهم منكراً أو يقول أمامهم منكراً؛ فلا شك أن هذا سيجرؤه على المنكرات, بل ربما أعانوه عليها. وكذلك من آداب الأخوة: أن يحفظ إخوانه فيما يصلحهم لا ما يريدونه, فإن الصاحب قد يريد منكراً أو يريد شراً فأنت لا تحرص على تلبية رغبته لأنه يريد منكراً, والمؤمن يعاشرك بالمعروف، ويدلك على صلاح دينك ودنياك, والمنافق يعاشرك بالممادحة ويدلك على ما تشتهيه, فهذا الفرق بين مصاحبة المؤمن ومصاحبة المنافق. وكذلك من آداب الصحبة: ترك ما يؤذيه عموماً بالمواجهة أو بغيرها, لأن الله سبحانه وتعالى يقول: " وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً " [الأحزاب:58] ومن آداب الصحبة: أن تحب له ما تحب لنفسك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". ومن آداب الصحبة: أن تحرص على ما يجلب المودة بينك وبينه كما قال عمر رضي الله عنه: "ثلاث يصفين لك ود أخيك: أن تسلم عليه إذا لقيته, وتوسع له في المجلس, وتدعوه بأحب الأسماء إليه". ولا شك أن السلام من أسباب المحبة.. وإذا وسعت له في المجلس إذا دخل دل ذلك على قيمته عندك, وعلى حرصك على راحته, وعلى إكرامك له, والنفوس ترتاح لمن يكرمها، وإذا دعوته بأحب الأسماء إليه فإن ذلك أيضاً من أسباب محبته لك, فإن النفوس لا ترد من يناديها باسم فيه عيب أو فيه نوع من السخرية. وكذلك من آداب الأخوة: أن تحمل كلامه على أحسن الوجوه: فإذا وجدت لكلامه وجهاً حسناً فاحمله عليه, وضع أمر أخيك على أحسنه. ومن آداب الأخوة: السؤال عن اسمه واسم أبيه وعن منزله، لئلا تقصر في حقه, فإنك إذا عرفت أسماء أقاربه كان ذلك سبباً في مودته, لأنك إذا عرفتهم في مناسبة أو مكان فأكرمتهم من أجله؛ فإن هذا من الأسباب التي تقوي العلاقة بينك وبينه, فإذا عرفت أن أباه فلان وأخاه فلان وابن عمه فلان وغير ذلك, وأن صديقه فلان، كان برك لهم من برك له. وكذلك من آداب الأخوة: أن تلازم الأخوة ولا تقطعها ولا تمل منها, فإن بعض الناس يصاحبون الأشخاص لفترات قصيرة ثم يتركونهم, ويكون همه هو التعارف والمداخلة ثم الخروج وهكذا, والأخوة الحقيقة هي التي تدوم ويحرص الإنسان على الالتزام بها, لا تركها ومفارقتها, ولا شك أن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل, وقد قال بعضهم: ليس لملول صديق, والملول: الذي يمل من كل أحد فيعاشر معاشرة بسيطة ثم يترك ويستبدل بالإخوان آخرين، وهكذا، ثم يستغني عنهم, ويمل من مصاحبتهم, فلا شك أن الملول لا يدوم له أخ.
    وكذلك من آداب الأخوة: ألا تقطع صديقاً بعد إذ صادقته، ولا ترده بعد أن قبلته, قال الخليل بن أحمد : لا تواصلنّ صديقاً إلا بعد تجربة, يعني: لا تصادق وتواصل إلا بعد تجربة, فإذا خبرته وسألت عنه وعرفت حاله فصاحبه وآخه, وإذا صادقته فلا تقاطعه, فمؤمن بلا صديق خير من مؤمن كثير الأعداء. ولا شك أن الإخوان إذا قاطعهم الإنسان ربما انقلب بعضهم عدواً, ولذلك لا تصاحب صديقاً إلا بعد تجربة, وإذا صاحبته فلا تقطعه؛ لأن من آداب الأخوة أن المؤمن إذا ظفر بأخ أو صديق لا يضيعه؛ لأن الأخوة والصداقة عزيزة, أي: أن الإخوان الذين عندهم الوفاء والصدق والبر قلة, فإذا ظفرت به فلا تتخل عنه ولا تقطعه, وكتب بعض الحكماء لصاحب له: استوحش ممن لا إخوان له, وأشد الناس تفريطاً من وجد أخاً ثم ضيعه بعد أن وجده, وإن وجدان الكبريت الأحمر أيسر من وجدان أخ, والكبريت الأحمر نوع خالص منه معروف يضرب به المثل لندرة وجوده, وإني لفي طلب الإخوان منذ خمسين سنة.. واعلم أن الناس ثلاث: معارف وأصدقاء وإخوان, فالمعارف بين الناس كثير, أي: من جهة المعارف قد يتعرف الإنسان على أشخاص كثيرين ويعرف أشخاصاً كثيرين, لكن الأصدقاء من المعارف أقل, والصديق عزيز، والأخ قلما يوجد, فقد تتعرف على شخص، وقد تصادق أشخاصاً في مكان العمل أو في فصل دراسي, والإخوان من هؤلاء الذين تصطفيهم بصفاتهم التي يؤمن جانبهم، وتأمن على نفسك إذا صادقتهم ندرة قلة
    الأسئلة :
    لا يشترط وجود جميع الآداب في الصاحب:
    السؤال: يقول: قد يجد بعضنا بعض الأخطاء وبعض الزلات من قبل بعض الأخوة! وكذلك نجد بعض التقصير فيما ذكرته من الصفات، ومع هذا كله تجد فيهم الخير الكثير, هل تركهم وعدم مخالطتهم في الكثير من نشاطاتهم المفيدة والنافعة أمر ممكن بما سبق من الأخطاء؟ الجواب: طبعاً عندما نقول الآن: آداب الأخوة وآداب الصحبة وهي هذه التي تقدم ذكرها، فإن اجتماعها في شخص واحد لا أظنها توجد, وإن وجدت فنادر جداً جداًَ, لكن احرص على أن تصاحب من اجتمع فيه أكبر قدر من هذه الخصال, ثم إننا الآن نتكلم فيما يجب علينا ولا ننظر للمسألة من قبل الآخرين؛ نقول: مَنْ تتوفر فيه هذه الصفات حتى أصاحبه؟ لا. أنت وفر هذه الصفات فيك فيمن تصاحبه, ولو أن كل واحد منا نظر هذه النظرة لتقاربت النفوس, أما كل واحد يقول: هذه غير موجودة في فلان, وهذه غير موجودة في فلان, لا يصفى لك شيء.
    ذم كثرة السؤال:
    السؤال: أحد الإخوان كثير الأسئلة، في الجلوس معه مشكلة تحقيق, وكثير ما يقع في الغيبة أو يوقع غيره فيها بكثرة أسئلته؟ الجواب:أولاً: انصحه, وقل له: إن الجلسة معك أشبه بالتحقيق. ثانياً: فإنه إذا سأل سؤالاً يترتب على الجواب غيبة, فلست ملزماً بالجواب, بل لا يجوز لك أن تجيب.
    حقيقة الاحتجاب عن الإخوان:
    السؤال: يقول: إننا في السكن الجامعي نضع أحياناً لافتات على الباب مثلاً: الرجاء عدم الإزعاج ونحو ذلك, حين يكون لدينا اختبارات أو نكون مشغولين, فهل هذا من باب الاحتجاب عن الإخوان؟ الجواب: نعم. هذا من الاحتجاب عن الإخوان, لكن إذا كان لعذر مثل أن تخشى أن يضيع الوقت من مجيء واحد تلو الآخر؛ خصوصاً في هذه الأماكن التي فيها سكن متقارب، والغرف متجاورة, والطارقون كثر، والمارون متعددون, فليس من المصلحة أن يجعل الإنسان غرفته كالمجلس العام, مفتوحاً، ثم بعد ذلك يصاب بما يصاب به من الرسوب وتدني المستوى ونحو ذلك, فلا شك أن هناك أوقاتاً للزيارة، وأوقاتاً للمدارسة؛ لكن الذي يكون دائماً مكتوب على غرفته: الرجاء عدم الإزعاج فلا شك أن هذا ممن يحتجب على إخوانه. وكذلك يمكن للإنسان أن يرد رداً جميلاً، ويعتذر اعتذاراً مؤدباً، أما أن يكون إذا طرق عليه الباب فتح النافذة وقال: ماذا تريد..؟ "هات من الشباك, خذ من الشباك، ومع السلامة" فلا شك أن هذا نوع من التعامل يؤدي إلى جفوة ووحشة, وكذلك يظهر النرفزة يقول: ضيعتم أوقاتي.. ضيعتم مستقبلي.. ضيعتم دراستي.. أنتم السبب.. لولا.. فلا شك أن هذا لا ينبغي، وأن على الإنسان أن يعالج الأمر من بدايته, وينبغي على الجميع أن يعذر بعضهم بعضاً في مثل هذه الأشياء، ثم إن الزيارات في أوقات الامتحانات ليست مناسبة, هل من الضروري أن تزوره في أوقات الامتحانات؟ يمكن أن تكون في غير أوقات الامتحانات، ثم الامتحانات النهائية الكبيرة التي فيها النسبة الكبرى والتي يتوقف عليها النجاح والرسوب أكثر من غيرها, يتشدد فيها الإنسان بشيء من العزلة من أجل المذاكرة، بينما الأشياء الصغيرة والأشياء التي تأتي على مدار السنة هذه الظروف اسمح فيها, فالمسألة إذاً مسألة تقدير ظروف من الجميع.
    كثرة الاختلاط بشخص معين :
    السؤال: يقول: إن مما نجد في وسط الشباب والملتزمين صحبة شخصين فيما بينهما، فيزعمون أنها لله, ولكن في حقيقتها ليست كذلك, إنما هي لتشاكل أو استحسان أحدهما للآخر، وقد تؤدي لأمور لا يحمد عقباها؟! الجواب: نعم. هذه مسألة تكاد تكون كالظاهرة في كثير من الأوساط, فصحيح أن الطيور على أشكالها تقع, لكن بعضهم يقع على أم رأسه في مثل هذه المسألة، فيتورط في علاقة تعلق تؤدي إلى إتلاف قلبه, وتؤدي إلى استحكام المحبة بحيث تصل إلى درجة من العشق، ولا شك أن هذا أمر مذموم؛ ولهذا علامات، وفرقان يفرق بين الحق والباطل فيه, فأرى في مثل هذه الحالة أن يوعظ هذان ويذكرا بالله تعالى وبالأخوة الحقيقية, ويقال لهما: لو كنتما صادقين في أخوتكما لصاحبتما فلاناً وفلاناً ممن هو أتقى لله منكما, فلماذا عكفت عليه وهناك من هو أتقى لله منه, وأعلم بالعلم الشرعي، وأنشط في الدعوة إلى الله، وأكثر تخلقاً بالأخلاق الحسنة, فإن كنت صادقاً في جعلك الأخوة المعيار فيها أنها لله فأين صحبتك للآخرين؟
    سؤال الله الوجه الحسن:
    السؤال: هل يجوز دعاء الله بأن يرزقه وجهاً حسناً؟ الجواب: نعم. لا بأس, وورد في حديث المرآة وهو ضعيف: اللهم كما حسنت خَلْقي فحسن خُلُقي؛ لكن لا بأس أن يدعو الإنسان أن يحسن خَلْقه وخُلُقه.
    حكم قول القائل: في ذمتك:
    السؤال: ما حكم قول: في ذمتك, على سبيل التأكيد؟ الجواب: إذا كان يميناً لا يحلفه بالذمة؛ لأنه لا يحوز الحلف إلا بالله.
    المسح على رأس اليتيم:
    السؤال: هل يؤجر من مسح على رأس أخيه؟ الجواب: هذا ورد في اليتيم, إذا كان أخوك يتيماً أو صاحبك يتيماً, وكان يؤتى بالصبيان فيمسح صلى الله عليه وسلم رء وسهم ويدعو لهم بالبركة.
    زيارة الأصدقاء المقصرين مع سَبْق نصحهم:
    السؤال: ما حكم زيارة الأصدقاء والزملاء المقصرين، مع العلم بأنه سبق نصحهم ودعوتهم؟ الجواب: لا بأس، لكن مع الاستمرار بالنصح والدعوة.
    حكم التبول واقفاً:
    السؤال: ما حكم التبول واقفاً؟ الجواب: جائز إذا كان يأمن من ارتداد الرشاش عليه.
    الإنفاق على الإخوان صدقة:
    السؤال: هل الإنفاق على الإخوان من الصدقة؟ الجواب: نعم. من أنواع الصدقة. هذا ختام المطاف.
    ونسأل الله أن يجعلنا إخوناً في سبيله متحابين، ويجعلنا في الجنة على سرر متقابلين، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
    التعديل الأخير تم بواسطة محبة المساكين ; 12-11-2011 الساعة 10:10 PM سبب آخر: تنسيق الموضوع

  7. #7

    مراقبة قسم المرئيات الإسلامية


    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    رقم العضوية : 76540
    الجنس: أنثى
    المشاركات : 26,457
    التقييم : 63791
    اقرأ القرآن وأذكر ربك متواجد حالياً

    محاضرة( آداب الضحك )للشيخ محمد المنجد




    بسم الله الرحمن الرحيم
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    محاضرة( آداب الضحك )للشيخ محمد المنجد




    عناصر الموضوع :
    1. معنى الضحك ومراتبه
    2. الضحك من صفات الله وتأويله بالرضا تأويل باطل
    3. حكم الضحك
    4. صفة ضحك النبي صلى الله عليه وسلم
    5. أسباب الضحك
    6. بعض كلام العلماء في الضحك
    7. أحاديث تبين هديه عليه الصلاة والسلام وأدبه في الضحك
    8. ضحك الأنبياء والصالحين
    9. مواقف من ضحك الصحابة
    10. النهي عن الضحك من الضرطة
    11. حكم الضحك في الصلاة
    12. علاج كثرة الضحك
    13. آداب الضحك


    ما هي صفة ضحك النبي صلى الله عليه وسلم؟ وما هي السنة فيه؟ ما هي المواقف التي ضحك فيها النبي صلى الله عليه وسلم، أو ضحك فيها الصحابة؟ وما هو ضحك الأنبياء والصالحين؟ وما هو قرين الضحك؟ وما هو ضده؟ وكيف يتخلص منه؟ وبماذا وصفه أهل العلم؟ وما هي أسباب الضحك؟ وما هو حكمه لا سيما في الصلاة؟ أسئلة كثيرة جاءت إجاباتها مفصلة ضمن هذه المادة.


    معنى الضحك ومراتبه:
    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعــد: فأحييكم -أيها الإخوة- بتحية الإسلام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وموضوع درسنا في هذه الليلة في سلسلة الآداب الشرعية هو (آداب الضحك) الضحك الذي خلقه الله سبحانه وتعالى، فقال عز وجل: (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى )[النجم:43]
    أي: أنه خلق في النفس صفة الضحك وصفة البكاء، فيضحك الإنسان ويبكيه، وكل ذلك مما ركبه الله سبحانه وتعالى في طبعه. أما بالنسبة للضحك فهو في اللغة: مصدر ضحك، وتعريفه: انبساط الوجه وبدو الأسنان، والفرق بينه وبين التبسم، أن التبسم هو مبادئ الضحك، فأول الضحك يكون تبسماً، ويكون غالباً للسرور، كما قال الله سبحانه وتعالى في الضحك: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ )
    [عبس:38-39] والضحك أعم من التبسم، فكل تبسمٍ ضحك، وليس كل ضحكٍ تبسماً. ولذلك قال ابن حجر رحمه الله: فإن كان بصوتٍ بحيث يُسمع من بعدٍ فهو القهقهة، وإلا فهو الضحك؛ وإن كان بلا صوتٍ فهو التبسم، وتسمى الأسنان في مقدم الفم الضواحك، وهي الثنايا والأنياب وما يليها، وتسمى النواجذ وهي التي تظهر عند الضحك. إذاً: عندنا في المسألة التفصيل على ثلاث مراتب: المرتبة الأخف: وهي التبسم، إذا كان بلا صوت، انفراج الفم تبسمٌ، وإن كان بصوتٍ فهو الضحك، وإن كان بحيث يسمع هو وجيرانه ومن بَعُدَ فهو القهقهة. إذاً يُطلق على التبسم ضحك، وما كان ضحك النبي صلى الله عليه وسلم إلا تبسماً، فالضحك أعم من التبسم، وهو نوعٌ منه.

    الضحك من صفات الله وتأويله بالرضا تأويل باطل:
    أما بالنسبة للضحك فهو صفة لله تعالى، فإنه عز وجل يضحك ، كما جاء في أحاديث كثيرة، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل فيسلم فيقاتل في سبيل الله فيستشهد) رواه البخاري ومسلم وأحمد وغيرهم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد : (أفضل الشهداء الذين يقاتلون في الصف الأول فلا يلفتون وجوههم حتى يُقتلوا، أولئك يتلبطون في الغرف العلا من الجنة، يضحك إليهم ربك، فإذا ضحك ربك إلى عبدٍ في موطن فلا حساب عليه). كذلك أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: (أن الله ضحك من صنيع فلانٍ وفلانة لما آثرا الضيف فقدما له طعام الأطفال، وباتا هما وأولادهما جائعين).. إلى غير ذلك من النصوص الشرعية التي فيها إثبات الضحك، وهو صفة لله عز وجل نثبتها له كما يليق بجلاله وعظمته، ولا نحرفها ولا نلعب بها، ولا نقول: الضحك بمعنى الرضا، صحيح أن الله إذا ضحك من شيء فهو يدل على رضاه سبحانه وتعالى، لكن ليس الضحك هو الرضا، وإنما من آثار صفة الضحك الرضا. فإذا رأيت في كلام بعض المؤلفين تفسير ضحك الله عز وجل بأنه الرضا فاعلم بأنه تأويلٌ منبوذ، وأنه تحريفٌ في الواقع، وقد جاء في الحديث الصحيح أيضاً: (إن الله سبحانه وتعالى ينشئ السحاب، فينطق أحسن النطق، ويضحك أحسن الضحك) وقد فسَّره ابن كثير رحمه الله في تفسيره لما تعرض للحديث الذي رواه أحمد هذا بأن نطق السحاب وضحكه هو البرق والرعد.


    حكم الضحك:
    أما بالنسبة للضحك فلا شك أن الإكثار منه مذموم شرعاً، ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث الكسوف: (ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد! والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً). إذاً: حال المؤمن الجاد المتصل قلبه بالله، المستحضر لعظمته سبحانه وتعالى، الذي يتذكر ما في اليوم الآخر وما يحدث يوم القيامة من الأهوال، ويعرف شدة عذاب النار لا يكثر من الضحك، فإننا ما خلقنا للضحك واللهو واللعب، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم مبيناً حكم كثرة الضحك وهو يوصي أبا هريرة : (كن ورعاً تكن أعبد الناس، وكن قنعاً تكن أشكر الناس، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمناً، وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلماً، وأقلّ الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب). هذا الحديث يبين حكم الضحك، حتى ذكر ابن النحاس رحمه الله في كتابه العظيم تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين ، قال في تعداد الصغائر -لأنه ذكر فصلاً يتعلق بالكبائر وفصلاً يتعلق بالصغائر- ومنها -من الصغائر-: كثرة الضحك بلا سبب، كذا عدها العلماء من الصغائر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لـأبي ذر: (إياك وكثرة الضحك! فإنه يميت القلب) ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو خير البشر متصلاً قلبه بربه، فكان لا يُكثر من الضحك، ولا يقهقه كما يفعل كثيرٌ من الناس، بل كان عليه الصلاة والسلام وقوراً متزناً هادئاً، فقد جاء في صحيح مسلم، عن جابر بن سمرة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان طويل الصمت، قليل الضحك) وهاتان صفتان ينبغي أن يتخلق بهما المسلم الجاد، ولا شك أن هذا يعود إلى تقدير وتذكر ما خلق الإنسان من أجله: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ ) [المؤمنون:115] وتصف عائشة رضي الله عنها ضحك النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في صحيح الإمام البخاري ، قالت: (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكاً حتى أرى منه لهواته، وإنما كان يتبسم). وجاء في رواية أخرى: (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعاً ضاحكاً قط حتى ترى لهواته). واللهاة: شيء في الفم، تظهر إذا أغرق الإنسان في الضحك، فانفتح فمه من شدته، فتظهر هذه اللهوات، ولذلك فإن الإقلال منه والاقتصاد وجعل أكثره تبسماً هو السنة. وكذلك فإن الضحك منه ما يكون كفراً كما إذا اشتمل على استهزاءٍ بشيءٍ مما أنزله الله سبحانه وتعالى، فإذا ضحك سخرية مما أنزله الله، أو من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، أو من شخص النبي صلى الله عليه وسلم فلا شك أنه كافر، وقد أتاك نبأ الكفار من قريش لما اجتمعوا عند الكعبة والنبي صلى الله عليه وسلم قائمٌ يصلي، قال قائلٌ منهم: ألا تنظرون إلى هذا المرائي -انظر كيف يصفون النبي صلى الله عليه وسلم- أيكم يقوم إلى جزور آل فلان فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها فيجيء به، ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه؟ فانبعث أشقاهم -أشقى القوم- ابن أبي معيط ، فلما سجد النبي صلى الله عليه وسلم وضعه بين كتفيه، وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ساجداً، فضحكوا حتى مال بعضهم على بعضٍ من الضحك. وفي رواية للبخاري أيضاً: فجعلوا يضحكون ويحيل بعضهم على بعض حتى جاءت فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم فأزالته عن ظهره، ثم أقبلت عليهم تسبهم من شجاعتها بالرغم من صغرها رضي الله عنها. ومن الأمور المتعلقة بآداب الضحك: أنه لا يجوز الكذب لإضحاك الناس، كما يفعل كثيرٌ من المضحكين الذين همهم إضحاك القوم، فإنهم يكذبون لأجل ذلك، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الحسن الذي رواه أحمد والترمذي وغيرهما: (ويلٌ للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم، ويلٌ له ويلٌ له). وبهذا تعلمون شيئاً من الأضرار الشرعية الناجمة عما يسمونه اليوم في عالم الفن والمسرحيات (بالكوميديا) الذي من أجله يعملون الأفلام والمسرحيات المضحكة، والغرض منها إضحاك الناس؛ فيكذبون لأجل ذلك، وكثيراً ما يستهزئون بالدين، أو بأسماء الله سبحانه وتعالى، يحرفون فيها، أو يلمزون المطوعين من المؤمنين من عباد الله الصالحين، ولا شك أن هذا كفر. كثير من المسرحيات التي صدرت مؤخراً فيها هذا الكفر وهي في قالب (الكوميديا)،


    ثم لو قلنا: إنها لا تشتمل على الكفر فهي تشتمل على الكذب، فإن فيها كثيراً من الكذب، ثم إن قلنا: إنها سالمة من الكذب، فإن مبناها على إضحاك الناس ضحكاً متوالياً حتى أن بعضهم من شدة الضحك قد يُلقى على الأرض، وتعلو أصوات القهقهات من المتفرجين، فهي تقسي قلوب جميع الناظرين إليها، ولا شك أن كثرة الضحك تميت القلب. وبذلك نعلم مخالفة هذه المسرحيات والأفلام الكوميدية لآداب الشريعة الإسلامية، ولذلك يقوم القائم منها وبطنه موجوعٌ من شدة الضحك، وقد علا قلبه غلاف سميكٌ من الران والغفلة التي نجمت عن مشاهدة هذا الفيلم أو المسرحية، وما عُهد أن النبي صلى الله عليه وسلم أو أحداً من أصحابه كانوا يجلسون مجلساً كله ضحك، من أوله إلى آخره، يجمعون به سائر الطرف وسائر الأشياء المضحكة ويعملون مجلساً للضحك، فبهذا يُعلم بأن هذه الأشياء كثيرٌ منها محرم والباقي مكروه.


    صفة ضحك النبي صلى الله عليه وسلم:

    الآن نتعرف على صفة ضحك النبي صلى الله عليه وسلم، فقد جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن الحارث بن جزء رضي الله عنه أنه قال: (ما رأيت أحداً أكثر تبسماً من رسول الله صلى الله عليه وسلم) ، ومن طريقٍ أخرى عنه قال: (ما كان ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تبسماً)، وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: (ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت، لا رآني إلا ضحك) أي: تبسم، لأن تبسمك في وجه أخيك صدقة، وقد قلنا سابقاً: إن الضحك يُطلق على التبسم، وإن كل تبسمٍ في اللغة هو ضحك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أفصح خلق الله، وأعذبهم كلاماً، وأسرعهم أداءً، وأحلاهم منطقاً، قال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد في فصلٍ يتعلق بهديه صلى الله عليه وسلم في كلامه وسكوته وضحكه: "وكان يضحك مما يُضحك منه، وهو مما يُتعجب من مثله ويستغرب"، كان يضحك من الشيء الذي يدعو للضحك، لكن كان غالب ضحكه عليه الصلاة والسلام تبسماً، والأشياء التي يُضحك منها فسرها رحمه الله بقوله: "وهو مما يتعجب من مثله ويستغرب"، وستأتي شواهد لهذا. وعقد الترمذي رحمه الله في كتاب الشمائل المحمدية : باب ما جاء في ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم،


    وقد تقدم ذكر بعض الأحاديث الصحيحة منه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم مما جاء عنه أنه ربما جلس في مجلسٍ وفيه بعض أصحابه، فذكروا أشياء مما يُضحك منها فتبسم صلى الله عليه وسلم، كما جاء في صحيح مسلم : عن سماك بن حرب قال: قلت لـجابر بن سمرة : (أكنت تجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم كثيراً، كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح أو الغداة حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس قام، وكانوا يتحدثون) أي: حصل في بعض المجالس أنهم كانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم. مثال على هذه الأشياء: أنه ربما ذكروا قصة الرجل الذي كان يجعل صنماً من تمرٍ يزعم أنه إلهه فأينما حل وارتحل جعله معه، وأنزله معه يسجد له، فإذا جاع أكل منه، فهذا مما كان يتبسم منه صلى الله عليه وسلم، وربما كان في بعض أصحابه أناس من الظرفاء الذين عندهم طبعٌ فيه مزاحٌ وظرفٌ، فكان عليه الصلاة والسلام يضحك مما يحصل منهم من هذه الظرف، كما جاء في صحيح البخاري من حديث عمر بن الخطاب على عهد النبي صلى الله عليه وسلم: (أن رجلاً كان اسمه عبد الله وكان يلقب حماراً، وكان يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم) فإذا وجد في طلاب أو جلساء العالم من عنده روح الدعابة والطرفة، فإذا حصل عند العالم أو هذا الشخص القدوة شيءٌ من الضيق أدخل على نفسه شيئاً من السرور بإضحاكه بحق، وهذا لا بأس به.


    أسباب الضحك:

    قال ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد : وللضحك أسبابٌ عديدة هذا أحدها وهو الضحك مما يتعجب منه ويُستندر. الثاني: ضحك الفرح: وهو أن يرى ما يسره أو يباشره -وسيأتي أمثلة لهذا إن شاء الله-. والثالث: ضحك الغضب: وهو كثيراً ما يعتري الغضبان إذا اشتد غضبه، وسببه تعجب الغضبان مما أورد عليه الغضب، وشعور نفسه بالقدرة على خصمه، وأنه في قبضته، وقد يكون ضحكه لملكه نفسه عند الغضب وإعراضه عمن أغضبه، وعدم اكتراثه به، ومن الأشياء التي كان النبي صلى الله عليه وسلم في المناسبات يتبسم فيها تبسم المغضب قصة كعب بن مالك رضي الله عنه لما جاءه متخلفاً بعدما رجع النبي عليه الصلاة والسلام من الغزو، قال كعب : (فلما رآني تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المغضب) فإذاً: التعبير عن الغضب يكون أحياناً بالابتسامة. وهذه بعض أسباب التبسم أو الضحك، وهي: مما يتعجب منه، وللفرح، وتبسم المغضب، وقد يكون -كما ذكرنا- ضحك سخرية واستهزاء وقد يكون كفراً، وقد يكون من قلة الأدب إذا كان ضحكاً بلا سبب. ومن الأمور التي جاءت الشريعة فيها بالندب إلى المضاحكة: ملاعبة الزوجة، والبكر بالذات، كما جاء في صحيح البخاري في عدة مواضع من حديث جابر لما تزوج ثيباً، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تزوجت يا جابر ؟ فقلت: نعم. فقال: بكراً أم ثيباً؟ قلت: بل ثيباً، قال: فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك، وتضاحكها وتضاحكك؟... ) الحديث وهذا هو الشاهد منه، أن ملاعبة الزوجة ومضاحكتها لا شك أنها من الشرع الحنيف، ومن الأمور المحمودة.

    بعض كلام العلماء في الضحك ومما أورده أهل العلم في الضحك:
    كلام الإمام الماوردي في الضحك:
    ما قاله الإمام الماوردي رحمه الله في كتاب: أدب الدنيا والدين تحت عنوان: (آفة الضحك) قال: "وأما الضحك فإن اعتياده شاغلٌ عن النظر في الأمور المهمة"، أي: أن الإنسان الذي يكثر الضحك إنسان غير جاد، وكثرة الضحك من علامات عدم الجدية المطلوبة من المسلم. وقال في مفاسد الضحك: "والإكثار منه مذهلٌ عن الفكر في النوائب الملمة"، أي: إذا نزل بالإنسان نائبة ملمة وصار يُكثر من الضحك، لم يستطع فكره أن يجتمع لأجل مواجهتها، "وليس لمن أكثر منه هيبةٌ ولا وقار"، وهذه مضرة ثانية، فالشخص المكثر من الضحك يزول وقاره وهيبته من نفوس الناس، ولذلك يجترئون عليه، لما صار مكثراً للضحك، وتسقط هيبته من قلوب الناس، ولا شك أن هذه السلبية قاتلة لأثر الداعية على الآخرين، فإن الداعية لا ينبغي أن يكون من المكثرين من الضحك، فإن كثرة الضحك منه تزيل أثر كلامه أو لا تجعل لكلامه أثراً ووقعاً في قلوب الناس، وغاية ما يكون مع المدعو أنه يتندر معه ويأتي بالطرف.. ونحو ذلك. نعم! إن الإتيان بالطرف أحياناً بأدبٍ وحكمة لها فوائد، منها: إيناس الشخص الآخر ، وملاطفته للدخول إلى قلبه، لكن إذا كان الهدف إنما هو ضحك في ضحك، فأي شيءٍ هي الدعوة؟ هذا ما صار عبوراً إلى قلبه، بل صار كل شيءٍ هو الضحك. ولذلك تجد بعض الذين يؤدون الأدوار الهزلية حتى من بعض المنتسبين إلى التدين يَسقط شيءٌ من هيبتهم من قلوب المشاهدين والحاضرين، لأجل أن الدور الهزلي لا يناسب الشخصية الجادة. قال: "وليس لمن أكثر منه هيبة ولا وقار، ولا لمن وسم به خطر ولا مقدار"، لأن الناس يقولون: هذا مضحك القوم، اذهب إلى فلان يضحكك، اذهب إلى فلان تجلس إليه يوسع صدرك بالنكت والطرائف، ويا ليتها نكتاً يستفاد منها. روى أبو إدريس الخولاني، عن أبي ذر الغفاري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب ويذهب بنور الوجه)، وروي عن ابن عباس في قوله تعالى:( مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا )[الكهف:49] قال: [ الصغيرة الضحك، والكبيرة القهقهة ]. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: [من كثر ضحكه قلت هيبته]. وقال علي بن أبي طالب : [إذا ضحك العالم ضحكة مج من العلم مجة]، وقيل في منثور الحكم: ضحكة المؤمن غفلة في قلبه. والقول في الضحك كالقول في المزاح: إن تجافاه الإنسان بالكلية -لا يضحك أبداً- نُفر عنه وأُوحش منه، وإن ألفه .. دائماً يضحك، كان حاله ما وصفناه، أي: من عدم الهيبة والوقار، وعدم اجتماع الفكر للأشياء المهمة، وأنه يلهي عن الأشغال والأمور المهمة. قال: "فليكن بدل الضحك عند الإيناس تبسماً وبشرة، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: [التبسم دعابة]، وهذا أبلغ في الإيناس من الضحك -لأن التبسم يؤنس الشخص أكثر من الضحك- الذي قد يكون استهزاءً وتعجباً، وليس ينكر منه المرة النادرة"، كمن يضحك نادراً، لا بأس لطارئٍ استغفل النفس عن دفعه، فبعض الأحيان تهجم الضحكة فلا يستطيع مدافعتها فهي تأتي فجأةً. وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أملك الخلق لنفسه قد تبسم حتى بدت نواجذه، وإنما كان ذلك منه صلى الله عليه وسلم على الوجه الذي ذكرناه.

    كلام صاحب المنهج المسلوك في سياسة الملوك في الضحك:
    قال صاحب المنهج المسلوك في سياسة الملوك : "اعلم أن كثرة الضحك تضاهي المزاح في المذمة والقبح، ولا تقتضيه حال الملوك وأرباب المناصب؛ لما به من زوال الهيبة، وذهاب الوقار، وقلة الأدب، ومن أكثر من شيءٍ عُرف به، ولكن لا بد أن يرى الإنسان أو يسمع ما يغلب عليه الضحك منه، أو تمسه الحاجة إليه، لإيناس الجليس، فينبغي إذا طرأ شيءٌ من ذلك أن يجعله تبسماً"، إذا جاء الضحك وطرأ عليك فاجعله تبسماً من غير قهقهة واسترسال، وبالنسبة للذي لا يضحك أبداً أو يتطرف في القضية ويقول: ينبغي علينا ألا نضحك ألبتة، ولذلك دائماً يكون عبوساً وكالحاً، ويكون دائماً ممن لا يلقى الناس بوجهٍ سهلٍ لينٍ، ولا يتبسم مطلقاً، ويعتبر ذلك من علامات الجدية، وأنه من الوقار ومن السمت، هذا كله من تسويلات الشيطان.

    كلام الإمام الذهبي في الضحك:
    هناك تعليق لطيف للذهبي رحمه الله في سير أعلام النبلاء في ترجمة يحيى بن حماد رحمه الله تعالى، قال: قال محمد بن النعمان بن عبد السلام : لم أر أعبد من يحيى بن حماد وأظنه لم يضحك، قلت - الذهبي -: الضحك اليسير والتبسم أفضل، وعدم ذلك من مشايخ العلم على قسمين، فالمشايخ الذين لا يضحكون ويتبسمون: أحدهما: يكون فاضلاً لمن تركه أدباً وخوفاً من الله، وحزناً على نفسه المسكينة، فإذا كان هذا لا يضحك خوفاً من الله وحزناً على نفسه المسكينة فهذا معه الحق. والثاني: مذموم لمن فعله حمقاً وكبراً وتصنعاً. إذاً: الذي يتصنع عدم الضحك ويريد بذلك وقاراً دائماً.. ونحو ذلك، وربما صنعه كبراً، أي أنه لا يضحك مما يضحك منه الناس، ومما يتندر منه، ومن الأشياء الطريفة بالحق، ويزعم أنه لا يتأثر بها فلا يبدي أي نوع من أنواع الابتسامة فهذا إنسان متصنع للهيبة والوقار، وتصنعه ممجوجٌ مذمومٌ. إذاً: التكلف الموجود في بعض النفوس من عدم الضحك زعماً للوقار تطرفٌ مقيتٌ، كما أن من أكثر الضحك استخف به -ما صار له قيمة عند الناس- ولا ريب أن الضحك في الشباب أخف منه وأعذر في الشيوخ، هذه فائدة أخرى، أي: أنه ينبغي على من تقدمت به السن أن يراعي سنه وقربه من القبر، وأن الشاب ربما كان فيه من المرح وطبيعة روح الشباب ما يجعله يقع في هذا، لكن الشيخ الكبير لا ينبغي له الإكثار مثلما يقع من الشاب، ليس بنفس الدرجة هذا حكم السن. قال: "وأما التبسم وطلاقة الوجه فأرفع من ذلك كله"، أي: التبسم وطلاقة الوجه لا علاقة لها بمسألة القهقهة والإغراق في الضحك، التبسم وطلاقة الوجه سنة، وإدامة التبسم سنة، "قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تبسمك في وجه أخيك صدقة) ، وقال جرير : (ما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تبسم) فهذا هو خُلق الإسلام، فأعلى المقامات من كان بكَّاءً بالليل، بسَّاماً بالنهار"، هذه عبارة في غاية الجودة، فأعلى مقامات المسلم من كان بكَّاءً بالليل بسَّاماً بالنهار، هذا هو المطلوب.


    وقال رحمه الله: "إذا كان الإنسان طبعه مرح -طبعه أنه يكثر من الضحك- ينبغي أن يقصر من ذلك"، لا يقول هذا طبعي اقبلوني على ما أنا عليه، ولا تلوموني، لا. بل ينبغي عليه أن يعالج نفسه ويجاهدها.. ينبغي لمن كان ضحوكاً بساماً أن يقصر من ذلك ويلوم نفسه حتى لا تمجه الأنفس، وينبغي لمن كان عبوساً منقبضاً أن يتبسم، هذه عبارات تربوية من الإمام الذهبي رحمه الله. إذا وجدنا إنساناً مفرطاً في المسألة نقول: جاهد نفسك ولومها حتى لا تمجك الأنفس، ونقول للشخص العابس المنقبض: تبسم وأحسن خُلقك "وينبغي لمن كان عبوساً منقبضاً أن يتبسم ويحسن خُلقه ويمقت نفسه على رداءة خلقه، وكل انحرافٍ عن الاعتدال فمذموم كما قال الشاعر:

    كلا طرفي قصد الأمور ذميمُ:
    " القصد: الوسط، وكلا الطرفين مذموم؛ الإكثار من الضحك مذموم، ودوام العبوس مذموم، "ولا بد للنفس من مجاهدة وتأديب". انتهى كلامه رحمه الله، كانت هذه عبارة نفيسة علقها الذهبي في ترجمة يحيى بن حماد رحمهما الله تعالى. وينبغي أن يعذر من كان عنده شيءٌ من هذه الجبلة أكثر من الذي يتصنع الضحك ويقهقه، فبعض الناس وصل بهم التقليد إلى درجة من السوء أنه صار يقلد في ضحك الممثلين، وينظر من أعلى الناس صوتاً في الضحك فيقلده، وكيف يقهقه فلان فيقهقه مثله!! وهذا لا شك أنه من الأمور المذمومة، وقد ذكر الذهبي رحمه الله في ترجمة أبي الوليد الباجي في كتاب فرق الفقهاء ، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن علي الوراق -وكان ثقةً متقناً- أنه شاهد أبا عبد الله الصوري وكان فيه حسنُ خلقٍ ومزاحٌ وضحكٌ، لم يكن وراء ذلك إلا الخير والدين، ولكنه كان شيئاً جبل عليه -أي: هذا العالم كان عنده شيءٌ من هذه الجبلة فهو مرحٌ أو يغلب عليه الضحك، لكنه لا يتقصد ذلك أو يتكلفه أو يكثر منه رغبة ، لا. لكن قد يكون عنده شيءٌ من هذه النفسية التي يهجم عليها الضحك هجوماً قوياً يصعب مدافعته-


    وكان فيه حُسن خلقٍ ومزاح وضحك، لم يكن وراء ذلك إلا الخير والدين، ولكنه كان شيئاً جُبل عليه، ولم يكن في ذلك بالخارق للعادة، فقرأ يوماً جزءاً على أبي العباس الرازي وعَنَّ له أمرٌ ضَحَّكَهُ، وكان بحضرة جماعة من أهل بلده فأنكروا عليه، وقالوا: هذا لا يصلح ولا يليق بعلمك وتقدمك أن تقرأ حديث النبي صلى الله عليه وسلم وأنت تضحك وكثّروا عليه، وقالوا: شيوخ بلدنا لا يرضون بهذا، فقال: ما في بلدكم شيخٌ إلا يجب أن يقعد بين يدي ويقتدي بي، ودليل ذلك: أني قد صرت معكم على غير موعد، فانظروا إلى أي حديث شئتم من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقرءوا إسناده لأقرأ متنه، أو اقرءوا متنه حتى أخبركم بإسناده -أي: الإكثار عليه والتشنيع والتعنيف من أجل هذه الخصلة الجبلية وأنه حصلت منه مرة بمجلس ونجعل من الحبة قبة هو أيضاً أمر مجافٍ للعدل- ثم قال الباجي : لزمت الصوري ثلاثة أعوام فما رأيته تعرض لفتوى، أي: كان ورعاً عن الفتوى، قلت - الذهبي رحمه الله في ترجمة أبي عبد الله الصوري -: كان من أئمة السنة وله شعرٌ رائق، وقد مات الصوري سنة (441هـ).

    أحاديث تبين هديه عليه الصلاة والسلام وأدبه في الضحك:
    والآن لنتجه إلى أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في مسألة الضحك في مناسبات جاء فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ضحك، وننظر من خلال هذه الأحاديث هديه عليه الصلاة والسلام وأدبه في ذلك.
    1- عقد البخاري رحمه الله في كتاب الأدب فصلاً بعنوان: باب التبسم والضحك، وقالت فاطمة عليها السلام: (أسر إلي النبي صلى الله عليه وسلم فضحكت). وقال ابن عباس : [إن الله هو أضحك وأبكى] أي: أن الله أنشأ هذا في الإنسان، وأنه قد يضحك اليوم ويبكي غداً، بل إنه يضحك في لحظة ويبكي في أخرى بعدها، أو العكس بحسب الدواعي والدوافع كما حصل لـفاطمة رضي الله عنها كما سيأتي، يضحك الإنسان أحياناً في اليوم الواحد ويبكي، فالمشاعر والأحاسيس تتغير. قال: عن عائشة رضي الله عنها: (أن رفاعة القرظي طلق امرأته فبت طلاقها، فتزوجها بعده عبد الرحمن بن الزَبِير فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت عائشة : يا رسول الله! إنها كانت عند رفاعة فطلقها ثلاث تطليقات فتزوجها بعده عبد الرحمن بن الزَبِير ، فقالت: وإنه والله ما معه -يا رسول الله!- إلا مثل هذا الهدبة هذبة أخذتها من جلبابها، قال: وأبو بكر جالسٌ عند النبي صلى الله عليه وسلم، وعمرو بن سعيد بن العاص جالسٌ بباب الحجرة ليؤذن له، فطفق خالد ينادي أبا بكر ألا تزجر هذه عما تجهر به عند رسول صلى الله عليه وسلم وما يزيد رسول الله صلى الله عليه وسلم على التبسم، ثم قال: لعلكِ تريدين أن ترجعي إلى رفاعة ؟ لا. حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك). فالنبي صلى الله عليه وسلم عندما جاءت هذه المرأة وذكرت هذا الكلام ومقصود المرأة أنه لا يجامعها وأنه ليس له قدرة على الجماع، وأن ما معه إلا مثل هدبة الثوب، فهو غير قادر على الجماع. ثم جاء الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إنها تكذب، وإنه ينفضها نفض الأديم، المهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع تعبير المرأة ضحك وتبسم، لأنه فَهِمَ مقصودها، وأنه ضحك ليبين أنه يفهم ماذا تريد؟ ولذلك قال: (لا. حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك) أي: تريدين الطلاق من زوجك الجديد لترجعي لزوجك الأول، لا. حتى يقع الجماع في الزواج الجديد، لأنه لا يجوز العودة إلى الزوج الأول الذي طلق ثلاثاً وبعده تزوجت ثانٍ إلا إذا حصل وقاعٌ من الثاني في الزواج الثاني.
    2- ذكر البخاري في هذا الباب أيضاً حديث عائشة أنها قالت: (ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مستجمعاً قط ضاحكاً حتى أرى منه لهواته إنما كان يتبسم)، وهناك أحاديث: (فضحك حتى بدت نواجذه) والنواجذ: جمع ناجذة وهي الأضراس التي لا تظهر إلا إذا كان الضحك فيه شيءٌ من السعة، لكن هل هناك تنافي بين حديث عائشة : (ما رأيته مستجمعاً قط ضاحكاً حتى أرى منه لهواته) ، وبين هذا الحديث: ( ضحك حتى بدت نواجذه )؟ الجواب: إن المثبت مقدم على النافي، هذا من جهة، وأقوى من ذلك كما رجح ابن حجر رحمه الله أن الذي نفته عائشة غير الذي أثبته أبو هريرة ، فضحك حتى بدت نواجذه لا يصل إلى درجة القهقهة، مستجمعاً ضاحكاً -أي: يقهقه- ربما ينقلب منها الشخص، لا. وقال ابن حجر بعد أن استعرض عدداً من الأحاديث -كما سنمر عليها إن شاء الله- قال: "والذي يظهر من مجموع الأحاديث أنه كان في معظم أحواله لا يزيد على التبسم، وربما زاد على ذلك فضحك، والمكروه من ذلك إنما هو الإكثار منه، أو الإفراط لأنه يُذهب الوقار. وقال ابن بطال : والذي ينبغي أن يُقتدى به من فعله ما واظب عليه في ذلك".
    3- وأتى البخاري رحمه الله كذلك في هذا الباب بحديث أم سلمة : (أن أم سليم قالت: يا رسول الله! إن الله لا يستحي من الحق، هل على المرأة غسلٌ إذا هي احتلمت؟ قال: نعم. إذا رأت الماء، فضحكت أم سلمة ، فقالت: أتحتلم المرأة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فبم شبهها الولد؟!). إذاً: المرأة تحتلم ويكون لها ماء، وإلا كيف يكون الشبه لها؟ يخرج الرجل لأعمامه إذا لم يكن لها ماء يعلو ماء الرجل أو يسبق ماء الرجل، فيحصل التذكير أو التأنيث أو يحصل أن يخرج لأعمامه أو لأخواله، فإذاً لا يُقال لها: فضحتِ النساء لإنها جاءت تسأل، وهنا ضحكت أم سلمة ، قال ابن حجر: "والغرض من إيراد البخاري لهذا الحديث؛ لوقوع ذلك بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليها ضحكها، وإنما أنكر عليها إنكارها احتلام المرأة، فأثبت أنها تحتلم". وأما حديث عائشة : (ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مستجمعاً قط ضاحكاً حتى أرى منه لهواته) فذكر رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث أن اللهوات جمع لهاة: وهي اللحمة التي في أعلى الحنجرة من أقصى الفم، أي: لا يكون ضحكاً تاماً، مقبلاً بكليته على الضحك بحيث تبدو اللهاة التي في آخر الفم.
    4- ومن الأحاديث التي كان فيها ضحك النبي صلى الله عليه وسلم معبراً عن شيءٍ عظيم هذا الحديث، وهو آخر رجل يدخل الجنة، قص النبي صلى الله عليه وسلم قصة آخر رجل يدخل الجنة، يأتي وقد أخذ الناس أماكنهم، ويأتي ويقول: قربني إلى الجنة.. أبعدني عن النار.. اجعلني عند الباب.. أدخلني.. قال: (فيسمع أصوات أهل الجنة، فيقول: أي رب! أدخلنيها، فيقول: يا بن آدم! ما يَصْرِيْنِي منك أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟) الناس قد أخذوا أخذاتهم واعطياتهم، وهذا الرجل لم يكن عنده أمل أن يدخل الجنة، وإنما يسأل الله، والله يقربه خطوة بعد أخرى حتى يدخله الجنة، ويقول له: تريد أن أعطيك ملكاً مثل الدنيا مرتين؟ (قال: يا رب! أتستهزئ بي وأنت رب العالمين؟) فهذا الرجل ما ظن أنه يصل ويحصل على هذا الكرم، فيقول لله: (أتستهزئ بي وأنت رب العالمين؟ فضحك ابن مسعود -راوي الحديث- فقال: ألا تسألوني مم أضحك! فقالوا: ممَّ تضحك؟ قال: هكذا ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ قال: من ضحك رب العالمين حين قال: أتستهزئ بي وأنت رب العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزئ منك، ولكني على ما أشاء قادر). فالله عز وجل ضحك من حالة عبده، والنبي صلى الله عليه وسلم ضحك لأن الله ضحك، وأثبت ضحك الله عز وجل، وابن مسعود ضحك، وهناك أحاديث اسمها (الأحاديث المسلسلة) وهذا مسلسل بالضحك، مثل حديث علي بن أبي طالب في ركوب الدابة فإنه ضحك.
    5- وكذلك من الأحاديث التي كان الضحك فيها معبراًُ عن شيءٍ مهم، ولم يكن ليضحك النبي عليه الصلاة والسلام عبثاً، ما جاء في صحيح البخاري في كتاب التوحيد: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (جاء حبر من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم،


    فقال: إنه إذا كان يوم القيامة جعل الله السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والماء والثرى على إصبع، والخلائق على إصبع، ثم يهزهن، ثم يقول: أنا الملك .. أنا الملك .. فلقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يضحك حتى بدت نواجذه تعجباً وتصديقاً لقوله) لقول هذا الحبر اليهودي. فكان ضحك النبي عليه الصلاة والسلام هنا تعجباً وتصديقاً للحبر، ونفاة الأصابع.. نفاة الصفات يقولون: ضحك سخرية من هذا النقص الذي ألحقه الحبر بالله، والحديث يقول: تصديقاً لقول الحبر، كيف نقول: إنه ضحك منه لأنه نسب لله الأصابع، كما يقول نفاة الصفات؟! 6- وكان النبي صلى الله عليه وسلم يضحك من الفرح والاستبشار، فإذا بُشر بشيءٍ حسن ضحك، كما جاء في صحيح البخاري في كتاب الجهاد والسير، من حديث أم حرام بنت ملحان : (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل عليها فتطعمه -وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت - فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطعمته، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استيقظ وهو يضحك -وغالب ضحكه عليه الصلاة والسلام تبسم- فقلت: وما يضحكك يا رسول الله؟ قال: ناسٌ من أمتي عرضوا عليّ غزاة في سبيل الله، يركبون ثبج هذا البحر ملوكاً على الأسرة فقلت: يا رسول الله! أدع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها رسول صلى الله عليه وسلم أن يجعلها الله منهم). 7- ومن البشائر التي أضحكت النبي عليه الصلاة والسلام قصة الإفك، بعد الغم العظيم، والهم الطويل، والعذاب والأذى الذي لقيه النبي صلى الله عليه وسلم من قبل المنافقين.. شهر كامل هو وأهل بيته يعيشون في شدة وغم، أخذه ما كان يأخذه من البرحاء لما نزل الوحي حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق -اللؤلؤ- في يومٍ شات، فلما سُري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك، وهذا ضحك استبشار وفرحة بالوحي الذي جاء مفرجاً للهم العظيم الذي تراكم طيلة هذه الفترة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آل بيته، فكان أول كلمةٍ تكلم بها أن قال لـعائشة : (احمدي الله، فقد برأك.. ) الحديث. 8- وضحك النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً لما بشره الله سبحانه وتعالى بنهر الكوثر، ولذلك جاء عن أنس قال: (بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا إذ أغفي إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسماً، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزلت علي آنفاً سورةٌ، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم:( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * < فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر)


    ضحك الأنبياء والصالحين:

    الأنبياء عليهم السلام كان لهم أدبٌ في الضحك، (رأى النبي عليه الصلاة والسلام آدم وعن يمينه أسودة وعن يمينه أسودة، فسأل عن ذلك؟ فقال جبريل: هذا آدم وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نسم بنيه، فأهل اليمين منهم هم أهل الجنة والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، -أي: أن آدم مسرور أن هناك من ذريته بعض العدد يدخلون الجنة- وإذا نظر قبال شماله بكى) . وكذلك الرجل الصالح الذي يضربه الدجال فيفلقه نصفين، وهو رجل مؤمن، شاب من أهل المدينة ، من خيرة أهل الأرض، ومن أفضل الشهداء في ذلك المشهد، فإذا أرجعه الدجال مرة أخرى يُقبل ووجهه يتهلل ضاحكاً.


    مواقف من ضحك الصحابة:
    ومما حصل للصحابة أيضاً من المناسبات التي ضحكوا فيها، وهو ضحك يدل على معنى، ويدل على مغزى، وله فائدة: 1- ما جاء في صحيح مسلم في كتاب الحج، قال زيد بن ثابت لـابن عباس : تُفتي أن تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت؟ -أنت يـابن عباس تفتي أن الحائض تعود دون طواف الوداع؟- فقال: إن لم تصدق فسل فلانة الأنصارية: هل أمرها بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: فرجع زيد بن ثابت إلى ابن عباس يضحك، وهو يقول: ما أراك إلا قد صدقت، أي: تعجب منه رغم صغره كيف أصاب الحق! أو أنه كان يقول: كلامك صحيح وأنا لم أكن أعلم به. 2/ وكذلك ما كان من ضحك بعض الصحابة الذين يحدثون بأحاديث من عجلة بعض طلابهم: قلنا: يا أبا سعيد، جئناك من عند أخيك أنس بن مالك فلم نر مثلما حدثنا في الشفاعة، فقال: هي هي -أي: هاتوا الحديث، ما الذي فعل؟- قالوا: فحدثناه بالحديث، فانتهى إلى هذا الموضع، فقال: هي هي، فقلنا: لم يزد لنا على هذا، فقال: لقد حدثني وهو جميعٌ منذ عشرين سنة فلا أدري أنسي أم كره أن تتكلموا، قلنا: يا أبا سعيد ! فحدثنا، فضحك وقال: خلق الإنسان عجولاً ما ذكرته إلا وأنا أريد أن أحدثكم، وحدثهم بالحديث. 3/ ولما استغرب بعض الناس من عائشة لما قالت: (كنا نرفع الكراع فنأكله بعد خمسة عشر يوماً -يدخرون الكراع إلى وقت الجوع- قيل: ما اضطركم إليه؟ فضحكت -لعدم تصورهم للموقف- قالت: ما شبع آل محمدٍ صلى الله عليه وسلم من خبز بر مأدومٍ ثلاثة أيام حتى لحق بالله). 4- وهذه فاطمة رضي الله عنها بكت وضحكت، أسر لها النبي عليه الصلاة والسلام حديثاً فبكت لما أخبرها أن أجله قريب، وضحكت لما أسر لها أنها سيدة نساء العالمين، وسيدة نساء أهل الجنة، وأنها أول أهل بيته لحوقاً به، فضحكت فرحاً رضي الله عنها. 5- وحدثت عائشة رضي الله عنها ذات مرة بحديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل بعض نسائه -أبهمت- ويخرج إلى الصلاة بدون أن يتوضأ، فقيل لها: ما هي إلا أنت هذه المرأة -التي أبهمتها هي أنت- فضحكت عائشة رضي الله عنها) والحديث رواه أبو داود وهو حديثٌ صحيح. 6- وكذلك ما حصل من ضحك الصحابة لما رأوا حماراً وحشياً وهم محرمون ومعهم أبو قتادة غير محرم، قال أبو قتادة : [فنظرت فإذا أنا بحمارِ وحشي، فحملت عليه فطعنته فأصبته واستعنت بهم أن يمسكوه معي فأبوا أن يعينوني فأكلنا من لحمه معاً.. إلخ] وقد عنون له البخاري، فقال: بابٌ إذا رأى المحرمون صيداً فضحكوا ففطن الحلال، أي: أن المحرم إذا نبه الحلال بالضحك أو التبسم على صيدٍ موجود لم يره الحلال، فصاده الحلال فأكل منه المحرم فلا بأس بذلك. 7/ ومن المواقف الطريفة التي حصلت في السنة: ما جاء في صحيح مسلم في كتاب الأشربة: لما كان النبي عليه الصلاة والسلام والمقداد وآخر -ثلاثة- مشتركين في إناءٍ من لبن يحلب لهم فيشرب كل واحد منهم الثلث، يقول المقداد : فأتاني الشيطان ذات ليلة وقد شربت نصيبي، فقال: محمدٌ يأتي الأنصار فيتحفونه، ويصيب عندهم، ما به حاجة إلى هذه الجرعة، فأتيتها فشربتها -قضى على نصيب النبي صلى الله عليه وسلم- فلما أن وغلت في بطني وعلمت أنه ليس إليها سبيل، قلت: ندمني الشيطان -هكذا الشيطان يفعل، يسول القضية ثم يُنَدِّم الشخص على الوقوع فيها، فقال: ويحك! أشربت شراب محمدٍ فيجيء فلا يجده فيدعو عليك فتهلك، فتذهب دنياك وآخرتك، وعلي شملةٌ إذا وضعتها على قدمي خرج رأسي، وإذا وضعتها على رأسي خرجت قدماي وجعل لا يجيئني النوم، وأما صاحباي فشربا نصيبهما وناما، ولم يصنعا ما صنعت، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فسلم كما كان يسلم، ثم أتى المسجد فصلى، ثم أتى شرابه فكشف عنه فلم يجد فيه شيئاً، فرفع رأسه إلى السماء، فقلت: الآن يدعو عليّ فأهلك، فقال: (اللهم أطعم من أطعمني واسق من سقاني) قال: فعمدت إلى الشملة فشددتها عليّ وأخذت الشفرة وانطلقت إلى الأعنز أيها أسمن فأذبحها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هي حافل وإذا هن حفلٌ كلهن، ووجدتها كلها مليئة فعمدت إلى إناءٍ لأهل محمدٍ صلى الله عليه وسلم ما كانوا يطمعون أن يحتلبوا فيه، فحلبت فيه حتى علته رغوة -امتلأ- فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أشربتم شرابكم الليلة؟ قال: قلت: يا رسول الله! اشرب فشرب ثم ناولني، فقلت: يا رسول الله! اشرب فشرب ثم ناولني، فلما عرفت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد روي وأصبت دعوته ضحكت حتى ألقيت على الأرض، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إحدى سوءاتك يا مقداد! ...) الحديث. فيكون هذا لو حصل مثل هذا الأمر الذي لا يتمالك فيه الإنسان نفسه، وهو خلاف الأولى أن يحدث، لكنه لم يكن في هذه الحالة يرتكب أمراً محرماً.


    النهي عن الضحك من الضرطة:

    وكذلك فإن الضحك قد يكون لتأليف الشخص أو إيناسه، وينبغي أن نعلم هنا أدباً هاماً جداً من آداب الضحك، وهو ما جاء في صحيح البخاري في حديث عبد الله بن زمعة : (أن النبي صلى الله عليه وسلم وعظهم في ضحكهم من الضرطة، وقال: لم يضحك أحدكم مما يفعل؟)، وجاء في الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الضحك من الضرطة) والضرطة: هي ما يخرج من الشخص من الفساء بصوت، فلو أن شخصاً سبقه الحدث في مجلس ولم يملك نفسه وتحرك بحركة، كان في بطنه شيء فخرج وله صوت، هل نضحك منه؟ لا. كل الناس معرضون لذلك، أنت، وهو..ئ فيا أيها الضاحك! يمكن أن يقع منك هذا فلم تضحك من هذا الشخص الذي حصل منه؟ خصوصاً عندما يأتي من غير قصد، تحرك حركة فخرج منه أو تكلم كلمة، أو تنحنح فخرجت منه الضرطة، فلا ينبغي الضحك من هذا الشخص.


    حكم الضحك في الصلاة:

    وأخيراً: نختم الكلام في موضوع الضحك بمسألة فقهية وهي: الضحك في الصلاة. إن الضحك بصوتٍ يفسد الصلاة عند جمهور الفقهاء إن ظهر حرفان فأكثر على مذهب كثيرٍ منهم، وقال بعضهم: إنها لا تبطل لأنها ليست بكلام، أما التبسم فلا يفسد الصلاة عند جمهور الفقهاء لأنه ليس بكلام. أما بالنسبة للوضوء من الضحك فقد جاء حديثٌ ضعيفٌ جداً: (الضحك ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء)، وحديثٌ ضعيفٌ آخر: (من ضحك في الصلاة فليعد الوضوء والصلاة) لكن الصحيح وإن كان بعض الأحناف يقولون إلا أن الضحك لا ينقض الوضوء. وإعادة الوضوء من القهقهة ومن الضحك لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبذلك نعلم أن الضحك لا ينقض الوضوء ولا القهقهة، لكن إذا قهقه الإنسان فجمهور الفقهاء على أن صلاته تبطل إذا صدر الصوت.


    علاج كثرة الضحك:

    علاج كثرة الضحك يكون بأمور، منها: أولاً: الإكثار من ذكر الله عز وجل. ثانياً: تذكر عظمته. ثالثا: تذكر اليوم الآخر. رابعاً: أن يجاهد نفسه في كتم الضحك. خامساً: ألا يكثر من مخالطة الشخصيات الهزلية. سادساً: أن يساعده أصحابه على ذلك، لا يقولون: يا فلان، ما هي آخر نكتة؟ وأطرفنا، أو أضحكنا، وماذا عندك اليوم؟ بل عليهم أن يساعدوه على أن يكون جاداً، هذا ما ينبغي أن يكون. ولعل تذكر الموت وما بعده من الأهوال مما يُعين على ذلك، والمسألة مسألة مجاهدة. هذا ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا هادين مهديين، وأن يهدي بنا، وأن يتوب علينا أجمعين. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
    التعديل الأخير تم بواسطة محبة المساكين ; 09-11-2011 الساعة 10:47 PM سبب آخر: تنسيق الموضوع

  8. #8

    مراقبة سابقة


    تاريخ التسجيل : May 2010
    رقم العضوية : 80300
    الجنس: أنثى
    المشاركات : 6,866
    التقييم : 12350
    محبة المساكين غير متواجد حالياً

    رد: محاضرة( آداب الضحك )للشيخ محمد المنجد

    بارك الله فيكى اختى وجزاكى خير الجزااء

  9. #9

    مراقبة سابقة


    تاريخ التسجيل : May 2010
    رقم العضوية : 80300
    الجنس: أنثى
    المشاركات : 6,866
    التقييم : 12350
    محبة المساكين غير متواجد حالياً

    رد: محاضرة ( آداب الصحبة )للشيخ محمد المنجد

    جزاكى الله خيرا اختى
    وبارك فيكى الرحمن
    ونفع بك وبارك الله فى جهودك

  10. #10

    مراقبة قسم المرئيات الإسلامية


    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    رقم العضوية : 76540
    الجنس: أنثى
    المشاركات : 26,457
    التقييم : 63791
    اقرأ القرآن وأذكر ربك متواجد حالياً

    محاضرة( آداب الضيافة [1، 2] )للشيخ محمد المنجد

    محاضرة( آداب الضيافة [1، 2] )للشيخ محمد المنجد



    عناصر الموضوع :
    1. الحث على إكرام الضيف
    2. أحكام الضيافة في الشرع
    3. إبراهيم عليه السلام وإكرامه لضيفه
    4. صور من إكرام الضيف
    5. آداب المضيف
    6. هل يستضاف الكافر؟
    7. وقفة مع بعض قصص الصحابة وضيوفهم
    8. آداب الضيف
    9. الكرم ومنزلته عند العرب وذم البخل والبخلاء
    10. الأسئلة

    آداب الضيافة :
    قد جاءت الكثير من الأحاديث الحاثة على إكرام الضيف والمبينة أنه من الإيمان، فالضيافة من آداب الإسلام وشرائعه وأحكامه، وهي من سنن المرسلين عليهم السلام، ومن أخلاق السلف رضوان الله عليهم. وللضيافة أحكام وآداب موجودة في قصة إبراهيم عليه السلام ذكرها الشيخ في هذا الدرس.

    الحث على إكرام الضيف:
    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فالحديث في هذه الليلة في هذه المجموعة من سلسلة الآداب الشرعية الثانية سيكون عن: (إكرام الضيف) وهو من الآداب العظيمة التي حفلت بها هذه الشريعة المباركة، وأكدت ما كان موجودا ًعند العرب من المعروف في هذا الأمر. أما ضاف القوم وتضيفهم أي: نزل عليهم ضيفاً وأضافوه وضيفوه أي: أنزلوه، والضيف معروف.. وجمعه أضياف وضِيفان، والاسم هو الضيافة ويقال: أضفته إضافة إذا نجى إليك من خوف فأجرته، واستضافني فأضفته استجارني فأجرته، وتضيفني فضيفته إذا طلب القِرى، فإذا طلب الإنسان أن ينزل ضيفاً فيقال: تضيف، والذي يقبل هذا يقال: ضيفه، هكذا في المصباح المنير. والضيافة من آداب الإسلام وشرائعه وأحكامه وهو من سنن المرسلين، وأول من ضيف الضيف إبراهيم عليه السلام، كما جاء ذلك في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الله تعالى: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ [الذاريات:24] فوصفهم بأنهم أكرموا. وقصته عليه السلام لما قدم لهم عجلاً حنيذاً نزلاً وضيافةً معروفة. وجاء في بعض الإسرائيليات قصة فيها عبرة: كان إبراهيم عليه السلام لا يأكل وحده، فإذا حضر طعامه أرسل يطلب من يأكل معه، فلقي يوماً رجلاً فلما جلس معه على الطعام قال له إبراهيم: سم الله، قال له الرجل: لا أدري ما الله!! قال له: اخرج عن طعامي، فلما خرج الرجل نزل إليه جبريل فقال له: يقول الله عز وجل: إنه يرزقه على كفره مدى عمره، وأنت بخلت عليه بلقمة، فخرج إبراهيم مسرعاً فرده فقال: ارجع، فقال: لا أرجع، تخرجني ثم تردني لغير معنى، فأخبره بالأمر فقال: هذا رب كريم آمنت، ثم دخل عند إبراهيم وسمى الله وأكل بعدما آمن، وستأتي قصة إبراهيم الخليل عليه السلام والعبر التي فيها والآداب المنطوية عليها بالنسبة للضيافة في قصته مع الملائكة. وأما لوطٌ عليه السلام فإنه كان يكرم الضيوف أيضاً، كيف لا وهو قد تعلم من إبراهيم عليه السلام، ولما جاءه ضيوفه وجاء قومه يهرعون إليه لعمل الفاحشة فدافعوه الباب حتى كادوا يغلبونه وهو يخاطبهم هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ [هود:78] وأخبر عز وجل أنهم راودوه عن ضيفه فطمس أعينهم ولم يرجمهم فقط ولكن طمس أعينهم ثم رجمهم، وهذا دليل على أهمية وخطورة إيذاء الضيف. وهذه عجوز السوء امرأته التي كانت تدل الفجار على ضيفه قال الله تعالى فيها: فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ [الأعراف:83]، وقال: وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ [هود:81] لماذا؟ لأنها كانت تدل قومها على الضيفان وهذه خيانة لزوجها؛ فعذب الله عجوز السوء القوادة -كما قال العلماء- بمثل ما عذب قوم السوء الذين كانوا يعملون الخبائث. وقد جاء في معرض الذم ذكر القوم الذين نزل عليهم الخضر وموسى عليهما السلام فأبوا أن يضيفوهما. وأما نبينا صلى الله عليه وسلم فقد كان أعظم الناس في إكرام الضيف على الإطلاق، وقد وصفته خديجة بمثل ذلك من أيام الجاهلية، فلما دخل عليها فزعاً مما لقي في الغار بعد نزول سورة اقرأ وقال: (زملوني) فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لـخديجة : (أي خديجة مالي لقد خشيت على نفسي؟ -فأخبرها الخبر- فقالت خديجة : كلا. أبشر فوالله لا يخزيك الله أبداً، فوالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتُكسب المعدوم، وتقري الضيف) والحديث في صحيح البخاري.

    منزلة الضيف عند أهل الجاهلية:
    كان لأهل الجاهلية شأن عظيم في إكرام الضيف والذم فيمن لم يكرمه، فجاء الله بهذا الدين الذي رفع شأن هذا الأدب العظيم وهو إكرام الضيف؛ فأقر ما كان عليه أهل الجاهلية من المعروف في هذا وزاد عليه، وأبطل ما كان معروفاً عندهم في هذه الخصلة وغيرها كما كانوا يفعلون من بعث الرجل بأمته إلى ضيفه. وقد حصل للصحابة رضوان الله عليهم قصة عندما ذهبوا مع أبي سعيد رضي الله عنه، وسافروا ونزلوا على حيٍ من أحياء العرب المشركين، فاستضافوهم فأبو أن يضيفوهم حتى لدغ أحدهم فرقاه أبو سعيد رضي الله عنه على قطيع من الغنم. وكان قيس بن عاصم الصحابي رضي الله عنه سيد قومه وكان جواداً حليماً، أخذ الأحنف بن قيس الحلم عنه. تزوج قيس امرأة فأحضرت له طعاماً فقال لها: أين أكيلي؟ فلم تدر ما يقول لها! فأنشأ يقول:
    إذا ما صنعت الزاد فالتمسـي له أكيلاً فإني لست آكـله وحـدي
    أخاً طارقاً أو جار بيتٍ فإنني أخاف ملامات الأحاديث من بعدي
    وإني لعبد الضيف من غيـر ذلة وما في إلا ذاك من شيمة العبد
    فسمعه جارٌ له وكان بخيلاً فقال:
    لبيني وبين المرء قيس بن عاصم بما قال بون في الفعال بعيد
    وإنا لنجفو الضيف من غير قلة مخافة أن يغـرى بـنا فيعـود
    وقد أوصى قيس بن خفاف بن عمر بن حنظلة جبيلاً ابنه بقصيدة فيها آداب ومصالح يقول له فيها:
    أجبيل إن أباك كارم يومه فإذا دعيـت إلى المـكارم فاعجل
    أوصيك إيصاء امرئ لك ناصحٍ ظن بغيه الدهر غير معقـل
    الله تتـقه وأوف بنـذره وإذا حلـفـت ممـارياً فتحـلـل
    والضـيف تكرمـه فإن مبيته حقٌ ولا تـك لعنـة للنـزل
    واعلم بأن الضيف مخبر أهله بمبيت ليلته وإن لم يســأل

    أحاديث في إكرام الضيف:
    قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ) وقال عليه الصلاة والسلام: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته، قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه، ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يؤثمه) رواه البخاري ومسلم . ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام: (جائزته يومٌ وليلة) أي: يكرمه ويتحفه ويحفظه يوماً، وثلاثة أيام ضيافة، وقال الخطابي معناه: أنه يتكلف له في اليوم الأول ما اتسع له من بر وإلطاف، وأما في اليوم الثاني والثالث فيقدم له ما كان بحضرته، الاجتهاد في اليوم الأول هو الجائزة، والثاني والثالث ما كان بحضرته ولا يزيد على عادته، وما كان بعد الثلاث فصدقة ومعروف ليس بواجب عليه، وإذا فعل فهو تطوع منه إن شاء فعل وإن شاء ترك. وقوله صلى الله عليه وسلم: (ولا يحل له أن يقيم عنده حتى يؤثمه) معناه: لا يحل للضيف أن يقيم عند المضيف بعد الثلاث من غير استدعاء إلا إذا أصر وألح عليه وطالبه بذلك، لئلا يقع المضيف في الإثم ولئلا يقع في الحرج. وعن أبي كريمة المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليلة الضيف حق على كل مسلم، فمن أصبح بفنائه -أي: الضيف- فهو عليه دين إن شاء اقتضاه وإن شاء تركه) رواه أبو داود بإسنادٍ صحيح. وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيما رجل أضاف قوماً فأصبح الضيف محروماً فإن نصره حقٌ على كل مسلم -أن تؤخذ له الضيافة- حتى يأخذ بقراء ليلة من زرعه وماله) رواه أبو داود بإسنادٍ حسن كما قال النووي في المجموع شرح المهذب . وعن عقبة بن عامر قال: (قلنا: يا رسول الله! إنك تبعثنا فننزل بقومٍ فلا يقروننا فما ترى؟ فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن نزلتم بقومٍ فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، فإن لم يفعلوا فأخرجوا منهم حق الضيف الذي ينبغي له) خذوا منهم، رواه مسلم في صحيحه.

    أحكام الضيافة في الشرع:
    وحكم الضيافة أنها سنة عند جمهور العلماء، فإذا استضاف مسلم لا اضطرار به مسلماً استحب له ضيافته ولا تجب وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة ومذهب الشافعي والجمهور. وقال الليث بن سعد و أحمد بن حنبل : هي واجبةٌ يوماً وليلة على أهل البادية وأهل القرى دون أهل المدن؛ لأن أهل القرى هم الذين يجتاز بهم المارون وكذلك البدو الذين يجتاز بهم المارون أصحاب الحاجة، أما أهل المدن فلا، قال الإمام أحمد : هي واجبة يوماً وليلة على أهل البادية وأهل القرى دون أهل المدن واحتجوا بحديث أبي شريح الخزاعي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه عليه جائزته) قال أحمد رحمه الله: والضيافة على كل المسلمين، كل من نزل عليه ضيفٌ كان عليه أن يضيفه، قيل: إن ضاف الرجل ضيفٌ كافرٌ؟ يعني: إذا طلب الضيافة هل يضيفه؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليلة الضيف حق واجبٌ على كل مسلم) وهذا الحديث بين، ولما أضاف المشرك النبي عليه الصلاة والسلام دل على أن المسلم والمشرك يضاف وأنا أراه كذلك. والضيافة معناها: صدقة التطوع على المسلم والكافر، واليوم والليلة حق واجب. فإذاً الإمام أحمد رحمه الله قال: الليلة الأولى واجبة. وقال الجمهور: الضيافة مستحبة إلا إذا صار اضطراراً. وقول: الواجب يوم وليلة والكمال ثلاثة أيام كما ورد عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، واليوم هذا داخل في الثلاثة، ومن امتنع من إضافته فللضيف بقدر إضافته، قال الإمام أحمد رحمه الله: له أن يطالبه بحقه الذي جعله له النبي صلى الله عليه وسلم يقول: هذا حقي الليلة، فيجوز أن يأخذ منه ثمن الضيافة التي منعوها إياه، قال أحمد رحمه الله: ولا يأخذ شيئاً إلا بعلم أهله، وفي رواية: أن له أن يأخذ ما يكفيه بغير إذنهم، لو جاء الضيف فلم يضيفوه الليلة الواجبة في البادية أو في القرى يأخذ بغير إذنهم كما في رواية أخرى، واستدل بحديث: (فأخرجوا منهم حق الضيف الذي ينبغي له). وكذلك سئل أبو عبد الله أحمد رحمه الله عن الضيافة أي شيء تذهب فيها؟ قال: هي مؤكدة وكأنها على أهل الطرق والقرى الذين يمر بهم الناس أوكد، فأما مثلنا الآن فكأنه ليس مثل أولئك، هذه عبارة مهمة ذكرها ابن قدامة رحمه الله في المغني نقلاً عن الإمام أحمد رحمه الله، قال: وكأنها الوجوب على أهل الطرق والقرى الذين يمر بهم الناس أوكد -المارين في طرق السفر- وهذا قد ينطبق على أصحاب المحطات قال: فأما مثلنا الآن في بغداد -في البلد التي كان فيها الإمام أحمد رحمه الله- فكأنه ليس مثل أولئك. وذكرنا أن الليث بن سعد ذهب إلى أن الضيافة واجبة واستدل بحديث: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ) ولا شك أنها من مكارم الأخلاق وحسن المعاملة بين الخلق، واحتج الجمهور بقوله: ( فليكرم ) بأن الكرامة من خصائص الندب دون الوجوب كما ذكر ذلك ابن العربي رحمه الله في أحكام القرآن. فهذا بالنسبة لأهل البدو ولأهل القرى والحضر. إذاً: فهي واجبة على أهل القرى والبادية بخلاف أهل الحضر، وقد ذكر بعض الفقهاء في تعليل هذا -وهو سحنول المالكي رحمه الله-: الضيافة على أهل القرى وأما أهل الحضر فإن المسافر إذا قدم الحضر وجد منزلاً -وهو الفندق- وإنما أراد بذلك أنه يتأكد الندب إليه، ولا يتعين على أهل الحضر بعينه على أهل القرى لمعانٍ: أحدها: أن ذلك يتكرر على أهل الحضر فلو التزم أهل الحضر؛ الضيافة لما خلوا منها، وأهل القرى يندر ذلك عندهم ويقل فلا تلحقهم بذلك مشقة. والوجه الآخر: أن المسافر يجد في الحضر من المسكن والطعام وغير ذلك ما يحتاج إليه فلا تلحقه المشقة لعدم الضيافة، عنده فنادق وعنده مطاعم، أما في القرى الصغار فلا يجد ما يحتاج إليه من مطاعم أو مكان يبيت فيه لأنه غريب فهو كالمضطر إلى أن يضيفوه، وحكم القرى الكبار التي توجد فيها الفنادق والمطاعم للشراء ويكثر ترداد الناس عليها حكم الحضر والله أعلم وأحكم. وهذا فيمن لا يعرفه الإنسان، وأما من يعرفه معرفة مودةٍ أو بينه وبينه قرابة، أو بينه وبينه معنى يقتضي المواصلة والمكارمة فحكمه في الحضر وغيره سواء، والله أعلم. فأما بالنسبة لثبوت الحق فهل يأخذه بإذنه وبغير إذنه؟ تقدم القولان عن الإمام أحمد رحمه الله، ولكن هنا ملاحظة أشار لها ابن القيم في أعلام الموقعين وابن رجب في القواعد وهي: أن الحق إذا كان سبب ثبوته ظاهراً فلمستحقه أن يأخذ بيده إذا قدر عليه، كما أفتى به النبي صلى الله عليه وسلم هنداً وأفتى به الضيف إذا لم يقره من نزل عليه كما في سنن أبي داود قال: (فإن أصبح بفنائه محروماً كان ديناً عليه إن شاء اقتضاه وإن شاء تركه) وفي رواية: (نزل بقومٍ فعليهم أن يقروه فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه) يعني: لو أتى بفاتورة فقال لهم: سددوا لأنكم لم تضيفوني وهو حق واجب. قال: وإن كان سبب الحق خفياً لم يجز له ذلك كما أفتى النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) هكذا في أعلام الموقعين. فإذاً لو أن شخصاً نزل عليهم فقالوا: ليس لك شيء، اتركه واجلس إلى يوم القيامة، مع أن حقه واضح للناس الغادين والرائحين، فلو أخذه بغير إذنهم وعدا على غنمٍ لهم أو على شيء فأخذه بالإكراه فحقه واضح يعني: لو أخذ لا يتهم عند الناس.
    كذلك المرأة التي زوجها بخيل فإن نفقتها واجبة عليه، فإذا لم ينفق عليها فلها أن تأخذ منه -وهذا حق- ولو بغير إذنه، لكن لو كان سبب الحق خفياً -مثلاً- أحد الأشخاص اختلس منك مالاً ثم استأمنك على ماله فلا يجوز أن تختلس منه خفيةً مادام الحق ليس ثابتاً ظاهراً فلا يجوز الاختلاس، وبهذا يجاب على من سأل من العمال والموظفين، قائلٌ: إن صاحب العمل قد أكل شيئاً من حقي وأنا محاسب ويمكن أن آخذ حقي الذي أخذه مني خلسة دون أن يعلم أحد، فإذا لم يكن حقه ظاهراً مثبتاً يعلم فلا يجوز له أن يأخذ خلسة، وهذا معنى حديث: ( ولا تخن من خانك ) رواه الترمذي وهو حديث حسن. ومن أهمية هذا الأمر -إكرام الضيف- ما ذكره المفسرون كـمجاهد رحمه الله في تفسير قوله تعالى: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ [النساء:148] قال: [إنما نزلت في الضيافة] إذا نزل رجلٌ على رجلٍ ضيفاً فلم يقم به جاز له إذا خرج عنه أن يذكر ذلك، يقول: ما ضيفني ولا أعطاني ولا أكرمني لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ [النساء:148] قالوا: نزلت في الشخص الذي ينزل ضيفاً فلا يعطى ولا يقرى ولا يكرم، فإذا جهر بالسوء عليهم بما منعوه من حقه جاز له ذلك؛ لأنه ظلم. وذكر العلماء في أسباب تحريم اتخاذ الكلاب قالوا: إنها تروع الضيف وابن السبيل كما ذكره العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام فلذلك من اتخذها نقص من أجره كل يوم قيراط، لكن كان بعض أهل الجاهلية يمتدحون أنفسهم أو يتباهون بأن كلابهم لا تنبح على الضيوف، وأنهم علموها ذلك فصارت لا تنبح على الضيفان. فهذا المعنى المذكور في منع اتخاذ الكلاب لأهمية مسألة إكرام الضيوف. وكذلك قيل: بمشروعية الاستدانة لإكرام الضيف، فذكر السرخسي رحمه الله من الحنفية: إن ما استدانه لقرى الضيف لو استدان شخص مالاً ليقري ضيفه، فهو كما استدانه لنفقته ومصلحة نفسه حتى قالوا: يعطى من سهم الغارمين، لأن هذا حق لا بد أن يقوم به، استدان فصار غارماً فيعطى من حق الغارمين، لكن من هذا الذي يضيف بحق، لأن هناك من يظلمون أنفسهم فيضيفون بغير حق، يذبحون الذبائح فيرهقون أنفسهم ثم يطوفون على الناس ويقولون: أعطونا نحن نذبح ذبائح. ومن أهمية إكرام الضيف أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في اتخاذ فراشٍ خاصٍ له، ولم يعد فراشاً زائداً في البيت من أجل الضيف ولم يعد هذا ترفاً، فقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الحسن: (فراشٌ للرجل وفراشٌ لامرأته وفراش للضيف وفراش للشيطان) حديث صحيح. وقد روي أنه عليه الصلاة والسلام رهن شيئاً عند يهوديٍ من أجل طعام ضيفٍ، ولكن ضعف الخبر بعض أهل العلم كـابن حزم رحمه الله في المحلى . ومن أهمية إكرام الضيف أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أرشد عمر إلى اتخاذ الوقف جعل عمر من مصارف الوقف إكرام الضيف، وذلك في الأرض التي أصابها عمر بـخيبر قال عليه الصلاة والسلام مرشداً وناصحاً: ( إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها ) حبس الأصل: هو الوقف وتسبيل الثمرة وأي منفعة تنفق في الخير والأصل محبوس قال: (إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها قال: فتصدق بها عمر غير أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث فتصدق بها في الفقراء -نص عمر على ذلك وكتبه وجعله عند حفصة وهي قائمة على وقفه- فتصدق بها في الفقراء والقربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف) وقد روى ذلك البخاري رحمه الله وعبد الرزاق وغيره من أهل العلم وهو حديث مشهور.

    إبراهيم عليه السلام وإكرامه لضيفه:
    ومن إكرام الضيف نبدأ بإكرام الضيف بما جاء عن إبراهيم الخليل عليه السلام.. ثم ما جاء في السنة وفي قصص الصحابة رضوان الله تعالى عليهم في كلام العلماء في كتب الأدب. قال الله تعالى: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * < إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ * < فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * < فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ [الذاريات:24-27] ففي هذا ثناء على إبراهيم من وجوه متعددة كما ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله يقول: أولاً: أنه وصف ضيفه بأنهم مكرمون، وهذا من إكرام الله تعالى للملائكة على قول، والقول الثاني: إكرام إبراهيم لضيوفه ولا تنافي بين القولين كلاهما صحيح، فإذاً وصف الله ضيوف إبراهيم بأنهم مكرمين لأن إبراهيم أكرمهم وهم مكرمون. ثانياً: قال تعالى: إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ [الذاريات:25] فلم يذكر استئذانهم ففي هذا دليل على أنه عليه السلام كان معروفاً بإكرام الضيفان، فمنزله مطروق وبابه مفتوح ولا يحتاج إلى استئذان أحد فيدخلون مباشرة، بل إن استئذان الداخل هو دخوله، وهذا غاية ما يكون من الكرم، فقد تقدم معنا في أدب الاستئذان أن الإنسان إذا فتح بابه للضيوف فدعاهم إلى وليمة أن فتح الباب هو إذن، فلا يحتاجون إلى طرق ولا استئذان مادام فتح الباب الخارجي وفتح المجلس معناها هذا هو الإذن، وكان إبراهيم عليه السلام بابه مفتوح دائماً وعنده مكان خاص للضيوف يدخلون إليه مباشرة من غير استئذان إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ [الحجر:52]. ثالثاً: قوله: (سلامٌ) بالرفع وهم سلموا عليه بالنصب فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ ))[الذاريات:25] والسلام بالرفع أكمل، لماذا؟ لأن قولهم (سلاماً) هي جملة فعلية.. أسلم سلاماً. و(سلامٌ) جملة اسمية (سلامٌ) مبتدأ، ومعنى الدوام والثبوت والاستقرار في الجملة الاسمية أكثر من الجملة الفعلية؛ لأن الجملة الاسمية دالة على الثبات وعدم التجدد، والجملة الفعلية تدل على أن الشيء يذهب ويجيء، يزول ويرجع، فإبراهيم حياهم بتحية أحسن من تحيتهم فإن قوله سلامٌ أي: عليكم، دالٌ على الثبوت. رابعاً: أنه حدث المبتدأ من قوله: (قومٌ منكرون) فإنه لما أنكرهم ولم يعرفهم احتشم عن مواجهتهم بذلك ولم يقل: إني أنكرتكم، لم يقل: أنتم قومٌ منكرون قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ [الذاريات:25] وهذا الحذف ألطف في الكلام. خامساً: أنه بني الفعل من مفعول فقال: (منكرون) ولم يقل: إني أنكركم من أنتم؟ ومنكر صيغة المبني للمفعول حذف فاعله؛ لأنه كره أن يقول: أنا أنكركم.. أنا لا أعرفكم فقال: أنتم غير معروفين. فهناك فرق في أن يقول لهم مواجهة: إني لا أعرفكم، أنت لست بمعروف، هذا مبني والمبني للمفعول لا يعرف .. لكن أنت غير معروف، كره أن يقول لهم ذلك فهذا أبعد عن التنفير والمواجهة بالخشونة. سادساً: أنه راغ إلى أهله ليجيئهم بالنزل وهي الكرامة، والروغان هو: الذهاب باختفاء، بحيث لا يشعر به الضيف وهذا من كرم رب المنزل -المضيف- أن يذهب باختفاء حتى لا يشق على الضيف ويستحي فلا يشعر الضيف إلا وقد جاءه بالطعام، بخلاف من يسمع ضيفه ويقول لمن حضر: مكانكم حتى آتيكم بالطعام، فحفظ مشاعر الضيف من إكرامه، وعدم إحراجه أيضاً من إكرامه. سابعاً: أن إبراهيم ذهب إلى أهله فجاء بالضيافة، وذلك معناه أنه كان بيته مستعداً للإكرام ولم يذهب إلى السوق ليشتري أو يذهب إلى الجيران ليستعير أو يذهب ويقترض وإنما كل شيء جاهز عنده في البيت، يعني مجهز البيت لخدمة الضيوف فهذا ما حصل، ثم مجيئه بسرعة فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ [الذاريات:26] ما قال: ثم جاء، لأن ثم تقتضي التراخي، والفاء للتعقيب، مباشرة فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ [الذاريات:26] وهذا يدل على أنه يوجد استعداد دائم.. ما عنده خبر أن هؤلاء سيأتون، دخلوا عليه وفاجئوه ومع ذلك كان مستعداً؛ لأن الإنسان إذا كان مستعداً لعمل الخير فأول ما تأتيه الفرصة يكون جاهزاً، أما الذي ليس بمستعد والمسألة ليست في باله وهو غير متهيئ لها، فإذا فوجئ بها تفوت الفرصة عليه. أهل الجهاد في بدر خرجوا مباشرة مستعدين للجهاد، لكنها فاتت على من؟ على الذي كان يحتاج إلى استعداد، فطوبى لعبدٍ آخذ بعنان فرسه في سبيل الله يخرج على أول صيحة، وهذا هو المستعد دائماً. فإذاً: الاستعداد لعمل الخير يكسب الإنسان فرصاً عظيمة، كمن يأتي لصلاة الجمعة مستعد دائماً للصدقات -مثلاً- في هذا اليوم الفضيل، بخلاف من تأتيه فرصة عظيمة ثم يبحث فلا يجد ويذهب ليقترض أو يذهب إلى البيت ويرجع وقد ذهبت الفرصة، فالمسألة هي قضية زيادة في الإيمان، مستوى الإيمان المرتفع بالاستعداد الدائم للخيرات، إبراهيم عليه السلام كان مستعداً باستمرار لعمل الخير فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ [الذاريات:26] من الذي جاء؟ هو وليس الخادم ولا السائق ولا صاحب المطعم، هو الذي جاء بالعجل بنفسه، وهذا أبلغ في الإكرام، أن يأتي الإنسان بالضيافة لضيفه بنفسه ولو كان عنده خدم، ولم يقل: فأمر لهم بعجلٍ سمين بل هو الذي ذهب وهذا أبلغ في إكرام الضيف. ثامناً: أنه جاء بعجلٍ كامل ولم يأت ببعض منه، وهذا من تمام كرمه، فلم يأت بفخذ ولا بكتف ولا بظهر بل بعجل كامل، والعجل: البقر الصغير لحمه من أطيب اللحوم، وليس بقراً غليظاً. تاسعاً: أنه سمين وليس بهزيل، ومعلوم أن ذلك من أفخر أمواله، يذبح العجل الصغير وهذا إكرام متناهي؛ لأن العجل الصغير عادة يتخذ للاعتناء والتربية ولكن آثر به ضيفانه وجاءهم بهذا الصغير ذا اللحم الطري لأجل إكرامهم. عاشراً: أنه قربه بنفسه ولم يقل للخدم قربوه أنتم أو قرب المائدة يا غلام، وإنما قربه هو ولم يأمر خادمه بذلك. الحادي عشر: أنه قربه إليهم ولم يقربهم إليه، وهذا أبلغ في الكرامة أن تجلس الضيف ثم تأتي له بالطعام إليه وتحمله إلى حضرته ولا تضع الطعام في ناحية ثم تأمر ضيفك أن يقترب إليه، طبعاً الآن في البيوت هذا قد يكون شبه متعسر؛ لأن الألوان كثيرة فسيأتي بهذا وبهذا ويضعونه ويجهزونه ثم يقول للضيوف: ادخلوا، لا حرج في ذلك وهو من الإكرام على أية حال وليس ضد الإكرام، لكن إذا جيء به وسيق به إليهم أفضل وأحسن.. افرض أن عندك ما لا يشق نقله فجئت به على عربة إليهم أو على طاولة تدرج بها إليهم، هذا أولى من أن تضعه وتقول: تعالوا أو انزلوا عندك. الثاني عشر: أنه قال: ألا تأكلون؟! فاستخدم أسلوب العرض وهذا تلطف، وهو أحسن من أن يقول: كلوا مدوا أيديكم؟ مالكم لا تمدوا أيديكم؟ نحن أتينا به لمن؟ قال: ألا تأكلون؟ الثالث عشر: أنه إنما عرض عليهم الأكل لأنه رآهم لا يأكلون ولم يكن ضيوفه يحتاجون إلى إذن؛ لأن مجرد تقديم الطعام للضيف هو إذن بأكله؛ وأنت قدمته لأي شيء؟ يتفرجوا عليه؟ فبمجرد التقديم أبحت لهم الأكل فإذاً لو قلت: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسٍ منه) فيقول قائل: لم يأذن فيقال: إن مجرد التقديم عرفاً هو إذن بالأكل فحلال عليهم، طيب فلماذا قال إبراهيم: ألا تأكلون؟ لأنه لاحظ أنهم لا يأكلون، وفي الأصل قدمه إليهم تقديماً كاملاً مع الإذن ولا يحتاجون إلى كلمة تفضل، لكن لما رأى أنهم لا يأكلون قال: ألا تأكلون؟ ولهذا أوجس منهم خيفة وأحسها. الرابع عشر: أنهم لما امتنعوا من الأكل من طعامه وخاف منهم لم يظهر لهم ذلك الخوف، أوجس منهم خيفة وأخفاه لكن الملائكة علمهم الله قالوا: لا تخف وبشروه بالغلام، فجمعت هذه الآية آداب الضيافة التي هي أشرف الآداب، قال ابن القيم رحمه الله: وما عداها من التكلفات التي هي تخلف وتكلف إنما هي من أوضاع الناس وعوائدهم وكفى بهذه الآداب شرفاً وفخراً فصلى الله على إبراهيم. ومن الآداب فتح الباب للضيف قبل وصوله قال الله تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا [الزمر:73] فأبواب جهنم لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها، وأما أبواب الجنة فمتقدمٌ فتحها بدليل قوله تعالى: جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ [ص:50] مفتحة قبل وصولهم، وذلك لأن تقديم فتح الباب في الضيافة على وصول الضيف هو إكرام له، وتأخير باب العذاب على أهل جهنم من باب المفاجأة حتى يؤخذوا بأشد الأخذ وهو من زيادة العذاب، فلذلك إذا جاءوها فتحت أبوابها.

    صور من إكرام الضيف:
    من إكرام الضيف: إيثاره، وقد جاء في صحيح البخاري في القصة العظيمة التي عجب الله من أصحابها وضحك إليهم، وإذا ضحك الله إلى عبدٍ فلا عذاب عليه، وذلك دليل رضاه عز وجل عنه، هذه القصة التي أخفيت في الليل فنشرها الله في الصباح، وأنزل الوحي بها على نبيه عليه الصلاة والسلام، أن الله في السماوات عجب وضحك إلى هذين الصحابيين الجليلين الرجل وزوجته. والقصة عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جائع يريد من يضيفه، فبعث إلى نسائه عليه الصلاة والسلام فقلن: ما معنا إلا الماء -وهذا بيت أعظم قائد في الأمة ما عنده إلا ماء- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من يضيف هذا؟ فقال رجلٌ من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته فقال: أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني، قال: هيئي طعامك وأصلحي سراجكِ ونومي صبيانكِ إذا أرادوا عشاء -إذا طلبوا الأكل نوميهم- فهيئت طعامها وأصلحت سراجها يعني: -أشعلت الفتيلة- ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها -كأنها حركة تمثيلية- فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان). وليس من الأدب أنك تغلق النور على الضيف وإن كان بعض الناس عندهم عادات في الضيافة منها ما هو حسن ومنها ما هو قبيح، فبعضهم يغلق النور على الضيف يقول: حتى لا يستحي، وبعضهم لا يحضر مع الضيف نهائياً، وبعضهم .. وبعضهم لذلك ابن القيم قال: تخلف وتكلف في أشياء ما أنزل الله بها من سلطان. فبطبيعة الحال لا بد من السراج من أجل أن يرى الضيف، يدخل على بيتٍ منير لكن في الوقت نفسه ستكون هناك تمثيلية أخرى بعد قليل يريانه أنهما يأكلان وهما لا يأكلان حتى لا يشعر هو بالحرج أنهما لا يأكلان، فلذلك قامت كأنها تصلحه فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان بالصوت ووضع اليد في الإناء ورفعها وهي ما فيها شيء -كما أن جماعة من الفقراء حضرهم طعام فأطفئ السراج وجعلوا يأكلون فلما طلع النهار وجد الطعام بحاله. كل واحد يريد أن يؤثر- قال: فأطفأته فجعلا يريانه أنهما يأكلان فباتا طاويين، فلما أصبح الضيف وصاحب البيت غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (ضحك الله الليلة -أو عجب- من فعالكما فأنزل الله: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:9])رواه البخاري . فهذا الموقف العظيم إكرام الضيف وإيثاره بطعام صاحب البيت وزوجته والأطفال هذا موقف ذكر في السماء فضحك الرب فرضي عنهما، وأنزلت آية في القرآن بسبب إكرام الضيف، نزلت آية وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9] أي: جوع وحاجة. قال العلماء: إن طعام الأولاد مقدم على طعام الضيف شرعاً، ولكن إذا كان بهم جوعٌ خفيف لا يضرهم جاز تقديم الضيف كما حصل في هذه الآية، وتغلب إكرام الضيف على المشاعر الجياشة للأب والأم لأجل الفقير الذي أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعا قال: (ألا رجلٌ يضيف هذا الليل يرحمه الله؟) هذه كلمة كافية -دعاء يرحمه الله- في أن يأخذ الضيف ويقدمه على نفسه وزوجته وأولاده، فكان موقفاً عظيماً ذكر في السماء ونزل إلى الأرض وأخبر به أهل الأرض، وكان فيه إخلاص واضح جداً في إطفاء السراج؛ ما أشعر الضيف بأي شيء وأكل ولم يشعر بأن هناك أمر عَكِر أو حرج، ولذلك أهل الإخلاص إذا أخفوا أعمالهم فالله يكشفها ليكونوا قدوة وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً [الفرقان:74]. ومن إكرامه كذلك: أن الإنسان ولو كان صائماً فإنه لا ينسى الطعام لأجل الضيوف، فعن أبي أمامة قال: قلت: (يا رسول الله! مرني بعمل أدخل به الجنة؟ فقال عليك بالصوم فإنه لا مثل له) يعني في الأجر لا مثل له، قال الراوي: [فكان أبو أمامة لا يرى في بيته الدخان نهاراً -ليس هناك طبخ، صيام دائماً- إلا إذا نزل به ضيفٌ فيرى الدخان نهاراً] رواه عبد الرزاق في المصنف ، بل إن الإنسان لا بأس أن يفطر من أجل الضيف إذا كان صائماً صوماً مستحباً إذا كان يشق على الضيف أن يبقى صاحب البيت صائماً، وفي ذلك أحاديث. وقال عطاء :
    سألت سلمان بن موسى أكان يفطر الرجل لضيفه؟ قال: نعم. وكان الحسن يرخص للرجل الصائم إذا نزل به الضيف أن يفطر ويقضي يوماً مكانه، قال: إنه رحمه الله إذا دخل في صوم تطوع استحب له الإتمام لقوله تعالى: وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ [محمد:33] ولكن إذا شق على ضيفه صومه فيستحب أن يفطر فيأكل معه لقوله صلى الله عليه وسلم: (وإن لزورك عليك حقاً) يعني: لزوارك، ولقوله صلى الله عليه وسلم: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ) أما حديث: (من نزل على قومٍ فلا يصومن تطوعاً إلا بإذنهم) فرواه الترمذي وقال: حديث منكر، أما إذا لم يشق على ضيفه صومه التطوع فالأفضل بقاءه على الصيام، فإذاً هذا هو التفصيل، لو أن أحدهم قال: أنا صائم وجاءني ضيف ماذا أفعل؟ نقول: إذا كان لا يشق على الضيف أن تبقى صائماً ولا يشعر بالحرج أنه يجلس يأكل وأنت لا تأكل كبعض إخوانك المقربين الذين عندهم مثل هذا الشيء عادي لو ما أكلت وهم أكلوا لا بأس، فإذاً البقاء على الصيام أفضل، وإن كان هناك مشقة عليهم يروك لا تأكل معهم، أو يراك الضيف لا تأكل معه، فعند ذلك الأفضل أن تفطر لأجل الضيف، وتقضي يوماً مكانه لتحصل الأجرين معاً. بل نص العلماء على جواز الأكل فوق الحاجة من أجل الضيف، مع أن الأكل فوق الحاجة مكروه، وورد عن بعض الصحابة أن ولده لما أصابه من التخمة مرض قال: لو مات ما صليت عليه لأنه اعتبره مثل القاتل لنفسه الذي يأكل حتى يتفجر فيموت، فما حكم الأكل فوق الحاجة؟ قالوا: مكروه أما إذا وصل لدرجة الهلكة فهذا حرام وانتحار؛ لكن الأكل فوق الحاجة مكروه إلا إذا عرض له غرضٌ صحيح في الأكل فوق الشبع فحينئذٍ لا بأس بذلك ذكروا مثالين: أن يزداد الأكل استعداداً لصيام غد طويل حار. والمثال الثاني: لأجل الضيف قال: بأن يأتيه ضيفٌ فيأكل الضيف ويستمر الضيف في الأكل وصاحب البيت شبع فيزداد في الأكل من أجل ألا يحرج الضيف؛ لأنه إذا توقف صاحب البيت فربما توقف الضيف وقد يكون الضيف بحاجة الطعام أو فيه جوع، أو أن بدنه أو جسده أعظم أو أكبر وذاك نحيل لا يحتاج إلى طعامٍ كبير فيجوز له أن يزيد عن الشبع لأجل إكرام ضيفه لئلا يخجل. وكذلك من الآداب إباحة الشريعة السمر مع الضيف بعد العشاء رغم كرهها للكلام بعد العشاء، كما في حديث النهي عن النوم قبل العشاء والكلام بعده -بعد العشاء- إلا لمصليٍ أو مسافر أو مع ضيفه يسامره، ليس سمراً على البلوت والأفلام والكلام القذر والغيبة لأجل الترويح عن الضيف من عناء السفر والإكرام والمباسطة.. المباسطة جزء كبير من الإكرام سيأتي مزيد عن الكلام عن ضيافة المشرك والتفصيل فيها.

    آداب المضيف :
    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعـد: فقد تقدم الكلام في المرة الماضية عن هذا الأدب الإسلامي الكبير وهو: (إكرام الضيف)، وذكرنا مقدمة عن الضيافة وإكرام الضيف، وبعض الآداب المتعلقة بالمضيف تجاه ضيفه، ونتابع إن شاء الله في هذه الليلة الحديث عن هذا الموضوع وهو: (آداب المضيف) ثم نتبعها بآداب الضيف. تحدثنا عن سمر المضيف مع ضيفه بعد العشاء مع أن الشريعة قد كرهت الحديث بعد العشاء، لكن حيث إن ذلك من الحاجة فإنه لا بأس بأن يسمر المضيف مع ضيفه لأجله ولا بأس كذلك بتنويع الطعام للضيف كما دل عليه حديث أبو الهيثم بن التيهان وسوف يأتي وفيه: فأمر لهم بشعيرٍ يعمل وقام فذبح شاةً، واستعذب لهم ماءً، وهذا كله يدل على المبالغة في تطييب المضيف الطعام وإتحاف الضيف به بأفضل ما يجب، ولا بأس بجمع الإدام في النادر لضيفٍ أو وليمة أو ما أشبه ذلك، وإنما يكره التنويع الكثير في الأطعمة من باب الورع حتى لا يخرج إلى حد السرف، وكذلك لا يؤدي إلى إنفاق الأثمان الكثيرة في هذا، وأقبح ما يكون عند نزول الحاجة بالناس وضيق معاشهم والضرورة الحاجة للمواساة، ثم يأتي بعض الناس وينوعون الطعام تنويعاً عجيباً؛ لكن إذا حضر ضيف فلا بأس من تنويع الطعام لأجل الضيف، وينبغي إذا حضر من دعي وأحضر الطعام ألا ينتظر من غاب، وينبغي له أن يحضر من الطعام ما أمكنه من غير إجحاف بأهله. والضيف له حكم آخر غير حكم أهل البيت، إذ أن أهل البيت يمكنهم أن يأكلوا الألوان في عدة أيام، بخلاف الضيوف فقد لا يقيمون، ولأنه قد تكون شهوة بعض الضيوف في لون آخر؛ فإذا كان التنوع في الألوان لأجل الإكرام حتى إذا لم يعجبه نوعٌ أعجبه نوعٌ آخر فلا بأس بذلك، ولما فيه من إدخال السرور على الضيوف والأجر عظيم في إدخال السرور على المسلمين. وقد كان بعض السلف إذا جاءه الأضياف يقدم لهم في وقتٍ واحد ما يقوم بنفقته شهرٌ ونحوه، فيقال له في ذلك: فيقول: قد ورد أن بقية الضيف لا حساب على المرء فيها، فكان لا يأكل إلا فضلة الضيوف؛ لأجل ذلك: يكثر الطعام للضيوف ثم يأتي هو بعده ويقول: هذا حسابه أقل من أن أطبخ أنا لنفسي؛ لأن فضلة الضيف طيبة فآكله بعده. وينبغي أن يروح عليه بالخدمة ولا يفعل ذلك قائماً لأنه زي الأعاجم، وقد تقدم النهي عن القيام على رأس الشخص، ولا بأس أن يأكل مع ضيوفه خلافاً لمن لا يفعل ذلك من بعض الناس العامة الذين عندهم عادات تمنع من الأكل مع الضيوف؛ لأن الأكل مع الضيف في الحقيقة فيه مؤانسة له، أي: يستأنس إذا أكلت معه، وأكرمته، وقدمت له أطايب الطعام ونحو ذلك، فإن أكل معه فيستحب له أن يخدمه بنفسه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم تولى أمر أصحاب النجاشي بنفسه الكريمة، فقيل له: ألا نكفيك؟ فقال: (خدموا أصحابي فأريد أن أكافئهم) هذا إذا صح الحديث، ذكره ابن الحاج رحمه الله في المدخل ، ومن ذلك أن يتولى بنفسه صب الماء على يد الضيف حين غسل يديه. ويجوز للإنسان إذا حضر معه جماعة كثر أن يدخلهم فوجاً فوجاً إذا كان مجلس الطعام لا يتسع، وقد ورد إدخال الناس عشرة عشرة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. وإذا كان يأكل مع إنسان ضرير أعلمه بما بين يديه حتى لا يفوته الطعام الطيب. وكذلك فإنه لا يحرج الضيوف بإبقائهم دون أن يأذن لهم بالطعام، بل يسارع إلى دعوتهم إلى الطعام بأسلوبٍ لطيف. وكذلك فإن الإنسان يقدم للضيف ما يعلم أن الضيف يحبه، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الدباء.
    ويستحب للمضيف إيناس الضيف بالحديث الطيب والقصص التي تليق بالحال؛ لأن من تمام الإكرام طلاقة الوجه وطيب الحديث عند الخروج والدخول؛ ليحصل له الانبساط، ولا يكثر السكوت عند الضيف، ولا يغيب عنه، ولا ينهر خادمه بحضرته، ولا يجلسه مع من يتأذى بجلوسه أو لا يليق به أن يجلس معه، وأن يأذن له بالخروج إذا استأذنه، وأن يخرج معه إلى باب الدار تتميماً لإكرامه، وأن يأخذ بركاب ضيفه إذا أراد الركوب، فقد ورد حديث عند ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: () إن من السنة أن يخرج الرجل مع ضيفه إلى باب الدارلكن هذا الحديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: [إن من السنة إذا دعوت أحداً إلى منزلك أن تخرج معه حتى يخرج] ذكره ابن عبد البر ، وهذا الذي يعرف بتشييع الضيف، قال في المصباح المنير في فصل الشين مع الياء: شيعت الضيف: خرجت معه عند رحيله إكراماً له وهو التوديع، فيندب للإنسان أن يشيع ضيوفه ويخرج معهم إلى باب الدار وإلى السيارة ويفتح له الباب ليركب، أو يأخذ بزمام الراحلة إذا كان عنده راحلة ويودعه هذا من تمام الضيافة. وروى أبو بكر بن أبي الدنيا قال: قال أبو عبيد القاسم بن سلام : زرت أحمد بن حنبل فلما دخلت عليه بيته قام فاعتنقني وأجلسني في صدر مجلسه فقلت: يا أبا عبد الله ! أليس يقال: صاحب البيت والمجلس أحق بصدر بيته أو مجلسه؟ قال: نعم. يقعد ويُقعد من يريد -مادام هو صاحب البيت يقعد في صدر المجلس من يريد وهو أحق بها، لكن إذا رغب في جلوس ضيفه فيه فلا حرج- قلت في نفسي: خذ أبا عبيد هذه واحدة -إليك فائدة- ثم قلت: يا أبا عبد الله ! لو كنت آتيك على حق ما تستحق لأتيتك كل يوم، فقال: لا تقل ذلك فإن لي إخواناً ما ألقاهم في كل سنةٍ إلا مرة أنا أوثق في مودتهم ممن ألقى كل يوم، قلت: هذه أخرى يا أبا عبيد يعني: يحدث نفسه بالفوائد التي جناها من زيارته لـأحمد رحمهما الله.. فلما أردت القيام قام معي، قلت: لا تفعل يا أبا عبد الله ! لا داعي للقيام وتمشي، قال: قال الشعبي من تمام زيارة الزائر أن تمشي معه إلى باب الدار وتأخذ بركابه، قال: قلت يا أبا عبد الله ! من عن الشعبي قال: ابن أبي زائدة عن مجالد عن الشعبي، قلت يا أبا عبيد ! هذه ثالثة.. فإذا ً تشييعه والخروج مع من تمام الضيافة. وقد أمسك عبد الله بن عباس بركاب زيد بن ثابت رضي الله عنهما فقال: [أتمسك بي وأنت ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: إنا هكذا نصنع بالعلماء] وينبغي الاهتمام بإكرام أضياف الإسلام أكثر من الضيوف الشخصيين.. الضيوف الذين جاءوا من أجل الدين مثل أهل الصفة على عهد النبي عليه الصلاة والسلام، ولذلك لما حضره لبن قال لـأبي هريرة : (اذهب إلى أهل الصفة فادعهم لي، قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون إلى أهل ولا مال ولا على أحدٍ إذا أتته صدقةٌ بعثها إليهم ولم يتناول منها شيء). رواه البخاري ، فهؤلاء أضياف الإسلام.. فإذاً: من جاء لحق الدين فهذا أكرم من يستحق الإكرام. وقد جاء عن الصحابة رضوان الله عليهم إكرام طلبة العلم من الضيوف إذا جاءوهم فقال مالك بن خزين : [كنت جالساً مع أبي هريرة بأرضه بالعقيل فأتاه قومٌ من أهل المدينة على دواب فنزلوا عنده، قال أبو هريرة -يقول للشخص عنده- اذهب إلى أمي فقل: إن ابنك يقرئك السلام ويقول: أطعمينا شيئاً قال: فوضعت له ثلاثة أقراص في صحفة وشيئاً من زيتٍ وملح ثم وضعتها على رأسي وحملتها إليهم، فلما وضعتها بين أيديهم كبر أبو هريرة لما رأى الطعام وقال: الحمد لله الذي أشبعنا من الخبز بعد أن لم يكن طعامنا إلا الأسودين -الماء والتمر- فلم يصب القوم من الطعام شيئاً فلما انصرفوا قال: يا بن أخي! أحسن إلى غنمك وامسح الرغام عنها...] الحديث. وهذا يحتمل أنهم قصدوه للتعلم والأخذ عنه وإحضار أبو هريرة للطعام المتيسر عنده من باب إكرام الزائر والضيف وتقديم ما حضر إليه، ولذلك قدم إليهم ثلاثة أقراص وزيتاً وملحاً، وكبر أي: على معنى الذكر لله والشكر له على ما نقله من حال المجاعة التي كان يخر فيها بين البيت والمنبر ما به شيءٌ إلا الجوع إلى هذه الحال من الخصب والكثرة حتى وجد عنده خبزٌ وإدام دون استعداد ولا تأهب، عنده خبز في البيت عد ذلك نعمةً عظيمة كبر الله عليها.

    هل يستضاف الكافر؟ :
    هل يستضيف الإنسان الضيف الكافر؟ جاء في الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ضافه ضيفٌ كافر -يعني: نزل عليه- فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة فحلبت فشرب حلابها، ثم أخرى فشربه، ثم أخرى فشربه حتى شرب حلاب سبع شياه، ثم إنه أصبح فأسلم فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاةٍ فحلبت فشرب حلابها ثم أمر له بأخرى فلم يستتمها -ما استطاع أن يتم الثانية- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المؤمن يشرب في معي واحد والكافر يشرب في سبعة أمعاء) معناها: لا بركة في طعام الكافر.. وأما إذا أسلم أو آمن يبارك الله في طعامه فيكفيه من الطعام ما لا يكفي الكافر ببركة الإسلام. فإذاً: الحديث هذا يؤخذ منه جواز تضييف الكافر، قيل إنه: جمامة بن أساد ، وقيل: جحاد الغفاري ، وقيل غير ذلك، لكن نلاحظ أن النبي عليه الصلاة والسلام أضاف الكافر قيل: رجاء إسلامه، أو إذا كان يخشى عليه الضياع إذا كان ممن له حق مثل الكفار المعاهدين يعني: الكفار الذين لهم حقوق غير الكفار الذين قد يكونون أقارب. إذاً: هناك اعتبارات، فالنبي عليه الصلاة والسلام أضاف الكفار إكراماً لهم لعلهم يتأثرون من باب الدعوة أو كفار معاهدين لهم حقوق، كفار أقارب.. أما أن يدعو الإنسان كافراً إلى بيته فيأتيه بنساءٍ عاريات أو يأتيه بنجسٍ أو بشركٍ وكفرٍ، وقد سأل بعضهم عن حكم تمكين الضيف الكافر من تأديت شعائر دينه في بيت المسلم الذي أضافه فسألت عن هذا الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين فقال: لا يمكنه من ذلك يعني: لا يجوز له بأن يرضى أن يعمل شعائر الكفر في بيته. وإذا أضاف المسلم كافراً هل يآكله، أم يقدم له الطعام فقط ولا يجلس معه للأكل؟ يقول الإمام مالك رحمه الله: ترك مآكلة النصراني في إناء واحد أحب إلي ولا أراه حراماً ولا نصادق نصرانياً. لا أراه حراماً لكن الأحب إلي أني لا آكل معه في صحن واحد، فنهى عن مآكلته لما في ذلك من معنى المصادقة.. وأما تضييفه فيمكن أن يكون للاستئلاف ورجاء الإسلام يكون فيه أجر.. ووجود الطعام ببعض الأشكال العصرية أو مثلاً هذه البوفيهات وهذا الطعام الذي يوضع ثم يسكب منه الناس يحل مشكلة الأكل معه في صحنٍ واحد. فالخلاصة إذاً: إذا رجي إسلامه بتأليف قلبه فلا مانع من إضافته، أما إذا كان يخشى منه بأن يأتي معه بمنكرات أو يعمل أشياء محرمة في بيتك فلا تضيفه. ومما ذكر في صحيح مسلم عنوان: باب استحباب وضع النوى خارج التمر، واستحباب دعاء الضيف لأهل الطعام، وطلب الدعاء من الضيف الصالح وإجابته لذلك.

    وقفة مع بعض قصص الصحابة وضيوفهم:
    لقد ضيف الصحابة رضوان الله عليهم ضيوفاً ولهم في ذلك قصص، فلنعرج على بعض القصص التي ذكرها أهل العلم بالحديث أو المحدثون في كتبهم.

    قصة أبي بكر مع ضيوفه:
    من أشهر قصص إضافة الضيوف التي حدثت على عهد الصحابة منها: قصة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق : أن أصحاب الصفة كانوا أناساً فقراء، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثلاثة) وفي البخاري : (من كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامسٍ أو بسادس)، وإن أبا بكر جاء بثلاثة فانطلق نبي الله صلى الله عليه وسلم بعشرة، وإن أبا بكر تعشى عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لبث حتى صليت العشاء، ثم رجع فلبث حتى نعس رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاء بعدما ذهب من الليل ما شاء الله فقالت امرأته: ما أحبسك عن أضيافك؟ قال: أو ما عشيتهم؟ قالت: أبو حتى تجيء أنت، قد عرضوا عليهم الطعام فغلبوهم يعني: الضيوف ورفضوا الضيافة إلا إذا جاء الصديق. يقول ولد أبي بكر الصديق : فذهبت أنا فاختبأت فقال: يا غنثر ! فجدع وسب وقال: كلوا لا هنيئاً وقال: والله لا أطعمه أبداً، قال الضيوف: وايم الله ما كنا نأخذ من لقمة إلا نرى من أسفلها أكثر منها -قال: شبعنا وصارت أكثر مما كانت قبل ذلك- فنظر إليها أبو بكر فإذا هي كما هي أو أكثر ثم قال لامرأته: يا أخت بني فراس! ما هذا؟ قالت: لا. وقرة عيني لهي الآن أكثر منها قبل ذلك بثلاث مرار فأكل منها أبو بكر وقال: إنما كان ذلك من الشيطان يعني: اليمين. وفي رواية: يقول عبد الرحمن بن أبي بكر : نزل علينا أضياف وكان أبي يتحدث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل فقال: يا عبد الرحمن ! افرغ من أضيافك، فلما أمسيت جئنا بقرى فأبوا قالوا: حتى يجيء أبو منزلنا فيطعم معنا، فقلت: إنه رجلٌ حديد وإنكم إن لم تفعلوا -إذا ما أكلتم الآن- خفت أن يصيبني منه أذى، قال: فأبوا، فلما جاء قال: فرغتم من أضيافكم؟ قالوا: لا والله ما فرغنا قال: أولم آمر عبد الرحمن -أوصيه بالضيوف- قال عبد الرحمن: وتنحيت عنه فاختبأت، فقال أبو بكر: يا غنثر! أقسمت عليك إن كنت تسمع صوتي إلا أجبت قال: فجئت فقلت: والله مالي ذنب، هؤلاء أضيافك فسلهم قد أتيتهم بقراهم -بكرامتهم وضيافتهم- فأبوا أن يطعموا حتى تجيء، فقال: ما لكم ألا تقبلوا عنا قراكم؟ فقال أبو بكر: والله لا أطعمه الليلة فقالوا: والله لا نطعمه حتى تطعمه، قال: فما رأيت الشر كالليلة قط، ويلكم مالكم ألا تقبلوا عنا قراكم؟ ثم قال أبو بكر رجع إلى نفسه: إنما الأولى من الشيطان -حلفنا وهذا الحلف من الشيطان ما حلفنا على بر ولا على خير حلفنا ما نأكل ما هو بر ولا خير هذه من الشيطان- ثم قال: هلم قراكم فجيء بالطعام فسمى فأكل وأكلوا فلما أصبح رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! بروا وحنثت قال: (بل أنت أبرهم وأخيرهم) رواه مسلم . في هذا الحديث جواز الاشتغال عن الضيف بمصلحة المسلمين مثل ما فعل الصديق ، إذا كان هناك من يقوم بإكرامهم مثل ولده. وفيه أن الضيف لا يمتنع مما يريد المضيف مما يتعلق بإكرامه ولا يعترض عليه؛ لأن المضيف قد يكون له غرض في أن يتقدم الضيوف للطعام فلا يشق عليه بالرفض، وفيه السمر مع الضيف والأهل. وفيه قول الضيف لصاحبه: لا آكل حتى تأكل، وإنما امتنع أضياف الصديق عن الأكل؛ لأنه قد يفرغ الأكل ويأتي أبو بكر وليس له عشاء فقالوا: ننتظر وإنما اختبأ عبد الرحمن خوف الخصام، وغنثر معناها: الثقيل وقيل: الجاهل وقيل: السفيه وقيل: اللئيم وقيل: ذباب أزرق، والسب هو: الشتم. وفيه الاختباء خوف الأذى، وأنه لا أذى بمثل هذا من الوالد يعني: إذا الوالد قسا على ولده بمثل هذا لا يعتبر جريمة، وفيه عدم المؤاخذة عما يحدث حال الغيظ. وقوله: أبي رجلٌ حديد: يعني: قوي يغضب. وقد ترجم البخاري رحمه الله: باب السمر مع الضيف والأهل. وكذلك فإن أبا بكر ظن أن عبد الرحمن فرط في حق الأضياف ولذلك عنفه وقال عليه كلاماً غليظاً ومن الانفعال قال: لا هنيئاً، ولكن الصديق رغم مكانته وفضله رجَّاع إلى الحق وقال: هذه من الشيطان وأكل.. وما أخره عن ضيوفه إلا أنه كان مع النبي عليه الصلاة والسلام ولا شك أنه كان في أمر مهم، ولذلك أكرم الصديق بكرامات الأولياء حتى إنه يقول: كلما رفعوا لقمة ربا مكانها أكثر منها، ربا يعني: زاد من أسفلها في الموضع الذي أخذت منه، فلما نظروا إلى الجفنة فإذا هي أكثر مما كانت عليه. قال: يا أخت بني فراس! ما هذا؟ قالت: لا وقرة عيني يعني: مما أقر الله به عينها من هذه الكرامة لزوجها، وهذه البركة عظيمة وما هو بعجيب قول أسيد رضي الله عنه: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر فـأبو بكر رجلٌ مبارك جعل الله له هذه الكرامة وهي كرامة من كراماته الكثيرة.. وأكرمه وأزال عنه الحرج فعاد مسروراً وانفك الشيطان مدحوراً، وأكرم أضيافه، وزاد الطعام، وعنده سبيل كفارة اليمين لأجل قسمه. ثم حملت هذه الجفنة إلى النبي عليه الصلاة والسلام وكان هناك جيشٌ فأكلوا من تلك الجفنة التي أرسل بها أبو بكر إلى النبي عليه الصلاة والسلام لتتم البركة ويعظم أجر الصديق ، وكفت الجيش كله. وفي رواية عند أحمد والترمذي والنسائي قال: أتي النبي عليه الصلاة والسلام بقصعة فيها ثريد فأكل وأكل القوم فما زالوا يتداولونها إلى قريبٍ من الظهر يأكل قومٌ ثم يقومون ويجيء قومٌ فيتعاقبونه فقال رجل: هل كانت تمد بطعام؟ فقال الراوي له: أما من الأرض فلا، إلا إن كانت تمد من السماء. قال ابن حجر رحمه الله في فتح الباري : قال بعض شيوخنا: يحتمل أن تكون هذه القصعة هي التي وقع فيها في بيت أبي بكر ما وقع والله أعلم. ففي هذا الحديث تصرف المرأة فيما تقدم للضيف، والإطعام إلى غير إذن خاص من الرجل لأنها قدمت لهم الطعام. وفيه جواز الغلظة على الولد على وجه التأديب والتمرين على أعمال الخير. وفيه أيضاً: كرامات أولياء الله الصالحين وما يقع من لطف الله تعالى بهم، وكيف أن خاطر أبي بكر الصديق كان مشوشاً وخاطر ولده وأهله وأضيافه، ثم إن الله أعطاه هذه النعمة العظيمة التي قرت به عينه هو وزوجته وولده وأضيافه، وبقي البقية التي أرسلت إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وانقلب الكدر صفاءً والحزن سروراً ولله الحمد والمنة.

    قصة أبي الهيثم بن التيهان:
    ومن الصحابة أيضاً الذين حصل لهم مشهد عظيم في الضيافة: أبو الهيثم بن التيهان ، وذلك ما رواه مسلم عن أبي هريرة قال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فإذا هو بـأبي بكر وعمر فقال: ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ قالا: الجوع يا رسول الله! قال: وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما). هؤلاء أعظم ثلاثة في الأمة؛ خرجوا من بيوتهم وما أخرجهم إلا الجوع، هذا الرسول صلى الله عليه وسلم والخليفة الأول والثاني من بعده أخرجهم الجوع من البيت قال: قوموا، فقاموا معه فأتى رجلاً من الأنصار فإذا هو ليس في بيته، فلما رأتهم المرأة قالت: مرحباً وأهلاً، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين فلان؟ قالت: ذهب يستعذب لنا الماء إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه فقال: الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافاً مني.. فانطلق فجاءهم بعذقٍ فيه بسر وتمر ورطب حتى ينتقي الضيف ما يشاء فقال: كلوا من هذه حتى يسكن الجوع، ريثما تذبح الذبيحة وتطبخ، وهذا من حسن الضيافة أن يسكن جوع الضيف بشيء إذا كان الطعام سيتأخر، وأخذ المدية فقال صلى الله عليه وسلم: (إياك والحلوب) لا تذبح ذات در ترضع أولادها وتنتفعون من حليبها ولبنها.. فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا فلما أن شبعوا ورووا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لـأبي بكر وعمر: (والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم) رواه مسلم رحمه الله. ومن القصص العظيمة ضيوف أبي طلحة رضي الله تعالى عنه والتي تقدمت لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (ألا رجلٌ من يضيفه هذه الليلة رحمه الله) فأخذه إلى بيته وقدم له طعام زوجته وقوت الصبية. ويؤخذ من الحديث أن من آداب الضيافة التلطف في إكرام الضيف على أحسن الوجوه وعدم إحراجه.

    آداب الضيف:
    ذكرنا آداب المضيف فما هي آداب الضيف؟ لأن الضيافة فيها ضيف ومضيف؛ المضيف تقدم الكلام عنه فما هي آداب الضيف؟

    إحراج المضيف:
    أولاً: لا يجوز له إحراج المضيف، لقوله عليه الصلاة والسلام: (ولا يحل لضيف أن يثوي عند صاحبه حتى يحرجه الضيافة ثلاثٌ) يعني: ثلاثة أيام وبعدها ينصرف، وكان ابن عمر لا يأكل طعاماً يقدم له بعد ثلاث وإنما ينصرف إلا إذا رغب صاحب البيت في جلوسه فعند ذلك يجلس. ولا يجوز له أن يثقل عليه وأن يعرضه للضيق، وأن يوقعه في الإثم؛ بأن يقول قولاً أو يفعل فعلاً يأثم به، ولا يجوز له أن يضيق على أهله، ولا يجوز له أن يجعله يتبرم، وبعض الناس ما عندهم أدب في هذه إطلاقاً، فتجده يأتي ويحتكر بيت الآخر كأنه بيته.. وهذا البيت يضيق عليه ولا يتهيأ له أن يطبخ باستمرار، ولا يتهيأ له طعام يكفي الجميع باستمرار، وهذا جالس مقيم، ولو خرج رب البيت من الدار لما خرج هو.

    ألا يكلفه ما لا يطيق:
    ثانياً: ألا يكلفه ما لا يطيق، قال ابن الحاج : ينبغي ألا يتخير المدعو على الداعي، بعض الناس يشرط ويقول: اصنع لنا كذا واصنع لنا كذا.. فإذا علم أنه لا يحب ذلك فلا يفعل لأنه ليس من الأدب، إنما يأكل ما حضر وينبغي إن خير المدعو ألا يتشرط لو قال: ماذا تريد؟ يقول: أريد كذا وكذا يتطلب الأشياء التي قد لا توجد، اللهم إلا أن يعلم أنه ليس في ذلك تكلف ويدخل السرور على من خيره، والتكلف هو: أن يأخذ عليه شيئاً بالدين، وليس له جهة يعوض منها، وهذا من إيقاعه في الحرج.

    ألا يتعدى في إعطاء الطعام:
    ثالثاً: ألا يتعدى في إعطاء الطعام ولا يختلس منه شيئاً فينبغي للمدعو أن لا يعطي من الطعام شيئاً إلا بإذن صاحب المنزل، أو إذا كان العرف يسمح بذلك، فمثلاً أحد الضيوف يتصرف في الطعام ويعطي هذا، ويعطي هذا إذا كان العرف يسمح بذلك فعله وإلا فلا يتصرف في الطعام، وإنما صاحب البيت هو الذي يتصرف، وينبغي له أن يحذر مما يفعله بعض من لا خير فيه من أنهم يأخذون بعض ما تيسر لهم أخذه فيختلسونه ويجعلونه تحتهم حتى إذا رجعوا إلى بيوتهم أخرجوه، وهذا من باب السرقة وأكل أموال الناس بالباطل. قال ابن مفلح رحمه الله في الآداب الشرعية : وقالت الحنفية: يحرم رفع المائدة إلا بإذن صاحبها؛ لأنه مأذون بالأكل لا بالرفع. ولو ناول الضيف لقمة من طعامٍ ضيفاً آخر؟ روي عن محمد أنه لا يحل للآخذ أن يأكل بل يضعه ثم يأكل من المائدة؛ لأن الضيف مأذون له بالأكل لا بالإعطاء. وقال عامة مشايخهم: يحل له للعادة؛ لأن العادة جرت بأنه لا بأس للضيف أن يعطي ضيفاً آخر لأن العادة جرت بهذا، وكذا لو أعطى بعض الخدم القائمين على رأس المائدة جاز، ولا يجوز أن يعطي سائلاً ولا إنساناً دخل لحاجة؛ لأنه لا إذن فيه عادة، يعني: هو وضع الطعام، والضيف مأذون له بالأكل وليس أن يتصدق من مال المضيف وصاحب البيت على المحتاجين، هذا ما أذن له به فلا يتصرف فيه، وكذا لو ناول شيئاً من الخبز واللحم كلب صاحب البيت أو غيره لا يسعه، ولو ناوله الطعام والخبز المحترق وسعه؛ لأنه مأذون فيه عادةً، ما دام أنه شيء يزهد فيه بل ربما يرمى، إذاً يجوز أن يعطى مثل أن تأتي قطة فيأخذ عظماً أو شيئاً يسيراً جداً مما يرمى فيعطيها لا بأس به.

    آداب أخرى تجب على الضيف:
    وكذلك مما ذكروه في آداب الضيف: أن صاحب الطعام يبدأ بالضيف قبل نفسه، ثم إن الضيف لا يقطع أشياء يشق على صاحب البيت تقطيعها، ولا يتصرف في الطعام تصرفاً يضايق صاحب البيت، ولو أنه دعي إلى طعام وجاء معه من لم يدعى فماذا يفعل؟ ماذا يفعل الضيف إذا جاء معه شخصٌ غير مدعوٍ؟ جاء في صحيح مسلم : باب ما يفعل الضيف إذا تبعه غير من دعاه صاحب الطعام، واستحباب إذن صاحب الطعام التابع وأتى بحديث: أن رجلاً من الأنصار يقال له أبو شعيب صنع للنبي صلى الله عليه وسلم طعاماً ثم دعاه خامس خمسة وأتبعهم رجل فلما بلغ الباب قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن هذا اتبعنا فإن شئت أن تأذن له وإن شئت رجع؟ قال: لا. بل آذن له يا رسول الله!) فإذاً ماذا يفعل الضيف؟ إذا جاء معه شخص ليس مدعو؟ الضيف يقول للمضيف: فلان جاء معي أتأذن له؟ فإن أذن دخل وإن لم يأذن رجع. ومشكلة بعض الإخوان أحياناً إذا جاء عالم إلى مكان ودعي إلى بيت فيأتي مع العالم هذا ناس ويستحلون بيت صاحب الوليمة بدون حرج ويحرجونه، فنفرض -مثلاً- أن أحد العلماء الكبار جاء إلى هذا البلد فقام أحد طلبة العلم أو أحد الأشخاص ودعا العالم إلى بيته يعني: حسب حساب واحد.. اثنين.. ثلاثة.. خمسة، فبعض هؤلاء الشباب يأتون مع هذا الشيخ, ويقولون: أين سيذهب الشيخ؟ فيقال: معزوم عند فلان فتذهب خمس سيارات أو عشر سيارات، ثم يدخلون، الرجل استعد لخمسة أشخاص فجاء ثلاثون شخصاً ففيها إحراج ولا شك، ولذلك ينبغي على الإخوان أن ينتبهوا لمثل هذا؛ لأن فيه إثم وإحراج لصاحب البيت، وإذا أكلوا طعاماً لا يسمح به وليس بطيب نفسٍ منه. كان الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله يدعى إلى وليمة، وكان الشيخ محمد بن صالح العثيمين تلميذاً عنده، فكان ينتهز الفرصة ويذهب مع الشيخ في الطريق يسأله - ابن عثيمين يسأل السعدي في الطريق إلى الوليمة- إلى الباب ثم يرجع إلا إن أذن له صاحب البيت أو لزم عليه ولم ير الشيخ مانعاً في الدخول أو لا يضيع الوقت عليه دخل، فإذاً لا مانع من مرافقة العالم إلى المكان الذي دعي إليه لكن لا يدخل معه، تريد أن تستفيد من الطريق أم أن تستفيد من البطن؟ فإلصاق النفس في الحقيقة فيه حرج شرعي وإثم. وكان جارٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فارسياً طيب المرق، فصنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً ثم جاء يدعوه فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (وهذه؟ يشير إلى عائشة فقال: لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا. فعاد يدعوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهذه؟ فقال: لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا. ثم عاد يدعوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهذه؟ قال: نعم -في الثالثة- فقاما يتدافعان حتى أتيا منزله). فينبغي على الضيف أن يستأذن لمن معه أو يأمرهم بالرجوع إذا أحس أن هناك حرج على صاحب البيت، وينبغي على صاحب البيت أن يتلطف في الرد، وكذلك فإن الضيف لا يأتي معه بمن يؤذي صاحب البيت دخوله. ومن آداب الضيف: أنه لا يتقدم على صاحب البيت في الإمامة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لا يؤم الرجل الرجل في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه) ولأن في التقدم عليه إزراء به وليس هذا من حسن الخلق. وينبغي على الضيف إذا نزل أن يحذر من إتلاف شيءٍ من أثاث ومتاع صاحب البيت، فإن بعض الضيوف إذا جاءوا إلى البيت كسروا وأطلقوا لأولادهم العنان فتراهم يكسرون في ممتلكات صاحب البيت، ويوسخون السجاد، وترى (الآيسكريم) على الفراش، والحلاوى على الحيطان وهذا شيء سيئ جداً. روى عبد الرزاق رحمه الله -والحديث في الترمذي- قال: [نزل بـعائشة ضيفٌ فأمرت له بملحفة صفراء مما يلتحف به فاحتلم فيها، فأصاب اللحاف شيء فاستحيا أن يرسل بها وفيها أثر الاحتلام، فغمسها في الماء ثم أرسل بها، فقالت عائشة : لما أفسد علينا ثوبنا؟ إنما كان يكفيه أن يفركه بأصبعه.. ربما فركته من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصبعي]. ورواية الترمذي: [ضاف عائشة ضيف فأمرت له بملحفة صفراء، فنام فيها فاحتلم فاستحيا أن يرسل بها وبها أثر الاحتلام، فغمسها بالماء ثم أرسل بها فقالت عائشة : لما أفسد علينا ثوبنا إنما كان يكفيه..] وذكر الحديث، قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح وهو قول واحدٍ من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام والتابعين ومن بعدهم من الفقهاء مثل سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق قال في المني يصيب الثوب: يجزئه الفرك وإن لم يغسل، فإذاً لينتبه الضيف من إفساد متاع أصحاب البيت، أو ترك الأولاد يعبثون في الأشياء ويكسرونها؛ فهذا ليس متاعاً له وإنما هي حقوق الناس، وفي الحقيقة يغرم إذا تعدى، وإذا ترك أولاده يفسدون يغرم لكن إذا تلف شيءٌ بدون تفريطٍ منه فلا يضمن. وينبغي على الضيف المبادرة إلى الأكل إذا دعي، فإن السنة إذا قدم الطعام أن يبادر بالأكل؛ لأنه كرامة لصاحب المنزل فلما قبضت الملائكة أيديهم نكرهم إبراهيم؛ لأنهم خرجوا عن العادة وخاف أن يكون من ورائهم شر، فقبول الكرامة والأكل منها فيه تطييب لخاطر صاحب البيت، والرفض فيه شيء من الإهانة والإزعاج، كما قال ابن العربي في أحكام القرآن ، وقال عبد العزيز البخاري في كشف الأسرار شرح البزدوي : ألا ترى أن ترك الأكل عند الإباحة إساءة ودليل على العداوة، حتى أوجس الخليل صلوات الله عليه خيفة في نفسه من الضيف إذ لم يأكل من ضيافته. وقال في المغني : والعرف يقتضي أن تقديم الطعام للضيف هو إذن له بأكله، ولا خلاف بين العلماء فيما علمناه بأن تقديم الطعام بين يدي الضيفان إذن بالأكل وأنه لا يحتاج إلى قبول بقوله، ووجد ما يدل على التراضي. وإن من الكبائر سرقة الضيف من بيت المضيف الذي أدخله وأكرمه، فإذا سرق الضيف من مال مضيفه شيئاً نظر فإن سرقه من الموضع الذي أنزله فيه أو موضعٍ لم يحرزه عنه لم يقطع؛ لأنه لم يسرق من حرز، وإن سرق من موضعٍ محرزٍ دونه نظرت فإن كان منعه القرى -يعني: بخل وما ضيفه- فسرق بقدر ما منعه فلا قطع عليه، وإن لم يمنع قراه -يعني: ضيفه وأكرمه- فإن أخذ شيئاً من الحرز يقطع، وهذه ظاهرة موجودة في المجتمع، ويدخلون على أنهم ضيوفهم وهم في الحقيقة حرامية، وقد يقع ذلك عند النساء أيضاً تدخل بيت صاحبتها فتسرق الدروج، المحافظ، والشنط، وغيرها من الأشياء. يقول لي أحدهم: دخلت بيتنا امرأة وقد وضعت مبلغاً في حقيبة فوق الدولاب وكانت زوجتي غائبة ثم رجعت وما انتبهت للحقيقة، ثم خرجت من الغرفة فأخذت الحقيبة أريد المال فما وجدت المال فقلت لها: انظري في شنطة هذه المرأة قال: فوجدنا فيها نفس المبلغ وقد وضعت فيها فئات مختلفة.. فوجدنا نفس تلك الفئات، فهناك بعض من لا يتقي الله يعملون الكبائر، ثم أين؟ في بيت من أكرمهم. أحضر لي شخص في المسجد قبل أيام فاتورة التلفون بمبلغ أربعين ألف ريال، وقال: حضرني أقرباء في عيد الأضحى وبعد أن غادروا جاءت الفاتورة بهذا المبلغ كله في المدة التي جلسوا فيها عندي في البيت. فإذاً: هناك من يرتكب الكبائر العظيمة التي يزداد قبحها في حق من أكرمه وفتح له بيته وآواه وضيفه، فأين هم من ديان يوم الدين؟ ومن بعض المنكرات التي يفعلها بعض الناس من الضيوف أن يحلف بالطلاق على المضيف ألا يذبح له، ما دخل زوجته الآن؟! وهذا أصل المشكلة التكلف من أصحاب البيوت من المضيفين، والنبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن التكلف للضيف) والحديث في صحيح الجامع . وفي الأوسط للطبراني عن شقيق بن سلمة قال: دخلنا على سلمان الفارسي فدعا بما كان في البيت، وقال: [ لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عن التكلف للضيف لتكلفت لكم ]. فلا ينبغي للإنسان أن يتكلف، ولا ينبغي للضيف أن يحلف بالطلاق، يمكن أن يقول: لا تذبح، وإذا علم أن الرجل هذا سيستدين، ويرهق نفسه، ولو نهاه ما يذبح، يمكن يحلف عليه في الله، لو كان يخشى أنه يتكلف كلفة لا يطيقها، ثم إن بعض الناس يحلف وذاك يذبح، ثم لا هو استفاد من الحلف وذبحت الذبيحة ثم يأتي ليضع يده على الرز يقول: هذه تحليل يمينك يا فلان، ما علاقة وضع اليد على الرز بالأيمان. مسألة فقهية: لو حلف عليه ألا يذبح فاكتشف أنه ذبح قبل أن يحلف قال: والله ما تذبح، قال: ذبحنا، ففي كتاب أنوار البروق في أنواع الفروق في قاعدة تعذر المحلوف عليه قال: إذا حلف ضيف على صاحب الدار ألا يذبح فتبين أنه قد ذبح فلا حنث؛ لأن رفع الواقع محال، فإذاً لا تجب كفارة في هذه الحالة، ولا يكون حانثاً، إذا فات محلوفٌ عليه لمانعٍ إذا كان شرعياً فحلفة مطلقة، وإن كان كلٌ قد تقدم منهما فلا حنث.

    الكرم ومنزلته عند العرب وذم البخل والبخلاء:
    وختاماً: فإن الإكرام من الأمور الحسنة الطيبة التي جاء بها الإسلام ودل عليها العقل والفطرة السليمة، وحتى العرب كانوا يعرفون ذلك، وكان ذلك من شئونهم، وقالوا كلاماً كثيراً، وأشعاراً حسنة في هذا الباب، ومن ذلك هذه الأبيات التي جاءت في الكرم والبخل يقول:
    لعمرك ما الأرزاق يوم اكتيالها بأكثر خيراً من خوان عذافر
    هذا الفرزدق يمدح عذافر المشهور بالكرم:
    ولو ضافه الدجال يلتمس لقرى حل على خبازه بالعساكر
    بعـة يأجـج ومـأجـج لهم لأشبعهم يوماً غداء العذافر
    طبعاً هذا من المبالغات، وقال الخريمي :
    أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله ويخصب عندي والمحل جديب
    وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ولكنما وجه الكريم خصيب
    يقول: الإكرام بطلاقة الوجه أهم من الإكرام بالأكل. وكذلك قال عمر بن الأحسن التيمي الذي شعره كأنه حلل منشرة:
    ذريني فإن الشح يا أم مـالكٍ لصـالح أخـلاق الرجـال سـروق
    ذريني وحظي في هواي فإنـ ني على الحسب العالي الرفيع شفـيق
    ومستنبح بعد الهدوء أجبتـه وقد حـان من سـاري الشتاء طروق
    والمستنبح: هو الكلب.
    فقلت له أهلاً وسهلاً ومرحباً فهذا مبيت صـالحٌ وصـديق
    أضفت ولم أفحش عليه ولم أقل لأحرمه إن الفناء يضـيق
    لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ولكن أخلاق الرجال تضـيق
    وأما في البخل فقالوا أيضاً أبياتاً مما يعيب البخيل، فمن ذلك قول حماد عجرد :
    وجدت أبا الصلت ذا خبرة بما يصلح المعدة الفاسدة
    تخوف تخـمة أضـيافـه فعلمهـم أكـلة واحـدة
    وقال حاتم الطائي :
    إذا ما بخيل الناس هرت كلابه وشق على الضيف الغريب عقورها
    فإن كلابي قد أقرت وعودت قليلٌ علـى من يعتريـها هريرهـا
    إذا حل ضيفي بالفلاة ولم أجد سوى منبت الأطنـاب شب وقـودها
    وقال بعضهم:
    يستأنس الضيف في أبياتنا أبداً فليس يعلم خلقٌ أينا الضيف
    من مستأنس البيت ما تدري من هو الضيف. وقيل للأوزاعي : رجلٌ قدم إلى ضيفه الكامخ والزيتون وعنده اللحم والعسل والسمن؟ قال: هذا لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر. وقال بعضهم:
    لا در دري إن أطعمت نازلهم خبز الشعير وعندي البر مكنوز
    وقال أحد البخلاء:
    أعددت للضيفان كلباً ضارياً عندي وفضل هراوة من أرزن
    وهذا نوع من الشجر الصلب تتخذ منه العصي.
    ومعاذراً كذباً ووجهاً باسراً متشكياً عض الزمان الألزن
    ورأى الحطيئة رجلاً وبيده عصا فقال: ما هذه؟ قال: عجراء بنت سلم ، قال: إني ضيف، قال: للضيفان أعددتها. وقال آخر:
    وأبغض الضيف ما بي جل مأكله إلا تنفخه حولي إذا قعدا
    مازال ينفخ جنبيه وحبوتـه حتى أقول لعل الضيف قد ولدا
    وقال بعضهم:
    استبق ود أبي المقاتل حين تأكـل من طـعامـه
    سيان كسر رغيفته أو كسر عظـمٍ من عظـامـه
    فـتراه مـن خـوف النزيل بـه يروع في منامه
    وقال بعضهم:
    يا تارك البيت على الضيف وهارباً منه من الخـوف
    ضيفك قد جاء بخبزٍ له فارجع فكن ضيفاً على الضيف
    وأخيراً: قال أعرابي يصف أحد هؤلاء:
    أقاموا الديدبان على يفـاعٍ وقالوا: لا تنم للديدبان
    قال صاحب بيت لحارسه: إذا رأيت ضيفاً يقدم علينا فأخبرنا به.
    فإن أبصرت شخصاً من بعيدٍ فصفق بالبنان على البنان
    ثم قال: إنهم من بخلهم جعلوا الصلاة بلا أذان، خافوا إذا أذنوا أن يسمع الناس الصوت ويأتون. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن أكرموا ضيوفهم وأن يجعلهم ممن أكرمهم إكراماً في جنات النعيم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    الأسئلة :
    أكل الضيف الأول مرة أخرى مع الضيف الثاني:
    سؤال: إذا كان الإنسان ضيفاً أكل، وبعد ذلك أتى ضيفٌ آخر فهل للضيف الأول أن يأكل معهم؟ الجواب: لا بأس. وإذا لم يأكل أيضاً فلا حرج.

    الحذر من بعض الضيوف غير المعروفين:
    سؤال: في هذه الأيام ومع انتشار الفساد هل هناك حرج من ضبط الضيف غير المعروف؟ الجواب: يمكن للإنسان أن يضيفه ويراقبه، وليس معنى ذلك إدخال السرق والمجرمين للبيوت، لا. وسيأتي مزيد لهذا إن شاء الله في الدرس القادم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
    التعديل الأخير تم بواسطة جارة فاطمة ; 30-11-2011 الساعة 06:28 PM

صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. سلسلة كيف للشيخ صالح المنجد
    بواسطة أمة ذليلة لله في المنتدى الصوتيـــــــات الإسلاميــــــة
    مشاركات: 11
    آخر مشاركة: 26-01-2014, 09:39 AM
  2. سلسلة اعمال القلوب للشيخ محمد صالح المنجد
    بواسطة فريق عمل تفريغ الدروس في المنتدى تفريغ الدروس
    مشاركات: 21
    آخر مشاركة: 23-01-2012, 02:09 PM
  3. سلسلة الاداب الشرعية
    بواسطة ابو الحارث في المنتدى المرئـيــــــــات الإسلاميــــــة
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 30-10-2010, 12:57 AM

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •