إعـــــــلان

تقليص

سلسلة أحوال النبي صلى الله عليه وسلم

سلسلة أحوال النبي صلى الله عليه وسلم
شاهد أكثر
شاهد أقل

9- معاتبات النبي صلى الله عليه وسلم (1)

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • 9- معاتبات النبي صلى الله عليه وسلم (1)


    من حسن أخلاق النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه كان يعاتب أصحابه على أشياء تحصل منهم
    لبيان الحكم ولبيان ما ينبغي أن يكون عليه الحال، وهذا العتاب يبقي المودة ولا يفنيها.



    ندعوكم لمتابعة

    الحلقة التاسعة من سلسلة أحوال النبي صلى الله عليه وسلم للشيخ محمد صالح المنجد

    بعنوان: معاتبات النبي صلى الله عليه وسلم (1) -



    رابط مشاهدة الحلقة على اليوتيوب:




    لتحميل الحلقة بجودات مختلفة من هنا:

    http://way2allah.com/khotab-item-129056.htm




    جودة عالية avi

    http://way2allah.com/khotab-mirror-129056-202302.htm


    ​​
    رابط صوت MP3
    http://way2allah.com/khotab-mirror-129056-202303.htm


    رابط تفريغ بصيغة pdf


    http://www.way2allah.com/media/pdf/129/129056.pdf




    رابط تفريغ بصيغة word


    https://archive.org/download/Mou3atabat/Mou3atabat.doc

    التعديل الأخير تم بواسطة لؤلؤة باسلامي; الساعة 22-02-2018, 01:18 AM.
    اللهم إن أمي و عمتي في ذمتك وحبل جوارك، فَقِهِم من فتنة القبر وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحق، اللهم اغفر لهما وارحمهما، فإنك أنت الغفور الرحيم.


  • #2


    حياكم الله وبياكم الإخوة الأفاضل والأخوات الفضليات: يسر
    فريق التفريغ بشبكة الطريق إلى الله
    أن يقدم لكم تفريغ:


    الحلقة التاسعة من سلسلة أحوال النبي صلى الله عليه وسلم للشيخ محمد صالح المنجد

    بعنوان: معاتبات النبي صلى الله عليه وسلم (1) -




    بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، الحمد لله الذي بلغنا شهرنا وأنعم علينا بصيامنا فله الحمد وله الشكر، نسأله المزيد من فضله وأن يتم علينا نعمته وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.

    إخواني بلوغ رمضان نعمة ولا يعرفها إلا مَن فقد ذلك، كم من قريبٍ وخِلٍّ وجارٍ كان حيًّا قبل رمضان فلم يبلغه، وأنت يا أيها المسلم يا عبد الله قد بلَّغك الله إياه، ولذلك فإنَّ من شكر النعمة أن نشكر المنعم بطاعته، وفعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه، وأن نعبده حق عبادته، وأن نقوم له بما افترض علينا.
    وهذا الشهر شهر رمضان فيه ثلاث آيات أو ثلاث عبادات تخلَّلت آياته في سورة البقرة، وهي الدعاء والقرآن والاعتكاف، فإنَّه في ثنايا آيات الصيام ذَكَر الله القرآن والدعاء والاعتكاف، وهذا يدلّ على أهمّيّتها في هذا الشهر وعلى علاقة وثيقة وارتباط وثيق بين القرآن ورمضان، والدعاء والصيام، والاعتكاف والصيام.

    في دروسنا هذه بمشيئة الله تعالى في هذه الليلة من كل أسبوع في هذا الشهر نتحدث استمرارًا للسلسلة التي سبقت البداية بها في الأحوال النبوية الشريفة، أحوال النبي -عليه الصلاة والسلام-، تحدَّثنا عن أحواله -صلى الله عليه وسلم- المختلفة، مثل: فرحه، حزنه، ضحكه، بكائه، وأحواله كذلك -عليه الصلاة والسلام- النفسيَّة المختلفة، ونريد أن نتحدث في هذه الليلة بمشيئة الله -تعالى- عن أمرين متقابلين: ملاطفاته ومعاتباته.



    كيف كان خُلُق النبي صلى الله عليه وسلم؟
    كان خلق النبي-صلى الله عليه وسلم- القرآن، كما أجابت عائشة -رضي الله عنها- لما سُئلت: أنبئيني عن خلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والسائل قال: يا أم المؤمنين، أنبئيني، فقالت: ألست تقرأ القرآن؟ فالسائل قال: بلى، قالت: فإن خلق النبي -صلى الله عليه وسلم- كان القرآن، "كان خلقُه القرآنَ" صححه الألباني. فكان أكرم الناس صُحبةً، وأحسنهم عشرةً، وأصدقهم سريرةً.
    وخادمه الذي كان معه دائمًا لأن الخادم يلازم الإنسان، قال: "خدمتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عشرَ سنينَ. واللهِ! ما قال لي: أفًّا قطُّ. ولا قال لي لشيءٍ: لم فعلتَ كذا؟ وهلا فعلتَ كذا؟" صحيح مسلم.
    وكذلك فإنه -عليه الصلاة والسلام- كان ألين الناس، وأحسن الناس، وألطف الناس.
    ولكنه -عليه الصلاة والسلام- كان مُعلّمًا، فكان إذا احتاج الأمر إلى معاتبة عاتب، وإذا احتاج الأمر إلى إنكار أنكر، إذا احتاج الأمر إلى بيان خطأ بيّن، لأنه -عليه الصلاة والسلام- لا يمكن أن يترك الخطأ يمرّ دون أن يبيّن، لا يليق بالنبي أن يمرّر المعاصي والمنكرات بدون أن يُبيّن حالها.
    لكن في حقّه الشخصي كان يسامح، وربما ما كان يسأل إطلاقًا، ولا يقف عند هذا أبدًا، فإنه -عليه الصلاة والسلام- كان في حقّ الله يقف وفي حقّ نفسه يسامح، "لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ" التوبة:١٢٨.

    العتاب دليل محبة
    والنبي -عليه الصلاة والسلام- مِن حُسن خُلقه أنه كان يعاتب أصحابه على أشياء تحصل منهم، لبيان الحكم، لبيان ما ينبغي أن يكون عليه الحال، وهذا العتاب يُبْقِي المودَّة، العتاب ليس توبيخًا وذَمًّا، العتاب هو مخاطبة إدلال، وكلام المدلين لأخلائهم طلبًا للمراجعة هذا فيه إعادة الأمور إلى نصابها، والحبيب يعاتب حبيبه، وهذا العتاب بخلاف العقاب، العتاب تأديب شفقة وتصحبه روح الصداقة كما قال الشاعر:
    أعاتب ذا المودة من صديقٍ .. إذا ما رابني منه اجتناب
    إذا ذهب العتاب فليس وُدٌّ .. ويبقى الود ما بقي العتاب

    العتاب دليل على مودةٍ بين المتخاللين
    ولا تنكرن عتبي عليك فإنه .. جميلٌ وشر الناس مَن لا تعاتبه
    أعاتب مَن يحلو لديَّ عتابه .. وأترك مَن لا أشتهي وأجانبه
    أعاتب مَن أهوى على قدر وده .. ولا ود عندي للذي لا أعاتبه

    فالعتاب هو خطابٌ على تضييع حقوق المودة والصداقة كالإخلال بالزيارة، مثلًا أنت آخيت واحدًا في الله، ما زارك مدة، إذا لقيته ماذا يكون منك؟ معاتبة، وهذا الطبيعي، هذه المعاتبة تصرُّف طبيعي. النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يعاتب أصحابه على أشياء تكون منهم.

    عاتب الله نبيّه في عددٍ من المواقف
    وقد عاتب الله نبيه من قبل، فقد قال في شأن الأعمى: "عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ" عبس:٤:١.
    ثم قال: "وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ * وَهُوَ يَخْشَىٰ * فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ" عبس:١٠:٨.
    إذًا المعاتبة مِن الله لنبيه لماذا انصرف عن الأعمى وقد جاء مقبلًا راغبًا في تعلُّم الدين، وانصرف -عليه الصلاة والسلام- إلى هؤلاء الصناديد المُعْرِضِين.
    وتقول عائشة -رضي الله عنها-: "أُنْزِلَ "عَبَسَ وَتَوَلّى" في ابن أم مكتومٍ الأعمَى، أتى رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فجعلَ يقولُ: يا رسولَ اللهِ، أرشدنِي، وعند رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم رجلٌ من عظماءِ المشركينَ، فجعلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يعرِضُ عنهُ ويُقْبِلُ على الآخرِ، ويقول -يعني للمشرك-: أتَرَى بما أقولُ بأسًا؟.." هل كلامي فيه شيء خطأ؟ ".. فيقولُ: لا، ففِي هذا أنزلَ" يقول عبد الله: ففيَّ هذا أنزل.
    والحديث رواه الترمذي وهو حديثٌ صحيح.



    طبعًا اشتهرت عبارة عند الناس أن النبي -عليه الصلاة والسلام- كان إذا لَقِيَ عبد الله بن أم مكتوم يقول له: "مرحبًا بالذي عاتبني ربي من أجله" لكن هذه العبارة لم تصحّ.
    ويقول الشيخ الألباني -رحمه الله-: "ولا أعلم لهذا أصلًا يمكن الاعتماد عليه، وغاية ما رُوي في بعض الروايات أنَّه -صلى الله عليه وسلم- كان يُكْرِم ابن أم مكتوم إذا دخل عليه".

    على أيَّة حال المعاتبات يعني كما قُلنا من الله لنبيّه حصلت، مثلًا في قصة زيد لَمَّا طلَّق زينب، زيد بن حارثة، وأراد الله أن ينكح نبيُّه زينبَ لإبطال عادة الجاهلية في تحريم نكاح زوجة الابن بالتبنّي، والإسلام أبطل التبنّي، أنت ممكن تكفل يتيمًا لكن لا يجوز أن تضيفه إلى نسبك، وهذا اليتيم الذي ربيته لو تزوج امرأةً ثم فارقها يجوز لك أن تتزوجها أنت أم لا؟ يجوز.
    النبي -صلى الله عليه وسلم- كان في نفسه شيء من الزواج من زينب لكلام العرب كانت تراه مِن أنكر المنكرات وأقبح القبائح، "فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ" الأحزاب:٣٧، لكن قبلها ماذا قال الله لنبيه معاتبًا؟ "وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ" الأحزاب:٣٧، فإذن هذا عتاب لطيف من الله تعالى لنبيه -صلى الله عليه وسلم-.

    وكذلك صار مِن المعاتبات الإلهيّة مثلًا أَخْذ الفدية من أسارى بدر، وكان المفترض ضرب الرقاب للإثخان في العدو، وأن هؤلاء الرؤساء الصناديد وقادة الكفر، كانت مصلحة الإسلام أن يذهبوا ولا يبقوا ولا تؤخذ الفدية، وجاء قول الله -سبحانه وتعالى-: "مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" الآية. الأنفال:٦٧.

    وكذلك فإنَّ الله -سبحانه وتعالى- عاتب نبيه -صلى الله عليه وسلم- بشأن إذنه للمُخَلَّفين من المنافقين عن التَّخلُّف عنه في الجهاد، فقال: "عَفَا اللهُ عَنْكَ" التوبة:٤٣.

    طيب النبي -عليه الصلاة والسلام- لما عاتب في ماذا عاتب وما هي أمثلة المعاتبة؟ وهو كان يتعلم من القرآن -عليه الصلاة والسلام-.
    ونَذْكُر مِن المعاتبات قبل ما نفارق هذه النقطة معاتبة الله لنبيّه -صلى الله عليه وسلم- بشأن تحريمه العسل على نفسه جراء ما حصل من بعض زوجاته، فقال الله -سبحانه وتعالى-: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" التحريم:١.
    فكانت المعاتبة لتحريم ما أحلَّ الله له، لأنهما تآمرتا عليه، كانت إحدى نسائه ترسل إليه بعسل، فغارت الاثنتان، فاتفقتا إذا جاء النبي -عليه الصلاة والسلام- إلى أيّهما أن تقول أجد منك ريح مغافير، ومغافير هذا نبتٌ كريه الرائحة، وأنه لعل النحل -الإيحاء- لعل النحل الذي أتى بهذا العسل قد تغذَّى من هذه النبتات كريهة الرائحة، فلمَّا جاء للأولى قالت: أجد منك ريح مغافير، والنبي -عليه الصلاة والسلام- كان يشتدّ عليه أن يُرى منه الرائحة الكريهة، يشتدّ عليه، وكان دائمًا طيّب الرائحة، فلمَّا راح للأولى وقالت له هذا، ثم ذهب للثانية وقالت له: أجدُ منك ريح مغافير، خلاص حرَّم العسل على نفسه.
    فأنزل الله تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ" التحريم:٢،١. يعني لو صار موقف مثل هذا ماذا يفعل الإنسان؟ يكفّر عن يمينه ويشرب الطيّبات ويأكل الطيّبات، لا يحرّمها على نفسه.

    اليوم جاء سؤال، اليوم بالمناسبة، اليوم جاء سؤال يقول: امرأة مات لها عزيز، فامتنعت أن تأكل كل أكلةٍ كان يحبّها، يعني كأن يكون مات لها ابن فمِن شدّة الحزن قالت: والله لا آكُل الأكلة الفلانية والفلانية لأنّ ولدها الذي مات كان يحبّها، فطبعًا هذا شرعًا غير صحيح ولا يُتَعَبَّد الله بمثل هذا، وهذا قد يقترب من النياحة اللي هو منع الطيبات حُزْنًا، امتناع عن الطيّبات حزنًا. على أية حال ما هو الموقف الشرعي؟ عدم الامتناع عن الطيبات، قد يتركها الإنسان يعني لسبب لا يشتهيها، تضره في المأكل، لكن ما يحرّمها على نفسه، والنبي -عليه الصلاة والسلام- لَمَّا حرَّم العسل على نفسه عاتبه ربّه.



    وقصة زيد السابقة التي قال الله له فيها:
    "وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ" الأحزاب:٣٧.

    هل عاتب الله أنبياء آخرين؟
    هل عاتب الله أنبياء آخرين؟ نعم، مثلًا حدَّث النبي -صلى الله عليه وسلم- قصة النبي قال:
    "نزَل نبيٌّ منَ الأنبياءِ تحتَ شجرةٍ، فلدَغَتْه نملةٌ، فأمَر بجهازِه فأُخرِج من تحتِها، ثم أمَر ببيتِها فأُحرِق بالنارِ.." يعني أحرق بيت النمل كله ".. فأَوحى اللهُ إليه: فهلَّا نملةً واحدةً" يعني قرصتك نملة، أحرقت أمةً من الأمم تسبّح؟ الحديث رواه البخاري ومسلم.

    لم يَكُن النبي صلى الله عليه وسلم في معاتباته فاحشًا ولا متفحّشًا
    طيب ماذا بالنسبة لمعاتبات النبي -عليه الصلاة والسلام-، ما كان -عليه الصلاة والسلام- يستعمل لفظة قبيحةً، ولا كان فاحشًا ولا مُتَفَحِّشًا ولا لعَّانًا، وقد قال أنس -رضي الله عنه-:
    "لم يكن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَبَّابًا، ولا فَحَّاشًا، ولا لَعَّانًا، كان يقولُ لأحَدِنا عندَ المَعْتِبَةِ: ما لهُ تَرِبَ جَبِينُهُ". يعني إذا قال، قال: "ما له ترب جبينه" رواه البخاري. ترب جبينه كلمة تقولها العرب جرت على ألسنتهم، طبعًا معناها اللفظي الحرفي: سقط جبينه للأرض يعني على التراب، كما يقولون رغم أنفه، ولكن لا يقصدون معناها الحرفي ولا يقصدون ظاهرها اللفظي، وإنما كلمةٌ جَرَت على ألسنتهم، دون قَصْد معناها، مثل ثكلتك أمك، الآن ثكلتك أمك معناها الحرفي إنه يموت وتصبح أمه ثكلى بموته، لكن ما يقصدون المعنى، ثكلتك أمك، هذه كلمة معاتبة لا يُقصد بها معناها الظاهري الحرفي، لكنها كلمة معاتبة.



    لم يكن -عليه الصلاة والسلام- يُكْثِر من اللوم والعتاب
    ولم يَكُن -عليه الصلاة والسلام- يُكْثِر من اللوم والعتاب هو يعاتب بس مو كل يوم مواقف كثيرة جدًّا، وقد ذكر الله -سبحانه وتعالى- بعض معاتبات نبيه بقَوْله: "وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا" التحريم:٣. يعني حديثًا خاصًا، "فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ" يعني أفشت ما كان يجب أن تُبقيه سِرًّا "وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ" أطلع الله نبيه على ما حدث من هذا الإفشاء، "عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ" فإعراض الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن تعريف زوجته بما حصل منها مِن كرم خُلقه، لأنه يحصل المقصود بذِكْر بعض ما يحصل.
    قال سفيان: "ما زال التغافُل مِن فِعْل الكرام".
    وما زاد على المقصود بقلب العتاب من عتابٍ إلى تقريعٍ أبدًا.
    وقال سفيان -رحمه الله-: ما استقصى كريمٌ قط، ألم تسمع إلى قَوْل الله: "عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ".

    وقد جاء في حديث أم زرع: قالت بعض النسوة في وصف زوجها: ".. زوجي إن دخل فهِدَ. وإن خرج أسِدَ. ولا يَسأل عما عهِدَ.." صحيح مسلم. فشبَّهته في لينه وغفلته بالفهد، وشبهته في الجرأة والإقدام والمهابة بالأسد، وعبَّرت عن كرمه، وتغاضيه، وأنه لا يتفقَّد ماله الذاهب، وإذا جاء بشيء إلى بيته ما يقول وينه، وين هذا، وين اللي أنا جبته، ليش ناقص، وين راح، أين ذهب، مَن أخذه؟ وهذا معنى: ولا يسأل عمَّا عهد، لا يلتفت إلى ما يرى في البيت من المعاتب، بل يسامح ويتغاضى ويغضي.

    وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: "قدم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ المدينةَ ليس له خادمٌ، فأخذ أبو طلحةَ بيدي فانطلق بي إلى رسول اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ.." مَن هو أبو طلحة؟ زوج أم أنس بن مالك، طيب أم أنس بن مالك ما كُنيتها؟ أم سليم، أبو سليم لما جاء النبي -عليه الصلاة والسلام- المدينة هرب إلى الشام، راح إلى الروم، تزوَّج أبو طلحة أم سليم أم أنس بن مالك، وأخذ أبو طلحة بيد ابن زوجته، وذهب به إلى النبي -عليه الصلاة والسلام-، ".. فقال: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أنسًا غلام كيِّسٌ فلْيخدمكَ.." أنت تحتاج إلى خادم، قال أنس: ".. فخدمتُه في السفرِ والحضرِ.." وفي روايةٍ: تسع سنين، وفي روايةٍ أخرى: عشر سنين، فما قال لي أفٍّ قط، ".. ما قال لي لشيءٍ صنعتُه لم صنعتَ هذا هكذا، ولا لشيءٍ لم أصنعْه لم تصنعْ هذا هكذا". وفي رواية: ولا لشيءٍ تركتُه لم تركتَه. رواه البخاري.
    رواية "خدَمتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ عَشرَ سنينَ فما قالَ لي: أفٍّ قطُّ، وما قالَ لِشيءٍ صنعتُهُ لمَ صنعتَهُ، ولا لشيءٍ ترَكْتُهُ لمَ ترَكْتَهُ؟" صححها الألباني.
    رواية: "خدمتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ تسعَ سنينَ" في صحيح مسلم.

    هذا عُمْرٌ طويل، تسع سنوات وعشر سنوات ومع ذلك لم يَذْكُر له نهرًا ولا زجرًا.
    وفيه استئلاف خاطر الخادم بتَرْك المعاتبة فيما يتعلَّق بحظّ الإنسان، لكن لو كان حظّ مصالح المسلمين؟ أو حقّ من حقوق الله تعالى؟ لأ، أمَّا الأمور اللازمة شَرْعًا فلا يُتسامح فيها لأنهّا من باب الأمر بالمعروف والنَّهْي عن المنكر، أنت ممكن تكون تتغاضى في حقّك الشخصي، لكن في حقّ الله أو في شيء لحقّ لجماعة المسلمين أو لعموم المسلمين أو مصالح المسلمين العامة هذه لا يُتغاضى فيها.

    مما ينبغي مراعاتُه في العتاب التَّوسُّط والاعتدال
    ومما ينبغي مراعاتُه في العتاب التَّوسُّط والاعتدال، لأنَّ كثرة المعاتبة سبب القطيعة، وتَرْك جميع العتاب إما تفريط وإهمال، وإمَّا قلّة اكتراثٍ بأمر الصديق والصاحب، معناها أصلًا يعني ما له مكانة عندك ولذلك أنت غير مهتم، فَعَل ما فعل، جاء راح، أخطأ أصاب، غير مهتم. وقد قال بعض الحكماء: "لا تُكْثِر معاتبة إخوانك فيهون عليهم سخطك". وقال الشاعر:
    إذا كنت في كل الأمور معاتبًا .. صديقك لم تلقَ الذي لا تعاتبه
    وإن أنت لم تشرب مرارًا على القذى .. ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه
    فعش واحدًا أو صل أخاك فإنه .. مقارف ذنبٍ مرةً ومجانبه


    معاتبة النبي صلى الله عليه وسلم زوجاته
    مِن مواقف النبي -عليه الصلاة والسلام- في معاتباته، كان حوله طبعًا زوجاته وأقاربه وخاصة أصحابه، عاتب زوجاته في مواقف، فمثلًا روى أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: "قال عُمَرُ: وافَقتُ اللهَ في ثلاثٍ، أو وافقَني ربي في ثلاثٍ، قلتُ: يا رسولَ اللهِ، لو اتخذتَ من مَقامِ إبراهيمَ مصلَّى.." يعني موضع قدمَي إبراهيم، ".. وقلتُ: يا رسولَ اللهِ، يَدخُلُ عليكَ البَرُّ والفاجرُ، فلو أمَرتَ أمهاتِ المؤمنينَ بالحجابِ، فأنزَل اللهُ آيةَ الحجابِ، قال: وبلغَني مُعاتبَةُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعضَ نسائِه، فدخَلتُ عليهِنَّ، قلتُ: إنِ انتهيتُنَّ.." يعني من إيذاء النبي -عليه الصلاة والسلام- بمثل مثلًا الإلحاح عليه بطلبات، وإكثار في النفقة، ويكون ما بينكن من الغيرة المؤذية له تتآمرن عليه مثل قصة العسل مثلًا، وكذلك بالنسبة لمارية ليحرّمها..
    فقال عمر: ".. إنِ انتهيتُنَّ أو ليُبدِلَنَّ اللهُ رسولَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خيرًا منكنَّ، حتى أتيتُ إحدى نسائِه.." وهي أم سلمة -رضي الله عنها- ".. قالتْ: يا عُمَرُ، أما في رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما يعِظُ نساءَه، حتى تعِظُهنَّ أنتَ؟ فأنزل الله: "عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا" التحريم:٥." صحيح البخاري.



    فالنبي -عليه الصلاة والسلام- حصلت منه معاتبة لحفصة وعائشة على ما كان منهما من التآمُر عليه.
    وكذلك فيها فَضْل المراجعة، ونزول الآية: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ" الأحزاب:٥٩، هذه الآية كانت سبب المراجعة، نزول الآية سبب المراجعة.
    وفيها فَضْل عمر -رضي الله عنه- أنَّ الله أيَّد به الدّين، وأنه كان يصيب الحق، وأنه ملهم محدث، وأن الله يُجري على لسانه من الصواب.

    وكذلك مثلًا عاتب النبي -عليه الصلاة والسلام- عائشة لما أظهرت عُنْفًا في مواجهة كلام يهودي بذيء، لما دخل عليه وقال: السام عليك، عائشة فطنت لكلام اليهودي وأنَّ المقصود به الدعاء بالموت، ".. فقالتْ عائشَةُ: السامُ عليكم، ولعَنَكمُ اللهُ وغضِبَ عليكم، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: مَهلًا يا عائشَةُ، عليكِ بالرِّفقِ، وإياكِ والعُنفَ، أو الفُحشَ. قالتْ: أولم تسمَعْ ما قالوا؟ قال: أو لم تسمعي ما قلتُ، ردَدْتُ عليهم.." يعني قُلت: وعليكم، ".. فيُستَجابُ لي فيهم، ولا يُستَجابُ لهم فيَّ" صحيح البخاري.
    ففيه أنَّ الظَّالِم إذا دعا على واحد دعاء لا يستحقّه لا يُستجاب، يعني لو واحد ظالم جاء وقال: والله لأدعي عليك، طيب إذا هو ظالم لا يُستجاب، لكن إذا كان مظلومًا هنا المصيبة.

    بعض المواقف التي عاتب النبي صلى الله عليه وسلم فيها أصحابه
    النبي -عليه الصلاة والسلام- عاتب مثلًا الثلاثة الذين تخلَّفوا عنه في غزوة تبوك؛ كعب بن مالك، مرارة بن الربيع، هلال بن أمية، وكان -عليه الصلاة والسلام- في معاتبته في غاية الحكمة، فإنه لما جاء كعب وسلَّم عليه ".. تبسَّم تبسُّمَ المُغضَبِ، ثم قال: تعالِ.. ما خلَّفك؟ ألم تكن قد ابتعتَ ظهرَك؟" صحيح مسلم. وعاتب وهو الإمام والمطاع عاتب مَن يعزّ عليه، عاتب الثلاثة وما عاتب المنافقين، المنافقين تركهم، ما عاتبهم، عاتب الثلاثة يهمّه أمرهم.

    كذلك القصة اللطيفة التي حصلت القصة اللي فيها لُطْف النبي -عليه الصلاة والسلام- في المعاتبة، لما صار بين أبي بكر الصديق وربيعة الأسلمي شيء؛ ما هي القصة؟
    عن ربيعة الأسلمي -رضي الله عنه- قال: ".. إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَانِي أَرْضًا، وَأَعْطَى أَبَا بَكْرٍ أَرْضًا، وَجَاءَتِ الدُّنْيَا فَاخْتَلَفْنَا فِي عِذْقِ نَخْلَةٍ فَقُلْتُ أَنَا هِيَ فِي حَدِّي، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هِيَ فِي حَدِّي، فَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي بَكْرٍ كَلَامٌ.." يعني جدال مخاصمة، ".. فَقَالَ لِي أَبُو بَكْرٍ كَلِمَةً.." يعني شديدة ".. كَرِهَهَا وَنَدِمَ، فَقَالَ لِي: يَا رَبِيعَةُ رُدَّ عَلَيَّ مِثْلَهَا حَتَّى تَكُونَ قِصَاصًا.." يعني مِن حِرْص الصّدّيق أنه ما يكون متحمّل في ذمّته شيء، فلمَّا أخطأ في هذه الكلمة قال لربيعة: ردّ عليّ مثلها حتى تكون قصاصًا.
    فربيعة قال: ".. قُلْتُ: لَا أَفْعَلُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَتَقُولَنَّ أَوْ لَأَسْتَعْدِيَنَّ عَلَيْكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.." يعني لأشكونَّك إليه، ".. فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ.."، يعني إيش يعني أردّ عليك الكلمة أقول لك مثلها! ".. قَالَ: وَرَفَضَ الْأَرْضَ.." خلاص أبو بكر تنازل.

    ".. وَانْطَلَقَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَانْطَلَقْتُ أَتْلُوهُ، فَجَاءَ نَاسٌ مِنْ أَسْلَمَ.." يعني من قبيلة ربيعة، ".. فَقَالُوا لِي: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ، فِي أَيِّ شَيْءٍ يَسْتَعْدِي عَلَيْكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ قَالَ لَكَ مَا قَالَ.." يعني يشكوك على إيش!

    ".. فَقُلْتُ: أَتَدْرُونَ مَا هَذَا؟ هَذَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، هَذَا ثَانِيَ اثْنَيْنِ، وَهَذَا ذُو شَيْبَةِ الْمُسْلِمِينَ.." يعني هذا بعد النبي -عليه الصلاة والسلام- على طول، ".. إِيَّاكُمْ لَا يَلْتَفِتُ فَيَرَاكُمْ تَنْصُرُونِي عَلَيْهِ فَيَغْضَبَ فَيَأْتِيَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَغْضَبَ لِغَضَبِهِ، فَيَغْضَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِغَضَبِهِمَا فَيُهْلِكَ رَبِيعَةَ، قَالُوا: مَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: ارْجِعُوا.." هم جاؤوا ينصرونه الآن، قالوا يعني يشتكي عليك طيب نحن نيجي معك، قال: ارجعوا.
    ".. فَانْطَلَقَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَبِعْتُهُ وَحْدِي، حَتَّى أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَدَّثَهُ الْحَدِيثَ كَمَا كَانَ، فَرَفَعَ إِلَيَّ رَأْسَهُ.." يعني النبي -عليه الصلاة والسلام-، ".. فَقَالَ: يَا رَبِيعَةُ، مَا لَكَ وَلِلصِّدِّيقِ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَانَ كَذَا كَانَ كَذَا، قَالَ لِي كَلِمَةً كَرِهَهَا فَقَالَ لِي: قُلْ كَمَا قُلْتُ حَتَّى يَكُونَ قِصَاصًا فَأَبَيْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَجَلْ فَلَا تَرُدَّ عَلَيْهِ.." يعني هذا هو الصحيح، ".. وَلَكِنْ قُلْ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، فَقُلْتُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، قَالَ الْحَسَنُ: فَوَلَّى أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ يَبْكِي". الحديث رواه أحمد وهو حديثٌ صحيح.

    النبي -عليه الصلاة والسلام- مثلًا من المواقف إنه عاتب أصحابه لما سكتوا عن المرأة التي كانت تكنس المسجد ثم ماتت وهي فقيرة سوداء كانت تكنس المسجد، ماتت ودفنوها بالليل وما أخبروه، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- "أنَّ امرأةً سوداءَ كانت تَقُمُّ المسجدَ، أو شابًّا.." يعني تكنسه، ".. ففقدها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ. فسأل عنها، أو عنه، فقالوا: مات. قال أفلا كنتُم آذَنْتُمونى.." أخبرتموني وأعلمتموني! ".. قال: فكأنهم صَغَّروا أمرَها، أوأمرَه. فقال: دُلُّوني على قبرِها فدَلُّوه. فصلَّى عليها" صحيح مسلم.
    وفي رواية: ".. فخرجَ بأصحابِهِ، فوقفَ على قبرِها، فَكبَّرَ عليْها، والنَّاسُ خلفِهِ، ودعا لَها، ثمَّ انصرف". رواه ابن ماجة وصححه الألباني. فالنبي -عليه الصلاة والسلام- الذي ما كان يشغله حال الأمة والجهاد واستقبال الوفود عن امرأة سوداء تقمّ المسجد أن يذهب ويصلّي على قبرها، رفقًا بها وعناية بأحوال أُمَّته وقيام بما يصلحهم واهتمام بمصالحهم الدنيويَّة والأخرويَّة.
    وهذا حديث في فضل تنظيف المسجد، والسؤال عن الخادم إذا غاب، والمكافأة بالدعاء، والترغيب في شهود جنائز أهل الخير، وندب الصلاة على الميت الحاضر عند قبره لمن لم يُصَلِّ عليه، يعني لو واحد قال: أنا فاتتني الصلاة على فلان، نقول هذا الحديث يدلّ على أنك تأتي المقبرة وتجعل القبر بينك وبين القبلة وتصلي عليه صلاة الجنازة.

    كذلك حصلت معاتبة النبي -صلى الله عليه وسلم- الشهيرة للأنصار، لما أعطى ما أعطى من العطايا لقريش، وقبائل العرب، والمؤلفة قلوبهم، والأنصار ما أعطاهم شيئًا، وهم كانوا عماد جيشه والذين آووه، فصار بينهم كلام يعني أعطى فلان وفلان وفلان وما أعطانا، نحن أقرب إليه منهم!
    فدخل عليه سعد بن عبادة وقال: يا رسول الله، إنَّ هذا الحيّ -يعني من الأنصار- قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبته، يعني قسمت في قومك وأعطيت عطايا عظامًا في قبائل العرب، ولم يكن في هذا الحي من الأنصار شيء، قال: "فأين أنت من ذلك يا سعد؟" أنت إيش موقفك؟ ".. قال: يا رسول الله، ما أنا إلا امرؤٌ من قومي، وما أنا، قال: فاجمع لي قومك..".
    قال: ".. فخرج سعد، فجمع الناس، فجاء رجالٌ من المهاجرين، فتركهم، فدخلوا، وجاء آخرون فردّهم، فلمَّا اجتمعوا أتاه سعد وقال: قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار..".

    قال: ".. فأتاهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو له أهل، ثم قال: -هنا المعاتبة- يا معشر الأنصار ما قالةٌ بلغتني عنكم وجدةٌ وجدتموها في أنفسكم، ألم آتكم ضلالًا فهداكم الله، وعالةً فأغناكم الله، وأعداءً فألَّف الله بين قلوبكم؟" يعني هداكم الله بي، وأغناكم الله بي، وألَّف الله بين قلوبكم بوجودي بينكم، ".. قالوا: بل الله ورسوله أَمَنّ وأفضل.."، اعتراف مباشر.

    ".. قال: ألا تجيبونني يا معشر الأنصار، قال: وبماذا نجيبك يا رسول الله؟ ولله ولرسوله المنّ والفضل، قال: أما والله لو شئتم لقلتم فلصدَقتم ولصُدّقتم، أتيتنا مكذَّبًا فصدقناك، ومخذولًا فنصرناك وطريدًا فآويناك وعائلًا فأغنيناك.." لكم الحق، قولوا، ".. أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألَّفت بها قومًا ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم، أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله -صلى الله عليه وسلم- في رحالكم؟ فوالذي نفس محمدٍ بيده لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك الناس شعبًا وسلكت الأنصار شعبًا لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار، فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا بالله ورسوله قَسَمًا وحظًا، أو قِسْمًا وحظًا، ثم انصرف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وانصرفنا[1] ". رواه الإمام أحمد وهو حديثٌ حسن وأصله في الصحيحين.

    فيه حياء الأنصار وعدم مماراتهم، وفيه يعني إخراج ما في النفس، جاء سعد وتكلم، وفيه الرد، وأنه ما تبقى الأمور غير مُعَلَّلة، وأن التَّصرُّف يُبَيَّن لماذا حصل، وفيه المعاتبة واستعطاف المعاتِب وإعتابه عن عتبه بإقامة حجة من عتب عليه والاعتذار والاعتراف، وأن طلب الإنسان حقه من الدنيا لا لوم عليه فيه ولكن يُرفع إلى المرتبة الأعلى، وتسلية مَن فاته حظٌّ من الدنيا بذِكْر الثواب وتذكيره بالأجر، وبيان أنَّ الهداية وتأليف القلوب أعظم بكثير من الشاء والبعير والدنيا، وفيها ذِكْر المنة لله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وتقديم جانب الآخرة على جانب الدنيا، والصبر على ما فات مِن الدنيا وقد قال الله: "بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ * إِنَّ هَٰذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ" الأعلى:١٩:١٦.

    ولموضوع المعاتبة تتمةٌ في الدرس القادم إن شاء الله، وصلى الله وسلم على نبيّنا محمد.



    تم بحمد الله



    شاهدوا الدرس للنشر على النت في قسم تفريغ الدروس في منتديات الطريق إلى الله وتفضلوا هنا:
    http://forums.way2allah.com/forumdisplay.php?f=36

    هنـــا
    ونتشرف بانضمامكم لفريق عمل التفريغ بالموقع
    فرغ درسًا وانشر خيرًا ونل أجرًا
    رزقنا الله وإياكم الإخلاص والقبول.
    في أمان الله

    التعديل الأخير تم بواسطة لؤلؤة باسلامي; الساعة 22-02-2018, 01:25 AM.
    اللهم إن أمي و عمتي في ذمتك وحبل جوارك، فَقِهِم من فتنة القبر وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحق، اللهم اغفر لهما وارحمهما، فإنك أنت الغفور الرحيم.

    تعليق


    • #3
      للرفع
      اللهم إن أمي و عمتي في ذمتك وحبل جوارك، فَقِهِم من فتنة القبر وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحق، اللهم اغفر لهما وارحمهما، فإنك أنت الغفور الرحيم.

      تعليق


      • #4
        عليكم السلام ورحمة الله وبركاته
        جزاكم الله خيرًا ونفع بكم

        قال ابن مسعود رضي الله عنه: "نحن قوم نتبع ولانبتدع ونقتدي ولا نبتدي ولن نضل ما إن تمسكنا بالأثر".
        قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " المحبوس من حُبس قلبه عن ربه والمأسور من أسره هواه "

        تعليق


        • #5
          جزاكم الله خيرًا

          تعليق

          يعمل...
          X