المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سلسلة الاداب الشرعية للشيخ محمد المنجد



اقرأ القرآن وأذكر ربك
23-06-2011, 12:01 AM
آداب المشي إلى الصلاة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن المسلم بحاجة ماسة لمعرفة الآداب المشروعة التي تسبق الصلاة، استعداداً لها؛ لإن الصلاة عبادة عظيمة ينبغي أن يسبقها استعداد وتهيؤ مناسب، ليدخل المسلم في هذه العبادة على أحسن الهيئات. فمن تلك الآداب ما يلي:
المشي بسكينة ووقار:
إذا مشى المسلم إلى المسجد ليؤدي الصلاة مع جماعة المسلمين، فليكن ذلك بسكينة ووقار، والسكينة: هي الطمأنينة والتأني في المشي، والوقار: الرزانة والحلم وغض البصر وخفض الصوت وقلة الاتفات(1).
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-أنه قال: (إذا نودي بالصلاة فأتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا)(2)، وفي لفظ: (إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم بالسكينة والوقار ولا تسرعوا فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا)(3)، وفي لفظ: (إذا ثوب للصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة)(4).
التبكير بالخروج إلى المسجد:
من الأفضل للمسلم أن يخرج إلى المسجد مبكراً ليدرك تكبيرة الإحرام مع الإمام، ويحضر الصلاة من أولها، فإن في المحافظة على الصلاة من أولها مع الإمام فضيلة عظيمة، فعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من صلى لله أربعين يوماً في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتبت له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق)(5).
المقاربة بين الخطا:
المقاربة بين الخطا في المشي إلى الصلاة من طرق تكثير الحسنات، فكلما كثرت الخطوات التي يمشي بها المصلي إلى المسجد كثرت حسناته، ورفعت درجاته، ومحيت كثير من سيئاته، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إن أحدكم إذا توضأ فأحسن وأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه خطيئة، حتى يدخل المسجد، وإذا دخل المسجد كان في صلاة ما كانت تحبسه، وتصلي عليه الملائكة ما دام في مجلسه الذي يصلي فيه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يحدث فيه)(6)، وعنه -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط)(7)، وعن أبي موسى قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إن أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم، والذي ينظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجراً من الذي يصليها ثم ينام) وفي رواية أبي كريب: (حتى يصليها مع الإمام في جماعة)(8).
حتى رجوع المصلي من الصلاة له به أجر، والدليل على ذلك، حديث أبي بن كعب قال: كان رجل لا أعلم رجلاً أبعد من المسجد منه، وكان لا تخطئه صلاة، فقيل له، أو قلت له: لو اشتريت حماراً تركبه في الظلماء وفي الرمضاء، قال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (قد جمع الله لك ذلك كله)(9). قال الإمام النووي -رحمه الله-: (فيه إثبات الثواب في الخطا في الرجوع من الصلاة كما يثبت في الذهاب)(10)، وكذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لبني سلمة عندما أرادوا أن يبيعوا بيوتهم التي كانت بعيدة عن المسجد ويتحولون إلى قرب المسجد فقال لهم: (يا بني سلمة! ديارَكم تكتب آثاركم، ديارَكم تكتب آثاركم)(11).
ذكر الذكر الوارد:
عن عبد الله بن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خرج إلى الصلاة وهو يقول: (اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي لساني نوراً، واجعل في سمعي نوراً، واجعل في بصري نوراً، واجعل من خلفي نوراً، ومن أمامي نوراً، واجعل من فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً، اللهم أعطني نوراً)(12).
تقديم الرجل اليمنى عند دخول المسجد، واليسرى عند الخروج:
إذا وصل المصلي إلى باب المسجد فيقدم رجله اليمنى عند الدخول، ويقول: (بسم الله، أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم(13)، اللهم صلى على محمد، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك)، وإذا أراد الخروج؛ قدم رجله اليسرى، وقال: (بسم الله والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك)(14).
صلاة ركعتين تحية المسجد:
فإذا دخل المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)(15).
الإكثار من ذكر الله:
فيكثر المسلم في المسجد وهو ينتظر الصلاة من ذكر الله، والدعاء، وقراءة القرآن، ويتجنب العبث؛ كتشبيك الأصابع وغيره؛ فقد ورد النهي عنه في حق منتظر الصلاة، فعن كعب بن عجرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إذا توضأت فعمدت إلى المسجد فلا تشبكن بين أصابعك؛ فإنك في صلاة)(16).
الحرص على الصف الأول:
يحرص المصلي على أن يصلي في الصف الأول، لما لذلك من الأجر العظيم فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لا يجدون إلا أن يستهموا عليه لا ستهموا)(17)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (خير صفوف الرجال أولها)(18)، ويحرص على القرب من الإمام؛ فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: (ليَلِني منكم أولو الأحلام والنهى)(19)، وهذا بالنسبة للرجال، وأما النساء فالصف الأخير من صفوف النساء أفضل لها؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (وخير صفوف النساء آخرها)(20)؛ لأن ذلك أبعد لها عن رؤية الرجال(21).
اللهم وفقنا وسدد خطانا، واجعلنا من الراشدين، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
________________________________________
1 - راجع الملخص الفقهي (صـ 87).
2 - متفق عليه.
3 - رواه البخاري.
4 - رواه مسلم.
5 - رواه الترمذي، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي رقم (200) ومشكاة المصابيح رقم (1102).
6 - رواه البخاري.
7 - رواه مسلم.
8 - رواه مسلم.
9 - رواه مسلم.
10 - شرح النووي على صحيح مسلم (5/168).
11 - رواه مسلم.
12 - رواه مسلم.
13 - رواه أبو داود، والنسائي وابن ماجه، وأحمد، وصححه الألباني في صحيح أبي داود رقم (485).
14 - سنن ابن ماجه، وروى أبو داود والنسائي نحوه، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه رقم (625)، وعند مسلم: (إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك).
15 - متفق عليه.
16 - رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني في صحيح الترمذي رقم (316).
17 - متفق عليه.
18 - رواه مسلم، وأصحاب السنن، وأحمد.
19 - رواه مسلم، وأصحاب السنن، وأحمد.
20 - رواه مسلم، وأصحاب السنن، وأحمد.
21 - راجع: الملخص الفقهي (صـ 89).


=================

وردة العلم
14-07-2011, 07:36 PM
جزاكِ الله خيراً أختي أمة الله ..

و لكن ماذا عن مُلقي الدرس ؟؟

اقرأ القرآن وأذكر ربك
03-10-2011, 01:54 AM
ستركم الله في الدنيا والآخرة
و
جزاكم الله خيرا
أسأل الله أن يثبتناوإياكم على الحق
نفع الله بكم ورفع قدركم

اقرأ القرآن وأذكر ربك
05-11-2011, 03:37 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عناصر الموضوع :
1. آداب العطاس
2. من آداب التثاؤب
3. من آداب التجشؤ
4. من آداب البصاق
5. آداب التثاؤب والتجشؤ
إن النبي صلى الله عليه وسلم ما ترك خيراً إلا ودلنا عليه، وما ترك شراً إلا وحذرنا منه، وإن من الخير العميم الذي علمنا إياه النبي صلى الله عليه وسلم آداب الإسلام في احترام وتقديس الأماكن والهيئات، وإعطاء الناس حقوقهم، ومن تلك الآداب آداب العطاس والتثاؤب، وآداب البصاق والبزاق في المسجد وحال الصلاة.
آداب العطاس:
عقيدة أهل الجاهلية في العطاس:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فقد ذكرنا في الدرس الماضي طائفة من أحكام العطاس وآدابه، وسوف نتم الكلام عن موضوع العطاس وندخل في أدب التثاؤب والجشاء، وكذلك البصاق والتفل والنخاعة والنخامة إذا كان الوقت متسعاً. ندخل في تتمة الكلام عن موضوع العطاس، ونذكر النقطة التي أشار إليها أحد الإخوة، ونتكلم عنها في هذه الليلة، ماذا كان يعتقد العرب في العطاس؟قال ابن القيم في مفتاح دار السعادة : "ومما كان الجاهلية يتطيرون به ويتشاءمون منه العطاس، كما يتشاءمون بالبوارح والسوانح" -هذه من أنواع الطيور التي كانوا يتطيرون بها، وأتى ببعض الأبيات تدل على تشاؤم أهل الجاهلية من العطاس- قال: "وكانوا إذا عطس من يحبونه قالوا له: عمراً وشبابة، وإذا عطس من يكرهونه، قالوا له: وراً وقحابة"، والوري: داءٌ يصيب الكبد فيفسدها، والقحاب: السعال وزناً ومعنى، فكأنهم يدعون عليه بالداء الذي يصيب كبده وبالسعال، فكان الرجل إذا سمع عطاساً فتشاءم به يقول: بك لا بي، أي: أسأل الله أن يجعل شؤم عطاسك بك أنت لا بي أنا، وكان تشاؤمهم في العطسة الشديدة أشد، كما يحكى عن بعض الملوك أن مسامراً له عطس عطسةً شديدة راعته -أي: أخافته- فغضب الملك، فقال سميره: والله ما تعمدت ذلك، ولكن هذا عطاسي، فقال: والله لئن لم تأتني بما يشهد لك بذلك لأقتلنك، فقال: أخرجني إلى الناس لعلي أجد من يشهد لي، فأخرج وقد وكل به الأعوان، فوجد رجلاً، فقال: ناشدتك بالله إن كنت سمعت عطاسي يوماً فلعلك تشهد لي به عند الملك، فقال: نعم. أنا أشهد لك، فنهض معه فقال: أيها الملك! أنا أشهد أن هذا الرجل يوماً عطس فطار ضرس من أضراسه، فقال له الملك: عد إلى حديثك ومجلسك. يقول ابن القيم رحمه الله" فلما جاء الله بالإسلام وأبطل برسوله ما كان عليه الجاهلية الطغاة من الضلال والآثام، نهى أمته عن التشاؤم والتطير، وشرع لهم أن يجعلوا مكان الدعاء على العاطس بالمكروه دعاءً له بالرحمة" -أي: إذا كان أهل الجاهلية يقولون: بك لا بي، إذا عطس، وأيضاً يدعون عليه بالداء والمرض والسعال، فجاء الله عز وجل بهذا الشرع المطهر الذي فيه الدعاء للعاطس بالرحمة، وحمد العاطس الله عز وجل بعد العطاس. ولما كان الدعاء على العاطس نوعاً من الظلم والبغي جُعل الدعاء له بلفظ الرحمة المنافي للظلم، وأُمر العاطس أن يدعو لسامعه ومشمته بالمغفرة والهداية وإصلاح البال، فيقول: يغفر الله لنا ولكم، أو يهديكم الله ويصلح بالكم، فأما الدعاء بالهداية فلمّا أنه اهتدى إلى طاعة الرسول، ورغب عما كان عليه الجاهلية فدعا له ليثبته الله عليها ويهديه إليها. لما قال هذا العاطس: الحمد لله، فقال له المشمت: يرحمك الله، فيقول: يهديكم الله ويصلح بالكم. وكذلك الدعاء بإصلاح البال وهي كلمة جامعة لصلاح شأنه كله وهي من باب الخيرات، ولما دعا لأخيه بالرحمة فناسب أن يجازيه بالدعاء له بإصلاح البال، أما الدعاء بالمغفرة فجاء بلفظ يشمل العاطس والمشمت، فيقول: يغفر الله لنا ولكم، ليتحصل من مجموع دعوى العاطس والمشمت لهما المغفرة والرحمة معاً، وهو تأسٍ أيضاً بآدم عليه السلام. هذا بالنسبة لما كان عليه أهل الجاهلية، وما جاء الله به في هذا الدين من إبطال ذلك وإبداله بالأمر الحسن.
أما بالنسبة لحديث: "من سبق العاطس بالحمد أمن من الشوص واللوص والعلوص" فهو ضعيف، ولذلك لا يسبق العاطس بالحمد؛ لأنه قال: من "سبق العاطس بالحمد، فإذاً: العاطس يترك حتى يحمد الله سبحانه وتعالى"، وهذا الشوص وجعٌ في البطن والضرس، والعلوص وجعٌ في التخمة ووجعٌ في البطن، واللوص: وجعٌ في الأذن، أنواع من الأوجاع.
إذا عطس أكثر من ثلاث يدعى له بالعافية:
وكذلك فإنه بالنسبة للعاطس إذا عطس أكثر من ثلاث مرات، فإنه قد سبق القول أنه يُدعى له بالعافية، ولذلك يقول ابن عبد القوي رحمه الله في منظومته: "وقل للفتى عوفيت بعد ثلاثةٍ وللطفل بورك فيك وأمره يحمدِ"
وعوفيت بعد ثلاثة، أي: بعد ثلاث مرات، يدعى له بالعافية، يقال له: عوفيت، ليس في هذا حديث صحيح، لكن بما أنه أخبر أنه مزكوم، فالمناسب أن يُدعى له بالعافية، بعد تشميته ثلاث مرات، فإذا عطس الرابعة يقال له: عوفيت، وقال شيخ الإسلام وهو منصوص الإمام أحمد : "إن عطس ثانياً وحمد شمته، وثالثاً شمته، ورابعاً دعا له بالعافية، ولا يشمت للرابعة إلا إذا لم يكن شمته قبلها ثلاثاً"، فالاعتبار بفعل التشميت لا بعدد العطسات، هذا كلام صاحب الإقناع وشارح الإقناع، أن العبرة بالتشميت لا بعدد العطسات، فلو عطس شخص ثلاث مرات متوالية، ثم قال: الحمد لله، فشمته، ثم عطس رابعة فشمته، ثم عطس خامسة فشمته، كم عطسة عطس؟ خمس، كم مرة شمته؟ ثلاثاً. إذاً: في العطسة السادسة تقول له: عوفيت، فقال: إذاً العبرة بفعل التشميت لا بعدد العطسات، فلو عطس أكثر من ثلاث متواليات شمته بعدها إذا لم يتقدم تشميت، ويقال له: عافاك الله؛ لأنه مزكوم أو به داء. وقال مهنا للإمام أحمد : "أي شيء مذهبك في العاطس يشمت إلى ثلاث مرار؟ فقال: إلى قول عمرو بن العاص قال: العاطس بمنزلة الخاطب، يشمت إلى ثلاث، فما زاد فهو داء في الرأس." وتقدمت الأحاديث في هذا الأمر، وهناك مسألة، وهي: إذا دعا للعاطس بالعافية فهل يقول العاطس شيئاً؟ قال السفاريني رحمه الله في غذاء الألباب شرح منظومة الآداب: " لم أرَ لأحدٍ من الأصحاب ولا غيرهم في أن الداعي للعاطس بالعافية، هل يستحق جواباً أم لا". ولعله يجيب بقوله: عافانا الله وإياك، أي: لو قلت له: عوفيت بعدما عطس وشمته المرة الثالثة، عطس الرابعة، فقلت له: عوفيت، فيقول: عافانا الله وإياك، وهو مأخوذٌ من قول ابن عمر رضي الله عنهما. وهل يكون مستحباً أو واجباً أو مباحاً؟ لم أر من تعرض لشيءٍ من ذلك، والذي يظهر إن قلنا: الدعاء له بالعافية مستحب فالإجابة كذلك، إذا قلنا: عوفيت أو عافاك الله مستحب، فالإجابة بقول: عافانا الله وإياك، أو وإياك مثلاً: ونحو ذلك من الألفاظ الطيبة أنه مستحب كذلك، وإن قلنا: واجبٌ فكذلك الإجابة والله ولي الإنابة."
الدعاء للغلام بالبركة إذا عطس:
أما بالنسبة لقول الغلام: بورك فيك كما أشار الناظم فليس فيه حديثٌ صحيحٌ والله أعلم أن الغلام يخص بشيء، ولكن جاء في حديثٍرواه الحافظ السلفي"أن النبي صلى الله عليه وسلم عطس عنده غلام لم يبلغ الحلم، فقال: الحمد لله رب العالمين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (بارك الله فيك يا غلام)" لكن يحتاج إلى معرفة صحته،ويكون هذا الحديث مستند الناظم ابن عبد القوي رحمه الله: "وقل للفتى عوفيت بعد ثلاثةٍ وللطفل بورك فيك وأمره يحمد", يعني: مره أن يحمد الله.
تذكير العاطس الحمد إذا نسي:-
العاطس إذا نسي أن يحمد الله عز وجل قال بعض العلماء:" يُذكَّر"، وقال بعضهم: "لا يُذكَّر"، وقد تقدم الخلاف في هذه المسألة، أما ابن القيم رحمه الله فقد قال في العاطس: "إذا ترك العاطس الحمد هل يستحب لمن حضره أن يذكره الحمد؟" قال ابن العربي: "لا يذكره وهذا جهلٌ من فاعله." وقال النووي: "أخطأ من زعم ذلك، بل يذكره؛ لأنه مرويٌ عن النخعي، وهو من التعاون على البر والتقوى،" فقال ابن القيم بعد ذلك: "وظاهر السنة يقوي قول ابن العربي ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشمت الذي لم يحمد الله، ولم يذكره، وهذا تعزيرٌ له وحرمانه لتركه الدعاء، لما حرم نفسه بتركه الحمد، فنسي الله تعالى، فصرف قلوب المؤمنين وألسنتهم عن تشميته والدعاء له، ولو كان تذكيره سنة لكان النبي صلى الله عليه وسلم أولى بفعلها وتعليمها والإعانة عليها"، هذا رأي ابن القيم رحمه الله تعالى في المسألة. وذكر في شرح الإقناع ما يؤيد أنه ينبغي تذكير من نسي حمد الله، قال المروذي: "أن رجلاً عطس عند أبي عبد الله -الإمام أحمد رضي الله عنه ورحمه- فلم يحمد الله، فانتظره أبو عبد الله أن يحمد الله فيشمته، فلما أراد أن يقوم، قال له أبو عبد الله: كيف تقول إذا عطست؟ قال:
أقول: الحمد لله، فقال له أبو عبد الله : يرحمك الله." قال في الآداب: "وهذا يؤيد ما سبق". أي: من كون بعض الأصحاب كان يذكر خبر من سبق العاطس بالحمد أمن الشوص ونحوه ويعلمه الناس، قال: "وهو متجه. فالمسألة فيها قولان: هل يذكر أو لا؟ ولكل من ذهب إلى أحد المذهبين له رأي".
من آداب التثاؤب:
وأما بالنسبة للتثاؤب، فإن التثاؤب من الشيطان، كما قال البخاري رحمه الله في كتاب الأدب: باب ما يستحب من العطاس وما يكره من التثاؤب، وذكر حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب العطاس)، وفيه: (وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان، فليرده ما استطاع، فإذا قال: ها، ضحك منه الشيطان)، وفي رواية أبي داود : (فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع، ولا يقول: هاها، فإنما ذلك من الشيطان يضحك منه"، وفي رواية: "إذا تثاءب أحدكم فليمسك على فيه فإن الشيطان يدخل" أي: يدخل مع التثاؤب. إذاً: التثاؤب من الشيطان، والشيطان يدخل مع التثاؤب إلى جوف الشخص، ويضحك من العبد المتثائب، أما بالنسبة للتثاؤب فأصله من ثئب فهو مثئوب، إذاً: مرد التثاؤب إلى الكسل، ومأخوذ منه.
رد التثاؤب أو وضع اليد على الفم:
أرشد النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث بقوله: "فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع" وجاء في الرواية الأخرى: "فليضع يده على فيه". إذاً: وضع اليد على الفم جاء هذا في حديث مسلم:"إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فيه" أما بالنسبة لقوله عليه الصلاة والسلام:) "التثاؤب من الشيطان" أي: أن الشيطان يحب التثاؤب، وهو مبعث التثاؤب، وكل فعلٍ مكروه ينسبه الشرع إلى الشيطان؛ لأنه واسطته، والتثاؤب من امتلاء البطن، وينشأ عنه التكاسل، وذلك بواسطة الشيطان، وأضيف التثاؤب إلى الشيطان -كما يقول النووي رحمه الله-" لأنه يدعو إلى الشهوات، إذ يكون عن ثقل البدن واسترخائه وامتلائه"، والمراد: التحذير من السبب الذي يتولد منه التثاؤب وهو التوسع في الأكل. أما قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع" هل المقصود: إذا تثاءب يرده بعد انتهاء التثاؤب؟ الجواب: لا. هذا أسلوب تستعمله العرب، "إذا تثاءب أحدكم"، أي: إذا شرع فيه، إذا بدأ فيه " فليرده ما استطاع" يأخذ في أسباب رده، وقيل: إن المقصود إذا تثاءب أي: إذا أراد أن يتثاءب، مثل: "فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ "[النحل:98] أي: إذا أردت قراءة القرآن، إذا أردت أن تشرع فيها، وقوله صلى الله عليه وسلم: "فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان"، وفي رواية: "فإذا قال: آه"، وفي رواية: "فإذا قال: ها -مرة بتقديم الهاء ومرة بتأخيرها- ضحك منه الشيطان"، وفي رواية: " فإن الشيطان يدخل " يدخل مع التثاؤب، وورد في رواية ضعيفة لـابن ماجة : "فليضع يده على فيه ولا يعوي، فإن الشيطان يضحك منه" أي: شبَّه الصوت بعواء الكلب، ولكن هذه الرواية لم تثبت.
غطية التثاؤب ورده في الصلاة وخارجها:
هل تغطية الفم وكظم التثاؤب خاصٌ بالصلاة أو هو عامٌ يشمل الصلاة وغير الصلاة؟ الجواب: أما رواية الصحيحين فأكثرها عامة، ليس فيها تقييد بالصلاة، وورد في بعض الروايات تقييده بحال الصلاة، فهناك احتمال أن يحمل المطلق على المقيد، ونقول: الكظم والتغطية والمجاهدة والحبس هو في الصلاة، أو أن نقول: إنه عامٌ، ولكنه في الصلاة يكون أوكد، ولعل هذا هو الأقوى والله أعلم، فإن الشيطان في الصلاة له غرضٌ قوي في التشويش على المصلي، وهناك قاعدة أصولية يذكرها بعض أهل العلم، وهي: أن المطلق إنما يحمل على المقيد في الأمر لا في النهي، وموضوعنا الآن في حديث التثاؤب أمر، وبناءً على ذلك قاعدة حمل المطلق على المقيد لا تنطبق، لأنه هنا قال: ( إذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع؛ فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان) وقال هنا: (فليرده منكم ما استطاع، فإن أحدكم إذا قال: ها، ضحك منه الشيطان) فاللام هنا لا شك أنها لام الأمر، فقال بعضهم: إن المطلق إنما يحمل على المقيد في الأمر لا في النهي، وهذا ظاهره أنه يقيد هاهنا، لكن ابن حجر رحمه الله ذكر في الفتح أن هناك ما يؤيد كراهته مطلقاً وهو كونه من الشيطان، أي: إذا كان التثاؤب من الشيطان هل هناك فرقٌ بين الصلاة وخارج الصلاة؟ حديث كون التثاؤب من الشيطان هل يعني: أنك تجاهده في الصلاة وخارج الصلاة لا تجاهده؟ ما هو الفرق إذا كان كلاهما من الشيطان؟ لكن في حال الصلاة هو أشد، قال ابن العربي رحمه الله: ينبغي كظم التثاؤب في كل حالة، وإنما خص الصلاة؛ لأنها أولى الأحوال بدفعه، ولا شك أن التثاؤب فيه خروج عن اعتدال الهيئة، وفيه اعوجاجٌ للخلقة، والمتثائب إذا أفرط في التثاؤب ربما شابه الكلب، ويرفع رأسه فيه أيضاً، وبذلك يُعلم أن الشيطان إذا دفع العبد إلى التثاؤب فإنه يصيره في وضعٍ كريه، فإن الإنسان لو قدر له أن يرى حاله أمام المرآة وهو يتثاءب لرأى منظراً كريهاً بشعاً، فالشيطان من كيده أنه يدفع للتثاؤب، وهو هيئة كريهة وبشعة، وهو أيضاً يدخل مع التثاؤب، وظاهر الحديث الدخول الحقيقي. فإن قال قائل: إنه يجري من ابن آدم مجرى الدم؟ فنقول: إذا كان ذاكراً لله يتمكن منه، لكنه إذا تثاءب في تلك الحالة ولم يرده، تمكن الشيطان من الدخول فيه حقيقةً، ولا يمنع أن يدخل فيه وهو يسير منه أو يجري منه مجرى الدم. والقضايا الغيبية، لا تحكم فيها بالعقول، ونقول: هذا داخل فكيف يدخل؟ وهذا خارج... هذه قضايا مردها إلى الله تبارك وتعالى، فهو يعلم كيفية ذلك.
تغطية المتثائب فمه بكفه ونحوها:
أما تغطية الفم فإنه يغطى بالكف ونحوه إذا انفتح، فإذا كان منطبقاً فهل يغطيه أم لا؟ أي: شخص استطاع أن يجاهد نفسه بألا ينفتح فمه عند التثاؤب، فنقول: يغطيه احتياطاً؛ لأن التثاؤب فيه رغبة قوية في فتح الفم، فاحتياطاً يغطي فمه بيده، أما إذا انفتح فتتأكد التغطية. هل يلزم وضع اليد بالذات، أو يمكن أن يضع ثوبه؟ لو وضع طرف الغترة أو غطاء الرأس، أو الكم، أو منديل مثلاً، فنقول: المقصود هو التغطية، وليس الشرط أن تكون في اليد، لكن إذا كان لا يستطيع أن يغطي إلا باليد تعينت اليد، مثل ألا يكون عنده شيءٌ قريبٌ يغطي به ونحو ذلك، وتتأكد التغطية في حال الصلاة أيضاً، كما تتأكد مجاهدة التثاؤب في حال الصلاة.
إذا تثاءب حال قراءة القرآن أمسك عن القراءة:
ومن الأشياء المفيدة: أن الإنسان المصلي أو قارئ القرآن إذا تثاءب أثناء قراءة القرآن فعليه أن يكف عن القراءة حتى ينتهي من مقاومة التثاؤب؛ لأن التثاؤب يغير نظم القراءة، وربما تتغير الحروف، وجاء عن مجاهد و عكرمة وعدد من التابعين المشهورين هذا، وهو الأمر بالإمساك عن القراءة حال التثاؤب، وحكم التثاؤب في الصلاة مكروه إذا أمكن دفعه، وينبغي عليه مجاهدة نفسه للأمر الوارد في الحديث، خصوصاً أن طريقة كثير من أهل الظاهر أنهم يوجبونه في مثل هذه النصوص. هل إذا تثاءب يستخدم في التغطية باليد اليمنى أو اليسرى؟ الجواب: ليس هناك -والله أعلم- نصٌ في هذه المسألة، ولكن قال بعضهم: يغطي فمه بيده اليسرى؛ لأن مبعثه من الشيطان، وذكر السفاريني رحمه الله كلاماً عن أحد شيوخه، لكن ليس فيه دليل، يقول: قال لي شيخنا التغلبي فسح الله له في قبره: إن غطيت فمك في التثاؤب بيدك اليسرى فبظاهرها، وإن كان بيدك اليمنى فبباطنها. وهذا التفريق ربما لا دليل عليه، لكن هذا من مراعاة المعنى وليس من مراعاة الدليل، يقول: "والحكمة من ذلك؛ لأن اليسرى لما خبث ولا أخبث من الشيطان، وإذا وضع اليمنى فبباطنها؛ لأنه أبلغ في الغطاء" تحكم بالتغطية بباطن اليد أكثر من الظاهر إذا قلبها. قال: "واليسرى مُعدَّة لدفع الشيطان، وإذا غطى بظهر اليسرى فببطنها معدٌ للدفع، أي: أن هذا الذي يدفع به، فيجعل الظاهر على الفم والباطن كأنه للدفع، وهذا لم يذكر فيه دليلاً، فالمسألة واسعة إن شاء الله إذا غطى باليمنى أو باليسرى، لكن فيه معنى إذا قلنا: إنه باليسرى لأجل أنه من الشيطان.
كراهية إظهار التثاؤب بين الناس:
بالنسبة للتثاؤب؛ فقد ذكر بعض أهل العلم بحثاً في تتمة كلام ابن مفلح رحمه الله في موضوع التثاؤب، قال: "ويكره إظهاره بين الناس مع القدرة على كفه، وإن احتاجه تأخر عن الناس وفعله"، أي: احتاج وغلبه التثاؤب أخفى ذلك عن الناس. وقال بعضهم: "يكره التثاؤب مطلقاً سواءً كان مع الناس أو لوحده"، أي: يقاوم التثاؤب حتى لو كان منفرداً، "ومما يعين على دفع التثاؤب: الإقلال من الطعام والشراب".
من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم عدم التثاؤب:
ومن الأشياء التي ذكرها بعض أهل العلم في موضوع التثاؤب: هل يتثاءب النبي صلى الله عليه وسلم أم لا على أساس أن التثاؤب من الشيطان؟ قال ابن حجر رحمه الله في الفتح : ومن الخصائص النبوية ما أخرجه ابن أبي شيبة و البخاري في التاريخ من مرسل يزيد بن الأصم -إذاً هذا مرسل- قال: (ما تثاءب النبي صلى الله عليه وسلم قط)، وأخرج الخطابي من طريق مسلمة بن عبد الملك بن مروان قال: (ما تثاءب نبيٌ قط) ومسلمة أدرك بعض الصحابة وهو صدوق. إذاً: هو تابعي، ويؤيد ذلك ما ثبت أن التثاؤب من الشيطان، فإذاً أتى بروايتين مرسلتين، وقالوا: ويؤيد ذلك أن التثاؤب من الشيطان، وجاء في الشفاء لـابن سبع: (أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يتمطى لأنه من الشيطان) والله أعلم. هذا بالنسبة لما يتعلق بموضوع التثاؤب.
من آداب التجشؤ:
وأما بالنسبة للتجشؤ: فإن التجشؤ الذي هو خروج الصوت نتيجة الشبع، ويخرج معه ريح عادةً من البطن، فقد ورد فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه الترمذي و ابن ماجة، عن ابن عمر وحسنه الشيخ: الألباني بلفظ: (كف عنا جشاءك، فإن أكثرهم شبعاً في الدنيا أطولهم جوعاً يوم القيامة) هذا الحديث ذكر الشيخ: الألباني طرقه في السلسلة الصحيحة ، وقال: روي من حديث ابن عمر و أبي جحيفة و ابن عمرو و ابن عباس و سلمان، ثم ذكر حديث يحيى البكاء، عن ابن عمر، قال: (تجشأ رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: .. ) فذكره، أخرجه الترمذي ، وقال الترمذي : حديث غريب من هذا الوجه، قلت: يعني: ضعيف؛ لأن يحيى البكاء ضعيف. وأما حديث أبي جحيفة وله عنه طرق: الأولى: عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: "أكلت خبز بر بلحم سمينٍ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فتجشأت، فقال: احبس أو اكفف جشاءك..." الحديث، وزاد قال: "فما أكل أبو جحيفة ملء بطنه حتى فارق الدنيا"أخرجه ابن أبي الدنيا في الجوع، قلت: فيه الوليد وهو ضعيف، لكنه لم يتفرد به، لأن له متابعة. وكذلك من القصص التي وردت حديث سلمان يرويه عطية بن عامر الجهني قال:" سمعت سلمان وأُكِرَه على طعامٍ يأكله، فقال: حسبي، أي: عزموا عليه أن يأكل ويزيد، فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أكثر الناس شبعاً في الدنيا، أطولهم جوعاً يوم القيامة)". بعدما ذكر الشيخ طرق الحديث قال في آخره: وجملة القول: أن الحديث قد جاء من طرق عمن ذكرنا من الصحابة، وهي وإن كانت مفرداتها -أي: كل طريق بمفرده- لا تخلو من ضعفٍ، فإن بعضها ليس ضعفها شديداً، ولذلك فإني أرى أنه يرتقي بمجموعها إلى درجة الحسن على أقل الأحوال، والله سبحانه وتعالى أعلم.
كظم التجشؤ ورده:
الحديث على ماذا يدل؟ على كظم التجشؤ ورده، وهذا فيه أيضاً الإقلال من الطعام، وكذلك تغطية الفم، وحبس الصوت، وكف الرائحة التي تخرج؛ لأن التجشؤ بالذات إذا أكل ثوماً أو بصلاً وتجشأ في المسجد بين المصلين، فإن فيه تنفيرٌ وإيذاءٌ لعباد الله المصلين، وكثيرٌ من الناس يتساهلون في هذا، ولا يبالون به، ويفعلونه في مجامع الناس، ويصدر أقوى ما لديه من الأصوات، وكأنه يرى من الصحة إخراج التجشؤ بأعلى صوت ممكن، ولا يبالي بتغطية فمه ولا بغير ذلك، وإنما يتجشأ بحضرة الناس أو وهم جلوس، أو في حلقة علم، أو في الصلاة، أو في اجتماع الناس، بدون مبالاة، وهذا من قلة الأدب أن يفعل ذلك بحضرة الناس، وخصوصاً أن التجشؤ غالباً يكون مصحوباً برائحة كريهة، خصوصاً عند أكل الثوم أو البصل أو الكراث.
التجشؤ في الصلاة:
الإنسان قد يغلبه التجشؤ فماذا يفعل؟ يكفه ما استطاع، حتى أن الإمام أحمد رحمه الله في رواية أبي طالب قال: "إذا تجشأ وهو في الصلاة، فليرفع رأسه إلى السماء حتى تذهب الريح، وإذا لم يرفع رأسه آذى من حوله من ريحه، وهذا من الأدب،" وقال في رواية مهنا، عن الإمام أحمد: "إذا تجشأ الرجل ينبغي أن يرفع رأسه إلى فوقه؛ لكي لا يخرج من فيه رائحة يؤذي بها الناس، فإذا تجشأ عن يمينه أو شماله، أو وجهه إلى الأمام كأن الرائحة تكون أشد، فأكثر ما يمكن أن يفعله أن يرفع رأسه إلى فوق وهذا إذا اضطر إلى ذلك."

إذا حمد المتجشئ.. ماذا يقال له؟:
ماذا يقول المتجشئ؟ هل يحمد الله؟ هل يقاس على العطاس؟ ليس هناك دليلٌ في الموضوع والله أعلم، وقال ابن مفلح رحمه الله: "ولا يجيب المجشئ بشيءٍ، فإن قال: الحمد لله، قيل له: هنيئاً مريئاً، أو هنَّاك الله وأمراك" ذكره في الرعاية الكبرى، وكذا ابن عقيل ، وقال: "لا نعرف فيه سنة، بل هو عادةٌ موضوعة"، وذكر أن بعض الأطباء قالوا في علاج التجشؤ: ينفع فيه الكراويا أو الصعتر، أو النعناع مضغاً أو شرباً، أو الكندر مضغاً أو شرباً.
من آداب البصاق:
أما بالنسبة للبصاق والتفل، فالبصاق ماء الفم إذا خرج منه، يقال: بصق يبصق بصاقاً، ويقال: البزاق والبساق، والتفل لغةً: البصق، ولكن هناك فرق، والتفل بالفم: نفخٌ معه شيءٌ من الريق، فإذا كان نفخاً بلا ريق فهو النفث، والتفل شبيهٌ بالبزاق وهو أقل منه.. إذاً: هناك ثلاث مراتب: البزق أو البصق وهو أعلاها الذي يكون فيه اللعاب أكثر شيء، ثم التفل ويكون فيه اللعاب أقل، ثم النفث ويكون فيه اللعاب أقل ما يمكن، ثم النفخ ليس فيه لعاب أبداً؛ لأنه هواء. أما بالنسبة للبصاق فالأصل أن ماء فم الإنسان طاهر ما لم ينجسه نجس، أما ما يتعلق بالبصاق من الأحكام، فإنها كثيرة؛ فمن ذلك: ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في عددٍ من الأحاديث، ولنذكر بعضها "إذا تنخم أحدكم فلا يتنخمن قبل وجهه ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى" قاله النبي صلى الله عليه وسلم "لما رأى نخامة في جدار المسجد فتناول حصاة فحكها ثم قال.." الحديث رواه الإمام أحمد و البخاري و مسلم وغيرهم، وكذلك جاء عند أبي داود وهو حديث صحيح: "التفل في المسجد خطيئة وكفارته أن يواريه"، وجاء أيضاً عند أبي داود من حديث أبي سعيد وهو حديث حسن: "أيسر أحدكم أن يُبصق في وجهه؟ إن أحدكم إذا استقبل القبلة إنما يستقبل ربه عز وجل، والملك عن يمينه، فلا يتفل عن يمينه ولا في قبلته، وليبصق عن يساره أو تحت قدمه، فإن عجل به أمرٌ فليتفل هكذا" أي: في ثوبه، وروى النسائي و الحاكم و البيهقي وغيرهم وهو حديث حسن: "إذا صليت فلا تبصق بين يديك ولا عن يمينك، ولكن ابصق تلقاء شمالك إن كان فارغاً، وإلا فتحت قدميك وادلكه" وأحاديث البزاق أخرجها الإمام البخاري رحمه الله في الصحيح ، وقال: باب حك البصاق باليد من المسجد، وجاء في حديث أنس : "أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نخامةً في المسجد فحكه" .
النهي عن البصاق جهة القبلة وعن اليمين:
وقال في حديث: باب لا يبصق عن يمينه في الصلاة، قال في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "رأى نخامة في حائط المسجد، فتناول حصاة فحتها، ثم قال: إذا تنخم أحدكم فلا يتنخم قبل وجهه ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى"، وحديث أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يتفلن أحدكم بين يديه ولا عن يمينه ولكن عن يساره أو تحت رجله" وهذا الحديث " لا يتفلن أحدكم " وحديث: " إذا تنخم أحدكم " ليس فيه تقييد للصلاة، فالآن هل هذا مقيد بالصلاة أم لا؟ هل النهي عن البصاق إلى جهة القبلة خاصٌ بالصلاة أم لا؟ أما النووي رحمه الله "فإن رأيه المنع في كل حالة"، داخل الصلاة وخارجها، سواءً كان في مسجد أو غيره، وجاء عن مالك أنه قال: "لا بأس به خارج الصلاة"، وقال ابن حجر : "يشهد للمنع عن ابن مسعود أنه كره أن يبصق عن يمينه وليس في صلاة، عندنا الآن جهتين منهي عن البصق فيها: جهة القبلة والجهة اليمنى، هل هذا خاص بالصلاة؟ وإلا لو أن إنساناً يمشي في الشارع لا يبصق في اتجاه القبلة ولا يبصق عن يمينه". قال ابن حجر رحمه الله: "ويشهد للمنع ما رواه عبد الرزاق وغيره"، عن ابن مسعود: "أنه كره أن يبصق عن يمينه وليس في صلاة"، وعن معاذ بن جبل قال: "ما بصقت عن يميني منذ أسلمت" وعن عمر بن عبد العزيز أنه نهى أبناءه عنه مطلقاً، فالذين قالوا: إنه مخصوص بحالة الصلاة، قالوا: إنه قال في حديث أبي هريرة : "فإن عن يمينه ملكا" فإذا قلنا: إن الملك هذا غير الكاتب والحافظ؛ لأن هناك ملكاً يكتب، وملائكة تحفظ، فيظهر عند ذلك اختصاصه بحال الصلاة، أي: هناك ملك غير الحافظ، ملك في الصلاة يكون عن يمين المصلي، فغير الصلاة لا يكون فيها، إذاً: يجوز أن يبصق خارج الصلاة عن يمينه، هؤلاء الذين قالوا: إن العلة وجود ملك -فهموا الحديث- في الصلاة عن يمين المصلي. والقاضي عياض رأيه أن النهي عن البصاق عن اليمين في الصلاة إنما هو مع إمكان غيره، فإن تعذر فله ذلك، أي: إذا لم يتمكن أن يبصق في جهة أخرى غير اليمين، ولذلك قال ابن حجر :" لا يظهر وجود التعذر مع وجود الثوب الذي هو لابسه، فإنه يمكن مثلاً أن يأخذ طرف الثوب ويبصق فيه عن الجهة اليسرى مثلاً، وإذا كان عن يساره أحد -طبعاً المساجد من قديم كان فيها تراب وحصى- فإذا كان في المسجد تراب وأراد أن يبصق يبصق عن يساره تحت قدمه اليسرى ويدلكها بالتراب وتنتهي، لكن الآن المساجد ليست مفروشة لا بالحصى ولا بالتراب ولا بالرمل، فإذاً: لو بصق ستكون في السجاد فيحصل تلويث وتقذير للمسجد. إذاً: ما هو الحل؟ أن يخرج منديلاً فيبصق فيه أو يبصق في طرف الثوب إذا احتاج لذلك، فقد يكون فيه علة حيث يجتمع البلغم ونحو ذلك ويسد مجرى التنفس ولا يستطيع القراءة ولابد من إخراجه، فإذا احتاج إلى البصاق، فماذا يفعل؟ يبصق عن يساره في ثوبه، أو في منديل، أما البصاق على الأرض تحت القدم اليسرى هذا محله إذا كان في مكانٍ فيه رملٌ أو تراب أو نحوه بصق تحت قدمه اليسرى ودلك ذلك حتى يذهب أثرها، كما إذا كان يصلي في أرضٍ مكشوفة في الرمل.
مشروعية البصاق تحت القدم:
وإذا كان عن شماله شخص فعند ذلك يبصق تحت قدمه اليسرى حتى لا يؤذي من بجانبه، وقال ابن حجر: "ولو كان تحت رجله مثلاً شيءٌ مبسوطٌ أو نحوه تعين الثوب"؛ لأنك إذا بصقت سيأتي على البساط فيتعين البصق في الثوب، ولو فقد الثوب مثلاً فلعل بلعه أولى من ارتكاب المنهي عنه، إذا كان عن يسارك أناس، وفي المسجد بساط، قال في النهاية:" فلعل بلعه أولى من ارتكاب المنهي، أنك تقذر البساط، أو تتفل عن يسار صاحبك أو تفعل شيئاً من الأشياء التي نهي عنها ". وبالنسبة للنخامة والبصاق، والنخامة والنخاعة: شيءٌ ينزل من الأنف إلى الحلق، والأخرى شيء يصعد من الصدر إلى الحلق، فهذا الفرق بينهما، فحكمها حكم البصاق، لكنها أشد من جهة أنها لعابٌ فيه شيءٌ مخلوط به مما يتقذر به بزيادة.. البلغم والنخامة والنخاعة أشد من مجرد البصاق، لكن حكمها حكمه، أي: قضية اليمين والشمال ونحو ذلك حكمها حكمه، أي: إذا أراد أن يمتخط في الصلاة فأخرج منديلاً يلتفت إلى اليسار ويمتخط.
كفارة البزاق في المسجد دفنها:
كذلك قال في باب كفارة البزاق في المسجد؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: " البزاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها" لأن المساجد من تراب ورمل، فلذلك يمكن أن تدفن، والكفارة تدل على أن من بصق في المسجد آثم؛ لأنه لما قال: (خطيئة) أي: أنه آثم وأن لها كفارة. هنا قال بعضهم: "إنما تكون خطيئة إذا لم يدفن، أما إذا دفنت فلا تكون خطيئة"، لكن هذا لعله ليس هو الأقوى؛ لأن مجرد فعله في المسجد لوحده فيه ما فيه، لكن قال ابن حجر رحمه الله تعالى "يستدل برواية أحمد بإسنادٍ حسن، من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعاً: "من تنخم في المسجد فليغير نخامته أن تصيب جلد مؤمنٍ أو ثوبه فتؤذيه" قال: وأوضح منه في المقصود ما رواه أحمد و الطبراني بإسناد حسن، من حديث أبي أمامة مرفوعاً: "من تنخع -من النخاعة- في المسجد فلم يدفنه فسيئة، وإن دفنه فحسنة" فلم يجعله سيئة إلا بقيد عدم الدفن، وفي حديث مسلم مرفوعاً قال: "ووجدت في مساوئ أعمال أمتي النخاعة تكون في المسجد لا تدفن" فهذا يدل على رأي القائلين بأنها تكون خطيئة إذا لم تدفن، فإذا دفنت لم تعد خطيئة ولا تكتب خطيئة. وذَكَر قصة لطيفة: روى سعيد بن منصور، عن أبي عبيدة بن الجراح، أنه تنخم في مسجد ليلةً فنسي أن يدفنها حتى رجع إلى منزله، فأخذ شعلة من نار، ثم جاء فطلبها حتى دفنها، ثم قال: " الحمد لله الذي لم يكتب عليَّ خطيئة الليلة" فدل على أن الخطيئة تختص بمن تركها لا بمن دفنها؛ لأن هذا تراب لو ألقى عليه ما ألقاه ثم دفنه زال المحذور، والعلة المذكورة في الحديث: إيذاء المؤمن، فإذا دفنها زالت العلة. إذاً: هناك من العلماء من يقول: لا يلقيها في المسجد أصلاً، وهناك من يقول: إذا دفنها فلا حرج في إلقائها، وكذلك لو جعلها في ثوب فهو جائز حتى لو كان في مسجد. وعند أبي داود من حديث عبد الله بن الشخير: "أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فبصق تحت قدمه اليسرى ثم دلكه بنعله" إسناده صحيح، والظاهر أن ذلك كان في المسجد فيؤيد ما تقدم. وتوسط بعضهم، فحمل الجواز على ما إذا كان له عذرٌ، كأن لم يتمكن من خروج المسجد، أي: لو كنت في المسجد واحتجت إلى إخراجها فاخرج إلى خارج المسجد وألقها، لكن لو كنت في الصلاة ولا تتمكن من الخروج خارج المسجد فماذا تفعل؟ فعند ذلك يجوز إلقاؤها في المسجد، لكن بدون تقذير أو تجعلها في منديل.. ونحو ذلك. قال ابن حجر رحمه الله: وهو تفصيلٌ حسن، والله أعلم. وينبغي أن يفصل أيضاً بين من بدأ بمعالجة الدفن قبل الفعل كمن حفر أولاً ثم بصق وأورى، وبين من بصق أولاً بنية أن يدفن مثلاً، فأيهما أحسن؟ الذي يهيئ المكان قبل أن يبصق فيه كحفرٍ ثم يدفنه فيه أولى من إبرازها ثم دفنها. وقال الجمهور: يدفنها في تراب المسجد أو رمله أو حصبائه، هذا أيضاً بناءً على أن المساجد مفروشة بالتراب أو الحصباء. وأورد كذلك البخاري رحمه الله في باب دفن النخامة في المسجد حديث أبي هريرة: "إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يبصق أمامه، فإنما يناجي الله ما دام في مصلاه، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكاً، وليبصق عن يساره أو تحت قدمه فيدفنها" هذا بالنسبة لاستدلاله بالحديث على كونه في المسجد، وقال في حديث:"إذا بدره البزاق فليأخذ بطرف ثوبه" عن أنس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في القبلة فحكها بيده، ورئي منه كراهية، وقال: إن أحدكم إذا قام في صلاته، فإنما يناجي ربه، فلا يبزقن في قبلته ولكن عن يساره أو تحت قدمه، ثم أخذ طرف ردائه فبزق فيه ورد بعضه على بعض، قال: أو يفعل هكذا" يعني: النبي صلى الله عليه وسلم أخذ طرف الثوب فبصق فيه ورد بعضه على بعض، كأنه أغلقه عليه ومسحه بحيث أنه لا ينتقل إلى شيءٍ آخر، ثم قال: "أو يفعل هكذا" فإذا عرض البصاق فهذا الإرشاد إلى ما يفعل، هكذا تكون الطريقة. الحديث فيه إزالة هذه الأشياء من المسجد وتفقد الإمام أحوال المسجد، وإزالة الأذى منه، وهذا من تواضعه صلى الله عليه وسلم، واستدلوا بالحديث على أن خروج الصوت مثل النحنحة والنفخ في الصلاة لا يبطلها، ولكن بعضهم قال: إذا خرج منه أحرف هجاء أكثر من حرفين تبطل الصلاة؛ لأنه صار كلاماً عندهم، ولكن المسألة في قضية التعبد إذا تعمد أن يتكلم في الصلاة بكلام أجنبي بطلت وإلا فلا؛ لأنه إذا تنخم خرج حرف الخاء على سبيل المثال. هذا ما سنقف عنده في هذا الموضع، وبقي أشياء يسيرة في البصاق والنخامة والنخاعة نتكلم عليها إن شاء الله تعالى.والله أعلم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً

محبة المساكين
05-11-2011, 04:01 AM
بارك الله فيكى
وجزاكى الله خيرا
اللهم فقهنا فى ديننا

اقرأ القرآن وأذكر ربك
07-11-2011, 10:36 PM
عناصر الموضوع :
1.أهمية الالتزام بآداب الصحبة
2.آداب الأخوة
3.الأسئلة
4.آداب الصحبة
إن الإنسان في هذه الحياة لا بد أن يكون له أصدقاء وإخوان؛ لأن الإنسان اجتماعي بطبعه، وقد جاءت أحاديث في السنة النبوية تدل على فضل الأخوة وعِظَم منزلتها إذا كانت خالصة لله تعالى ليس فيها أي غرض من أغراض الدنيا، وإن أفضل طريقة لدوام الصحبة والمحافظة عليها هي الالتزام بآداب الصحبة، والتي ذكر الشيخ منها في هذا الدرس آداباً كثيرة.
أهمية الالتزام بآداب الصحبة:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فحديثنا في هذه الليلة أيها الإخوة عن أدب آخر من الآداب الشرعية ألا وهو "آداب الصحبة". وآداب الصحبة كثيرة, والصحبة ولا شك من الأمور المهمة للغاية, فإن الإنسان اجتماعي بطبعه ولا بد أن يكون له إخوان وأصحاب و"المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل" كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. والله سبحانه وتعالى قد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه خيراً فقال الله عز وجل: " فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ "[آل عمران:159] وقال سبحانه: " لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ"[الأنفال:63] وإذا كان الإنسان على دين خليله فلا بد أن يكون لهذا الخليل صفات تجعل مصاحبته في مرضاة الله سبحانه وتعالى, والصاحب يؤثر في صاحبه ولا شك، وقد أوصى أهل العلم بوصايا فقال أحدهم:


لا تصحب أخا الجهل وإيـاك وإيـــاه



فكم من جاهل أردى حليماً حيـن آخـاه



يقاس المرء بالمـرء إذا ما المرء ماشـاه



وللشيء من الشـيء مقـاييـس وأشـباه



وللقلـب من القلـب دليـل حيـن يلـقاه

ولا شك أن الاعتناء بآداب الصحبة يربط الإخوان ببعضهم البعض, ويجعل المسلمين جسداً واحداً كما يريد الله سبحانه وتعالى، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً" وإذا اعتنى الإنسان بإخوانه فصفت العشرة ودامت المودة، وأصبح المؤمنون كالجسد الواحد؛ كان ذلك بناء عظيماً للمجتمع الإسلامي، وسداً منيعاً في وجه الشرّ وأهل الكفر.
آداب الأخوة:
فتعالوا بنا نستعرض بعض آداب الأخوة التي ذكرها بعض أهل العلم, فمن آداب الأخوة: أولاً: حسن الخلق، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم "أن خير ما يُعطَى الإنسان خلق حسن", كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وأبو داود وغيرهما، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم "بمخالطة الناس بالخلق الحسن ", فقال صلى الله عليه وسلم: "وخالق الناس بخلق حسن" وهو اقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم. ولا شك أن حسن الخلق يولد الأخوة ويؤلف الطباع. ومن آداب الصحبة أيضاً أن تعطي كل أحد من الذين تصاحبهم حقه على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم, قال بعض أهل العلم: للمعاشرة أوجه، فللمشايخ والأكابر بالاحترام والخدمة والقيام بأشغالهم, وللأقران والأوصاف بالنصيحة وبذل الموجود، وللتلاميذ بالإرشاد والتأديب، والحمل على ما يوجبه العلم وآداب السنة. ومن آداب الأخوة كذلك: الإغضاء عن العثرات, فعثرات الإخوان لا بد من حصولها, والصفح عنها من قيم الصاحب المؤمن, قال الفضيل بن عياض رحمه الله: "الفتوة: الصفح عن عثرات الإخوان"
وكما يحب الإنسان أن يعامل إذا أخطأ بالصفح والتغافر فينبغي كذلك أن يعامل إخوانه, قال ابن الأعرابي: "تناسَ مساوئ الإخوان يدم لك ودهم " . ولا شك أن الذين لا يتناسون عثرات إخوانهم يقعون في مأزق عندما يفقدونهم الواحد تلو الآخر, والله سبحانه وتعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: " فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ "[الحجر:85]ما هو الصفح الجميل؟ الذي ليس فيه تقريع ولا تأنيب وإنما هو معاتبة للرفيق, والمؤمن يألف ويؤلف, ومن الأشياء التي تجعل الإنسان يؤلف أن يتغاضى عن عثرات إخوانه. وكذلك من الآداب: ستر عيوب الإخوان.. وتحسين عيوبهم, فبعض الناس قد يجد في أخيه عيباً؛ فالموقف أن يحاول إصلاح عيبه، وأن يرشده إلى الطريقة التي به يقوم عيبه, ويستر عيوبهم؛ بمعنى أنه لا يشيعها ولا يتطلبها, ولذلك قال بعض السلف : "المؤمن يطلب معاذير إخوانه, والمنافق يطلب عثرات إخوانه", وينبغي على الإنسان إذا أخطأ أخاه أن يلتمس له الأعذار الكثيرة، وإذا لم يقبل عذره فليتهم نفسه، كيف تطلب كل هذه الأعذار ثم لا تقبلها؟ ومن آداب الأخوة: أن يعاشر من يوثق بدينه وأمانته في الظاهر والباطن؛ لأن الله قال: " لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ" [المجادلة:22] ولذلك لا خير في مصاحبة أهل الدنيا؛ لأن أهل الدنيا يدلون على طلبها وجمعها ومنعها, ولا شك أن هذا يبعد الإنسان عن سبيل النجاة، وإنما يعاشر أهل الخير ومن يدله على طلب الآخرة، ولذلك أوصى بعضهم صاحباً له يريد مفارقته بقوله: "عليك بصحبة من تسلم منه بظاهر أمرك، وتبعثك على الخير صحبته، ويذكرك الله رؤيته أي: رؤيته تذكرك بالله، هذا الذي تحرص على صحبته. وكذلك من آداب الصحبة: ألا يحسد إخوانه على ما يراه من النعم عندهم, لأن الله سبحانه وتعالى قد فاوت بين العباد في الأرزاق والعطيات، والمواهب والأموال، ونحو ذلك, فينبغي على الأخ إذا آخى أخاً له ألا يحسده على نعمة عنده, وأن يحمد الله سبحانه وتعالى أن وهبها الله لأخيه, والله عز وجل قال: " أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ "[النساء:54] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تحاسدوا". وكذلك من آداب الصحبة: ألا يواجه أخاً من إخوانه بما يكرهه, فإذا كان يكره أمراً معيناً فلا يواجهه به، ما لم يكن في ذات تلك المواجهة مصلحة له أو نصيحة في الدين. ومن آداب الصحبة: ملازمة الحياء مع الأخ، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الحياء من الإيمان" وقال عليه الصلاة والسلام: "استحي من الله كما تستحي رجلاً صالحاً من قومك" بل استحي من الله أعظم مما تستحي من رجل صالح من قومك, لكن ضربه مثلاً للتقريب. وكذلك من آداب الأخوة: بشاشة الوجه، ولطف اللسان، وسعة القلب، وإسقاط الكبر. ومن آداب الأخوة: ألا يصحب إلا عاقلاً وعالماً، وحليماً تقياً.. فإن صاحب العقل مهم, بالإضافة إلى كونه صاحب دين. وكذلك من آداب الأخوة: سلامة الصدر للإخوان والأصحاب، والنصيحة لهم، وقبول النصيحة منهم, وأن يكون كما قال الله: " إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ " [الشعراء:89] وأن يكون صاحب صدر سليم؛ خال من الأحقاد والضغائن على إخوانه. وكذلك من آداب الأخوة: ألا يخلف الإنسان وعده, إذا وعد أخاه لا يخلفه؛ لأن إخلاف الوعد من علامات النفاق كما قال صلى الله عليه وسلم : "آية المنافق ثلاث.. وذكر منها إذا وعد أخلف" وقال الثوري رحمه الله: "لا تعد أخاك موعداً فتخلفه فتستبدل المودة بغضه " يحل محل المودة البغض, وقال نصر المروزي رحمه الله:


يا واعد الوعد الذي أخلـفا ما الخلف من سيرة أهل الوفا



ما كان ما أظهرت من ودنا إلا سـراجـاً لاح ثم انطفـا

ومن آداب الأخوة: أن يصحب من يستحي منه ويحتشمه.. وقال بعضهم: أحب الطاعات بمجالسة من يستحيا منه, وقالوا كذلك: ما أوقعني في بلية إلا صحبة من لا أحتشم, وما المقصود بصحبة من لا تحتشم أي: الذي لا تستحي أن تفعل أمامه من المنكرات ما شئت, هذا لا تصحبه, لأنك مهما فعلت من الأخطاء والمنكرات فإنك لا تشعر بالحشمة. لا تحتشم أي: لا تقيم له وزناً, احرص على مصاحبة الشخص الذي تستحي من فعل أو قول المنكر أمامه، احرص على مصاحبة الشخص الذي تحتشم وتحرص على ألا يظهر منك عيب ولا خلل أمامه, لأن كثرة مصاحبة هؤلاء توجب للإنسان الابتعاد عن هذه السيئات, أما إذا صاحب أشخاصاً من السفلة الذين لا يستحي أن يسمع أمامهم منكراً أو يقول أمامهم منكراً؛ فلا شك أن هذا سيجرؤه على المنكرات, بل ربما أعانوه عليها. وكذلك من آداب الأخوة: أن يحفظ إخوانه فيما يصلحهم لا ما يريدونه, فإن الصاحب قد يريد منكراً أو يريد شراً فأنت لا تحرص على تلبية رغبته لأنه يريد منكراً, والمؤمن يعاشرك بالمعروف، ويدلك على صلاح دينك ودنياك, والمنافق يعاشرك بالممادحة ويدلك على ما تشتهيه, فهذا الفرق بين مصاحبة المؤمن ومصاحبة المنافق. وكذلك من آداب الصحبة: ترك ما يؤذيه عموماً بالمواجهة أو بغيرها, لأن الله سبحانه وتعالى يقول: " وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً " [الأحزاب:58] ومن آداب الصحبة: أن تحب له ما تحب لنفسك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". ومن آداب الصحبة: أن تحرص على ما يجلب المودة بينك وبينه كما قال عمر رضي الله عنه: "ثلاث يصفين لك ود أخيك: أن تسلم عليه إذا لقيته, وتوسع له في المجلس, وتدعوه بأحب الأسماء إليه". ولا شك أن السلام من أسباب المحبة.. وإذا وسعت له في المجلس إذا دخل دل ذلك على قيمته عندك, وعلى حرصك على راحته, وعلى إكرامك له, والنفوس ترتاح لمن يكرمها، وإذا دعوته بأحب الأسماء إليه فإن ذلك أيضاً من أسباب محبته لك, فإن النفوس لا ترد من يناديها باسم فيه عيب أو فيه نوع من السخرية. وكذلك من آداب الأخوة: أن تحمل كلامه على أحسن الوجوه: فإذا وجدت لكلامه وجهاً حسناً فاحمله عليه, وضع أمر أخيك على أحسنه. ومن آداب الأخوة: السؤال عن اسمه واسم أبيه وعن منزله، لئلا تقصر في حقه, فإنك إذا عرفت أسماء أقاربه كان ذلك سبباً في مودته, لأنك إذا عرفتهم في مناسبة أو مكان فأكرمتهم من أجله؛ فإن هذا من الأسباب التي تقوي العلاقة بينك وبينه, فإذا عرفت أن أباه فلان وأخاه فلان وابن عمه فلان وغير ذلك, وأن صديقه فلان، كان برك لهم من برك له. وكذلك من آداب الأخوة: أن تلازم الأخوة ولا تقطعها ولا تمل منها, فإن بعض الناس يصاحبون الأشخاص لفترات قصيرة ثم يتركونهم, ويكون همه هو التعارف والمداخلة ثم الخروج وهكذا, والأخوة الحقيقة هي التي تدوم ويحرص الإنسان على الالتزام بها, لا تركها ومفارقتها, ولا شك أن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل, وقد قال بعضهم: ليس لملول صديق, والملول: الذي يمل من كل أحد فيعاشر معاشرة بسيطة ثم يترك ويستبدل بالإخوان آخرين، وهكذا، ثم يستغني عنهم, ويمل من مصاحبتهم, فلا شك أن الملول لا يدوم له أخ.
وكذلك من آداب الأخوة: ألا تقطع صديقاً بعد إذ صادقته، ولا ترده بعد أن قبلته, قال الخليل بن أحمد : لا تواصلنّ صديقاً إلا بعد تجربة, يعني: لا تصادق وتواصل إلا بعد تجربة, فإذا خبرته وسألت عنه وعرفت حاله فصاحبه وآخه, وإذا صادقته فلا تقاطعه, فمؤمن بلا صديق خير من مؤمن كثير الأعداء. ولا شك أن الإخوان إذا قاطعهم الإنسان ربما انقلب بعضهم عدواً, ولذلك لا تصاحب صديقاً إلا بعد تجربة, وإذا صاحبته فلا تقطعه؛ لأن من آداب الأخوة أن المؤمن إذا ظفر بأخ أو صديق لا يضيعه؛ لأن الأخوة والصداقة عزيزة, أي: أن الإخوان الذين عندهم الوفاء والصدق والبر قلة, فإذا ظفرت به فلا تتخل عنه ولا تقطعه, وكتب بعض الحكماء لصاحب له: استوحش ممن لا إخوان له, وأشد الناس تفريطاً من وجد أخاً ثم ضيعه بعد أن وجده, وإن وجدان الكبريت الأحمر أيسر من وجدان أخ, والكبريت الأحمر نوع خالص منه معروف يضرب به المثل لندرة وجوده, وإني لفي طلب الإخوان منذ خمسين سنة.. واعلم أن الناس ثلاث: معارف وأصدقاء وإخوان, فالمعارف بين الناس كثير, أي: من جهة المعارف قد يتعرف الإنسان على أشخاص كثيرين ويعرف أشخاصاً كثيرين, لكن الأصدقاء من المعارف أقل, والصديق عزيز، والأخ قلما يوجد, فقد تتعرف على شخص، وقد تصادق أشخاصاً في مكان العمل أو في فصل دراسي, والإخوان من هؤلاء الذين تصطفيهم بصفاتهم التي يؤمن جانبهم، وتأمن على نفسك إذا صادقتهم ندرة قلة
الأسئلة :
لا يشترط وجود جميع الآداب في الصاحب:
السؤال: يقول: قد يجد بعضنا بعض الأخطاء وبعض الزلات من قبل بعض الأخوة! وكذلك نجد بعض التقصير فيما ذكرته من الصفات، ومع هذا كله تجد فيهم الخير الكثير, هل تركهم وعدم مخالطتهم في الكثير من نشاطاتهم المفيدة والنافعة أمر ممكن بما سبق من الأخطاء؟ الجواب: طبعاً عندما نقول الآن: آداب الأخوة وآداب الصحبة وهي هذه التي تقدم ذكرها، فإن اجتماعها في شخص واحد لا أظنها توجد, وإن وجدت فنادر جداً جداًَ, لكن احرص على أن تصاحب من اجتمع فيه أكبر قدر من هذه الخصال, ثم إننا الآن نتكلم فيما يجب علينا ولا ننظر للمسألة من قبل الآخرين؛ نقول: مَنْ تتوفر فيه هذه الصفات حتى أصاحبه؟ لا. أنت وفر هذه الصفات فيك فيمن تصاحبه, ولو أن كل واحد منا نظر هذه النظرة لتقاربت النفوس, أما كل واحد يقول: هذه غير موجودة في فلان, وهذه غير موجودة في فلان, لا يصفى لك شيء.
ذم كثرة السؤال:
السؤال: أحد الإخوان كثير الأسئلة، في الجلوس معه مشكلة تحقيق, وكثير ما يقع في الغيبة أو يوقع غيره فيها بكثرة أسئلته؟ الجواب:أولاً: انصحه, وقل له: إن الجلسة معك أشبه بالتحقيق. ثانياً: فإنه إذا سأل سؤالاً يترتب على الجواب غيبة, فلست ملزماً بالجواب, بل لا يجوز لك أن تجيب.
حقيقة الاحتجاب عن الإخوان:
السؤال: يقول: إننا في السكن الجامعي نضع أحياناً لافتات على الباب مثلاً: الرجاء عدم الإزعاج ونحو ذلك, حين يكون لدينا اختبارات أو نكون مشغولين, فهل هذا من باب الاحتجاب عن الإخوان؟ الجواب: نعم. هذا من الاحتجاب عن الإخوان, لكن إذا كان لعذر مثل أن تخشى أن يضيع الوقت من مجيء واحد تلو الآخر؛ خصوصاً في هذه الأماكن التي فيها سكن متقارب، والغرف متجاورة, والطارقون كثر، والمارون متعددون, فليس من المصلحة أن يجعل الإنسان غرفته كالمجلس العام, مفتوحاً، ثم بعد ذلك يصاب بما يصاب به من الرسوب وتدني المستوى ونحو ذلك, فلا شك أن هناك أوقاتاً للزيارة، وأوقاتاً للمدارسة؛ لكن الذي يكون دائماً مكتوب على غرفته: الرجاء عدم الإزعاج فلا شك أن هذا ممن يحتجب على إخوانه. وكذلك يمكن للإنسان أن يرد رداً جميلاً، ويعتذر اعتذاراً مؤدباً، أما أن يكون إذا طرق عليه الباب فتح النافذة وقال: ماذا تريد..؟ "هات من الشباك, خذ من الشباك، ومع السلامة" فلا شك أن هذا نوع من التعامل يؤدي إلى جفوة ووحشة, وكذلك يظهر النرفزة يقول: ضيعتم أوقاتي.. ضيعتم مستقبلي.. ضيعتم دراستي.. أنتم السبب.. لولا.. فلا شك أن هذا لا ينبغي، وأن على الإنسان أن يعالج الأمر من بدايته, وينبغي على الجميع أن يعذر بعضهم بعضاً في مثل هذه الأشياء، ثم إن الزيارات في أوقات الامتحانات ليست مناسبة, هل من الضروري أن تزوره في أوقات الامتحانات؟ يمكن أن تكون في غير أوقات الامتحانات، ثم الامتحانات النهائية الكبيرة التي فيها النسبة الكبرى والتي يتوقف عليها النجاح والرسوب أكثر من غيرها, يتشدد فيها الإنسان بشيء من العزلة من أجل المذاكرة، بينما الأشياء الصغيرة والأشياء التي تأتي على مدار السنة هذه الظروف اسمح فيها, فالمسألة إذاً مسألة تقدير ظروف من الجميع.
كثرة الاختلاط بشخص معين :
السؤال: يقول: إن مما نجد في وسط الشباب والملتزمين صحبة شخصين فيما بينهما، فيزعمون أنها لله, ولكن في حقيقتها ليست كذلك, إنما هي لتشاكل أو استحسان أحدهما للآخر، وقد تؤدي لأمور لا يحمد عقباها؟! الجواب: نعم. هذه مسألة تكاد تكون كالظاهرة في كثير من الأوساط, فصحيح أن الطيور على أشكالها تقع, لكن بعضهم يقع على أم رأسه في مثل هذه المسألة، فيتورط في علاقة تعلق تؤدي إلى إتلاف قلبه, وتؤدي إلى استحكام المحبة بحيث تصل إلى درجة من العشق، ولا شك أن هذا أمر مذموم؛ ولهذا علامات، وفرقان يفرق بين الحق والباطل فيه, فأرى في مثل هذه الحالة أن يوعظ هذان ويذكرا بالله تعالى وبالأخوة الحقيقية, ويقال لهما: لو كنتما صادقين في أخوتكما لصاحبتما فلاناً وفلاناً ممن هو أتقى لله منكما, فلماذا عكفت عليه وهناك من هو أتقى لله منه, وأعلم بالعلم الشرعي، وأنشط في الدعوة إلى الله، وأكثر تخلقاً بالأخلاق الحسنة, فإن كنت صادقاً في جعلك الأخوة المعيار فيها أنها لله فأين صحبتك للآخرين؟
سؤال الله الوجه الحسن:
السؤال: هل يجوز دعاء الله بأن يرزقه وجهاً حسناً؟ الجواب: نعم. لا بأس, وورد في حديث المرآة وهو ضعيف: اللهم كما حسنت خَلْقي فحسن خُلُقي؛ لكن لا بأس أن يدعو الإنسان أن يحسن خَلْقه وخُلُقه.
حكم قول القائل: في ذمتك:
السؤال: ما حكم قول: في ذمتك, على سبيل التأكيد؟ الجواب: إذا كان يميناً لا يحلفه بالذمة؛ لأنه لا يحوز الحلف إلا بالله.
المسح على رأس اليتيم:
السؤال: هل يؤجر من مسح على رأس أخيه؟ الجواب: هذا ورد في اليتيم, إذا كان أخوك يتيماً أو صاحبك يتيماً, وكان يؤتى بالصبيان فيمسح صلى الله عليه وسلم رء وسهم ويدعو لهم بالبركة.
زيارة الأصدقاء المقصرين مع سَبْق نصحهم:
السؤال: ما حكم زيارة الأصدقاء والزملاء المقصرين، مع العلم بأنه سبق نصحهم ودعوتهم؟ الجواب: لا بأس، لكن مع الاستمرار بالنصح والدعوة.
حكم التبول واقفاً:
السؤال: ما حكم التبول واقفاً؟ الجواب: جائز إذا كان يأمن من ارتداد الرشاش عليه.
الإنفاق على الإخوان صدقة:
السؤال: هل الإنفاق على الإخوان من الصدقة؟ الجواب: نعم. من أنواع الصدقة. هذا ختام المطاف.
ونسأل الله أن يجعلنا إخوناً في سبيله متحابين، ويجعلنا في الجنة على سرر متقابلين، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

اقرأ القرآن وأذكر ربك
08-11-2011, 09:46 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

محاضرة( آداب الضحك )للشيخ محمد المنجد





عناصر الموضوع :
1. معنى الضحك ومراتبه
2. الضحك من صفات الله وتأويله بالرضا تأويل باطل
3. حكم الضحك
4. صفة ضحك النبي صلى الله عليه وسلم
5. أسباب الضحك
6. بعض كلام العلماء في الضحك
7. أحاديث تبين هديه عليه الصلاة والسلام وأدبه في الضحك
8. ضحك الأنبياء والصالحين
9. مواقف من ضحك الصحابة
10. النهي عن الضحك من الضرطة
11. حكم الضحك في الصلاة
12. علاج كثرة الضحك
13. آداب الضحك


http://aljoufreev.com/upload//uploads/images/aljoufreev-ca25039d33.gif


ما هي صفة ضحك النبي صلى الله عليه وسلم؟ وما هي السنة فيه؟ ما هي المواقف التي ضحك فيها النبي صلى الله عليه وسلم، أو ضحك فيها الصحابة؟ وما هو ضحك الأنبياء والصالحين؟ وما هو قرين الضحك؟ وما هو ضده؟ وكيف يتخلص منه؟ وبماذا وصفه أهل العلم؟ وما هي أسباب الضحك؟ وما هو حكمه لا سيما في الصلاة؟ أسئلة كثيرة جاءت إجاباتها مفصلة ضمن هذه المادة.


http://aljoufreev.com/upload//uploads/images/aljoufreev-ca25039d33.gif


معنى الضحك ومراتبه:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعــد: فأحييكم -أيها الإخوة- بتحية الإسلام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وموضوع درسنا في هذه الليلة في سلسلة الآداب الشرعية هو (آداب الضحك) الضحك الذي خلقه الله سبحانه وتعالى، فقال عز وجل: (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى )[النجم:43]
أي: أنه خلق في النفس صفة الضحك وصفة البكاء، فيضحك الإنسان ويبكيه، وكل ذلك مما ركبه الله سبحانه وتعالى في طبعه. أما بالنسبة للضحك فهو في اللغة: مصدر ضحك، وتعريفه: انبساط الوجه وبدو الأسنان، والفرق بينه وبين التبسم، أن التبسم هو مبادئ الضحك، فأول الضحك يكون تبسماً، ويكون غالباً للسرور، كما قال الله سبحانه وتعالى في الضحك: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ )
[عبس:38-39] والضحك أعم من التبسم، فكل تبسمٍ ضحك، وليس كل ضحكٍ تبسماً. ولذلك قال ابن حجر رحمه الله: فإن كان بصوتٍ بحيث يُسمع من بعدٍ فهو القهقهة، وإلا فهو الضحك؛ وإن كان بلا صوتٍ فهو التبسم، وتسمى الأسنان في مقدم الفم الضواحك، وهي الثنايا والأنياب وما يليها، وتسمى النواجذ وهي التي تظهر عند الضحك. إذاً: عندنا في المسألة التفصيل على ثلاث مراتب: المرتبة الأخف: وهي التبسم، إذا كان بلا صوت، انفراج الفم تبسمٌ، وإن كان بصوتٍ فهو الضحك، وإن كان بحيث يسمع هو وجيرانه ومن بَعُدَ فهو القهقهة. إذاً يُطلق على التبسم ضحك، وما كان ضحك النبي صلى الله عليه وسلم إلا تبسماً، فالضحك أعم من التبسم، وهو نوعٌ منه.


الضحك من صفات الله وتأويله بالرضا تأويل باطل:
أما بالنسبة للضحك فهو صفة لله تعالى، فإنه عز وجل يضحك ، كما جاء في أحاديث كثيرة، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل فيسلم فيقاتل في سبيل الله فيستشهد) رواه البخاري ومسلم وأحمد وغيرهم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد : (أفضل الشهداء الذين يقاتلون في الصف الأول فلا يلفتون وجوههم حتى يُقتلوا، أولئك يتلبطون في الغرف العلا من الجنة، يضحك إليهم ربك، فإذا ضحك ربك إلى عبدٍ في موطن فلا حساب عليه). كذلك أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: (أن الله ضحك من صنيع فلانٍ وفلانة لما آثرا الضيف فقدما له طعام الأطفال، وباتا هما وأولادهما جائعين).. إلى غير ذلك من النصوص الشرعية التي فيها إثبات الضحك، وهو صفة لله عز وجل نثبتها له كما يليق بجلاله وعظمته، ولا نحرفها ولا نلعب بها، ولا نقول: الضحك بمعنى الرضا، صحيح أن الله إذا ضحك من شيء فهو يدل على رضاه سبحانه وتعالى، لكن ليس الضحك هو الرضا، وإنما من آثار صفة الضحك الرضا. فإذا رأيت في كلام بعض المؤلفين تفسير ضحك الله عز وجل بأنه الرضا فاعلم بأنه تأويلٌ منبوذ، وأنه تحريفٌ في الواقع، وقد جاء في الحديث الصحيح أيضاً: (إن الله سبحانه وتعالى ينشئ السحاب، فينطق أحسن النطق، ويضحك أحسن الضحك) وقد فسَّره ابن كثير رحمه الله في تفسيره لما تعرض للحديث الذي رواه أحمد هذا بأن نطق السحاب وضحكه هو البرق والرعد.


http://aljoufreev.com/upload//uploads/images/aljoufreev-ca25039d33.gif


حكم الضحك:
أما بالنسبة للضحك فلا شك أن الإكثار منه مذموم شرعاً، ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث الكسوف: (ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد! والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً). إذاً: حال المؤمن الجاد المتصل قلبه بالله، المستحضر لعظمته سبحانه وتعالى، الذي يتذكر ما في اليوم الآخر وما يحدث يوم القيامة من الأهوال، ويعرف شدة عذاب النار لا يكثر من الضحك، فإننا ما خلقنا للضحك واللهو واللعب، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم مبيناً حكم كثرة الضحك وهو يوصي أبا هريرة : (كن ورعاً تكن أعبد الناس، وكن قنعاً تكن أشكر الناس، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمناً، وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلماً، وأقلّ الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب). هذا الحديث يبين حكم الضحك، حتى ذكر ابن النحاس رحمه الله في كتابه العظيم تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين ، قال في تعداد الصغائر -لأنه ذكر فصلاً يتعلق بالكبائر وفصلاً يتعلق بالصغائر- ومنها -من الصغائر-: كثرة الضحك بلا سبب، كذا عدها العلماء من الصغائر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لـأبي ذر: (إياك وكثرة الضحك! فإنه يميت القلب) ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو خير البشر متصلاً قلبه بربه، فكان لا يُكثر من الضحك، ولا يقهقه كما يفعل كثيرٌ من الناس، بل كان عليه الصلاة والسلام وقوراً متزناً هادئاً، فقد جاء في صحيح مسلم، عن جابر بن سمرة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان طويل الصمت، قليل الضحك) وهاتان صفتان ينبغي أن يتخلق بهما المسلم الجاد، ولا شك أن هذا يعود إلى تقدير وتذكر ما خلق الإنسان من أجله: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ ) [المؤمنون:115] وتصف عائشة رضي الله عنها ضحك النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في صحيح الإمام البخاري ، قالت: (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكاً حتى أرى منه لهواته، وإنما كان يتبسم). وجاء في رواية أخرى: (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعاً ضاحكاً قط حتى ترى لهواته). واللهاة: شيء في الفم، تظهر إذا أغرق الإنسان في الضحك، فانفتح فمه من شدته، فتظهر هذه اللهوات، ولذلك فإن الإقلال منه والاقتصاد وجعل أكثره تبسماً هو السنة. وكذلك فإن الضحك منه ما يكون كفراً كما إذا اشتمل على استهزاءٍ بشيءٍ مما أنزله الله سبحانه وتعالى، فإذا ضحك سخرية مما أنزله الله، أو من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، أو من شخص النبي صلى الله عليه وسلم فلا شك أنه كافر، وقد أتاك نبأ الكفار من قريش لما اجتمعوا عند الكعبة والنبي صلى الله عليه وسلم قائمٌ يصلي، قال قائلٌ منهم: ألا تنظرون إلى هذا المرائي -انظر كيف يصفون النبي صلى الله عليه وسلم- أيكم يقوم إلى جزور آل فلان فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها فيجيء به، ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه؟ فانبعث أشقاهم -أشقى القوم- ابن أبي معيط ، فلما سجد النبي صلى الله عليه وسلم وضعه بين كتفيه، وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ساجداً، فضحكوا حتى مال بعضهم على بعضٍ من الضحك. وفي رواية للبخاري أيضاً: فجعلوا يضحكون ويحيل بعضهم على بعض حتى جاءت فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم فأزالته عن ظهره، ثم أقبلت عليهم تسبهم من شجاعتها بالرغم من صغرها رضي الله عنها. ومن الأمور المتعلقة بآداب الضحك: أنه لا يجوز الكذب لإضحاك الناس، كما يفعل كثيرٌ من المضحكين الذين همهم إضحاك القوم، فإنهم يكذبون لأجل ذلك، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الحسن الذي رواه أحمد والترمذي وغيرهما: (ويلٌ للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم، ويلٌ له ويلٌ له). وبهذا تعلمون شيئاً من الأضرار الشرعية الناجمة عما يسمونه اليوم في عالم الفن والمسرحيات (بالكوميديا) الذي من أجله يعملون الأفلام والمسرحيات المضحكة، والغرض منها إضحاك الناس؛ فيكذبون لأجل ذلك، وكثيراً ما يستهزئون بالدين، أو بأسماء الله سبحانه وتعالى، يحرفون فيها، أو يلمزون المطوعين من المؤمنين من عباد الله الصالحين، ولا شك أن هذا كفر. كثير من المسرحيات التي صدرت مؤخراً فيها هذا الكفر وهي في قالب (الكوميديا)،


ثم لو قلنا: إنها لا تشتمل على الكفر فهي تشتمل على الكذب، فإن فيها كثيراً من الكذب، ثم إن قلنا: إنها سالمة من الكذب، فإن مبناها على إضحاك الناس ضحكاً متوالياً حتى أن بعضهم من شدة الضحك قد يُلقى على الأرض، وتعلو أصوات القهقهات من المتفرجين، فهي تقسي قلوب جميع الناظرين إليها، ولا شك أن كثرة الضحك تميت القلب. وبذلك نعلم مخالفة هذه المسرحيات والأفلام الكوميدية لآداب الشريعة الإسلامية، ولذلك يقوم القائم منها وبطنه موجوعٌ من شدة الضحك، وقد علا قلبه غلاف سميكٌ من الران والغفلة التي نجمت عن مشاهدة هذا الفيلم أو المسرحية، وما عُهد أن النبي صلى الله عليه وسلم أو أحداً من أصحابه كانوا يجلسون مجلساً كله ضحك، من أوله إلى آخره، يجمعون به سائر الطرف وسائر الأشياء المضحكة ويعملون مجلساً للضحك، فبهذا يُعلم بأن هذه الأشياء كثيرٌ منها محرم والباقي مكروه.


http://aljoufreev.com/upload//uploads/images/aljoufreev-ca25039d33.gif


صفة ضحك النبي صلى الله عليه وسلم:


الآن نتعرف على صفة ضحك النبي صلى الله عليه وسلم، فقد جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن الحارث بن جزء رضي الله عنه أنه قال: (ما رأيت أحداً أكثر تبسماً من رسول الله صلى الله عليه وسلم) ، ومن طريقٍ أخرى عنه قال: (ما كان ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تبسماً)، وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: (ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت، لا رآني إلا ضحك) أي: تبسم، لأن تبسمك في وجه أخيك صدقة، وقد قلنا سابقاً: إن الضحك يُطلق على التبسم، وإن كل تبسمٍ في اللغة هو ضحك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أفصح خلق الله، وأعذبهم كلاماً، وأسرعهم أداءً، وأحلاهم منطقاً، قال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد في فصلٍ يتعلق بهديه صلى الله عليه وسلم في كلامه وسكوته وضحكه: "وكان يضحك مما يُضحك منه، وهو مما يُتعجب من مثله ويستغرب"، كان يضحك من الشيء الذي يدعو للضحك، لكن كان غالب ضحكه عليه الصلاة والسلام تبسماً، والأشياء التي يُضحك منها فسرها رحمه الله بقوله: "وهو مما يتعجب من مثله ويستغرب"، وستأتي شواهد لهذا. وعقد الترمذي رحمه الله في كتاب الشمائل المحمدية : باب ما جاء في ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم،


وقد تقدم ذكر بعض الأحاديث الصحيحة منه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم مما جاء عنه أنه ربما جلس في مجلسٍ وفيه بعض أصحابه، فذكروا أشياء مما يُضحك منها فتبسم صلى الله عليه وسلم، كما جاء في صحيح مسلم : عن سماك بن حرب قال: قلت لـجابر بن سمرة : (أكنت تجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم كثيراً، كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح أو الغداة حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس قام، وكانوا يتحدثون) أي: حصل في بعض المجالس أنهم كانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم. مثال على هذه الأشياء: أنه ربما ذكروا قصة الرجل الذي كان يجعل صنماً من تمرٍ يزعم أنه إلهه فأينما حل وارتحل جعله معه، وأنزله معه يسجد له، فإذا جاع أكل منه، فهذا مما كان يتبسم منه صلى الله عليه وسلم، وربما كان في بعض أصحابه أناس من الظرفاء الذين عندهم طبعٌ فيه مزاحٌ وظرفٌ، فكان عليه الصلاة والسلام يضحك مما يحصل منهم من هذه الظرف، كما جاء في صحيح البخاري من حديث عمر بن الخطاب على عهد النبي صلى الله عليه وسلم: (أن رجلاً كان اسمه عبد الله وكان يلقب حماراً، وكان يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم) فإذا وجد في طلاب أو جلساء العالم من عنده روح الدعابة والطرفة، فإذا حصل عند العالم أو هذا الشخص القدوة شيءٌ من الضيق أدخل على نفسه شيئاً من السرور بإضحاكه بحق، وهذا لا بأس به.


http://aljoufreev.com/upload//uploads/images/aljoufreev-ca25039d33.gif


أسباب الضحك:


قال ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد : وللضحك أسبابٌ عديدة هذا أحدها وهو الضحك مما يتعجب منه ويُستندر. الثاني: ضحك الفرح: وهو أن يرى ما يسره أو يباشره -وسيأتي أمثلة لهذا إن شاء الله-. والثالث: ضحك الغضب: وهو كثيراً ما يعتري الغضبان إذا اشتد غضبه، وسببه تعجب الغضبان مما أورد عليه الغضب، وشعور نفسه بالقدرة على خصمه، وأنه في قبضته، وقد يكون ضحكه لملكه نفسه عند الغضب وإعراضه عمن أغضبه، وعدم اكتراثه به، ومن الأشياء التي كان النبي صلى الله عليه وسلم في المناسبات يتبسم فيها تبسم المغضب قصة كعب بن مالك رضي الله عنه لما جاءه متخلفاً بعدما رجع النبي عليه الصلاة والسلام من الغزو، قال كعب : (فلما رآني تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المغضب) فإذاً: التعبير عن الغضب يكون أحياناً بالابتسامة. وهذه بعض أسباب التبسم أو الضحك، وهي: مما يتعجب منه، وللفرح، وتبسم المغضب، وقد يكون -كما ذكرنا- ضحك سخرية واستهزاء وقد يكون كفراً، وقد يكون من قلة الأدب إذا كان ضحكاً بلا سبب. ومن الأمور التي جاءت الشريعة فيها بالندب إلى المضاحكة: ملاعبة الزوجة، والبكر بالذات، كما جاء في صحيح البخاري في عدة مواضع من حديث جابر لما تزوج ثيباً، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تزوجت يا جابر ؟ فقلت: نعم. فقال: بكراً أم ثيباً؟ قلت: بل ثيباً، قال: فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك، وتضاحكها وتضاحكك؟... ) الحديث وهذا هو الشاهد منه، أن ملاعبة الزوجة ومضاحكتها لا شك أنها من الشرع الحنيف، ومن الأمور المحمودة.


بعض كلام العلماء في الضحك ومما أورده أهل العلم في الضحك:
كلام الإمام الماوردي في الضحك:
ما قاله الإمام الماوردي رحمه الله في كتاب: أدب الدنيا والدين تحت عنوان: (آفة الضحك) قال: "وأما الضحك فإن اعتياده شاغلٌ عن النظر في الأمور المهمة"، أي: أن الإنسان الذي يكثر الضحك إنسان غير جاد، وكثرة الضحك من علامات عدم الجدية المطلوبة من المسلم. وقال في مفاسد الضحك: "والإكثار منه مذهلٌ عن الفكر في النوائب الملمة"، أي: إذا نزل بالإنسان نائبة ملمة وصار يُكثر من الضحك، لم يستطع فكره أن يجتمع لأجل مواجهتها، "وليس لمن أكثر منه هيبةٌ ولا وقار"، وهذه مضرة ثانية، فالشخص المكثر من الضحك يزول وقاره وهيبته من نفوس الناس، ولذلك يجترئون عليه، لما صار مكثراً للضحك، وتسقط هيبته من قلوب الناس، ولا شك أن هذه السلبية قاتلة لأثر الداعية على الآخرين، فإن الداعية لا ينبغي أن يكون من المكثرين من الضحك، فإن كثرة الضحك منه تزيل أثر كلامه أو لا تجعل لكلامه أثراً ووقعاً في قلوب الناس، وغاية ما يكون مع المدعو أنه يتندر معه ويأتي بالطرف.. ونحو ذلك. نعم! إن الإتيان بالطرف أحياناً بأدبٍ وحكمة لها فوائد، منها: إيناس الشخص الآخر ، وملاطفته للدخول إلى قلبه، لكن إذا كان الهدف إنما هو ضحك في ضحك، فأي شيءٍ هي الدعوة؟ هذا ما صار عبوراً إلى قلبه، بل صار كل شيءٍ هو الضحك. ولذلك تجد بعض الذين يؤدون الأدوار الهزلية حتى من بعض المنتسبين إلى التدين يَسقط شيءٌ من هيبتهم من قلوب المشاهدين والحاضرين، لأجل أن الدور الهزلي لا يناسب الشخصية الجادة. قال: "وليس لمن أكثر منه هيبة ولا وقار، ولا لمن وسم به خطر ولا مقدار"، لأن الناس يقولون: هذا مضحك القوم، اذهب إلى فلان يضحكك، اذهب إلى فلان تجلس إليه يوسع صدرك بالنكت والطرائف، ويا ليتها نكتاً يستفاد منها. روى أبو إدريس الخولاني، عن أبي ذر الغفاري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب ويذهب بنور الوجه)، وروي عن ابن عباس في قوله تعالى:( مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا )[الكهف:49] قال: [ الصغيرة الضحك، والكبيرة القهقهة ]. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: [من كثر ضحكه قلت هيبته]. وقال علي بن أبي طالب : [إذا ضحك العالم ضحكة مج من العلم مجة]، وقيل في منثور الحكم: ضحكة المؤمن غفلة في قلبه. والقول في الضحك كالقول في المزاح: إن تجافاه الإنسان بالكلية -لا يضحك أبداً- نُفر عنه وأُوحش منه، وإن ألفه .. دائماً يضحك، كان حاله ما وصفناه، أي: من عدم الهيبة والوقار، وعدم اجتماع الفكر للأشياء المهمة، وأنه يلهي عن الأشغال والأمور المهمة. قال: "فليكن بدل الضحك عند الإيناس تبسماً وبشرة، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: [التبسم دعابة]، وهذا أبلغ في الإيناس من الضحك -لأن التبسم يؤنس الشخص أكثر من الضحك- الذي قد يكون استهزاءً وتعجباً، وليس ينكر منه المرة النادرة"، كمن يضحك نادراً، لا بأس لطارئٍ استغفل النفس عن دفعه، فبعض الأحيان تهجم الضحكة فلا يستطيع مدافعتها فهي تأتي فجأةً. وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أملك الخلق لنفسه قد تبسم حتى بدت نواجذه، وإنما كان ذلك منه صلى الله عليه وسلم على الوجه الذي ذكرناه.


كلام صاحب المنهج المسلوك في سياسة الملوك في الضحك:
قال صاحب المنهج المسلوك في سياسة الملوك : "اعلم أن كثرة الضحك تضاهي المزاح في المذمة والقبح، ولا تقتضيه حال الملوك وأرباب المناصب؛ لما به من زوال الهيبة، وذهاب الوقار، وقلة الأدب، ومن أكثر من شيءٍ عُرف به، ولكن لا بد أن يرى الإنسان أو يسمع ما يغلب عليه الضحك منه، أو تمسه الحاجة إليه، لإيناس الجليس، فينبغي إذا طرأ شيءٌ من ذلك أن يجعله تبسماً"، إذا جاء الضحك وطرأ عليك فاجعله تبسماً من غير قهقهة واسترسال، وبالنسبة للذي لا يضحك أبداً أو يتطرف في القضية ويقول: ينبغي علينا ألا نضحك ألبتة، ولذلك دائماً يكون عبوساً وكالحاً، ويكون دائماً ممن لا يلقى الناس بوجهٍ سهلٍ لينٍ، ولا يتبسم مطلقاً، ويعتبر ذلك من علامات الجدية، وأنه من الوقار ومن السمت، هذا كله من تسويلات الشيطان.


كلام الإمام الذهبي في الضحك:
هناك تعليق لطيف للذهبي رحمه الله في سير أعلام النبلاء في ترجمة يحيى بن حماد رحمه الله تعالى، قال: قال محمد بن النعمان بن عبد السلام : لم أر أعبد من يحيى بن حماد وأظنه لم يضحك، قلت - الذهبي -: الضحك اليسير والتبسم أفضل، وعدم ذلك من مشايخ العلم على قسمين، فالمشايخ الذين لا يضحكون ويتبسمون: أحدهما: يكون فاضلاً لمن تركه أدباً وخوفاً من الله، وحزناً على نفسه المسكينة، فإذا كان هذا لا يضحك خوفاً من الله وحزناً على نفسه المسكينة فهذا معه الحق. والثاني: مذموم لمن فعله حمقاً وكبراً وتصنعاً. إذاً: الذي يتصنع عدم الضحك ويريد بذلك وقاراً دائماً.. ونحو ذلك، وربما صنعه كبراً، أي أنه لا يضحك مما يضحك منه الناس، ومما يتندر منه، ومن الأشياء الطريفة بالحق، ويزعم أنه لا يتأثر بها فلا يبدي أي نوع من أنواع الابتسامة فهذا إنسان متصنع للهيبة والوقار، وتصنعه ممجوجٌ مذمومٌ. إذاً: التكلف الموجود في بعض النفوس من عدم الضحك زعماً للوقار تطرفٌ مقيتٌ، كما أن من أكثر الضحك استخف به -ما صار له قيمة عند الناس- ولا ريب أن الضحك في الشباب أخف منه وأعذر في الشيوخ، هذه فائدة أخرى، أي: أنه ينبغي على من تقدمت به السن أن يراعي سنه وقربه من القبر، وأن الشاب ربما كان فيه من المرح وطبيعة روح الشباب ما يجعله يقع في هذا، لكن الشيخ الكبير لا ينبغي له الإكثار مثلما يقع من الشاب، ليس بنفس الدرجة هذا حكم السن. قال: "وأما التبسم وطلاقة الوجه فأرفع من ذلك كله"، أي: التبسم وطلاقة الوجه لا علاقة لها بمسألة القهقهة والإغراق في الضحك، التبسم وطلاقة الوجه سنة، وإدامة التبسم سنة، "قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تبسمك في وجه أخيك صدقة) ، وقال جرير : (ما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تبسم) فهذا هو خُلق الإسلام، فأعلى المقامات من كان بكَّاءً بالليل، بسَّاماً بالنهار"، هذه عبارة في غاية الجودة، فأعلى مقامات المسلم من كان بكَّاءً بالليل بسَّاماً بالنهار، هذا هو المطلوب.


وقال رحمه الله: "إذا كان الإنسان طبعه مرح -طبعه أنه يكثر من الضحك- ينبغي أن يقصر من ذلك"، لا يقول هذا طبعي اقبلوني على ما أنا عليه، ولا تلوموني، لا. بل ينبغي عليه أن يعالج نفسه ويجاهدها.. ينبغي لمن كان ضحوكاً بساماً أن يقصر من ذلك ويلوم نفسه حتى لا تمجه الأنفس، وينبغي لمن كان عبوساً منقبضاً أن يتبسم، هذه عبارات تربوية من الإمام الذهبي رحمه الله. إذا وجدنا إنساناً مفرطاً في المسألة نقول: جاهد نفسك ولومها حتى لا تمجك الأنفس، ونقول للشخص العابس المنقبض: تبسم وأحسن خُلقك "وينبغي لمن كان عبوساً منقبضاً أن يتبسم ويحسن خُلقه ويمقت نفسه على رداءة خلقه، وكل انحرافٍ عن الاعتدال فمذموم كما قال الشاعر:


كلا طرفي قصد الأمور ذميمُ:
" القصد: الوسط، وكلا الطرفين مذموم؛ الإكثار من الضحك مذموم، ودوام العبوس مذموم، "ولا بد للنفس من مجاهدة وتأديب". انتهى كلامه رحمه الله، كانت هذه عبارة نفيسة علقها الذهبي في ترجمة يحيى بن حماد رحمهما الله تعالى. وينبغي أن يعذر من كان عنده شيءٌ من هذه الجبلة أكثر من الذي يتصنع الضحك ويقهقه، فبعض الناس وصل بهم التقليد إلى درجة من السوء أنه صار يقلد في ضحك الممثلين، وينظر من أعلى الناس صوتاً في الضحك فيقلده، وكيف يقهقه فلان فيقهقه مثله!! وهذا لا شك أنه من الأمور المذمومة، وقد ذكر الذهبي رحمه الله في ترجمة أبي الوليد الباجي في كتاب فرق الفقهاء ، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن علي الوراق -وكان ثقةً متقناً- أنه شاهد أبا عبد الله الصوري وكان فيه حسنُ خلقٍ ومزاحٌ وضحكٌ، لم يكن وراء ذلك إلا الخير والدين، ولكنه كان شيئاً جبل عليه -أي: هذا العالم كان عنده شيءٌ من هذه الجبلة فهو مرحٌ أو يغلب عليه الضحك، لكنه لا يتقصد ذلك أو يتكلفه أو يكثر منه رغبة ، لا. لكن قد يكون عنده شيءٌ من هذه النفسية التي يهجم عليها الضحك هجوماً قوياً يصعب مدافعته-


وكان فيه حُسن خلقٍ ومزاح وضحك، لم يكن وراء ذلك إلا الخير والدين، ولكنه كان شيئاً جُبل عليه، ولم يكن في ذلك بالخارق للعادة، فقرأ يوماً جزءاً على أبي العباس الرازي وعَنَّ له أمرٌ ضَحَّكَهُ، وكان بحضرة جماعة من أهل بلده فأنكروا عليه، وقالوا: هذا لا يصلح ولا يليق بعلمك وتقدمك أن تقرأ حديث النبي صلى الله عليه وسلم وأنت تضحك وكثّروا عليه، وقالوا: شيوخ بلدنا لا يرضون بهذا، فقال: ما في بلدكم شيخٌ إلا يجب أن يقعد بين يدي ويقتدي بي، ودليل ذلك: أني قد صرت معكم على غير موعد، فانظروا إلى أي حديث شئتم من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقرءوا إسناده لأقرأ متنه، أو اقرءوا متنه حتى أخبركم بإسناده -أي: الإكثار عليه والتشنيع والتعنيف من أجل هذه الخصلة الجبلية وأنه حصلت منه مرة بمجلس ونجعل من الحبة قبة هو أيضاً أمر مجافٍ للعدل- ثم قال الباجي : لزمت الصوري ثلاثة أعوام فما رأيته تعرض لفتوى، أي: كان ورعاً عن الفتوى، قلت - الذهبي رحمه الله في ترجمة أبي عبد الله الصوري -: كان من أئمة السنة وله شعرٌ رائق، وقد مات الصوري سنة (441هـ).


أحاديث تبين هديه عليه الصلاة والسلام وأدبه في الضحك:
والآن لنتجه إلى أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في مسألة الضحك في مناسبات جاء فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ضحك، وننظر من خلال هذه الأحاديث هديه عليه الصلاة والسلام وأدبه في ذلك.
1- عقد البخاري رحمه الله في كتاب الأدب فصلاً بعنوان: باب التبسم والضحك، وقالت فاطمة عليها السلام: (أسر إلي النبي صلى الله عليه وسلم فضحكت). وقال ابن عباس : [إن الله هو أضحك وأبكى] أي: أن الله أنشأ هذا في الإنسان، وأنه قد يضحك اليوم ويبكي غداً، بل إنه يضحك في لحظة ويبكي في أخرى بعدها، أو العكس بحسب الدواعي والدوافع كما حصل لـفاطمة رضي الله عنها كما سيأتي، يضحك الإنسان أحياناً في اليوم الواحد ويبكي، فالمشاعر والأحاسيس تتغير. قال: عن عائشة رضي الله عنها: (أن رفاعة القرظي طلق امرأته فبت طلاقها، فتزوجها بعده عبد الرحمن بن الزَبِير فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت عائشة : يا رسول الله! إنها كانت عند رفاعة فطلقها ثلاث تطليقات فتزوجها بعده عبد الرحمن بن الزَبِير ، فقالت: وإنه والله ما معه -يا رسول الله!- إلا مثل هذا الهدبة هذبة أخذتها من جلبابها، قال: وأبو بكر جالسٌ عند النبي صلى الله عليه وسلم، وعمرو بن سعيد بن العاص جالسٌ بباب الحجرة ليؤذن له، فطفق خالد ينادي أبا بكر ألا تزجر هذه عما تجهر به عند رسول صلى الله عليه وسلم وما يزيد رسول الله صلى الله عليه وسلم على التبسم، ثم قال: لعلكِ تريدين أن ترجعي إلى رفاعة ؟ لا. حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك). فالنبي صلى الله عليه وسلم عندما جاءت هذه المرأة وذكرت هذا الكلام ومقصود المرأة أنه لا يجامعها وأنه ليس له قدرة على الجماع، وأن ما معه إلا مثل هدبة الثوب، فهو غير قادر على الجماع. ثم جاء الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إنها تكذب، وإنه ينفضها نفض الأديم، المهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع تعبير المرأة ضحك وتبسم، لأنه فَهِمَ مقصودها، وأنه ضحك ليبين أنه يفهم ماذا تريد؟ ولذلك قال: (لا. حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك) أي: تريدين الطلاق من زوجك الجديد لترجعي لزوجك الأول، لا. حتى يقع الجماع في الزواج الجديد، لأنه لا يجوز العودة إلى الزوج الأول الذي طلق ثلاثاً وبعده تزوجت ثانٍ إلا إذا حصل وقاعٌ من الثاني في الزواج الثاني.
2- ذكر البخاري في هذا الباب أيضاً حديث عائشة أنها قالت: (ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مستجمعاً قط ضاحكاً حتى أرى منه لهواته إنما كان يتبسم)، وهناك أحاديث: (فضحك حتى بدت نواجذه) والنواجذ: جمع ناجذة وهي الأضراس التي لا تظهر إلا إذا كان الضحك فيه شيءٌ من السعة، لكن هل هناك تنافي بين حديث عائشة : (ما رأيته مستجمعاً قط ضاحكاً حتى أرى منه لهواته) ، وبين هذا الحديث: ( ضحك حتى بدت نواجذه )؟ الجواب: إن المثبت مقدم على النافي، هذا من جهة، وأقوى من ذلك كما رجح ابن حجر رحمه الله أن الذي نفته عائشة غير الذي أثبته أبو هريرة ، فضحك حتى بدت نواجذه لا يصل إلى درجة القهقهة، مستجمعاً ضاحكاً -أي: يقهقه- ربما ينقلب منها الشخص، لا. وقال ابن حجر بعد أن استعرض عدداً من الأحاديث -كما سنمر عليها إن شاء الله- قال: "والذي يظهر من مجموع الأحاديث أنه كان في معظم أحواله لا يزيد على التبسم، وربما زاد على ذلك فضحك، والمكروه من ذلك إنما هو الإكثار منه، أو الإفراط لأنه يُذهب الوقار. وقال ابن بطال : والذي ينبغي أن يُقتدى به من فعله ما واظب عليه في ذلك".
3- وأتى البخاري رحمه الله كذلك في هذا الباب بحديث أم سلمة : (أن أم سليم قالت: يا رسول الله! إن الله لا يستحي من الحق، هل على المرأة غسلٌ إذا هي احتلمت؟ قال: نعم. إذا رأت الماء، فضحكت أم سلمة ، فقالت: أتحتلم المرأة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فبم شبهها الولد؟!). إذاً: المرأة تحتلم ويكون لها ماء، وإلا كيف يكون الشبه لها؟ يخرج الرجل لأعمامه إذا لم يكن لها ماء يعلو ماء الرجل أو يسبق ماء الرجل، فيحصل التذكير أو التأنيث أو يحصل أن يخرج لأعمامه أو لأخواله، فإذاً لا يُقال لها: فضحتِ النساء لإنها جاءت تسأل، وهنا ضحكت أم سلمة ، قال ابن حجر: "والغرض من إيراد البخاري لهذا الحديث؛ لوقوع ذلك بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليها ضحكها، وإنما أنكر عليها إنكارها احتلام المرأة، فأثبت أنها تحتلم". وأما حديث عائشة : (ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مستجمعاً قط ضاحكاً حتى أرى منه لهواته) فذكر رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث أن اللهوات جمع لهاة: وهي اللحمة التي في أعلى الحنجرة من أقصى الفم، أي: لا يكون ضحكاً تاماً، مقبلاً بكليته على الضحك بحيث تبدو اللهاة التي في آخر الفم.
4- ومن الأحاديث التي كان فيها ضحك النبي صلى الله عليه وسلم معبراً عن شيءٍ عظيم هذا الحديث، وهو آخر رجل يدخل الجنة، قص النبي صلى الله عليه وسلم قصة آخر رجل يدخل الجنة، يأتي وقد أخذ الناس أماكنهم، ويأتي ويقول: قربني إلى الجنة.. أبعدني عن النار.. اجعلني عند الباب.. أدخلني.. قال: (فيسمع أصوات أهل الجنة، فيقول: أي رب! أدخلنيها، فيقول: يا بن آدم! ما يَصْرِيْنِي منك أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟) الناس قد أخذوا أخذاتهم واعطياتهم، وهذا الرجل لم يكن عنده أمل أن يدخل الجنة، وإنما يسأل الله، والله يقربه خطوة بعد أخرى حتى يدخله الجنة، ويقول له: تريد أن أعطيك ملكاً مثل الدنيا مرتين؟ (قال: يا رب! أتستهزئ بي وأنت رب العالمين؟) فهذا الرجل ما ظن أنه يصل ويحصل على هذا الكرم، فيقول لله: (أتستهزئ بي وأنت رب العالمين؟ فضحك ابن مسعود -راوي الحديث- فقال: ألا تسألوني مم أضحك! فقالوا: ممَّ تضحك؟ قال: هكذا ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ قال: من ضحك رب العالمين حين قال: أتستهزئ بي وأنت رب العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزئ منك، ولكني على ما أشاء قادر). فالله عز وجل ضحك من حالة عبده، والنبي صلى الله عليه وسلم ضحك لأن الله ضحك، وأثبت ضحك الله عز وجل، وابن مسعود ضحك، وهناك أحاديث اسمها (الأحاديث المسلسلة) وهذا مسلسل بالضحك، مثل حديث علي بن أبي طالب في ركوب الدابة فإنه ضحك.
5- وكذلك من الأحاديث التي كان الضحك فيها معبراًُ عن شيءٍ مهم، ولم يكن ليضحك النبي عليه الصلاة والسلام عبثاً، ما جاء في صحيح البخاري في كتاب التوحيد: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (جاء حبر من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم،


فقال: إنه إذا كان يوم القيامة جعل الله السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والماء والثرى على إصبع، والخلائق على إصبع، ثم يهزهن، ثم يقول: أنا الملك .. أنا الملك .. فلقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يضحك حتى بدت نواجذه تعجباً وتصديقاً لقوله) لقول هذا الحبر اليهودي. فكان ضحك النبي عليه الصلاة والسلام هنا تعجباً وتصديقاً للحبر، ونفاة الأصابع.. نفاة الصفات يقولون: ضحك سخرية من هذا النقص الذي ألحقه الحبر بالله، والحديث يقول: تصديقاً لقول الحبر، كيف نقول: إنه ضحك منه لأنه نسب لله الأصابع، كما يقول نفاة الصفات؟! 6- وكان النبي صلى الله عليه وسلم يضحك من الفرح والاستبشار، فإذا بُشر بشيءٍ حسن ضحك، كما جاء في صحيح البخاري في كتاب الجهاد والسير، من حديث أم حرام بنت ملحان : (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل عليها فتطعمه -وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت - فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطعمته، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استيقظ وهو يضحك -وغالب ضحكه عليه الصلاة والسلام تبسم- فقلت: وما يضحكك يا رسول الله؟ قال: ناسٌ من أمتي عرضوا عليّ غزاة في سبيل الله، يركبون ثبج هذا البحر ملوكاً على الأسرة فقلت: يا رسول الله! أدع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها رسول صلى الله عليه وسلم أن يجعلها الله منهم). 7- ومن البشائر التي أضحكت النبي عليه الصلاة والسلام قصة الإفك، بعد الغم العظيم، والهم الطويل، والعذاب والأذى الذي لقيه النبي صلى الله عليه وسلم من قبل المنافقين.. شهر كامل هو وأهل بيته يعيشون في شدة وغم، أخذه ما كان يأخذه من البرحاء لما نزل الوحي حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق -اللؤلؤ- في يومٍ شات، فلما سُري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك، وهذا ضحك استبشار وفرحة بالوحي الذي جاء مفرجاً للهم العظيم الذي تراكم طيلة هذه الفترة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آل بيته، فكان أول كلمةٍ تكلم بها أن قال لـعائشة : (احمدي الله، فقد برأك.. ) الحديث. 8- وضحك النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً لما بشره الله سبحانه وتعالى بنهر الكوثر، ولذلك جاء عن أنس قال: (بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا إذ أغفي إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسماً، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزلت علي آنفاً سورةٌ، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم:( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * < فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر)


http://aljoufreev.com/upload//uploads/images/aljoufreev-ca25039d33.gif


ضحك الأنبياء والصالحين:


الأنبياء عليهم السلام كان لهم أدبٌ في الضحك، (رأى النبي عليه الصلاة والسلام آدم وعن يمينه أسودة وعن يمينه أسودة، فسأل عن ذلك؟ فقال جبريل: هذا آدم وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نسم بنيه، فأهل اليمين منهم هم أهل الجنة والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، -أي: أن آدم مسرور أن هناك من ذريته بعض العدد يدخلون الجنة- وإذا نظر قبال شماله بكى) . وكذلك الرجل الصالح الذي يضربه الدجال فيفلقه نصفين، وهو رجل مؤمن، شاب من أهل المدينة ، من خيرة أهل الأرض، ومن أفضل الشهداء في ذلك المشهد، فإذا أرجعه الدجال مرة أخرى يُقبل ووجهه يتهلل ضاحكاً.


http://aljoufreev.com/upload//uploads/images/aljoufreev-ca25039d33.gif


مواقف من ضحك الصحابة:
ومما حصل للصحابة أيضاً من المناسبات التي ضحكوا فيها، وهو ضحك يدل على معنى، ويدل على مغزى، وله فائدة: 1- ما جاء في صحيح مسلم في كتاب الحج، قال زيد بن ثابت لـابن عباس : تُفتي أن تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت؟ -أنت يـابن عباس تفتي أن الحائض تعود دون طواف الوداع؟- فقال: إن لم تصدق فسل فلانة الأنصارية: هل أمرها بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: فرجع زيد بن ثابت إلى ابن عباس يضحك، وهو يقول: ما أراك إلا قد صدقت، أي: تعجب منه رغم صغره كيف أصاب الحق! أو أنه كان يقول: كلامك صحيح وأنا لم أكن أعلم به. 2/ وكذلك ما كان من ضحك بعض الصحابة الذين يحدثون بأحاديث من عجلة بعض طلابهم: قلنا: يا أبا سعيد، جئناك من عند أخيك أنس بن مالك فلم نر مثلما حدثنا في الشفاعة، فقال: هي هي -أي: هاتوا الحديث، ما الذي فعل؟- قالوا: فحدثناه بالحديث، فانتهى إلى هذا الموضع، فقال: هي هي، فقلنا: لم يزد لنا على هذا، فقال: لقد حدثني وهو جميعٌ منذ عشرين سنة فلا أدري أنسي أم كره أن تتكلموا، قلنا: يا أبا سعيد ! فحدثنا، فضحك وقال: خلق الإنسان عجولاً ما ذكرته إلا وأنا أريد أن أحدثكم، وحدثهم بالحديث. 3/ ولما استغرب بعض الناس من عائشة لما قالت: (كنا نرفع الكراع فنأكله بعد خمسة عشر يوماً -يدخرون الكراع إلى وقت الجوع- قيل: ما اضطركم إليه؟ فضحكت -لعدم تصورهم للموقف- قالت: ما شبع آل محمدٍ صلى الله عليه وسلم من خبز بر مأدومٍ ثلاثة أيام حتى لحق بالله). 4- وهذه فاطمة رضي الله عنها بكت وضحكت، أسر لها النبي عليه الصلاة والسلام حديثاً فبكت لما أخبرها أن أجله قريب، وضحكت لما أسر لها أنها سيدة نساء العالمين، وسيدة نساء أهل الجنة، وأنها أول أهل بيته لحوقاً به، فضحكت فرحاً رضي الله عنها. 5- وحدثت عائشة رضي الله عنها ذات مرة بحديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل بعض نسائه -أبهمت- ويخرج إلى الصلاة بدون أن يتوضأ، فقيل لها: ما هي إلا أنت هذه المرأة -التي أبهمتها هي أنت- فضحكت عائشة رضي الله عنها) والحديث رواه أبو داود وهو حديثٌ صحيح. 6- وكذلك ما حصل من ضحك الصحابة لما رأوا حماراً وحشياً وهم محرمون ومعهم أبو قتادة غير محرم، قال أبو قتادة : [فنظرت فإذا أنا بحمارِ وحشي، فحملت عليه فطعنته فأصبته واستعنت بهم أن يمسكوه معي فأبوا أن يعينوني فأكلنا من لحمه معاً.. إلخ] وقد عنون له البخاري، فقال: بابٌ إذا رأى المحرمون صيداً فضحكوا ففطن الحلال، أي: أن المحرم إذا نبه الحلال بالضحك أو التبسم على صيدٍ موجود لم يره الحلال، فصاده الحلال فأكل منه المحرم فلا بأس بذلك. 7/ ومن المواقف الطريفة التي حصلت في السنة: ما جاء في صحيح مسلم في كتاب الأشربة: لما كان النبي عليه الصلاة والسلام والمقداد وآخر -ثلاثة- مشتركين في إناءٍ من لبن يحلب لهم فيشرب كل واحد منهم الثلث، يقول المقداد : فأتاني الشيطان ذات ليلة وقد شربت نصيبي، فقال: محمدٌ يأتي الأنصار فيتحفونه، ويصيب عندهم، ما به حاجة إلى هذه الجرعة، فأتيتها فشربتها -قضى على نصيب النبي صلى الله عليه وسلم- فلما أن وغلت في بطني وعلمت أنه ليس إليها سبيل، قلت: ندمني الشيطان -هكذا الشيطان يفعل، يسول القضية ثم يُنَدِّم الشخص على الوقوع فيها، فقال: ويحك! أشربت شراب محمدٍ فيجيء فلا يجده فيدعو عليك فتهلك، فتذهب دنياك وآخرتك، وعلي شملةٌ إذا وضعتها على قدمي خرج رأسي، وإذا وضعتها على رأسي خرجت قدماي وجعل لا يجيئني النوم، وأما صاحباي فشربا نصيبهما وناما، ولم يصنعا ما صنعت، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فسلم كما كان يسلم، ثم أتى المسجد فصلى، ثم أتى شرابه فكشف عنه فلم يجد فيه شيئاً، فرفع رأسه إلى السماء، فقلت: الآن يدعو عليّ فأهلك، فقال: (اللهم أطعم من أطعمني واسق من سقاني) قال: فعمدت إلى الشملة فشددتها عليّ وأخذت الشفرة وانطلقت إلى الأعنز أيها أسمن فأذبحها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هي حافل وإذا هن حفلٌ كلهن، ووجدتها كلها مليئة فعمدت إلى إناءٍ لأهل محمدٍ صلى الله عليه وسلم ما كانوا يطمعون أن يحتلبوا فيه، فحلبت فيه حتى علته رغوة -امتلأ- فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أشربتم شرابكم الليلة؟ قال: قلت: يا رسول الله! اشرب فشرب ثم ناولني، فقلت: يا رسول الله! اشرب فشرب ثم ناولني، فلما عرفت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد روي وأصبت دعوته ضحكت حتى ألقيت على الأرض، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إحدى سوءاتك يا مقداد! ...) الحديث. فيكون هذا لو حصل مثل هذا الأمر الذي لا يتمالك فيه الإنسان نفسه، وهو خلاف الأولى أن يحدث، لكنه لم يكن في هذه الحالة يرتكب أمراً محرماً.


http://aljoufreev.com/upload//uploads/images/aljoufreev-ca25039d33.gif


النهي عن الضحك من الضرطة:


وكذلك فإن الضحك قد يكون لتأليف الشخص أو إيناسه، وينبغي أن نعلم هنا أدباً هاماً جداً من آداب الضحك، وهو ما جاء في صحيح البخاري في حديث عبد الله بن زمعة : (أن النبي صلى الله عليه وسلم وعظهم في ضحكهم من الضرطة، وقال: لم يضحك أحدكم مما يفعل؟)، وجاء في الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الضحك من الضرطة) والضرطة: هي ما يخرج من الشخص من الفساء بصوت، فلو أن شخصاً سبقه الحدث في مجلس ولم يملك نفسه وتحرك بحركة، كان في بطنه شيء فخرج وله صوت، هل نضحك منه؟ لا. كل الناس معرضون لذلك، أنت، وهو..ئ فيا أيها الضاحك! يمكن أن يقع منك هذا فلم تضحك من هذا الشخص الذي حصل منه؟ خصوصاً عندما يأتي من غير قصد، تحرك حركة فخرج منه أو تكلم كلمة، أو تنحنح فخرجت منه الضرطة، فلا ينبغي الضحك من هذا الشخص.


http://aljoufreev.com/upload//uploads/images/aljoufreev-ca25039d33.gif


حكم الضحك في الصلاة:


وأخيراً: نختم الكلام في موضوع الضحك بمسألة فقهية وهي: الضحك في الصلاة. إن الضحك بصوتٍ يفسد الصلاة عند جمهور الفقهاء إن ظهر حرفان فأكثر على مذهب كثيرٍ منهم، وقال بعضهم: إنها لا تبطل لأنها ليست بكلام، أما التبسم فلا يفسد الصلاة عند جمهور الفقهاء لأنه ليس بكلام. أما بالنسبة للوضوء من الضحك فقد جاء حديثٌ ضعيفٌ جداً: (الضحك ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء)، وحديثٌ ضعيفٌ آخر: (من ضحك في الصلاة فليعد الوضوء والصلاة) لكن الصحيح وإن كان بعض الأحناف يقولون إلا أن الضحك لا ينقض الوضوء. وإعادة الوضوء من القهقهة ومن الضحك لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبذلك نعلم أن الضحك لا ينقض الوضوء ولا القهقهة، لكن إذا قهقه الإنسان فجمهور الفقهاء على أن صلاته تبطل إذا صدر الصوت.


http://aljoufreev.com/upload//uploads/images/aljoufreev-ca25039d33.gif


علاج كثرة الضحك:


علاج كثرة الضحك يكون بأمور، منها: أولاً: الإكثار من ذكر الله عز وجل. ثانياً: تذكر عظمته. ثالثا: تذكر اليوم الآخر. رابعاً: أن يجاهد نفسه في كتم الضحك. خامساً: ألا يكثر من مخالطة الشخصيات الهزلية. سادساً: أن يساعده أصحابه على ذلك، لا يقولون: يا فلان، ما هي آخر نكتة؟ وأطرفنا، أو أضحكنا، وماذا عندك اليوم؟ بل عليهم أن يساعدوه على أن يكون جاداً، هذا ما ينبغي أن يكون. ولعل تذكر الموت وما بعده من الأهوال مما يُعين على ذلك، والمسألة مسألة مجاهدة. هذا ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا هادين مهديين، وأن يهدي بنا، وأن يتوب علينا أجمعين. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
http://aljoufreev.com/upload//uploads/images/aljoufreev-ca25039d33.gif

محبة المساكين
09-11-2011, 01:09 AM
بارك الله فيكى اختى وجزاكى خير الجزااء

محبة المساكين
09-11-2011, 01:24 AM
جزاكى الله خيرا اختى
وبارك فيكى الرحمن
ونفع بك وبارك الله فى جهودك

اقرأ القرآن وأذكر ربك
09-11-2011, 01:59 AM
محاضرة( آداب الضيافة [1، 2] )للشيخ محمد المنجد




عناصر الموضوع :
1. الحث على إكرام الضيف
2. أحكام الضيافة في الشرع
3. إبراهيم عليه السلام وإكرامه لضيفه
4. صور من إكرام الضيف
5. آداب المضيف
6. هل يستضاف الكافر؟
7. وقفة مع بعض قصص الصحابة وضيوفهم
8. آداب الضيف
9. الكرم ومنزلته عند العرب وذم البخل والبخلاء
10. الأسئلة

آداب الضيافة :
قد جاءت الكثير من الأحاديث الحاثة على إكرام الضيف والمبينة أنه من الإيمان، فالضيافة من آداب الإسلام وشرائعه وأحكامه، وهي من سنن المرسلين عليهم السلام، ومن أخلاق السلف رضوان الله عليهم. وللضيافة أحكام وآداب موجودة في قصة إبراهيم عليه السلام ذكرها الشيخ في هذا الدرس.

الحث على إكرام الضيف:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فالحديث في هذه الليلة في هذه المجموعة من سلسلة الآداب الشرعية الثانية سيكون عن: (إكرام الضيف) وهو من الآداب العظيمة التي حفلت بها هذه الشريعة المباركة، وأكدت ما كان موجودا ًعند العرب من المعروف في هذا الأمر. أما ضاف القوم وتضيفهم أي: نزل عليهم ضيفاً وأضافوه وضيفوه أي: أنزلوه، والضيف معروف.. وجمعه أضياف وضِيفان، والاسم هو الضيافة ويقال: أضفته إضافة إذا نجى إليك من خوف فأجرته، واستضافني فأضفته استجارني فأجرته، وتضيفني فضيفته إذا طلب القِرى، فإذا طلب الإنسان أن ينزل ضيفاً فيقال: تضيف، والذي يقبل هذا يقال: ضيفه، هكذا في المصباح المنير. والضيافة من آداب الإسلام وشرائعه وأحكامه وهو من سنن المرسلين، وأول من ضيف الضيف إبراهيم عليه السلام، كما جاء ذلك في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الله تعالى: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ [الذاريات:24] فوصفهم بأنهم أكرموا. وقصته عليه السلام لما قدم لهم عجلاً حنيذاً نزلاً وضيافةً معروفة. وجاء في بعض الإسرائيليات قصة فيها عبرة: كان إبراهيم عليه السلام لا يأكل وحده، فإذا حضر طعامه أرسل يطلب من يأكل معه، فلقي يوماً رجلاً فلما جلس معه على الطعام قال له إبراهيم: سم الله، قال له الرجل: لا أدري ما الله!! قال له: اخرج عن طعامي، فلما خرج الرجل نزل إليه جبريل فقال له: يقول الله عز وجل: إنه يرزقه على كفره مدى عمره، وأنت بخلت عليه بلقمة، فخرج إبراهيم مسرعاً فرده فقال: ارجع، فقال: لا أرجع، تخرجني ثم تردني لغير معنى، فأخبره بالأمر فقال: هذا رب كريم آمنت، ثم دخل عند إبراهيم وسمى الله وأكل بعدما آمن، وستأتي قصة إبراهيم الخليل عليه السلام والعبر التي فيها والآداب المنطوية عليها بالنسبة للضيافة في قصته مع الملائكة. وأما لوطٌ عليه السلام فإنه كان يكرم الضيوف أيضاً، كيف لا وهو قد تعلم من إبراهيم عليه السلام، ولما جاءه ضيوفه وجاء قومه يهرعون إليه لعمل الفاحشة فدافعوه الباب حتى كادوا يغلبونه وهو يخاطبهم هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ [هود:78] وأخبر عز وجل أنهم راودوه عن ضيفه فطمس أعينهم ولم يرجمهم فقط ولكن طمس أعينهم ثم رجمهم، وهذا دليل على أهمية وخطورة إيذاء الضيف. وهذه عجوز السوء امرأته التي كانت تدل الفجار على ضيفه قال الله تعالى فيها: فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ [الأعراف:83]، وقال: وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ [هود:81] لماذا؟ لأنها كانت تدل قومها على الضيفان وهذه خيانة لزوجها؛ فعذب الله عجوز السوء القوادة -كما قال العلماء- بمثل ما عذب قوم السوء الذين كانوا يعملون الخبائث. وقد جاء في معرض الذم ذكر القوم الذين نزل عليهم الخضر وموسى عليهما السلام فأبوا أن يضيفوهما. وأما نبينا صلى الله عليه وسلم فقد كان أعظم الناس في إكرام الضيف على الإطلاق، وقد وصفته خديجة بمثل ذلك من أيام الجاهلية، فلما دخل عليها فزعاً مما لقي في الغار بعد نزول سورة اقرأ وقال: (زملوني) فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لـخديجة : (أي خديجة مالي لقد خشيت على نفسي؟ -فأخبرها الخبر- فقالت خديجة : كلا. أبشر فوالله لا يخزيك الله أبداً، فوالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتُكسب المعدوم، وتقري الضيف) والحديث في صحيح البخاري.

منزلة الضيف عند أهل الجاهلية:
كان لأهل الجاهلية شأن عظيم في إكرام الضيف والذم فيمن لم يكرمه، فجاء الله بهذا الدين الذي رفع شأن هذا الأدب العظيم وهو إكرام الضيف؛ فأقر ما كان عليه أهل الجاهلية من المعروف في هذا وزاد عليه، وأبطل ما كان معروفاً عندهم في هذه الخصلة وغيرها كما كانوا يفعلون من بعث الرجل بأمته إلى ضيفه. وقد حصل للصحابة رضوان الله عليهم قصة عندما ذهبوا مع أبي سعيد رضي الله عنه، وسافروا ونزلوا على حيٍ من أحياء العرب المشركين، فاستضافوهم فأبو أن يضيفوهم حتى لدغ أحدهم فرقاه أبو سعيد رضي الله عنه على قطيع من الغنم. وكان قيس بن عاصم الصحابي رضي الله عنه سيد قومه وكان جواداً حليماً، أخذ الأحنف بن قيس الحلم عنه. تزوج قيس امرأة فأحضرت له طعاماً فقال لها: أين أكيلي؟ فلم تدر ما يقول لها! فأنشأ يقول:
إذا ما صنعت الزاد فالتمسـي له أكيلاً فإني لست آكـله وحـدي
أخاً طارقاً أو جار بيتٍ فإنني أخاف ملامات الأحاديث من بعدي
وإني لعبد الضيف من غيـر ذلة وما في إلا ذاك من شيمة العبد
فسمعه جارٌ له وكان بخيلاً فقال:
لبيني وبين المرء قيس بن عاصم بما قال بون في الفعال بعيد
وإنا لنجفو الضيف من غير قلة مخافة أن يغـرى بـنا فيعـود
وقد أوصى قيس بن خفاف بن عمر بن حنظلة جبيلاً ابنه بقصيدة فيها آداب ومصالح يقول له فيها:
أجبيل إن أباك كارم يومه فإذا دعيـت إلى المـكارم فاعجل
أوصيك إيصاء امرئ لك ناصحٍ ظن بغيه الدهر غير معقـل
الله تتـقه وأوف بنـذره وإذا حلـفـت ممـارياً فتحـلـل
والضـيف تكرمـه فإن مبيته حقٌ ولا تـك لعنـة للنـزل
واعلم بأن الضيف مخبر أهله بمبيت ليلته وإن لم يســأل

أحاديث في إكرام الضيف:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ) وقال عليه الصلاة والسلام: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته، قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه، ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يؤثمه) رواه البخاري ومسلم . ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام: (جائزته يومٌ وليلة) أي: يكرمه ويتحفه ويحفظه يوماً، وثلاثة أيام ضيافة، وقال الخطابي معناه: أنه يتكلف له في اليوم الأول ما اتسع له من بر وإلطاف، وأما في اليوم الثاني والثالث فيقدم له ما كان بحضرته، الاجتهاد في اليوم الأول هو الجائزة، والثاني والثالث ما كان بحضرته ولا يزيد على عادته، وما كان بعد الثلاث فصدقة ومعروف ليس بواجب عليه، وإذا فعل فهو تطوع منه إن شاء فعل وإن شاء ترك. وقوله صلى الله عليه وسلم: (ولا يحل له أن يقيم عنده حتى يؤثمه) معناه: لا يحل للضيف أن يقيم عند المضيف بعد الثلاث من غير استدعاء إلا إذا أصر وألح عليه وطالبه بذلك، لئلا يقع المضيف في الإثم ولئلا يقع في الحرج. وعن أبي كريمة المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليلة الضيف حق على كل مسلم، فمن أصبح بفنائه -أي: الضيف- فهو عليه دين إن شاء اقتضاه وإن شاء تركه) رواه أبو داود بإسنادٍ صحيح. وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيما رجل أضاف قوماً فأصبح الضيف محروماً فإن نصره حقٌ على كل مسلم -أن تؤخذ له الضيافة- حتى يأخذ بقراء ليلة من زرعه وماله) رواه أبو داود بإسنادٍ حسن كما قال النووي في المجموع شرح المهذب . وعن عقبة بن عامر قال: (قلنا: يا رسول الله! إنك تبعثنا فننزل بقومٍ فلا يقروننا فما ترى؟ فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن نزلتم بقومٍ فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، فإن لم يفعلوا فأخرجوا منهم حق الضيف الذي ينبغي له) خذوا منهم، رواه مسلم في صحيحه.

أحكام الضيافة في الشرع:
وحكم الضيافة أنها سنة عند جمهور العلماء، فإذا استضاف مسلم لا اضطرار به مسلماً استحب له ضيافته ولا تجب وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة ومذهب الشافعي والجمهور. وقال الليث بن سعد و أحمد بن حنبل : هي واجبةٌ يوماً وليلة على أهل البادية وأهل القرى دون أهل المدن؛ لأن أهل القرى هم الذين يجتاز بهم المارون وكذلك البدو الذين يجتاز بهم المارون أصحاب الحاجة، أما أهل المدن فلا، قال الإمام أحمد : هي واجبة يوماً وليلة على أهل البادية وأهل القرى دون أهل المدن واحتجوا بحديث أبي شريح الخزاعي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه عليه جائزته) قال أحمد رحمه الله: والضيافة على كل المسلمين، كل من نزل عليه ضيفٌ كان عليه أن يضيفه، قيل: إن ضاف الرجل ضيفٌ كافرٌ؟ يعني: إذا طلب الضيافة هل يضيفه؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليلة الضيف حق واجبٌ على كل مسلم) وهذا الحديث بين، ولما أضاف المشرك النبي عليه الصلاة والسلام دل على أن المسلم والمشرك يضاف وأنا أراه كذلك. والضيافة معناها: صدقة التطوع على المسلم والكافر، واليوم والليلة حق واجب. فإذاً الإمام أحمد رحمه الله قال: الليلة الأولى واجبة. وقال الجمهور: الضيافة مستحبة إلا إذا صار اضطراراً. وقول: الواجب يوم وليلة والكمال ثلاثة أيام كما ورد عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، واليوم هذا داخل في الثلاثة، ومن امتنع من إضافته فللضيف بقدر إضافته، قال الإمام أحمد رحمه الله: له أن يطالبه بحقه الذي جعله له النبي صلى الله عليه وسلم يقول: هذا حقي الليلة، فيجوز أن يأخذ منه ثمن الضيافة التي منعوها إياه، قال أحمد رحمه الله: ولا يأخذ شيئاً إلا بعلم أهله، وفي رواية: أن له أن يأخذ ما يكفيه بغير إذنهم، لو جاء الضيف فلم يضيفوه الليلة الواجبة في البادية أو في القرى يأخذ بغير إذنهم كما في رواية أخرى، واستدل بحديث: (فأخرجوا منهم حق الضيف الذي ينبغي له). وكذلك سئل أبو عبد الله أحمد رحمه الله عن الضيافة أي شيء تذهب فيها؟ قال: هي مؤكدة وكأنها على أهل الطرق والقرى الذين يمر بهم الناس أوكد، فأما مثلنا الآن فكأنه ليس مثل أولئك، هذه عبارة مهمة ذكرها ابن قدامة رحمه الله في المغني نقلاً عن الإمام أحمد رحمه الله، قال: وكأنها الوجوب على أهل الطرق والقرى الذين يمر بهم الناس أوكد -المارين في طرق السفر- وهذا قد ينطبق على أصحاب المحطات قال: فأما مثلنا الآن في بغداد -في البلد التي كان فيها الإمام أحمد رحمه الله- فكأنه ليس مثل أولئك. وذكرنا أن الليث بن سعد ذهب إلى أن الضيافة واجبة واستدل بحديث: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ) ولا شك أنها من مكارم الأخلاق وحسن المعاملة بين الخلق، واحتج الجمهور بقوله: ( فليكرم ) بأن الكرامة من خصائص الندب دون الوجوب كما ذكر ذلك ابن العربي رحمه الله في أحكام القرآن. فهذا بالنسبة لأهل البدو ولأهل القرى والحضر. إذاً: فهي واجبة على أهل القرى والبادية بخلاف أهل الحضر، وقد ذكر بعض الفقهاء في تعليل هذا -وهو سحنول المالكي رحمه الله-: الضيافة على أهل القرى وأما أهل الحضر فإن المسافر إذا قدم الحضر وجد منزلاً -وهو الفندق- وإنما أراد بذلك أنه يتأكد الندب إليه، ولا يتعين على أهل الحضر بعينه على أهل القرى لمعانٍ: أحدها: أن ذلك يتكرر على أهل الحضر فلو التزم أهل الحضر؛ الضيافة لما خلوا منها، وأهل القرى يندر ذلك عندهم ويقل فلا تلحقهم بذلك مشقة. والوجه الآخر: أن المسافر يجد في الحضر من المسكن والطعام وغير ذلك ما يحتاج إليه فلا تلحقه المشقة لعدم الضيافة، عنده فنادق وعنده مطاعم، أما في القرى الصغار فلا يجد ما يحتاج إليه من مطاعم أو مكان يبيت فيه لأنه غريب فهو كالمضطر إلى أن يضيفوه، وحكم القرى الكبار التي توجد فيها الفنادق والمطاعم للشراء ويكثر ترداد الناس عليها حكم الحضر والله أعلم وأحكم. وهذا فيمن لا يعرفه الإنسان، وأما من يعرفه معرفة مودةٍ أو بينه وبينه قرابة، أو بينه وبينه معنى يقتضي المواصلة والمكارمة فحكمه في الحضر وغيره سواء، والله أعلم. فأما بالنسبة لثبوت الحق فهل يأخذه بإذنه وبغير إذنه؟ تقدم القولان عن الإمام أحمد رحمه الله، ولكن هنا ملاحظة أشار لها ابن القيم في أعلام الموقعين وابن رجب في القواعد وهي: أن الحق إذا كان سبب ثبوته ظاهراً فلمستحقه أن يأخذ بيده إذا قدر عليه، كما أفتى به النبي صلى الله عليه وسلم هنداً وأفتى به الضيف إذا لم يقره من نزل عليه كما في سنن أبي داود قال: (فإن أصبح بفنائه محروماً كان ديناً عليه إن شاء اقتضاه وإن شاء تركه) وفي رواية: (نزل بقومٍ فعليهم أن يقروه فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه) يعني: لو أتى بفاتورة فقال لهم: سددوا لأنكم لم تضيفوني وهو حق واجب. قال: وإن كان سبب الحق خفياً لم يجز له ذلك كما أفتى النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) هكذا في أعلام الموقعين. فإذاً لو أن شخصاً نزل عليهم فقالوا: ليس لك شيء، اتركه واجلس إلى يوم القيامة، مع أن حقه واضح للناس الغادين والرائحين، فلو أخذه بغير إذنهم وعدا على غنمٍ لهم أو على شيء فأخذه بالإكراه فحقه واضح يعني: لو أخذ لا يتهم عند الناس.
كذلك المرأة التي زوجها بخيل فإن نفقتها واجبة عليه، فإذا لم ينفق عليها فلها أن تأخذ منه -وهذا حق- ولو بغير إذنه، لكن لو كان سبب الحق خفياً -مثلاً- أحد الأشخاص اختلس منك مالاً ثم استأمنك على ماله فلا يجوز أن تختلس منه خفيةً مادام الحق ليس ثابتاً ظاهراً فلا يجوز الاختلاس، وبهذا يجاب على من سأل من العمال والموظفين، قائلٌ: إن صاحب العمل قد أكل شيئاً من حقي وأنا محاسب ويمكن أن آخذ حقي الذي أخذه مني خلسة دون أن يعلم أحد، فإذا لم يكن حقه ظاهراً مثبتاً يعلم فلا يجوز له أن يأخذ خلسة، وهذا معنى حديث: ( ولا تخن من خانك ) رواه الترمذي وهو حديث حسن. ومن أهمية هذا الأمر -إكرام الضيف- ما ذكره المفسرون كـمجاهد رحمه الله في تفسير قوله تعالى: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ [النساء:148] قال: [إنما نزلت في الضيافة] إذا نزل رجلٌ على رجلٍ ضيفاً فلم يقم به جاز له إذا خرج عنه أن يذكر ذلك، يقول: ما ضيفني ولا أعطاني ولا أكرمني لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ [النساء:148] قالوا: نزلت في الشخص الذي ينزل ضيفاً فلا يعطى ولا يقرى ولا يكرم، فإذا جهر بالسوء عليهم بما منعوه من حقه جاز له ذلك؛ لأنه ظلم. وذكر العلماء في أسباب تحريم اتخاذ الكلاب قالوا: إنها تروع الضيف وابن السبيل كما ذكره العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام فلذلك من اتخذها نقص من أجره كل يوم قيراط، لكن كان بعض أهل الجاهلية يمتدحون أنفسهم أو يتباهون بأن كلابهم لا تنبح على الضيوف، وأنهم علموها ذلك فصارت لا تنبح على الضيفان. فهذا المعنى المذكور في منع اتخاذ الكلاب لأهمية مسألة إكرام الضيوف. وكذلك قيل: بمشروعية الاستدانة لإكرام الضيف، فذكر السرخسي رحمه الله من الحنفية: إن ما استدانه لقرى الضيف لو استدان شخص مالاً ليقري ضيفه، فهو كما استدانه لنفقته ومصلحة نفسه حتى قالوا: يعطى من سهم الغارمين، لأن هذا حق لا بد أن يقوم به، استدان فصار غارماً فيعطى من حق الغارمين، لكن من هذا الذي يضيف بحق، لأن هناك من يظلمون أنفسهم فيضيفون بغير حق، يذبحون الذبائح فيرهقون أنفسهم ثم يطوفون على الناس ويقولون: أعطونا نحن نذبح ذبائح. ومن أهمية إكرام الضيف أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في اتخاذ فراشٍ خاصٍ له، ولم يعد فراشاً زائداً في البيت من أجل الضيف ولم يعد هذا ترفاً، فقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الحسن: (فراشٌ للرجل وفراشٌ لامرأته وفراش للضيف وفراش للشيطان) حديث صحيح. وقد روي أنه عليه الصلاة والسلام رهن شيئاً عند يهوديٍ من أجل طعام ضيفٍ، ولكن ضعف الخبر بعض أهل العلم كـابن حزم رحمه الله في المحلى . ومن أهمية إكرام الضيف أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أرشد عمر إلى اتخاذ الوقف جعل عمر من مصارف الوقف إكرام الضيف، وذلك في الأرض التي أصابها عمر بـخيبر قال عليه الصلاة والسلام مرشداً وناصحاً: ( إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها ) حبس الأصل: هو الوقف وتسبيل الثمرة وأي منفعة تنفق في الخير والأصل محبوس قال: (إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها قال: فتصدق بها عمر غير أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث فتصدق بها في الفقراء -نص عمر على ذلك وكتبه وجعله عند حفصة وهي قائمة على وقفه- فتصدق بها في الفقراء والقربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف) وقد روى ذلك البخاري رحمه الله وعبد الرزاق وغيره من أهل العلم وهو حديث مشهور.

إبراهيم عليه السلام وإكرامه لضيفه:
ومن إكرام الضيف نبدأ بإكرام الضيف بما جاء عن إبراهيم الخليل عليه السلام.. ثم ما جاء في السنة وفي قصص الصحابة رضوان الله تعالى عليهم في كلام العلماء في كتب الأدب. قال الله تعالى: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * < إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ * < فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * < فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ [الذاريات:24-27] ففي هذا ثناء على إبراهيم من وجوه متعددة كما ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله يقول: أولاً: أنه وصف ضيفه بأنهم مكرمون، وهذا من إكرام الله تعالى للملائكة على قول، والقول الثاني: إكرام إبراهيم لضيوفه ولا تنافي بين القولين كلاهما صحيح، فإذاً وصف الله ضيوف إبراهيم بأنهم مكرمين لأن إبراهيم أكرمهم وهم مكرمون. ثانياً: قال تعالى: إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ [الذاريات:25] فلم يذكر استئذانهم ففي هذا دليل على أنه عليه السلام كان معروفاً بإكرام الضيفان، فمنزله مطروق وبابه مفتوح ولا يحتاج إلى استئذان أحد فيدخلون مباشرة، بل إن استئذان الداخل هو دخوله، وهذا غاية ما يكون من الكرم، فقد تقدم معنا في أدب الاستئذان أن الإنسان إذا فتح بابه للضيوف فدعاهم إلى وليمة أن فتح الباب هو إذن، فلا يحتاجون إلى طرق ولا استئذان مادام فتح الباب الخارجي وفتح المجلس معناها هذا هو الإذن، وكان إبراهيم عليه السلام بابه مفتوح دائماً وعنده مكان خاص للضيوف يدخلون إليه مباشرة من غير استئذان إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ [الحجر:52]. ثالثاً: قوله: (سلامٌ) بالرفع وهم سلموا عليه بالنصب فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ ))[الذاريات:25] والسلام بالرفع أكمل، لماذا؟ لأن قولهم (سلاماً) هي جملة فعلية.. أسلم سلاماً. و(سلامٌ) جملة اسمية (سلامٌ) مبتدأ، ومعنى الدوام والثبوت والاستقرار في الجملة الاسمية أكثر من الجملة الفعلية؛ لأن الجملة الاسمية دالة على الثبات وعدم التجدد، والجملة الفعلية تدل على أن الشيء يذهب ويجيء، يزول ويرجع، فإبراهيم حياهم بتحية أحسن من تحيتهم فإن قوله سلامٌ أي: عليكم، دالٌ على الثبوت. رابعاً: أنه حدث المبتدأ من قوله: (قومٌ منكرون) فإنه لما أنكرهم ولم يعرفهم احتشم عن مواجهتهم بذلك ولم يقل: إني أنكرتكم، لم يقل: أنتم قومٌ منكرون قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ [الذاريات:25] وهذا الحذف ألطف في الكلام. خامساً: أنه بني الفعل من مفعول فقال: (منكرون) ولم يقل: إني أنكركم من أنتم؟ ومنكر صيغة المبني للمفعول حذف فاعله؛ لأنه كره أن يقول: أنا أنكركم.. أنا لا أعرفكم فقال: أنتم غير معروفين. فهناك فرق في أن يقول لهم مواجهة: إني لا أعرفكم، أنت لست بمعروف، هذا مبني والمبني للمفعول لا يعرف .. لكن أنت غير معروف، كره أن يقول لهم ذلك فهذا أبعد عن التنفير والمواجهة بالخشونة. سادساً: أنه راغ إلى أهله ليجيئهم بالنزل وهي الكرامة، والروغان هو: الذهاب باختفاء، بحيث لا يشعر به الضيف وهذا من كرم رب المنزل -المضيف- أن يذهب باختفاء حتى لا يشق على الضيف ويستحي فلا يشعر الضيف إلا وقد جاءه بالطعام، بخلاف من يسمع ضيفه ويقول لمن حضر: مكانكم حتى آتيكم بالطعام، فحفظ مشاعر الضيف من إكرامه، وعدم إحراجه أيضاً من إكرامه. سابعاً: أن إبراهيم ذهب إلى أهله فجاء بالضيافة، وذلك معناه أنه كان بيته مستعداً للإكرام ولم يذهب إلى السوق ليشتري أو يذهب إلى الجيران ليستعير أو يذهب ويقترض وإنما كل شيء جاهز عنده في البيت، يعني مجهز البيت لخدمة الضيوف فهذا ما حصل، ثم مجيئه بسرعة فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ [الذاريات:26] ما قال: ثم جاء، لأن ثم تقتضي التراخي، والفاء للتعقيب، مباشرة فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ [الذاريات:26] وهذا يدل على أنه يوجد استعداد دائم.. ما عنده خبر أن هؤلاء سيأتون، دخلوا عليه وفاجئوه ومع ذلك كان مستعداً؛ لأن الإنسان إذا كان مستعداً لعمل الخير فأول ما تأتيه الفرصة يكون جاهزاً، أما الذي ليس بمستعد والمسألة ليست في باله وهو غير متهيئ لها، فإذا فوجئ بها تفوت الفرصة عليه. أهل الجهاد في بدر خرجوا مباشرة مستعدين للجهاد، لكنها فاتت على من؟ على الذي كان يحتاج إلى استعداد، فطوبى لعبدٍ آخذ بعنان فرسه في سبيل الله يخرج على أول صيحة، وهذا هو المستعد دائماً. فإذاً: الاستعداد لعمل الخير يكسب الإنسان فرصاً عظيمة، كمن يأتي لصلاة الجمعة مستعد دائماً للصدقات -مثلاً- في هذا اليوم الفضيل، بخلاف من تأتيه فرصة عظيمة ثم يبحث فلا يجد ويذهب ليقترض أو يذهب إلى البيت ويرجع وقد ذهبت الفرصة، فالمسألة هي قضية زيادة في الإيمان، مستوى الإيمان المرتفع بالاستعداد الدائم للخيرات، إبراهيم عليه السلام كان مستعداً باستمرار لعمل الخير فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ [الذاريات:26] من الذي جاء؟ هو وليس الخادم ولا السائق ولا صاحب المطعم، هو الذي جاء بالعجل بنفسه، وهذا أبلغ في الإكرام، أن يأتي الإنسان بالضيافة لضيفه بنفسه ولو كان عنده خدم، ولم يقل: فأمر لهم بعجلٍ سمين بل هو الذي ذهب وهذا أبلغ في إكرام الضيف. ثامناً: أنه جاء بعجلٍ كامل ولم يأت ببعض منه، وهذا من تمام كرمه، فلم يأت بفخذ ولا بكتف ولا بظهر بل بعجل كامل، والعجل: البقر الصغير لحمه من أطيب اللحوم، وليس بقراً غليظاً. تاسعاً: أنه سمين وليس بهزيل، ومعلوم أن ذلك من أفخر أمواله، يذبح العجل الصغير وهذا إكرام متناهي؛ لأن العجل الصغير عادة يتخذ للاعتناء والتربية ولكن آثر به ضيفانه وجاءهم بهذا الصغير ذا اللحم الطري لأجل إكرامهم. عاشراً: أنه قربه بنفسه ولم يقل للخدم قربوه أنتم أو قرب المائدة يا غلام، وإنما قربه هو ولم يأمر خادمه بذلك. الحادي عشر: أنه قربه إليهم ولم يقربهم إليه، وهذا أبلغ في الكرامة أن تجلس الضيف ثم تأتي له بالطعام إليه وتحمله إلى حضرته ولا تضع الطعام في ناحية ثم تأمر ضيفك أن يقترب إليه، طبعاً الآن في البيوت هذا قد يكون شبه متعسر؛ لأن الألوان كثيرة فسيأتي بهذا وبهذا ويضعونه ويجهزونه ثم يقول للضيوف: ادخلوا، لا حرج في ذلك وهو من الإكرام على أية حال وليس ضد الإكرام، لكن إذا جيء به وسيق به إليهم أفضل وأحسن.. افرض أن عندك ما لا يشق نقله فجئت به على عربة إليهم أو على طاولة تدرج بها إليهم، هذا أولى من أن تضعه وتقول: تعالوا أو انزلوا عندك. الثاني عشر: أنه قال: ألا تأكلون؟! فاستخدم أسلوب العرض وهذا تلطف، وهو أحسن من أن يقول: كلوا مدوا أيديكم؟ مالكم لا تمدوا أيديكم؟ نحن أتينا به لمن؟ قال: ألا تأكلون؟ الثالث عشر: أنه إنما عرض عليهم الأكل لأنه رآهم لا يأكلون ولم يكن ضيوفه يحتاجون إلى إذن؛ لأن مجرد تقديم الطعام للضيف هو إذن بأكله؛ وأنت قدمته لأي شيء؟ يتفرجوا عليه؟ فبمجرد التقديم أبحت لهم الأكل فإذاً لو قلت: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسٍ منه) فيقول قائل: لم يأذن فيقال: إن مجرد التقديم عرفاً هو إذن بالأكل فحلال عليهم، طيب فلماذا قال إبراهيم: ألا تأكلون؟ لأنه لاحظ أنهم لا يأكلون، وفي الأصل قدمه إليهم تقديماً كاملاً مع الإذن ولا يحتاجون إلى كلمة تفضل، لكن لما رأى أنهم لا يأكلون قال: ألا تأكلون؟ ولهذا أوجس منهم خيفة وأحسها. الرابع عشر: أنهم لما امتنعوا من الأكل من طعامه وخاف منهم لم يظهر لهم ذلك الخوف، أوجس منهم خيفة وأخفاه لكن الملائكة علمهم الله قالوا: لا تخف وبشروه بالغلام، فجمعت هذه الآية آداب الضيافة التي هي أشرف الآداب، قال ابن القيم رحمه الله: وما عداها من التكلفات التي هي تخلف وتكلف إنما هي من أوضاع الناس وعوائدهم وكفى بهذه الآداب شرفاً وفخراً فصلى الله على إبراهيم. ومن الآداب فتح الباب للضيف قبل وصوله قال الله تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا [الزمر:73] فأبواب جهنم لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها، وأما أبواب الجنة فمتقدمٌ فتحها بدليل قوله تعالى: جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ [ص:50] مفتحة قبل وصولهم، وذلك لأن تقديم فتح الباب في الضيافة على وصول الضيف هو إكرام له، وتأخير باب العذاب على أهل جهنم من باب المفاجأة حتى يؤخذوا بأشد الأخذ وهو من زيادة العذاب، فلذلك إذا جاءوها فتحت أبوابها.

صور من إكرام الضيف:
من إكرام الضيف: إيثاره، وقد جاء في صحيح البخاري في القصة العظيمة التي عجب الله من أصحابها وضحك إليهم، وإذا ضحك الله إلى عبدٍ فلا عذاب عليه، وذلك دليل رضاه عز وجل عنه، هذه القصة التي أخفيت في الليل فنشرها الله في الصباح، وأنزل الوحي بها على نبيه عليه الصلاة والسلام، أن الله في السماوات عجب وضحك إلى هذين الصحابيين الجليلين الرجل وزوجته. والقصة عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جائع يريد من يضيفه، فبعث إلى نسائه عليه الصلاة والسلام فقلن: ما معنا إلا الماء -وهذا بيت أعظم قائد في الأمة ما عنده إلا ماء- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من يضيف هذا؟ فقال رجلٌ من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته فقال: أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني، قال: هيئي طعامك وأصلحي سراجكِ ونومي صبيانكِ إذا أرادوا عشاء -إذا طلبوا الأكل نوميهم- فهيئت طعامها وأصلحت سراجها يعني: -أشعلت الفتيلة- ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها -كأنها حركة تمثيلية- فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان). وليس من الأدب أنك تغلق النور على الضيف وإن كان بعض الناس عندهم عادات في الضيافة منها ما هو حسن ومنها ما هو قبيح، فبعضهم يغلق النور على الضيف يقول: حتى لا يستحي، وبعضهم لا يحضر مع الضيف نهائياً، وبعضهم .. وبعضهم لذلك ابن القيم قال: تخلف وتكلف في أشياء ما أنزل الله بها من سلطان. فبطبيعة الحال لا بد من السراج من أجل أن يرى الضيف، يدخل على بيتٍ منير لكن في الوقت نفسه ستكون هناك تمثيلية أخرى بعد قليل يريانه أنهما يأكلان وهما لا يأكلان حتى لا يشعر هو بالحرج أنهما لا يأكلان، فلذلك قامت كأنها تصلحه فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان بالصوت ووضع اليد في الإناء ورفعها وهي ما فيها شيء -كما أن جماعة من الفقراء حضرهم طعام فأطفئ السراج وجعلوا يأكلون فلما طلع النهار وجد الطعام بحاله. كل واحد يريد أن يؤثر- قال: فأطفأته فجعلا يريانه أنهما يأكلان فباتا طاويين، فلما أصبح الضيف وصاحب البيت غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (ضحك الله الليلة -أو عجب- من فعالكما فأنزل الله: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:9])رواه البخاري . فهذا الموقف العظيم إكرام الضيف وإيثاره بطعام صاحب البيت وزوجته والأطفال هذا موقف ذكر في السماء فضحك الرب فرضي عنهما، وأنزلت آية في القرآن بسبب إكرام الضيف، نزلت آية وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9] أي: جوع وحاجة. قال العلماء: إن طعام الأولاد مقدم على طعام الضيف شرعاً، ولكن إذا كان بهم جوعٌ خفيف لا يضرهم جاز تقديم الضيف كما حصل في هذه الآية، وتغلب إكرام الضيف على المشاعر الجياشة للأب والأم لأجل الفقير الذي أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعا قال: (ألا رجلٌ يضيف هذا الليل يرحمه الله؟) هذه كلمة كافية -دعاء يرحمه الله- في أن يأخذ الضيف ويقدمه على نفسه وزوجته وأولاده، فكان موقفاً عظيماً ذكر في السماء ونزل إلى الأرض وأخبر به أهل الأرض، وكان فيه إخلاص واضح جداً في إطفاء السراج؛ ما أشعر الضيف بأي شيء وأكل ولم يشعر بأن هناك أمر عَكِر أو حرج، ولذلك أهل الإخلاص إذا أخفوا أعمالهم فالله يكشفها ليكونوا قدوة وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً [الفرقان:74]. ومن إكرامه كذلك: أن الإنسان ولو كان صائماً فإنه لا ينسى الطعام لأجل الضيوف، فعن أبي أمامة قال: قلت: (يا رسول الله! مرني بعمل أدخل به الجنة؟ فقال عليك بالصوم فإنه لا مثل له) يعني في الأجر لا مثل له، قال الراوي: [فكان أبو أمامة لا يرى في بيته الدخان نهاراً -ليس هناك طبخ، صيام دائماً- إلا إذا نزل به ضيفٌ فيرى الدخان نهاراً] رواه عبد الرزاق في المصنف ، بل إن الإنسان لا بأس أن يفطر من أجل الضيف إذا كان صائماً صوماً مستحباً إذا كان يشق على الضيف أن يبقى صاحب البيت صائماً، وفي ذلك أحاديث. وقال عطاء :
سألت سلمان بن موسى أكان يفطر الرجل لضيفه؟ قال: نعم. وكان الحسن يرخص للرجل الصائم إذا نزل به الضيف أن يفطر ويقضي يوماً مكانه، قال: إنه رحمه الله إذا دخل في صوم تطوع استحب له الإتمام لقوله تعالى: وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ [محمد:33] ولكن إذا شق على ضيفه صومه فيستحب أن يفطر فيأكل معه لقوله صلى الله عليه وسلم: (وإن لزورك عليك حقاً) يعني: لزوارك، ولقوله صلى الله عليه وسلم: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ) أما حديث: (من نزل على قومٍ فلا يصومن تطوعاً إلا بإذنهم) فرواه الترمذي وقال: حديث منكر، أما إذا لم يشق على ضيفه صومه التطوع فالأفضل بقاءه على الصيام، فإذاً هذا هو التفصيل، لو أن أحدهم قال: أنا صائم وجاءني ضيف ماذا أفعل؟ نقول: إذا كان لا يشق على الضيف أن تبقى صائماً ولا يشعر بالحرج أنه يجلس يأكل وأنت لا تأكل كبعض إخوانك المقربين الذين عندهم مثل هذا الشيء عادي لو ما أكلت وهم أكلوا لا بأس، فإذاً البقاء على الصيام أفضل، وإن كان هناك مشقة عليهم يروك لا تأكل معهم، أو يراك الضيف لا تأكل معه، فعند ذلك الأفضل أن تفطر لأجل الضيف، وتقضي يوماً مكانه لتحصل الأجرين معاً. بل نص العلماء على جواز الأكل فوق الحاجة من أجل الضيف، مع أن الأكل فوق الحاجة مكروه، وورد عن بعض الصحابة أن ولده لما أصابه من التخمة مرض قال: لو مات ما صليت عليه لأنه اعتبره مثل القاتل لنفسه الذي يأكل حتى يتفجر فيموت، فما حكم الأكل فوق الحاجة؟ قالوا: مكروه أما إذا وصل لدرجة الهلكة فهذا حرام وانتحار؛ لكن الأكل فوق الحاجة مكروه إلا إذا عرض له غرضٌ صحيح في الأكل فوق الشبع فحينئذٍ لا بأس بذلك ذكروا مثالين: أن يزداد الأكل استعداداً لصيام غد طويل حار. والمثال الثاني: لأجل الضيف قال: بأن يأتيه ضيفٌ فيأكل الضيف ويستمر الضيف في الأكل وصاحب البيت شبع فيزداد في الأكل من أجل ألا يحرج الضيف؛ لأنه إذا توقف صاحب البيت فربما توقف الضيف وقد يكون الضيف بحاجة الطعام أو فيه جوع، أو أن بدنه أو جسده أعظم أو أكبر وذاك نحيل لا يحتاج إلى طعامٍ كبير فيجوز له أن يزيد عن الشبع لأجل إكرام ضيفه لئلا يخجل. وكذلك من الآداب إباحة الشريعة السمر مع الضيف بعد العشاء رغم كرهها للكلام بعد العشاء، كما في حديث النهي عن النوم قبل العشاء والكلام بعده -بعد العشاء- إلا لمصليٍ أو مسافر أو مع ضيفه يسامره، ليس سمراً على البلوت والأفلام والكلام القذر والغيبة لأجل الترويح عن الضيف من عناء السفر والإكرام والمباسطة.. المباسطة جزء كبير من الإكرام سيأتي مزيد عن الكلام عن ضيافة المشرك والتفصيل فيها.

آداب المضيف :
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعـد: فقد تقدم الكلام في المرة الماضية عن هذا الأدب الإسلامي الكبير وهو: (إكرام الضيف)، وذكرنا مقدمة عن الضيافة وإكرام الضيف، وبعض الآداب المتعلقة بالمضيف تجاه ضيفه، ونتابع إن شاء الله في هذه الليلة الحديث عن هذا الموضوع وهو: (آداب المضيف) ثم نتبعها بآداب الضيف. تحدثنا عن سمر المضيف مع ضيفه بعد العشاء مع أن الشريعة قد كرهت الحديث بعد العشاء، لكن حيث إن ذلك من الحاجة فإنه لا بأس بأن يسمر المضيف مع ضيفه لأجله ولا بأس كذلك بتنويع الطعام للضيف كما دل عليه حديث أبو الهيثم بن التيهان وسوف يأتي وفيه: فأمر لهم بشعيرٍ يعمل وقام فذبح شاةً، واستعذب لهم ماءً، وهذا كله يدل على المبالغة في تطييب المضيف الطعام وإتحاف الضيف به بأفضل ما يجب، ولا بأس بجمع الإدام في النادر لضيفٍ أو وليمة أو ما أشبه ذلك، وإنما يكره التنويع الكثير في الأطعمة من باب الورع حتى لا يخرج إلى حد السرف، وكذلك لا يؤدي إلى إنفاق الأثمان الكثيرة في هذا، وأقبح ما يكون عند نزول الحاجة بالناس وضيق معاشهم والضرورة الحاجة للمواساة، ثم يأتي بعض الناس وينوعون الطعام تنويعاً عجيباً؛ لكن إذا حضر ضيف فلا بأس من تنويع الطعام لأجل الضيف، وينبغي إذا حضر من دعي وأحضر الطعام ألا ينتظر من غاب، وينبغي له أن يحضر من الطعام ما أمكنه من غير إجحاف بأهله. والضيف له حكم آخر غير حكم أهل البيت، إذ أن أهل البيت يمكنهم أن يأكلوا الألوان في عدة أيام، بخلاف الضيوف فقد لا يقيمون، ولأنه قد تكون شهوة بعض الضيوف في لون آخر؛ فإذا كان التنوع في الألوان لأجل الإكرام حتى إذا لم يعجبه نوعٌ أعجبه نوعٌ آخر فلا بأس بذلك، ولما فيه من إدخال السرور على الضيوف والأجر عظيم في إدخال السرور على المسلمين. وقد كان بعض السلف إذا جاءه الأضياف يقدم لهم في وقتٍ واحد ما يقوم بنفقته شهرٌ ونحوه، فيقال له في ذلك: فيقول: قد ورد أن بقية الضيف لا حساب على المرء فيها، فكان لا يأكل إلا فضلة الضيوف؛ لأجل ذلك: يكثر الطعام للضيوف ثم يأتي هو بعده ويقول: هذا حسابه أقل من أن أطبخ أنا لنفسي؛ لأن فضلة الضيف طيبة فآكله بعده. وينبغي أن يروح عليه بالخدمة ولا يفعل ذلك قائماً لأنه زي الأعاجم، وقد تقدم النهي عن القيام على رأس الشخص، ولا بأس أن يأكل مع ضيوفه خلافاً لمن لا يفعل ذلك من بعض الناس العامة الذين عندهم عادات تمنع من الأكل مع الضيوف؛ لأن الأكل مع الضيف في الحقيقة فيه مؤانسة له، أي: يستأنس إذا أكلت معه، وأكرمته، وقدمت له أطايب الطعام ونحو ذلك، فإن أكل معه فيستحب له أن يخدمه بنفسه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم تولى أمر أصحاب النجاشي بنفسه الكريمة، فقيل له: ألا نكفيك؟ فقال: (خدموا أصحابي فأريد أن أكافئهم) هذا إذا صح الحديث، ذكره ابن الحاج رحمه الله في المدخل ، ومن ذلك أن يتولى بنفسه صب الماء على يد الضيف حين غسل يديه. ويجوز للإنسان إذا حضر معه جماعة كثر أن يدخلهم فوجاً فوجاً إذا كان مجلس الطعام لا يتسع، وقد ورد إدخال الناس عشرة عشرة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. وإذا كان يأكل مع إنسان ضرير أعلمه بما بين يديه حتى لا يفوته الطعام الطيب. وكذلك فإنه لا يحرج الضيوف بإبقائهم دون أن يأذن لهم بالطعام، بل يسارع إلى دعوتهم إلى الطعام بأسلوبٍ لطيف. وكذلك فإن الإنسان يقدم للضيف ما يعلم أن الضيف يحبه، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الدباء.
ويستحب للمضيف إيناس الضيف بالحديث الطيب والقصص التي تليق بالحال؛ لأن من تمام الإكرام طلاقة الوجه وطيب الحديث عند الخروج والدخول؛ ليحصل له الانبساط، ولا يكثر السكوت عند الضيف، ولا يغيب عنه، ولا ينهر خادمه بحضرته، ولا يجلسه مع من يتأذى بجلوسه أو لا يليق به أن يجلس معه، وأن يأذن له بالخروج إذا استأذنه، وأن يخرج معه إلى باب الدار تتميماً لإكرامه، وأن يأخذ بركاب ضيفه إذا أراد الركوب، فقد ورد حديث عند ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: () إن من السنة أن يخرج الرجل مع ضيفه إلى باب الدارلكن هذا الحديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: [إن من السنة إذا دعوت أحداً إلى منزلك أن تخرج معه حتى يخرج] ذكره ابن عبد البر ، وهذا الذي يعرف بتشييع الضيف، قال في المصباح المنير في فصل الشين مع الياء: شيعت الضيف: خرجت معه عند رحيله إكراماً له وهو التوديع، فيندب للإنسان أن يشيع ضيوفه ويخرج معهم إلى باب الدار وإلى السيارة ويفتح له الباب ليركب، أو يأخذ بزمام الراحلة إذا كان عنده راحلة ويودعه هذا من تمام الضيافة. وروى أبو بكر بن أبي الدنيا قال: قال أبو عبيد القاسم بن سلام : زرت أحمد بن حنبل فلما دخلت عليه بيته قام فاعتنقني وأجلسني في صدر مجلسه فقلت: يا أبا عبد الله ! أليس يقال: صاحب البيت والمجلس أحق بصدر بيته أو مجلسه؟ قال: نعم. يقعد ويُقعد من يريد -مادام هو صاحب البيت يقعد في صدر المجلس من يريد وهو أحق بها، لكن إذا رغب في جلوس ضيفه فيه فلا حرج- قلت في نفسي: خذ أبا عبيد هذه واحدة -إليك فائدة- ثم قلت: يا أبا عبد الله ! لو كنت آتيك على حق ما تستحق لأتيتك كل يوم، فقال: لا تقل ذلك فإن لي إخواناً ما ألقاهم في كل سنةٍ إلا مرة أنا أوثق في مودتهم ممن ألقى كل يوم، قلت: هذه أخرى يا أبا عبيد يعني: يحدث نفسه بالفوائد التي جناها من زيارته لـأحمد رحمهما الله.. فلما أردت القيام قام معي، قلت: لا تفعل يا أبا عبد الله ! لا داعي للقيام وتمشي، قال: قال الشعبي من تمام زيارة الزائر أن تمشي معه إلى باب الدار وتأخذ بركابه، قال: قلت يا أبا عبد الله ! من عن الشعبي قال: ابن أبي زائدة عن مجالد عن الشعبي، قلت يا أبا عبيد ! هذه ثالثة.. فإذا ً تشييعه والخروج مع من تمام الضيافة. وقد أمسك عبد الله بن عباس بركاب زيد بن ثابت رضي الله عنهما فقال: [أتمسك بي وأنت ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: إنا هكذا نصنع بالعلماء] وينبغي الاهتمام بإكرام أضياف الإسلام أكثر من الضيوف الشخصيين.. الضيوف الذين جاءوا من أجل الدين مثل أهل الصفة على عهد النبي عليه الصلاة والسلام، ولذلك لما حضره لبن قال لـأبي هريرة : (اذهب إلى أهل الصفة فادعهم لي، قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون إلى أهل ولا مال ولا على أحدٍ إذا أتته صدقةٌ بعثها إليهم ولم يتناول منها شيء). رواه البخاري ، فهؤلاء أضياف الإسلام.. فإذاً: من جاء لحق الدين فهذا أكرم من يستحق الإكرام. وقد جاء عن الصحابة رضوان الله عليهم إكرام طلبة العلم من الضيوف إذا جاءوهم فقال مالك بن خزين : [كنت جالساً مع أبي هريرة بأرضه بالعقيل فأتاه قومٌ من أهل المدينة على دواب فنزلوا عنده، قال أبو هريرة -يقول للشخص عنده- اذهب إلى أمي فقل: إن ابنك يقرئك السلام ويقول: أطعمينا شيئاً قال: فوضعت له ثلاثة أقراص في صحفة وشيئاً من زيتٍ وملح ثم وضعتها على رأسي وحملتها إليهم، فلما وضعتها بين أيديهم كبر أبو هريرة لما رأى الطعام وقال: الحمد لله الذي أشبعنا من الخبز بعد أن لم يكن طعامنا إلا الأسودين -الماء والتمر- فلم يصب القوم من الطعام شيئاً فلما انصرفوا قال: يا بن أخي! أحسن إلى غنمك وامسح الرغام عنها...] الحديث. وهذا يحتمل أنهم قصدوه للتعلم والأخذ عنه وإحضار أبو هريرة للطعام المتيسر عنده من باب إكرام الزائر والضيف وتقديم ما حضر إليه، ولذلك قدم إليهم ثلاثة أقراص وزيتاً وملحاً، وكبر أي: على معنى الذكر لله والشكر له على ما نقله من حال المجاعة التي كان يخر فيها بين البيت والمنبر ما به شيءٌ إلا الجوع إلى هذه الحال من الخصب والكثرة حتى وجد عنده خبزٌ وإدام دون استعداد ولا تأهب، عنده خبز في البيت عد ذلك نعمةً عظيمة كبر الله عليها.

هل يستضاف الكافر؟ :
هل يستضيف الإنسان الضيف الكافر؟ جاء في الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ضافه ضيفٌ كافر -يعني: نزل عليه- فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة فحلبت فشرب حلابها، ثم أخرى فشربه، ثم أخرى فشربه حتى شرب حلاب سبع شياه، ثم إنه أصبح فأسلم فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاةٍ فحلبت فشرب حلابها ثم أمر له بأخرى فلم يستتمها -ما استطاع أن يتم الثانية- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المؤمن يشرب في معي واحد والكافر يشرب في سبعة أمعاء) معناها: لا بركة في طعام الكافر.. وأما إذا أسلم أو آمن يبارك الله في طعامه فيكفيه من الطعام ما لا يكفي الكافر ببركة الإسلام. فإذاً: الحديث هذا يؤخذ منه جواز تضييف الكافر، قيل إنه: جمامة بن أساد ، وقيل: جحاد الغفاري ، وقيل غير ذلك، لكن نلاحظ أن النبي عليه الصلاة والسلام أضاف الكافر قيل: رجاء إسلامه، أو إذا كان يخشى عليه الضياع إذا كان ممن له حق مثل الكفار المعاهدين يعني: الكفار الذين لهم حقوق غير الكفار الذين قد يكونون أقارب. إذاً: هناك اعتبارات، فالنبي عليه الصلاة والسلام أضاف الكفار إكراماً لهم لعلهم يتأثرون من باب الدعوة أو كفار معاهدين لهم حقوق، كفار أقارب.. أما أن يدعو الإنسان كافراً إلى بيته فيأتيه بنساءٍ عاريات أو يأتيه بنجسٍ أو بشركٍ وكفرٍ، وقد سأل بعضهم عن حكم تمكين الضيف الكافر من تأديت شعائر دينه في بيت المسلم الذي أضافه فسألت عن هذا الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين فقال: لا يمكنه من ذلك يعني: لا يجوز له بأن يرضى أن يعمل شعائر الكفر في بيته. وإذا أضاف المسلم كافراً هل يآكله، أم يقدم له الطعام فقط ولا يجلس معه للأكل؟ يقول الإمام مالك رحمه الله: ترك مآكلة النصراني في إناء واحد أحب إلي ولا أراه حراماً ولا نصادق نصرانياً. لا أراه حراماً لكن الأحب إلي أني لا آكل معه في صحن واحد، فنهى عن مآكلته لما في ذلك من معنى المصادقة.. وأما تضييفه فيمكن أن يكون للاستئلاف ورجاء الإسلام يكون فيه أجر.. ووجود الطعام ببعض الأشكال العصرية أو مثلاً هذه البوفيهات وهذا الطعام الذي يوضع ثم يسكب منه الناس يحل مشكلة الأكل معه في صحنٍ واحد. فالخلاصة إذاً: إذا رجي إسلامه بتأليف قلبه فلا مانع من إضافته، أما إذا كان يخشى منه بأن يأتي معه بمنكرات أو يعمل أشياء محرمة في بيتك فلا تضيفه. ومما ذكر في صحيح مسلم عنوان: باب استحباب وضع النوى خارج التمر، واستحباب دعاء الضيف لأهل الطعام، وطلب الدعاء من الضيف الصالح وإجابته لذلك.

وقفة مع بعض قصص الصحابة وضيوفهم:
لقد ضيف الصحابة رضوان الله عليهم ضيوفاً ولهم في ذلك قصص، فلنعرج على بعض القصص التي ذكرها أهل العلم بالحديث أو المحدثون في كتبهم.

قصة أبي بكر مع ضيوفه:
من أشهر قصص إضافة الضيوف التي حدثت على عهد الصحابة منها: قصة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق : أن أصحاب الصفة كانوا أناساً فقراء، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثلاثة) وفي البخاري : (من كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامسٍ أو بسادس)، وإن أبا بكر جاء بثلاثة فانطلق نبي الله صلى الله عليه وسلم بعشرة، وإن أبا بكر تعشى عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لبث حتى صليت العشاء، ثم رجع فلبث حتى نعس رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاء بعدما ذهب من الليل ما شاء الله فقالت امرأته: ما أحبسك عن أضيافك؟ قال: أو ما عشيتهم؟ قالت: أبو حتى تجيء أنت، قد عرضوا عليهم الطعام فغلبوهم يعني: الضيوف ورفضوا الضيافة إلا إذا جاء الصديق. يقول ولد أبي بكر الصديق : فذهبت أنا فاختبأت فقال: يا غنثر ! فجدع وسب وقال: كلوا لا هنيئاً وقال: والله لا أطعمه أبداً، قال الضيوف: وايم الله ما كنا نأخذ من لقمة إلا نرى من أسفلها أكثر منها -قال: شبعنا وصارت أكثر مما كانت قبل ذلك- فنظر إليها أبو بكر فإذا هي كما هي أو أكثر ثم قال لامرأته: يا أخت بني فراس! ما هذا؟ قالت: لا. وقرة عيني لهي الآن أكثر منها قبل ذلك بثلاث مرار فأكل منها أبو بكر وقال: إنما كان ذلك من الشيطان يعني: اليمين. وفي رواية: يقول عبد الرحمن بن أبي بكر : نزل علينا أضياف وكان أبي يتحدث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل فقال: يا عبد الرحمن ! افرغ من أضيافك، فلما أمسيت جئنا بقرى فأبوا قالوا: حتى يجيء أبو منزلنا فيطعم معنا، فقلت: إنه رجلٌ حديد وإنكم إن لم تفعلوا -إذا ما أكلتم الآن- خفت أن يصيبني منه أذى، قال: فأبوا، فلما جاء قال: فرغتم من أضيافكم؟ قالوا: لا والله ما فرغنا قال: أولم آمر عبد الرحمن -أوصيه بالضيوف- قال عبد الرحمن: وتنحيت عنه فاختبأت، فقال أبو بكر: يا غنثر! أقسمت عليك إن كنت تسمع صوتي إلا أجبت قال: فجئت فقلت: والله مالي ذنب، هؤلاء أضيافك فسلهم قد أتيتهم بقراهم -بكرامتهم وضيافتهم- فأبوا أن يطعموا حتى تجيء، فقال: ما لكم ألا تقبلوا عنا قراكم؟ فقال أبو بكر: والله لا أطعمه الليلة فقالوا: والله لا نطعمه حتى تطعمه، قال: فما رأيت الشر كالليلة قط، ويلكم مالكم ألا تقبلوا عنا قراكم؟ ثم قال أبو بكر رجع إلى نفسه: إنما الأولى من الشيطان -حلفنا وهذا الحلف من الشيطان ما حلفنا على بر ولا على خير حلفنا ما نأكل ما هو بر ولا خير هذه من الشيطان- ثم قال: هلم قراكم فجيء بالطعام فسمى فأكل وأكلوا فلما أصبح رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! بروا وحنثت قال: (بل أنت أبرهم وأخيرهم) رواه مسلم . في هذا الحديث جواز الاشتغال عن الضيف بمصلحة المسلمين مثل ما فعل الصديق ، إذا كان هناك من يقوم بإكرامهم مثل ولده. وفيه أن الضيف لا يمتنع مما يريد المضيف مما يتعلق بإكرامه ولا يعترض عليه؛ لأن المضيف قد يكون له غرض في أن يتقدم الضيوف للطعام فلا يشق عليه بالرفض، وفيه السمر مع الضيف والأهل. وفيه قول الضيف لصاحبه: لا آكل حتى تأكل، وإنما امتنع أضياف الصديق عن الأكل؛ لأنه قد يفرغ الأكل ويأتي أبو بكر وليس له عشاء فقالوا: ننتظر وإنما اختبأ عبد الرحمن خوف الخصام، وغنثر معناها: الثقيل وقيل: الجاهل وقيل: السفيه وقيل: اللئيم وقيل: ذباب أزرق، والسب هو: الشتم. وفيه الاختباء خوف الأذى، وأنه لا أذى بمثل هذا من الوالد يعني: إذا الوالد قسا على ولده بمثل هذا لا يعتبر جريمة، وفيه عدم المؤاخذة عما يحدث حال الغيظ. وقوله: أبي رجلٌ حديد: يعني: قوي يغضب. وقد ترجم البخاري رحمه الله: باب السمر مع الضيف والأهل. وكذلك فإن أبا بكر ظن أن عبد الرحمن فرط في حق الأضياف ولذلك عنفه وقال عليه كلاماً غليظاً ومن الانفعال قال: لا هنيئاً، ولكن الصديق رغم مكانته وفضله رجَّاع إلى الحق وقال: هذه من الشيطان وأكل.. وما أخره عن ضيوفه إلا أنه كان مع النبي عليه الصلاة والسلام ولا شك أنه كان في أمر مهم، ولذلك أكرم الصديق بكرامات الأولياء حتى إنه يقول: كلما رفعوا لقمة ربا مكانها أكثر منها، ربا يعني: زاد من أسفلها في الموضع الذي أخذت منه، فلما نظروا إلى الجفنة فإذا هي أكثر مما كانت عليه. قال: يا أخت بني فراس! ما هذا؟ قالت: لا وقرة عيني يعني: مما أقر الله به عينها من هذه الكرامة لزوجها، وهذه البركة عظيمة وما هو بعجيب قول أسيد رضي الله عنه: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر فـأبو بكر رجلٌ مبارك جعل الله له هذه الكرامة وهي كرامة من كراماته الكثيرة.. وأكرمه وأزال عنه الحرج فعاد مسروراً وانفك الشيطان مدحوراً، وأكرم أضيافه، وزاد الطعام، وعنده سبيل كفارة اليمين لأجل قسمه. ثم حملت هذه الجفنة إلى النبي عليه الصلاة والسلام وكان هناك جيشٌ فأكلوا من تلك الجفنة التي أرسل بها أبو بكر إلى النبي عليه الصلاة والسلام لتتم البركة ويعظم أجر الصديق ، وكفت الجيش كله. وفي رواية عند أحمد والترمذي والنسائي قال: أتي النبي عليه الصلاة والسلام بقصعة فيها ثريد فأكل وأكل القوم فما زالوا يتداولونها إلى قريبٍ من الظهر يأكل قومٌ ثم يقومون ويجيء قومٌ فيتعاقبونه فقال رجل: هل كانت تمد بطعام؟ فقال الراوي له: أما من الأرض فلا، إلا إن كانت تمد من السماء. قال ابن حجر رحمه الله في فتح الباري : قال بعض شيوخنا: يحتمل أن تكون هذه القصعة هي التي وقع فيها في بيت أبي بكر ما وقع والله أعلم. ففي هذا الحديث تصرف المرأة فيما تقدم للضيف، والإطعام إلى غير إذن خاص من الرجل لأنها قدمت لهم الطعام. وفيه جواز الغلظة على الولد على وجه التأديب والتمرين على أعمال الخير. وفيه أيضاً: كرامات أولياء الله الصالحين وما يقع من لطف الله تعالى بهم، وكيف أن خاطر أبي بكر الصديق كان مشوشاً وخاطر ولده وأهله وأضيافه، ثم إن الله أعطاه هذه النعمة العظيمة التي قرت به عينه هو وزوجته وولده وأضيافه، وبقي البقية التي أرسلت إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وانقلب الكدر صفاءً والحزن سروراً ولله الحمد والمنة.

قصة أبي الهيثم بن التيهان:
ومن الصحابة أيضاً الذين حصل لهم مشهد عظيم في الضيافة: أبو الهيثم بن التيهان ، وذلك ما رواه مسلم عن أبي هريرة قال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فإذا هو بـأبي بكر وعمر فقال: ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ قالا: الجوع يا رسول الله! قال: وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما). هؤلاء أعظم ثلاثة في الأمة؛ خرجوا من بيوتهم وما أخرجهم إلا الجوع، هذا الرسول صلى الله عليه وسلم والخليفة الأول والثاني من بعده أخرجهم الجوع من البيت قال: قوموا، فقاموا معه فأتى رجلاً من الأنصار فإذا هو ليس في بيته، فلما رأتهم المرأة قالت: مرحباً وأهلاً، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين فلان؟ قالت: ذهب يستعذب لنا الماء إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه فقال: الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافاً مني.. فانطلق فجاءهم بعذقٍ فيه بسر وتمر ورطب حتى ينتقي الضيف ما يشاء فقال: كلوا من هذه حتى يسكن الجوع، ريثما تذبح الذبيحة وتطبخ، وهذا من حسن الضيافة أن يسكن جوع الضيف بشيء إذا كان الطعام سيتأخر، وأخذ المدية فقال صلى الله عليه وسلم: (إياك والحلوب) لا تذبح ذات در ترضع أولادها وتنتفعون من حليبها ولبنها.. فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا فلما أن شبعوا ورووا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لـأبي بكر وعمر: (والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم) رواه مسلم رحمه الله. ومن القصص العظيمة ضيوف أبي طلحة رضي الله تعالى عنه والتي تقدمت لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (ألا رجلٌ من يضيفه هذه الليلة رحمه الله) فأخذه إلى بيته وقدم له طعام زوجته وقوت الصبية. ويؤخذ من الحديث أن من آداب الضيافة التلطف في إكرام الضيف على أحسن الوجوه وعدم إحراجه.

آداب الضيف:
ذكرنا آداب المضيف فما هي آداب الضيف؟ لأن الضيافة فيها ضيف ومضيف؛ المضيف تقدم الكلام عنه فما هي آداب الضيف؟

إحراج المضيف:
أولاً: لا يجوز له إحراج المضيف، لقوله عليه الصلاة والسلام: (ولا يحل لضيف أن يثوي عند صاحبه حتى يحرجه الضيافة ثلاثٌ) يعني: ثلاثة أيام وبعدها ينصرف، وكان ابن عمر لا يأكل طعاماً يقدم له بعد ثلاث وإنما ينصرف إلا إذا رغب صاحب البيت في جلوسه فعند ذلك يجلس. ولا يجوز له أن يثقل عليه وأن يعرضه للضيق، وأن يوقعه في الإثم؛ بأن يقول قولاً أو يفعل فعلاً يأثم به، ولا يجوز له أن يضيق على أهله، ولا يجوز له أن يجعله يتبرم، وبعض الناس ما عندهم أدب في هذه إطلاقاً، فتجده يأتي ويحتكر بيت الآخر كأنه بيته.. وهذا البيت يضيق عليه ولا يتهيأ له أن يطبخ باستمرار، ولا يتهيأ له طعام يكفي الجميع باستمرار، وهذا جالس مقيم، ولو خرج رب البيت من الدار لما خرج هو.

ألا يكلفه ما لا يطيق:
ثانياً: ألا يكلفه ما لا يطيق، قال ابن الحاج : ينبغي ألا يتخير المدعو على الداعي، بعض الناس يشرط ويقول: اصنع لنا كذا واصنع لنا كذا.. فإذا علم أنه لا يحب ذلك فلا يفعل لأنه ليس من الأدب، إنما يأكل ما حضر وينبغي إن خير المدعو ألا يتشرط لو قال: ماذا تريد؟ يقول: أريد كذا وكذا يتطلب الأشياء التي قد لا توجد، اللهم إلا أن يعلم أنه ليس في ذلك تكلف ويدخل السرور على من خيره، والتكلف هو: أن يأخذ عليه شيئاً بالدين، وليس له جهة يعوض منها، وهذا من إيقاعه في الحرج.

ألا يتعدى في إعطاء الطعام:
ثالثاً: ألا يتعدى في إعطاء الطعام ولا يختلس منه شيئاً فينبغي للمدعو أن لا يعطي من الطعام شيئاً إلا بإذن صاحب المنزل، أو إذا كان العرف يسمح بذلك، فمثلاً أحد الضيوف يتصرف في الطعام ويعطي هذا، ويعطي هذا إذا كان العرف يسمح بذلك فعله وإلا فلا يتصرف في الطعام، وإنما صاحب البيت هو الذي يتصرف، وينبغي له أن يحذر مما يفعله بعض من لا خير فيه من أنهم يأخذون بعض ما تيسر لهم أخذه فيختلسونه ويجعلونه تحتهم حتى إذا رجعوا إلى بيوتهم أخرجوه، وهذا من باب السرقة وأكل أموال الناس بالباطل. قال ابن مفلح رحمه الله في الآداب الشرعية : وقالت الحنفية: يحرم رفع المائدة إلا بإذن صاحبها؛ لأنه مأذون بالأكل لا بالرفع. ولو ناول الضيف لقمة من طعامٍ ضيفاً آخر؟ روي عن محمد أنه لا يحل للآخذ أن يأكل بل يضعه ثم يأكل من المائدة؛ لأن الضيف مأذون له بالأكل لا بالإعطاء. وقال عامة مشايخهم: يحل له للعادة؛ لأن العادة جرت بأنه لا بأس للضيف أن يعطي ضيفاً آخر لأن العادة جرت بهذا، وكذا لو أعطى بعض الخدم القائمين على رأس المائدة جاز، ولا يجوز أن يعطي سائلاً ولا إنساناً دخل لحاجة؛ لأنه لا إذن فيه عادة، يعني: هو وضع الطعام، والضيف مأذون له بالأكل وليس أن يتصدق من مال المضيف وصاحب البيت على المحتاجين، هذا ما أذن له به فلا يتصرف فيه، وكذا لو ناول شيئاً من الخبز واللحم كلب صاحب البيت أو غيره لا يسعه، ولو ناوله الطعام والخبز المحترق وسعه؛ لأنه مأذون فيه عادةً، ما دام أنه شيء يزهد فيه بل ربما يرمى، إذاً يجوز أن يعطى مثل أن تأتي قطة فيأخذ عظماً أو شيئاً يسيراً جداً مما يرمى فيعطيها لا بأس به.

آداب أخرى تجب على الضيف:
وكذلك مما ذكروه في آداب الضيف: أن صاحب الطعام يبدأ بالضيف قبل نفسه، ثم إن الضيف لا يقطع أشياء يشق على صاحب البيت تقطيعها، ولا يتصرف في الطعام تصرفاً يضايق صاحب البيت، ولو أنه دعي إلى طعام وجاء معه من لم يدعى فماذا يفعل؟ ماذا يفعل الضيف إذا جاء معه شخصٌ غير مدعوٍ؟ جاء في صحيح مسلم : باب ما يفعل الضيف إذا تبعه غير من دعاه صاحب الطعام، واستحباب إذن صاحب الطعام التابع وأتى بحديث: أن رجلاً من الأنصار يقال له أبو شعيب صنع للنبي صلى الله عليه وسلم طعاماً ثم دعاه خامس خمسة وأتبعهم رجل فلما بلغ الباب قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن هذا اتبعنا فإن شئت أن تأذن له وإن شئت رجع؟ قال: لا. بل آذن له يا رسول الله!) فإذاً ماذا يفعل الضيف؟ إذا جاء معه شخص ليس مدعو؟ الضيف يقول للمضيف: فلان جاء معي أتأذن له؟ فإن أذن دخل وإن لم يأذن رجع. ومشكلة بعض الإخوان أحياناً إذا جاء عالم إلى مكان ودعي إلى بيت فيأتي مع العالم هذا ناس ويستحلون بيت صاحب الوليمة بدون حرج ويحرجونه، فنفرض -مثلاً- أن أحد العلماء الكبار جاء إلى هذا البلد فقام أحد طلبة العلم أو أحد الأشخاص ودعا العالم إلى بيته يعني: حسب حساب واحد.. اثنين.. ثلاثة.. خمسة، فبعض هؤلاء الشباب يأتون مع هذا الشيخ, ويقولون: أين سيذهب الشيخ؟ فيقال: معزوم عند فلان فتذهب خمس سيارات أو عشر سيارات، ثم يدخلون، الرجل استعد لخمسة أشخاص فجاء ثلاثون شخصاً ففيها إحراج ولا شك، ولذلك ينبغي على الإخوان أن ينتبهوا لمثل هذا؛ لأن فيه إثم وإحراج لصاحب البيت، وإذا أكلوا طعاماً لا يسمح به وليس بطيب نفسٍ منه. كان الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله يدعى إلى وليمة، وكان الشيخ محمد بن صالح العثيمين تلميذاً عنده، فكان ينتهز الفرصة ويذهب مع الشيخ في الطريق يسأله - ابن عثيمين يسأل السعدي في الطريق إلى الوليمة- إلى الباب ثم يرجع إلا إن أذن له صاحب البيت أو لزم عليه ولم ير الشيخ مانعاً في الدخول أو لا يضيع الوقت عليه دخل، فإذاً لا مانع من مرافقة العالم إلى المكان الذي دعي إليه لكن لا يدخل معه، تريد أن تستفيد من الطريق أم أن تستفيد من البطن؟ فإلصاق النفس في الحقيقة فيه حرج شرعي وإثم. وكان جارٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فارسياً طيب المرق، فصنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً ثم جاء يدعوه فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (وهذه؟ يشير إلى عائشة فقال: لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا. فعاد يدعوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهذه؟ فقال: لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا. ثم عاد يدعوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهذه؟ قال: نعم -في الثالثة- فقاما يتدافعان حتى أتيا منزله). فينبغي على الضيف أن يستأذن لمن معه أو يأمرهم بالرجوع إذا أحس أن هناك حرج على صاحب البيت، وينبغي على صاحب البيت أن يتلطف في الرد، وكذلك فإن الضيف لا يأتي معه بمن يؤذي صاحب البيت دخوله. ومن آداب الضيف: أنه لا يتقدم على صاحب البيت في الإمامة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لا يؤم الرجل الرجل في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه) ولأن في التقدم عليه إزراء به وليس هذا من حسن الخلق. وينبغي على الضيف إذا نزل أن يحذر من إتلاف شيءٍ من أثاث ومتاع صاحب البيت، فإن بعض الضيوف إذا جاءوا إلى البيت كسروا وأطلقوا لأولادهم العنان فتراهم يكسرون في ممتلكات صاحب البيت، ويوسخون السجاد، وترى (الآيسكريم) على الفراش، والحلاوى على الحيطان وهذا شيء سيئ جداً. روى عبد الرزاق رحمه الله -والحديث في الترمذي- قال: [نزل بـعائشة ضيفٌ فأمرت له بملحفة صفراء مما يلتحف به فاحتلم فيها، فأصاب اللحاف شيء فاستحيا أن يرسل بها وفيها أثر الاحتلام، فغمسها في الماء ثم أرسل بها، فقالت عائشة : لما أفسد علينا ثوبنا؟ إنما كان يكفيه أن يفركه بأصبعه.. ربما فركته من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصبعي]. ورواية الترمذي: [ضاف عائشة ضيف فأمرت له بملحفة صفراء، فنام فيها فاحتلم فاستحيا أن يرسل بها وبها أثر الاحتلام، فغمسها بالماء ثم أرسل بها فقالت عائشة : لما أفسد علينا ثوبنا إنما كان يكفيه..] وذكر الحديث، قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح وهو قول واحدٍ من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام والتابعين ومن بعدهم من الفقهاء مثل سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق قال في المني يصيب الثوب: يجزئه الفرك وإن لم يغسل، فإذاً لينتبه الضيف من إفساد متاع أصحاب البيت، أو ترك الأولاد يعبثون في الأشياء ويكسرونها؛ فهذا ليس متاعاً له وإنما هي حقوق الناس، وفي الحقيقة يغرم إذا تعدى، وإذا ترك أولاده يفسدون يغرم لكن إذا تلف شيءٌ بدون تفريطٍ منه فلا يضمن. وينبغي على الضيف المبادرة إلى الأكل إذا دعي، فإن السنة إذا قدم الطعام أن يبادر بالأكل؛ لأنه كرامة لصاحب المنزل فلما قبضت الملائكة أيديهم نكرهم إبراهيم؛ لأنهم خرجوا عن العادة وخاف أن يكون من ورائهم شر، فقبول الكرامة والأكل منها فيه تطييب لخاطر صاحب البيت، والرفض فيه شيء من الإهانة والإزعاج، كما قال ابن العربي في أحكام القرآن ، وقال عبد العزيز البخاري في كشف الأسرار شرح البزدوي : ألا ترى أن ترك الأكل عند الإباحة إساءة ودليل على العداوة، حتى أوجس الخليل صلوات الله عليه خيفة في نفسه من الضيف إذ لم يأكل من ضيافته. وقال في المغني : والعرف يقتضي أن تقديم الطعام للضيف هو إذن له بأكله، ولا خلاف بين العلماء فيما علمناه بأن تقديم الطعام بين يدي الضيفان إذن بالأكل وأنه لا يحتاج إلى قبول بقوله، ووجد ما يدل على التراضي. وإن من الكبائر سرقة الضيف من بيت المضيف الذي أدخله وأكرمه، فإذا سرق الضيف من مال مضيفه شيئاً نظر فإن سرقه من الموضع الذي أنزله فيه أو موضعٍ لم يحرزه عنه لم يقطع؛ لأنه لم يسرق من حرز، وإن سرق من موضعٍ محرزٍ دونه نظرت فإن كان منعه القرى -يعني: بخل وما ضيفه- فسرق بقدر ما منعه فلا قطع عليه، وإن لم يمنع قراه -يعني: ضيفه وأكرمه- فإن أخذ شيئاً من الحرز يقطع، وهذه ظاهرة موجودة في المجتمع، ويدخلون على أنهم ضيوفهم وهم في الحقيقة حرامية، وقد يقع ذلك عند النساء أيضاً تدخل بيت صاحبتها فتسرق الدروج، المحافظ، والشنط، وغيرها من الأشياء. يقول لي أحدهم: دخلت بيتنا امرأة وقد وضعت مبلغاً في حقيبة فوق الدولاب وكانت زوجتي غائبة ثم رجعت وما انتبهت للحقيقة، ثم خرجت من الغرفة فأخذت الحقيبة أريد المال فما وجدت المال فقلت لها: انظري في شنطة هذه المرأة قال: فوجدنا فيها نفس المبلغ وقد وضعت فيها فئات مختلفة.. فوجدنا نفس تلك الفئات، فهناك بعض من لا يتقي الله يعملون الكبائر، ثم أين؟ في بيت من أكرمهم. أحضر لي شخص في المسجد قبل أيام فاتورة التلفون بمبلغ أربعين ألف ريال، وقال: حضرني أقرباء في عيد الأضحى وبعد أن غادروا جاءت الفاتورة بهذا المبلغ كله في المدة التي جلسوا فيها عندي في البيت. فإذاً: هناك من يرتكب الكبائر العظيمة التي يزداد قبحها في حق من أكرمه وفتح له بيته وآواه وضيفه، فأين هم من ديان يوم الدين؟ ومن بعض المنكرات التي يفعلها بعض الناس من الضيوف أن يحلف بالطلاق على المضيف ألا يذبح له، ما دخل زوجته الآن؟! وهذا أصل المشكلة التكلف من أصحاب البيوت من المضيفين، والنبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن التكلف للضيف) والحديث في صحيح الجامع . وفي الأوسط للطبراني عن شقيق بن سلمة قال: دخلنا على سلمان الفارسي فدعا بما كان في البيت، وقال: [ لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عن التكلف للضيف لتكلفت لكم ]. فلا ينبغي للإنسان أن يتكلف، ولا ينبغي للضيف أن يحلف بالطلاق، يمكن أن يقول: لا تذبح، وإذا علم أن الرجل هذا سيستدين، ويرهق نفسه، ولو نهاه ما يذبح، يمكن يحلف عليه في الله، لو كان يخشى أنه يتكلف كلفة لا يطيقها، ثم إن بعض الناس يحلف وذاك يذبح، ثم لا هو استفاد من الحلف وذبحت الذبيحة ثم يأتي ليضع يده على الرز يقول: هذه تحليل يمينك يا فلان، ما علاقة وضع اليد على الرز بالأيمان. مسألة فقهية: لو حلف عليه ألا يذبح فاكتشف أنه ذبح قبل أن يحلف قال: والله ما تذبح، قال: ذبحنا، ففي كتاب أنوار البروق في أنواع الفروق في قاعدة تعذر المحلوف عليه قال: إذا حلف ضيف على صاحب الدار ألا يذبح فتبين أنه قد ذبح فلا حنث؛ لأن رفع الواقع محال، فإذاً لا تجب كفارة في هذه الحالة، ولا يكون حانثاً، إذا فات محلوفٌ عليه لمانعٍ إذا كان شرعياً فحلفة مطلقة، وإن كان كلٌ قد تقدم منهما فلا حنث.

الكرم ومنزلته عند العرب وذم البخل والبخلاء:
وختاماً: فإن الإكرام من الأمور الحسنة الطيبة التي جاء بها الإسلام ودل عليها العقل والفطرة السليمة، وحتى العرب كانوا يعرفون ذلك، وكان ذلك من شئونهم، وقالوا كلاماً كثيراً، وأشعاراً حسنة في هذا الباب، ومن ذلك هذه الأبيات التي جاءت في الكرم والبخل يقول:
لعمرك ما الأرزاق يوم اكتيالها بأكثر خيراً من خوان عذافر
هذا الفرزدق يمدح عذافر المشهور بالكرم:
ولو ضافه الدجال يلتمس لقرى حل على خبازه بالعساكر
بعـة يأجـج ومـأجـج لهم لأشبعهم يوماً غداء العذافر
طبعاً هذا من المبالغات، وقال الخريمي :
أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله ويخصب عندي والمحل جديب
وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ولكنما وجه الكريم خصيب
يقول: الإكرام بطلاقة الوجه أهم من الإكرام بالأكل. وكذلك قال عمر بن الأحسن التيمي الذي شعره كأنه حلل منشرة:
ذريني فإن الشح يا أم مـالكٍ لصـالح أخـلاق الرجـال سـروق
ذريني وحظي في هواي فإنـ ني على الحسب العالي الرفيع شفـيق
ومستنبح بعد الهدوء أجبتـه وقد حـان من سـاري الشتاء طروق
والمستنبح: هو الكلب.
فقلت له أهلاً وسهلاً ومرحباً فهذا مبيت صـالحٌ وصـديق
أضفت ولم أفحش عليه ولم أقل لأحرمه إن الفناء يضـيق
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ولكن أخلاق الرجال تضـيق
وأما في البخل فقالوا أيضاً أبياتاً مما يعيب البخيل، فمن ذلك قول حماد عجرد :
وجدت أبا الصلت ذا خبرة بما يصلح المعدة الفاسدة
تخوف تخـمة أضـيافـه فعلمهـم أكـلة واحـدة
وقال حاتم الطائي :
إذا ما بخيل الناس هرت كلابه وشق على الضيف الغريب عقورها
فإن كلابي قد أقرت وعودت قليلٌ علـى من يعتريـها هريرهـا
إذا حل ضيفي بالفلاة ولم أجد سوى منبت الأطنـاب شب وقـودها
وقال بعضهم:
يستأنس الضيف في أبياتنا أبداً فليس يعلم خلقٌ أينا الضيف
من مستأنس البيت ما تدري من هو الضيف. وقيل للأوزاعي : رجلٌ قدم إلى ضيفه الكامخ والزيتون وعنده اللحم والعسل والسمن؟ قال: هذا لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر. وقال بعضهم:
لا در دري إن أطعمت نازلهم خبز الشعير وعندي البر مكنوز
وقال أحد البخلاء:
أعددت للضيفان كلباً ضارياً عندي وفضل هراوة من أرزن
وهذا نوع من الشجر الصلب تتخذ منه العصي.
ومعاذراً كذباً ووجهاً باسراً متشكياً عض الزمان الألزن
ورأى الحطيئة رجلاً وبيده عصا فقال: ما هذه؟ قال: عجراء بنت سلم ، قال: إني ضيف، قال: للضيفان أعددتها. وقال آخر:
وأبغض الضيف ما بي جل مأكله إلا تنفخه حولي إذا قعدا
مازال ينفخ جنبيه وحبوتـه حتى أقول لعل الضيف قد ولدا
وقال بعضهم:
استبق ود أبي المقاتل حين تأكـل من طـعامـه
سيان كسر رغيفته أو كسر عظـمٍ من عظـامـه
فـتراه مـن خـوف النزيل بـه يروع في منامه
وقال بعضهم:
يا تارك البيت على الضيف وهارباً منه من الخـوف
ضيفك قد جاء بخبزٍ له فارجع فكن ضيفاً على الضيف
وأخيراً: قال أعرابي يصف أحد هؤلاء:
أقاموا الديدبان على يفـاعٍ وقالوا: لا تنم للديدبان
قال صاحب بيت لحارسه: إذا رأيت ضيفاً يقدم علينا فأخبرنا به.
فإن أبصرت شخصاً من بعيدٍ فصفق بالبنان على البنان
ثم قال: إنهم من بخلهم جعلوا الصلاة بلا أذان، خافوا إذا أذنوا أن يسمع الناس الصوت ويأتون. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن أكرموا ضيوفهم وأن يجعلهم ممن أكرمهم إكراماً في جنات النعيم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

الأسئلة :
أكل الضيف الأول مرة أخرى مع الضيف الثاني:
سؤال: إذا كان الإنسان ضيفاً أكل، وبعد ذلك أتى ضيفٌ آخر فهل للضيف الأول أن يأكل معهم؟ الجواب: لا بأس. وإذا لم يأكل أيضاً فلا حرج.

الحذر من بعض الضيوف غير المعروفين:
سؤال: في هذه الأيام ومع انتشار الفساد هل هناك حرج من ضبط الضيف غير المعروف؟ الجواب: يمكن للإنسان أن يضيفه ويراقبه، وليس معنى ذلك إدخال السرق والمجرمين للبيوت، لا. وسيأتي مزيد لهذا إن شاء الله في الدرس القادم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

أمة الله والحمد لله
09-11-2011, 02:16 AM
جزاكى الله خيراً
فعلآ موضوع مهم جدآ والله
عسى أن نتعلم هذه الآداب


لكن ممكن طلب أختى الكريمة
بس لو تقسمى الموضوع
لأنه بس بيكون طويل

Dr.Moslima
09-11-2011, 03:29 PM
بارك الله فيكم ونفع بكم

موضوع رائع

اقرأ القرآن وأذكر ربك
10-11-2011, 08:54 PM
محاضرة( آداب الطعام )للشيخ محمد المنجد


عناصر الموضوع :
1. جملة من الآداب في باب الأكل
2. التفصيل في مسألة التسمية
3. هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الأكل عموماً من كلام ابن تيمية
4. هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الطعام من كلام ابن القيم
5. التفصيل في مسألة الأكل مما يليه
6. الانحراف في الأكل وتحريم ما أحل الله
7. أقسام الأكل حسب الأحكام الخمسة
8. مسائل متفرقة في آداب الطعام وبقية الآداب
9. التفصيل في الأكل على الأرض
10. التفصيل في عدم الاتكاء أثناء الأكل
11. التفصيل في الأكل والأطعمة
12. آداب الطعام العرفية
13. الأسئلة

آداب الطعام :
إن الله سبحانه وتعالى قد أكمل لنا هذا الدين، فلا يحق لأحد أن يزيد فيه أو ينقص، أو يعدل أو يستدرك، وقد بين لنا المصطفى صلى الله عليه وسلم كل شيء في السنة المطهرة، ومما ذكر لنا آداب الأكل والطعام، وقد أورد الشيخ حفظه الله آداباً جمة وردت فيها الأحاديث عن رسول الله، ثم ذكر بعد ذلك آداباً طيبة دل عليها العرف والعادات الحميدة عند المسلمين .

جملة من الآداب في باب الأكل:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فحديثنا في هذه الليلة أيها الإخوة عن أدبٍ آخر من الآداب الشرعية، وهو أدبٌ نحتاج إليه باستمرار، ألا وهو: (أدب الأكل)، أو: (آداب الطعام)، وهذا الأدب من الآداب التي أطال العلماء في شرحها؛ نظراً لكثرة الآثار الواردة فيها والأحاديث والنصوص الشرعية، وقد سبق أن قلنا: إن الشريعة تهتم بجميع نواحي حياة الإنسان، وكلما كانت الناحية أكثر وجوداً في حياة الشخص المسلم، كانت الشريعة أكثر تطرقاً لما يتعلق بهذا الأدب من التفصيلات. أما بالنسبة إلى هذا الأدب فإننا نحتاج أن نلخص بعض فروعه قبل أن نبدأ في تفصيله، فنقول: والله المستعان. إن آداب الطعام، أو آداب الأكل كثيرة؛ فمن آداب الأكل: أولاً: غسل اليدين قبله، لما رواه النسائي بإسنادٍ صحيح ورجاله رجال الشيخين، غير محمد بن عبيدة وهو صدوق، كان النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ، وإذا أراد أن يأكل غسل يديه) وهذا حديثٌ عزيزٌ جيد في هذه المسألة. ثانياً: تسمية الله سبحانه وتعالى قبل الطعام، كما دلت عليه أحاديثٌ كثيرة، كقوله عليه الصلاة والسلام: (يا غلام! سم الله) وقد جاء صريحاً بلفظ: (يا غلام! إذا أردت أن تأكل فقل: باسم الله). ثالثاً: أن يأكل بيمينه: لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ( وكل بيمينك). رابعاً: أن يدنوا من الطعام: لقوله عليه السلام في حديث الغلام أيضاً: (ادن يا بني). خامساً: أن يأكل مما يليه: لقول النبي عليه الصلاة والسلام أيضاً: (وكل مما يليك). سادساً: الاجتماع على الطعام، وعدم الأكل متفرقين، لقوله صلى الله عليه وسلم: (اجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله عليه يبارك لكم فيه) وينتج عن ذلك أن طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الثلاثة والأربعة، وطعام الأربعة يكفي الخمسة والستة.. كما رواه ابن ماجة وهو حديثٌ صحيح. سابعاً وثامناً: ألا يمسح يده بالمنديل أو بغيره حتى يَلعِقها، أو يُلعقها كما جاء عند النسائي وهو حديثٌ صحيح: (إذا أكل أحدكم الطعام فلا يمسح يده حتى يلعقها أو يُلعِقها، ولا يرفع الصفحة حتى يلعقها فإن آخر الطعام فيه البركة) وهذا هو الأدب الثامن، والذي قبله لعق الأصابع، والثامن: لعق الإناء. فإن آخر الطعام فيه البركة. تاسعاً: إذا سقطت اللقمة ألا يتركها لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (إذا طعم أحدكم فسقطت لقمته من يده، فليمط ما رابه منها وليطعمها، ولا يدعها للشيطان). عاشراً: انتظاره حتى يذهب فوره ودخانه، كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (إنه أعظم للبركة) يعني: الطعام الذي ذهب فوره. الحادي عشر: عدم النفخ في الطعام، وقد يكون لهذا أضرار لا نعلمها. الثاني عشر: الأكل من جوانب الطعام كما قال عليه الصلاة والسلام: (كلوا من جوانبها ودعوا ذروتها -أي وسطها- يبارك لكم فيها) وقال صلى الله عليه وسلم: (كلوا باسم الله من حواليها واعفوا رأسها، فإن البركة تأتيها من فوقها) وقال أيضاً في الحديث الصحيح: (إن البركة وسط القصعة فكلوا من نواحيها ولا تأكلوا من رأسها). الثالث عشر: أن يجلس على الأرض؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح: (آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد؛ فإنما أنا عبد) وقال أيضاً في الحديث الآخر: (آكل كما يأكل العبد، فوالذي نفسي بيده لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء). الرابع عشر: إذا أتاه خادمه بالطعام أن يناوله منه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح (إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه قد كفاه علاجه ودخانه؛ فليجلسه معه -يعني إجلاس الخدم معهم- فإن لم يجلسه معه فليناوله أكلةً أو أكلتين). إذاً: بما أن الخادم قد شق عليه عمل الطعام، وهو الذي قد جاءه من حره ودخانه فمن المكافأة له وقد اشتهاه أن يجلسه معه، وهذا أيضاً فيه تواضع، بالإضافة إلى المكافأة على ما حصل له. الخامس عشر: أنه إذا لم يعجبه شيءٌ من الطعام فإنه لا يتأفف ولا يتذمر وإنما يتركه فقط، كما جاء في الحديث: (إن اشتهاه أكله وإلا تركه) (ولما قدم الضب للنبي صلى الله عليه وسلم ترك أكله، وقال: إنه لم يكن بأرض قومي؛ فأجدني أعافه). السادس عشر: تفتيش التمر من الدود: فقد جاء في حديثٍ صحيح رواه أبو داود وغيره: (عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالتمر فيه دودٌ، فيفتشه يخرج السوس منه). السابع عشر: ما ذكره صلى الله عليه وسلم في مسألة ما يقال بعد الأكل ولهذا أذكارٌ كثيرة سنأتي عليها إن شاء الله، ومنها: الحمد لله، وما يقال أيضاً: لصاحب الوليمة، إذا دعاك فأجبت دعوته وطعمت عنده فماذا تقول له؟ وهذا سيكون إن شاء الله في موضوع: آداب الوليمة، وإجابة الدعوة، لكن في آداب الأكل سنتطرق إلى الصيغ الواردة في حمد الله تعالى لأنها كثيرة. الثامن عشر: أن الإنسان إذا طبخ لحماً مثلاً فإن عليه أن يكثر المرق ويغرف منه للجيران، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إذا طبختم اللحم فأكثروا المرقة، فإنه أوسع وأبلغ للجيران) وقال أيضاً: (إذا طبخ أحدكم قدراً فليكثر مرقها ثم يناول جاره منها) يعني من هذا المرق ومن هذا الطعام. التاسع عشر: ماذا يفعل إذا وقع الذباب في الإناء، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر عن أدبٍ يتعلق بذلك وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء، فإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء) وفي رواية: (وإنه يقدم السمّ ويؤخر الشفاء، فإذا غمسه كله ذهب ذلك). العشرون: كف الجشاء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كف عنا جشاءك) وفي راوية: (أقصر من جشائك) وهو: الصوت الغليظ الصادر من الفم كما سبق بيانه. الحادي والعشرون: تنظيف اليدين من بقايا الطعام، خصوصاً إذا أراد أن ينام، كما قال عليه الصلاة والسلام: (إذا نام أحدكم وفي يده ريح غمرٍ -وهو رائحة اللحم ودسامة اللحم وزهومته ودهنه- فلم يغسل يده فأصابه شيءٌ فلا يلومن إلا نفسه) . الثاني والعشرون: أنه إذا وضع العَشاء وحضرت صلاة العِشاء، فإنه يقدم العَشاء ولا يعجل عن طعامه. الثالث والعشرون: في طريقة الجلسة، أن يجلس ناصباً اليمنى جالساً على اليسرى، أو يجلس القرفصاء كما جاء أيضاً في رواية، ولا يجلس متكئاً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أما أنا فلا آكل متكئاً). الرابع والعشرون: النهي أن يأكل الرجل منبطحاً على بطنه لأنه قد ورد في الحديث الصحيح أيضاً: (النهي أن يأكل الرجل منبطحاً على بطنه) . الخامس والعشرون: عدم الشبع: لقوله في الحديث: (فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه، حسب ابن آدم لقيماتٌ يقمنَ صلبه) وذم التوسع في ألوان الطعام والشراب. السادس والعشرون: الأكل بثلاثة أصابع: فإنه قد ورد في الحديث الصحيح: (أنه عليه الصلاة والسلام كأن يأكل بثلاثة أصابع، وكان إذا أكل طعاماً لعق أصابعه الثلاث) . السابع والعشرون: ألا يقرن بين تمرتين خصوصاً إذا شاركه غيره، لما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن الإقران) وهو الجمع بين تمرتين ونحوها من الفواكه أو من الثمار التي تكون مفردة، فإنه لا يجمع بين حبتين منها، إلا أن يأذن له صاحبه، لأن في الحديث قوله: ( إلا أن يستأذن الرجل أخاه ). الثامن والعشرون: النهي عن الجلوس على المائدة التي فيها محرم، وهذا من الأحكام، كما جاء في الحديث (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الجلوس على مائدةٍ يشرب عليها الخمر). التاسع والعشرون: الاعتدال في الطعام، حتى في أنواعه، ويدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يأكل البطيخ بالرطب ويقول: نكسر حر هذا ببرد هذا، وبرد هذا بحر هذا) وهذا يدل على اعتداله صلى الله عليه وسلم في أنواع الأطعمة التي كان يتناولها. الثلاثون: عدم أكل الثوم والبصل والكراث، ولا يقربن المسجد إذا أكل الثوم والبصل والكراث، وعدم أكله لمن أراد أن يأتي المسجد. الواحد والثلاثون: الاعتناء بما دلت الشريعة على فضله من الأطعمة كالتمر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بيتٌ لا تمر فيه كالبيت لا طعام فيه) وفي حديثٍ آخر: (بيت لا تمر فيه جياعٌ أهله) وكذلك قال: (كلوا الزيت وادَّهنوا به) فالتمر إذاً قد ورد الاعتناء به، وكذلك زيت الزيتون المعروف، وكذلك الخل فقد قال: (نعم الإدام الخل) وما راق للإنسان أكله من الأطعمة بعد ذلك، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم -مثلاً- يعجبه الذراع والدباء -القرع- وهذا عائد إلى النفس. وفي الاعتناء بالأطعمة التي ورد الشرع بها أيضاً: إكرام الخبز -عدم القائه والاستهانة به- فإنه قد قال: (أكرموا الخبز) ولم يصح النهي عن قطعه بالسكين، وإنما الذي ورد إكرامه، فلذلك لا يلقى، والإنسان لو رآه يعتني به أكثر من غيره، للأمر بالاعتناء بإكرامه، فإذا رآه ملقىً مثلاً أخذه فوضعه أو جعله في مكان مرتفع أو أطعمه للدواب أو نحو ذلك. فهذه طائفة من آداب الطعام وشيء من الأحكام المتعلقة بها، وما يتعلق بالوليمة وآداب الدعوة والضيف، هناك أشياء مرتبطة بها مثل: الأطعمة ومثل: عدم سؤال صاحب الدعوة عن طعامه إذا كان مسلماً، كأن يقول: من أين هذا؟ ومن أين اشتريته؟

التفصيل في مسألة التسمية:
أما بالنسبة لبعض التفاصيل المتعلقة بالموضوع فلعلنا نبدأ بحديث التسمية على الطعام، حيث إن هذا من أول ما يكون في الطعام، وإن كان غسل اليدين مثلاً يكون قبله بالترتيب المنطقي لكن نبدأ بهذا الحديث، فإنها كانت أول وصية في حديث: (يا غلام سم الله) وقد عقد الأئمة رحمهم الله في كتبهم أبواباً لهذا الأدب العظيم، ولا تخلو الكتب الستة وغيرها من بابٍ أو كتابٍ عن آدب الأكل. وأيضاً: بوبوا في الأطعمة، فإن العلماء يذكرون في مصنفاتهم آداب الأكل وأحكام الأطعمة.. والصيد والذبائح ماذا يحل منها؟ وماذا يحرم؟ وهناك بعض الاشتراك، لكن الذي يهمنا نحن الآن التركيز عليه هو قضية آداب الأكل. روى البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه : عن عمر بن أبي سلمة قال: (كنتُ غلاماً في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا غلام! سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك، فما زالت تلك طعمتي بعد) .

صيغة التسمية عند الطعام:
عنون البخاري عليه: باب التسمية على الطعام والأكل باليمين. والمراد بالتسمية على الطعام قول: باسم الله، والبسملة قول: بسم الله الرحمن الرحيم، وقد ورد هذا صريحاً حيث قال: ( سم الله ) لكن الكلمة قد جاء مصرحاً بها كما جاء عند أبي داود و الترمذي من طريق أم كلثوم عن عائشة مرفوعاً: (إذا أكل أحدكم طعاماً فليأكل باسم الله، فإن نسي في أوله فليقل: باسم الله أوله وآخره) وهذا أدب يلحق بالتسمية أصلاً أو تبعاً لها، فهذا الحديث بين صفة التسمية. وهناك حديثٌ آخر أيضاً رواه الطبراني في الكبير وصححه الألباني في السلسلة : عن عمر بن أبي سلمة قال: (كنتُ غلاماً في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم _حِحر وحَجر كلاهما صحيح- وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا غلام! إذا أكلت فقل باسم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك). قال الشيخ: وهذا إسنادٌ صحيحٌ على شرط الشيخين، وقد ذكرت طرقه وخرجته في الإرواء ، وإنما خرجته هنا من طريق الطبراني بهذا اللفظ؛ لعزته وقلة وجوده في كتب السنة المتداولة. وفي الحديث دليلٌ على أن السنة في التسمية على الطعام، إنما هي: باسم الله فقط، فإذاً: جاء الحديث بلفظ ( سم الله ) وجاء في حديث: (اذكروا اسم الله تعالى عليه يبارك لكم فيه) وجاء النص على الكلمة التي تقال وهي: باسم الله.

حكم زيادة الرحمن الرحيم التسمية:
قال ابن حجر رحمه الله في شرح الحديث بعد أن ذكر الرواية التي تنص على قول: باسم الله قال: ( أما قول النووي في أدب الأكل من الأذكار: إن صفة التسمية من أهم ما ينبغي معرفته، والأفضل أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فإن قال: باسم الله، كفاه وحصلت السنة، فلم أر لما ادعاه من الأفضلية دليلاً خاصاً ). ( وأما ما ذكره الغزالي من آداب الأكل في كتابه الإحياء: أنه لو قال في كل لقمة: باسم الله كان حسناً، وأنه يستحب أن يقول مع الأولى: باسم الله، ومع الثانية: بسم الله الرحمن، ومع الثالثة: بسم الله الرحمن الرحيم، فلم أر في استحباب ذلك دليلاً ). إذاً السنة: باسم الله، والزيادة عليها غير محمودة؛ لأنها زيادة على السنة، ولذلك ذكر الشيخ الألباني في بعض كلامه العيب على من يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فإذا قلت له: باسم الله فقط، فإنه يجيبك وماذا فيها؟ يعني: لو زدنا ماذا في هذه الزيادة؟ وقد سبق بيان أن كلمة العامة: زيادة الخير خيرين، أنها ليست بصحيحة على إطلاقها، وأن الزيادة على السنة توقع في البدعة، وأن مجاوزة ما جاء به النص عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه فتح الباب، والخطير من ذلك: الاستدراك على الشريعة، لأنه كأنه يقول: ما جاءت به الشريعة فهناك ما هو أفضل منه، ويحكم رأيه فيقول: عندي وفي رأيي أن: بسم الله الرحمن الرحيم أفضل من باسم الله؛ لأن فيها ذكر كلمة: الرحمن والرحيم، وهما اسمان من أسماء الله عظيمان. فنقول: ليست المسألة بالاستحسان العقلي، المسألة بالدليل، ما دام أنه قد ورد النص على باسم الله، فنلتزم به. وواضح من كلام ابن حجر رحمه الله أن التسمية مرة واحدة فقط في بداية الطعام، وأنه لا يكرر ذلك في اللقم المختلفة. لكن لو نسي قال: باسم الله في أوله وآخره. لكنه يقولها مرة واحدة. وهذا الحديث وهو: حديث عمر بن أبي سلمة رضي الله تعالى عنه وهو صحابيٌ صغير، ولكنه حفظ عن النبي عليه الصلاة والسلام هذا الحديث ونقله، وهو أنه جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام فجلس وكانت يده تطيش في الصحفة ومعنى تطيش: تتحرك في نواحي الصحفة المختلفة ولا تقتصر على موضعٍ واحد يميناً وشمالاً، وكذلك معناها: تسرع.. فالطيشان في الصحفة إذاً: الإسراع والتجول فيها يميناً وشمالاً، وعدم الالتزام بمكانٍ معين، أو الالتزام بالأكل مما يليه. وأما بالنسبة للصحفة فهي: التي تشبع الخمسة وهي أكبر من القصعة.

حكم الإتيان بالتسمية:
وأما بالنسبة لحكم التسمية، لما قال: (يا غلام! سم الله) فادعى النووي رحمه الله إجماع العلماء على استحباب التسمية، ولكن ادعاؤه ذلك فيه نظر كما بين الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، والأصل أن الأمر للوجوب، قال يا غلام: (سم الله) وهذا فعل أمر؛ فهو يفيد الوجوب، لكن لابد أن نقول: إن العلماء قد اختلفوا في ذلك. فمنهم من قال: إنه للاستحباب ومنهم من قال: إنه للوجوب، وقد اقترنت المسألة -مسألة سم الله- بمسألة لا شك بوجوبها وهي: قضية الأكل باليمين، لأنه قال: (سم الله، وكل بيمينك) ولا شك أن من القرائن التي يستدل بها على وجوب أمرٍ من الأمور أن يكون مقترناً بشيءٍ آخر الأمر فيه للوجوب قطعاً، ولا شك أن الأكل باليمين واجب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على من أكل بشماله، فقال: (لا استطعت) وقال لمن رآها تأكل بشمالها: (أخذها طاعون غزة) وفعلاً بعد سنواتٍ مرت بـغزة وكانت فيها طاعون فماتت منه. إذاً: هذه قرينة تدل على أن التسمية واجبة، وصيغة الأمر واردة في الحديث في جميع الأوامر (سم الله) (كل بيمينك) (كل مما يليك) ونص الشافعي رحمه الله تعالى في كتاب: الأم على الوجوب، ولكن أكثر الشافعية حملوه على الندب وبذلك جزم النووي رحمه الله تعالى، هذا بالنسبة لقول: باسم الله.

هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الأكل عموماً من كلام ابن تيمية:
وفاتنا شيءٌ أن نذكره في بداية الحديث وهو: هديه صلى الله عليه وسلم في الأكل عموماً ملخصاً فلعلنا نرجع إليه الآن قبل أن يفوتنا ذكره ونحن شرعنا في التفاصيل. لقد ذكر ابن تيمية رحمه الله طائفة عامة من هديه عليه الصلاة والسلام في الطعام، وكذلك ابن القيم رحمه الله تعالى ذكر طائفة عامة من هديه عليه الصلاة والسلام في الطعام، فلنعد إلى ذلك قبل أن نسترسل في التفاصيل: فقد ذكر الإمام تقي الدين أحمد بن عبد السلام رحمه الله تعالى في موضوع آداب الطعام ما يلي: قال: وأما الأكل واللباس فخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وكان خلقه في الأكل أنه يأكل ما تيسر إذا اشتهاه ولا يرد موجوداً، ولا يتكلف مفقوداً، فكان إذا حضر خبزٌ ولحمٌ أكله، وإن حضر فاكهةٌ وخبزٌ ولحمٌ أكله، وإن حضر تمرٌ وحده أو خبزٌ وحده أكله، وإن حضر حلوٌ أو عسلٌ طعمه أيضاً، وكان أحب الشراب إليه الحلو البارد، وكان يأكل القثاء بالرطب، فلم يكن إذا حضر لونان من الطعام يقول: لا آكل لونين -ربما بعض الصوفيين الذي يدعون الزهد، إذا حضر بين يديه لونان من الطعام قال: لا آكل لونين ارفع واحداً حتى آكل- ولا يمتنع من طعام لما فيه من اللذة والحلاوة بحجة أنه يشغل عن العبادة أو أنه منافٍ للزهد، فإنه يأكله ولو كان مشوياً لذيذاً يأكله -مادام حضر، ما دام حلالاً طيباً- وكان أحياناً يمضي الشهران والثلاثة لا يوقد في بيته نار، ولا يأكلون إلا التمر والماء، وأحياناً يربط على بطنه حجراً من الجوع، وكان لا يعيب طعاماً فإن اشتهاه أكله، وإلا تركه، وأكل على مائدته لحم ضبٍ فامتنع عن أكله وقال: (إنه ليس بحرام، ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه). وقال رحمه الله تعالى: كذلك في مسألة أكل الطيبات. بعد ما أتى بحديث الإنكار على الثلاثة الذين حرموا ما أحل الله على أنفسهم، وقال أحدهم: أما أنا فلا آكل اللحم، قال عليه الصلاة والسلام: (لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني) طبعاً هذا فيه رد على النباتيين الذين يأكلون الأشياء النباتية من باب الزهد، يقولون: لا نأكل اللحم؛ لأن أكل اللحم منافٍ للزهد، فإذاً هؤلاء مبتدعة ومن أنواع البدع البدع التركية؛ لأنه يترك أشياء لم تأمر الشريعة بتركها، مثل أكل اللحم تزهداً وتقرباً، فهذه من أنواع البدع، لكن إن تركه؛ لأنه يضر به، أو لوصية الأطباء واقتصر على أكل الفاكهة والخضار، فإنه ليس بمبتدعٍ والسبب في ذلك نيته، فإن نيته في الحالة الأولى: تركه تقرباً إلى الله، وفي الحالة الثانية: تركه لأنه يضر به. فقال رحمه الله: وقد كان اجتمع طائفةٌ من أصحابه على الامتناع من أكل اللحم ونحوه وذكر الحديث... ثم قال: وقد قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [البقرة:172] فأمر بأكل الطيبات والشكر لله، فمن حرم الطيبات كان معتدياً، ومن لم يشكر كان مفرطاً مضيعاً لحق الله. وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها) وفي الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر) فهذه الطريق التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم هي أعدل الطرق وأقومها والانحراف عنها إلى وجهين، ملخص الوجهين: أولاً: قومٌ يسرفون في تناول الشهوات. ثانياً: قومٌ يحرمون الطيبات. فإذاً الانحراف في هذا سيأتي من هذين الطريقين، الطريق الأول: قوم يسرفون في تناول الشهوات، والله يقول: كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [الأعراف:31]. الطريق الثاني: قومٌ يحرمون الطيبات والله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [المائدة:87].

هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الطعام من كلام ابن القيم:
وقال ابن القيم رحمة الله عليه في كتاب زاد المعاد : وكذلك كان هديه صلى الله عليه وسلم وسيرته في الطعام لا يرد موجوداً، ولا يتكلف مفقوداً، فما قرب إليه شيءٌ من الطيبات إلا أكله إلا أن تعافه نفسه، فيتركه من غير تحريمٍ وما عاب طعاماً قط، إن اشتهاه أكله وإلا تركه. كما ترك أكل الضب لما لم يعتده، ولم يحرمه على الأمة بل أكل على مائدته وهو ينظر، كما جاء في الحديث فاجتره خالد -الضب اجتره خالد- وأكل الحلوى والعسل وكان يحبهما. وذكر ابن القيم رحمه الله طائفة مما أكل عليه الصلاة والسلام فقال: وأكل لحم الجزور والضأن والدجاج.. كما سيأتي في حديث الرجل الذي تنزه عن أكل لحم الدجاج؛ لأنه رآه يأكل شيئاً منتناً فدعاه أبو سعيد وقال: أكله النبي عليه الصلاة والسلام، دعاه إلى أكل الدجاج. وأكل الحلوى والعسل وكان يحبهما، وأكل لحم الجزور والضأن والدجاج، ولحم الحبارى، ولحم حمار الوحش، والأرنب، وطعام البحر الذي أتى به أبو عبيدة ، وأكل الشواء والرطب والتمر وشرب اللبن خالصاً ومشوباً، والسويق، والعسل بالماء، وشرب نقيع التمر -طبعاً هذا ليس بمسكر- وأكل الخزيرة وهي: حساءٌ يتخذ من اللبن والدقيق، وأكل القثاء بالرطب، وأكل الإقط، وأكل التمر بالخبز، وأكل الخبز بالخل، وأكل الثريد -وهو الخبز باللحم- وأكل الخبز بالإهالة وهي الودك -الشحم المذاب- وأكل من الكبد المشوية، وأكل القديد -اللحم المجفف- وأكل الدباء المطبوخة، وكان يحبها، وأكل المسلوقة، وأكل الثريد بالسمن، وأكل الجبن، وأكل الخبز بالزيت، وأكل البطيخ بالرطب، وأكل التمر بالزبد، وكان يحب التمر بالزبد، ولم يكن يرد طيباً ولا يتكلفه، بل كان هديه أكل ما تيسر فإن أعوزه صبر، حتى إنه ليربط على بطنه الحجر من الجوع، ويرى الهلال والهلال والهلال ولا يوقد في بيته نار، وكان طعامه يوضع على الأرض في السفرة، وهي كانت مائدته، وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقها إذا فرغ، وهو أشرف ما يكون من الأكلة فإن المتكبر يأكل بأصبع واحدة، والجشع الحريص يأكل بالخمس، ويدفع بالراحة، وكان لا يأكل متكئاً والاتكاء على ثلاثة أنواع: أحدها: الاتكاء على الجنب. الثاني: التربع. الثالث: الاتكاء على إحدى يديه وأكله بالأخرى، والثلاث مذمومة -هذا رأيه رحمه الله- وكان يسمي الله تعالى على أول طعامه ويحمده في آخره، فيقول عند انقضائه: الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه غير مكفيٍ ولا مودعٍ ولا مستغنٍ عنه ربنا -غير مكفي: من الكفاية، ولا مودع: أي غير متروك الطلب- فإنه دائماً يطلب وربما قال: الحمد لله الذي يطعم ولا يُطعم... إلى آخر الألفاظ التي ذكرها رحمه الله. وكان إذا فرغ من طعامه لعق أصابعه، ولم يكن لهم مناديل يمسحون بها أيديهم، وكان أكثر شربه قاعداً وذكر موضوع الشرب، والشرب ستأتي له آدابٌ خاصةٌ به إن شاء الله تعالى.

التفصيل في مسألة الأكل مما يليه:
ونعود إلى موضوع الآداب لنأخذ أدباً أو جزئية أخرى فقط من الجزئيات فيما تبقى من الوقت. وهي مسألة الأكل مما يليه: والأكل مما يليه قد جاء في الحديث: ( كل مما يليك ) وفي هذه المسألة عنون البخاري رحمه الله: باب الأكل مما يليه، وقال أنس -جاء بحديث معلق- قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اذكروا اسم الله وليأكل كل رجلٍ مما يليه) لأن مسألة الأكل مما يليه واضحة وينبغي أن يجمع بين الأشياء، بين الأكل مما يليه وبين إلعاق الإناء، فإن قال: الإنسان كيف يكون ذلك؟ نقول: إنه يأكل مما يليه بحيث يظهر قاع الصحفة فيلعقها، يعني: الناس عندما يأكلون، بعضهم يأكل أفقياً ويتوسع، وبعضهم يأكل عمودياً تقريباً، فأيها الأقرب للسنة في الجمع بين لعق الإناء وبين الأكل مما يليه؟ لا شك أنه إذا أكل مما يليه دون أن ينتشر يميناً وشمالاً بحيث إذا ظهر قاع الصحفة لعق ما يليه، وليس المقصود أنه يلعق كل الإناء أو (التبسي) فهذا قد لا يتيسر بل ربما انبشم ولما يلعقه كله، فإذاً يأكل مما يليه حتى إذا ظهر قاعها لعقه، فإنه ينظفه ويأتي عليه بأصابعه فيكون مكان أكله محفوظاً عن الانتشار. وكذلك فإنه مما يشكل في الموضوع حديث تتبع الدباء من حوالي القصعة، فقد يظهر في بادئ الأمر تعارضاً بين حديث تتبع الدباء في القصعة وبين قضية الأكل مما يليه، وحديث تتبع الدباء رواه البخاري عن أنس : (أن خياطاً دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعامٍ صنعه، قال أنس : فذهبتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته يتتبع الدباء من حوالي القصعة، قال: فلم أزل أحب الدباء من يومئذٍ) إذا تأملنا في عنوان البخاري عن الحديث لربما تبين لنا شيئاً من الأشياء التي يزول بها التعارض. فإنه قال رحمه الله: بابٌ من تتبع حوالي القصعة مع صاحبه إذا لم يعرف منه الكراهية، وهذا القيد في قوله: إذا لم يعرف منه الكراهية مهم؛ لأن تتبع الأشياء كثيراً مما يكرهه الناس، إذا كان يأكل مع جماعة فتتبع مما عن يمينه وشماله فإنه يأكل مما عن يمين غيره وعن شمال غيره من هاهنا ومن هاهنا، لكن إذا كان يعلم أنهم لا يعيبون ذلك ولا يكرهونه، فهل يحق له أن يأخذ منه إذا علم ذلك؟ فظاهر فعل البخاري رحمه الله وصنيعه في هذه الترجمة أنَّ له ذلك. وقد ذكر ابن حجر رحمه الله تعالى، أن الجواب عن هذا التعارض يمكن أن يقال: إن المسألة فيها تفصيلٌ: أنه إذا كان لوناً واحداً فلا يتعدى ما يليه، وإذا كان أكثر من لون فيجوز. وقد حمل بعض الشراح هذا الحديث على ذلك فقال: إن كان الطعام مشتملاً على مرقٍ ودباءٍ وقديد، فكان يأكل مما يعجبه وهو الدباء، ويترك ما لا يعجبه وهو القديد، وبعضهم قال: هذا يحمل على ما إذا كان يأكل لوحده فيجوز له أن يتتبع الشيء الذي يريده، وقد جاء في بعض طرق الحديث أن الخياط تركه يأكل وذهب لعمله، أو أنه محتاج للذهاب فذهب، وإذا كان يأكل لوحده من صحن بناءً على ذلك، فإنه لا يكون هناك محذور في كراهية الآخرين لتتبعه لشيءٍ معين، فيمكن أن يكون الجمع بهذه الطريقة أيضاً، فإذاًً نقول: أولاً: إذا كان يعلم أن غيره لا يكره ذلك. ثانياً: إذا كان الطعام ألواناً وأصنافاً، فأمامه -مثلاً- رز أبيض، وفي الناحية الأخرى رز أحمر وهو يريد الأحمر فإنه إذا أخذ مما هو بعيدٍ عنه مما يلي غيره لا بأس بذلك. وثالثاً: أن نقول: إنه إذا كان يأكل لوحده جاز له أن يتتبع ما يريد، وبهذا يكون الجواب على هذه المسألة. ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن أحدٌ ليتقذر صنيعه أو يكره منه فعله، فكون يده جالت في الطعام لأجل ذلك فإنه لا يكون قد آذى غيره مطلقاً، بل هناك أمر أدق من هذا ألا وهو: أنهم كانوا يتبركون بلعابه صلى الله عليه وسلم، وبريقه الذي يمسه يده، ولذلك لو أكل من أمام غيره لربما كان ذلك فيه إكرام له، من هذه الجهة.

الانحراف في الأكل وتحريم ما أحل الله:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعــد: سبق أن تكلمنا -أيها الإخوة- عن موضوع آداب الأكل، وعددنا بعض الآداب مع ذكر بعض الأدلة في ما يتعلق بكل أدبٍ من الآداب، وسنكمل إن شاء الله الكلام عن الموضوع في هذه الليلة، وسبق أن ذكرنا أن الناس يقعون في الطعام في محذورين، وأن الانحراف في مسألة الأكل يحدث من جهتين: الجهة الأولى: الإسراف فيه. والثانية: تحريم ما أحل الله منه. وهذا هو الكلام الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أن الناس يقعون في الأكل في انحرافين أو هم على طرفين: الإسراف فيه، وتحريم ما أحل الله منه. وهناك بعض القصص التي ذكرها الذهبي رحمه الله في كتاب: سير أعلام النبلاء التي تبين بعض ما وقع فيه هؤلاء. قال في ترجمة أحد الزهاد: أنه عمل له خلوةً فبقي خمسين يوماً لا يأكل شيئاً، وقد قلنا: إن هذا الجوع المفرط لا يسوغ، فإذا كان سرد الصيام والوصال قد نهي عنهما فما الظن؟ -يعني فما الظن بالامتناع عن الطعام هذه الفترة الطويلة- وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع) ثم قلَّ من عمل هذه الخلوات المبتدعة إلا واضطرب وفسد عقله، وجف دماغه، ورأى مرأى، وسمع خطاباً لا وجود له في الخارج -يعني: الذي يجوع هذا الجوع المفرط، فإنه يسمع أشياء لا وجود لها في الحقيقة، لكن من شدة الجوع يتراءى له ويتخيل- فإن كان متمكناً من العلم والإيمان فلعله ينجو بذلك من تزلزل توحيده، وإن كان جاهلاً بالسنن وبقواعد الإيمان، تزلزل توحيده وطمع فيه الشيطان، وادعى أنه وصل إلى مرتبة عالية ونحو ذلك، وبقي على مزلة قدم وربما تزندق وقال: أنا هو، كما يقول: هؤلاء الصوفية ، يقول: أنا هو، يعني أنا الله سبحانه وتعالى. وقال: نعوذ بالله من النفس الأمارة ومن الهوى، ونسأل الله عز وجل أن يحفظ علينا إيماننا. آمين. ثم قال في ترجمة رجلٍ آخر من الزهاد قال: صام طائر أربعين يوماً أربعين مرة، فآخر أربعين عملها صام على قشر الدخن؛ فليبسه قرع رأسه واختلط في عقله، قلتُ: -الذهبي يقول- فعل هذه الأربعينات حرامٌ قطعاً، فعقباها موتٌ من الخور أو جنونٌ واختلاط، أو جفافٌ يوجب للمرء سماع خطاب لا وجود له أبداً في الخارج، فيظن صاحبه أنه خطابٌ من الله سبحانه وتعالى، مع أنه في الحقيقة من الجوع. وفرقٌ بين هذا وبين ما يحصل من زهد بعض الزهاد، أو أنهم كانوا لا يفرطون في الشبعة، فرق بين هذا المغرق في ترك الطعام، وبين من يترك الشبع ولا يترك الطعام. ولذلك لما نقل عن الشافعي رحمه الله، قال أبو عوانة الإسفرائيني : حدثنا ربيع قال: سمعت الشافعي يقول: ما شبعت منذُ ستة عشر سنة إلا مرةً فأدخلت يدي فتقيئتها، يعني: مما وجد عليه من الأذى فيها. فقول الشافعي : ما شبعتُ منذُ ستة عشر سنة إلا مرة، لا يدل على أنه تارك للطعام، وإنما يدل على أنه كان يقل منه، ولأن الإكثار منه والنهم فيه ربما يسبب الأضرار، وقد مات أحد من ترجم لهم الذهبي رحمه الله في السير بسبب أنه كان أكولاً. قال: كان فلان أكولاً، فقال أحد رفقته لما قدموا مكاناً معيناً: أهدي إليه فالوذج لم ينضج، يعني: لم يكن مطبوخاً طبخاً جيداً، فقلنا له: يا فلان لا تأكله فإنا نخاف عليك، فلم يعبأ بكلامنا وأكله، فلما استقر في معدته شكى وجع بطنه وانسهل إلى أن وصلنا إلى المدينة ولا نهوض له، فتفاوضنا في أمره، و لم يكن لنا سبيلٌ إلى المقام عليه لأجل الحج، ولم ندر ما نعمل في أمره، فعزم بعضنا على القيام عليه وترك الحج، وبتنا فلم نصبح حتى أوصى ومات فغسلناه ودفناه. فإذاً: النهم قد يكون أحياناً سبباً في الموت، وربما مات بعضهم فعلاً من كثرة الطعم.. انبشم ومات. وينبغي أن يكون الطعام -كما ذكرنا- من الحلال؛ ولذلك فإن أكل الحلال من أسباب إجابة الدعاء وقد أطعم أبا بكر غلامه طعاماً من كهانة تكهن بها وهو لا يحسن الكهانة، فلما علم أبو بكر قاء ما في بطنه. وأكل معمر من عند أهله فاكهة، ثم سأل فقيل: هدية من فلانة النواحة، هذه امرأة تعمل بالنياحة وتأخذ أجرة على النياحة، وأهدتهم فاكهة، فلما علم أن الفاكهة من فلانة النواحة قام فتقيأ، وذلك لأنه لا يدخل بطنه إلا الحلال. وكذلك فإن صاحب الأكل اليسير الحلال لا يحتاج إلى الأطباء، ولا تعرض له كثير من الأمراض التي تعرض للأكولين، عن ابن سيرين أن رجلاً قال لـابن عمر : أعمل لك جوارش؟ قال: وما هو؟ قال: شيءٌ إذا كظك الطعام فأصبت منه سهل -إذا صار عندك كظة الطعام وأضر بك وازدحم عليك؛ عملنا لك هذا فسهل- فقال: ما شبعتُ منذُ أربعة أشهر، وما ذاك ألا أكون له واجداً، ليس لأني لا أجد الطعام، ولكن عهدت قوماً يشبعون مرة ويجوعون مرة، فكان يقتدي بهم رضي الله تعالى عنه. فإذاً ينبغي أن يكون الإنسان في مسألة الطعام معتدلاً غير مكثرٍ منه ولا مفرطاً فيه.. ولا يكون في ذات الوقت تاركاً له بالكلية بحيث يضر بصحته وببدنه، وعليه أن يتحرى الحلال، وقد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجوع فترةً طويلة؛ لأنه كان لا يجد عليه الصلاة والسلام، ولكنه كان لزهده في الدنيا لا يطلب ما لا يجد وإنما كان عليه الصلاة والسلام إن وجده أكله وإلا لم يتطلبه ولم يتكلفه، وعلى الآكل أن ينوي بأكله الاستعانة على طاعة الله تعالى.

أقسام الأكل حسب الأحكام الخمسة:
إذا أردنا أن نقسم الأكل حسب الأحكام الخمسة فيمكن أن نقسمه إلى واجبٍ ومندوبٍ ومباحٍ ومكروهٍ ومحرم.

الأكل الواجب:
فأما بالنسبة لما يبقى على الإنسان بحيث لو أنه ما أكل هلك، فهذا تفريط يعاقب على تركه، وأما إن كان لا يعينه على أداء الواجبات كالصلاة المفروضة وقد يبقى على قيد الحياة، لكن لا يصلي الواجبات مثلاً فهذا أيضاً من قسم الواجب يأثم لو تركه؛ لأنه لابد له من الإتيان بالصلاة الواجبة وأداء الصوم الواجب، وما لم يتم الواجب إلا به فهو واجب.

الأكل المندوب والمباح والمكروه:
القسم الثاني: ما هو مندوب: إذا كان يعينه على تحصيل رزقه، وتحصيل النوافل مثل: قيام الليل أو أنه يعينه على الإكثار من صيام النافلة، يكون مستحباً.. وقد يكون مباحاً إذا لم يصل إلى درجة الشبع والامتلاء فهو يزيد فيأكل مقدار الثلث، ويزيد لكن لا يصل إلى درجة الشبع والامتلاء، أما إذا وصل إلى درجة الشبع فإنه يكون مكروهاً وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (المسلم يأكل في معيٍ واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء) الكفار يأكلون لا يشبعون ولا يذكرون الله عز وجل، ولو أن الإنسان دقق في أكل بعض الكفار لوجد فعلاً أنهم يأكلون أكلاً أكثر مما يأكله كثيرٌ من المسلمين، وتتعجب أين يذهب هذا الطعام، ليس في طعامهم بركة: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ [محمد:12].

الأكل الحرام:
وإذا وصل الأكل إلى درجة ما فوق الشبع، فإنه يكون ضاراً عند ذلك، وربما يهلك به صاحبه، وتصيبه الآلام والأمراض والأوجاع، ولا شك أن هذا حرام، الله تعالى قال: وَلا تُسْرِفُوا [الأعراف:31] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار) ولا شك أن الإنسان إذا أكل بقصد الاستعانة على طاعة الله وعبادته يؤجر، أما إذا كان يأكل لمجرد التلذذ والتمتع فإنه لا يكسب هذا الأجر، نعم، إنه لا يكون قد عمل محرماً وهذا شيءٌ أباحه الله، لكن لا يكون وصل إلى المرتبة العالية، أو أنه يؤجر على ذلك. وهناك أطعمة يستحب الأكل منها، كالأضحية والعقيقة بل إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليأكل كل رجلٍ من أضحيته) فأمر بذلك. وهناك مأكولاتٌ لا يجوز أكلها مطلقاً كالخنزير والميتة. وهناك مأكولاتٌ يجوز أكلها لبعض الناس دون بعض، كالكفارات والنذور، فالذي يخرج الكفارة، أو أنه نذر أن يذبح ذبيحةً للفقراء لا يجوز له أن يأكل منها، بينما يجوز للفقير أن يأكل منها. ومن الأطعمة التي يستحب الأكل منها كذلك، الأكل مع الضيف إيناساً له، إجابة الوليمة والأكل من وليمة النكاح. هذا ما يتعلق ببعض الأحكام العامة في الأكل، وسبق أن ذكرنا بعض الآداب، ونتابع الكلام في تفصيل بعض هذه الآداب، من آداب ما قبل الأكل التي ذكرناها تسمية الله سبحانه وتعالى، وذكرنا بعض التفاصيل المتعلقة بذلك، ومما يضاف أيضاً إلى ما سبق حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى في أوله، فإن نسي أن يذكر اسم الله تعالى في أوله فليقل: بسم الله أوله وآخره).

مسائل متفرقة في آداب الطعام وبقية الآداب:
الاجتماع على الطعام سبب للبركة:
والتسمية كما قلنا سبب البركة في الطعام، والنبي صلى الله عليه وسلم لما كان عنده طعام مع ستة نفر من أصحابه فجاء أعرابي فأكله في لقمتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أما إنه لو سمى لكفاكم) ومن الأدلة على أن التسمية أيضاً تجلب البركة، حديث وحشي أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: (يا رسول الله إنا نأكل ولا نشبع، قال: لعلكم تفترقون، قالوا: نعم، قال: اجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله؛ يبارك لكم فيه) صححه الألباني. وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: (أن خير الطعام ما كثرت عليه الأيدي) وهو حديثٌ حسن يبين أن الاجتماع على الأكل من آداب الطعام، وأن الإنسان يحاول قدر الإمكان ألا يأكل لوحده ما أمكنه وأن يجلس مع آخرين. وكذلك فإنه قد ورد حديث ضعيف: (أن الإنسان إذا قال: باسم الله أوله وآخره، قاء الشيطان جميع ما أكله) لكن ذلك لا يستبعد، ولكن يحتاج إلى صحة الدليل، لكن الشيطان إذا ما سمى الإنسان ماذا يقول لأصحابه؟ أدركتم العشاء، وإذا دخل وما سمى الله عند دخوله البيت؛ قال الشيطان لمن معه: أدركتم المبيت. فإذاً التسمية عند دخوله البيت مانع للشياطين من المبيت مع أهل البيت، وكذلك التسمية عند بدء الطعام مانعةٌ لهم من أن يطعموا معهم. وكذلك فإنه قد جاء في الحديث الصحيح عن حذيفة أنه قال: (كنا إذا حضرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيضع يده) هذا من الآداب التي تضاف وهو: انتظار الكبير أو العالم حتى يبدأ بالطعام، لكن الحديث في التسمية على أية حال، ولكن هذا الأدب في القصة، قال: (لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيضع يده، وإنا حضرنا معه مرةً طعاماً فجاءت جاريةٌ كأنها تدفع -كأن واحداً يدفعها- فذهبت لتضع يدها في الطعام، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها، ثم جاء أعرابي كأنما يدفع فأخذ بيده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان يستحل الطعام ألا يذكر اسم الله عليه، وإنه جاء بهذه الجارية، ليستحل بها فأخذتُ بيدها، فجاء بهذا الأعرابي ليستحل به فأخذت بيده، والذي نفسي بيده! إن يده في يدي مع يدهما ثم ذكر اسم الله تعالى وأكل) رواه مسلم. فإذاً هؤلاء جاءوا دفعهم الشيطان، ليأتوا للطعام لكي يستحل الشيطان بواسطتهما الطعام؛ لأنهما لم يذكرا اسم الله تعالى، النبي صلى الله عليه وسلم أمسك بيديهما قبل أن يضع يديهما في الطعام، ثم سمى النبي صلى الله عليه وسلم وأكل.

حكم الأكل بالشمال وما يستثنى منه:
وبالنسبة للأكل باليمين، فإن الأكل باليمين واجب، واليمين مفضلة على أية حال (فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله) كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها في الحديث الذي رواه البخاري رحمه الله تعالى، وأما حكم الأكل بالشمال فقد قال النبي قال صلى الله عليه وسلم: (لا يأكلن أحدكم بشماله ولا يشربن بها، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله) رواه مسلم. فإن أكل بشماله فهو آثم، ويدل على ذلك حديث: (الرجل الذي رآه النبي عليه الصلاة والسلام يأكل بشماله فأمره أن يأكل بيمينه، قال: لا أستطيع؟ قال: لا استطعت ما منعه إلا الكبر فما رفعها ) يعني هذا الرجل قال: لا أستطيع.. كبراً وإلا فهو يستطيع فقال: لا أستطيع، قال: لا استطعت.. دعا عليه فلما دعا عليه شُلت وما استطاع أن يرفعها مطلقاً. لكن هناك بعض الحالات التي يجوز للإنسان أن يأكل فيها بشماله مثل: شلل اليد اليمنى فعجز عن رفعها وحركتها، وأن يكون بها جراحة، ومقطوع اليد، فهذا لا حرج عليه أن يأكل بشماله.

عدم عيب الطعام:
وبالنسبة لقضية عدم عيب الطعام، فسبق ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم ما عاب طعاماً قط، إن اشتهاه أكله وإن كرهه تركه، من جهة أن الطعام مباح لكن هو لا يشتهيه، إذا كان حراماً هذا لابد أن يعاب، لو قدموا له خنزيراً أو ميتاً أو شيئاً محرماً فإنه يعيبه ولا شك، لكن إذا قدموا له شيئاً لا يشتهيه فإنه لا يعيبه، وقد تكون طريقة طهي الطعام فيها شيء مثلاً فمن السنة أن لا يعيبه، وذلك لأسباب: أن في عيبه لكسر قلب صاحبه؛ لأنه محسن وجاء بالطعام، قد تكون هذه قدرته وهذه استطاعته، وكذلك فإن عيب الطعام من العلل التي فيها لكسر قلب الصانع له، أنه ينمي عن التكبر -الكبر- والترفع والرعونة وسوء الطبع، وقد ذكر بعض أهل العلم: أن من عيب الطعام، أن يقول: حامض.. مالح.. ما في ملح، ونحو ذلك من الألفاظ التي يستعملها بعض الناس. فالعيب قد يكون من جهة الخلقة، وقد يكون من جهة الصنعة، قد يعيب شكل الطعام هذا، أو يعيب صنعته، ولا شك أن الأول أشد إذا عاب شكل الطعام، وإذا كان يعود إلى الصنعة: كأن يقول: حامض، مالح قليل الملح، غليظ، رقيق غير ناضج، ونحو ذلك فهذا تجنبه من حسن الأدب.

السؤال عن الطعام:
أما بالنسبة للسؤال عنه فإنه لا يدخل في قضية العيب: إذا حضر إنسان على طعام، فالسؤال على نوعين: إما أن يسأل هذا مذبوح أو لا؟ فقلنا: إذا كان مسلماً ثقةً لا يسأله، يأكل فقط، أما إذا كان إنساناً متساهلاً مفرطاً غير متحرٍ للحلال لا يتورع عن الشبهات هذا يتأكد منه الآكل. لكن هناك سؤالٌ ليس به عيب، وهو أن يسأل ما هذا الطعام، أي وضعوا بين يديك طعاماً لا تدري ما هو!! قد يكون فيه شيء أنت لا تريده ولا تحبه ففي هذه الحالة لا بأس أن تسأل، وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسأل عن ذلك، فيسأل للاطمئنان، والدليل على ذلك ما رواه البخاري عن خالد بن الوليد ، أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على ميمونة : وهي خالته وخالة ابن عباس ، فوجد عندها ضباً محنوذاً -ضباً مشوياً- قدمت به أختها حفيدة بنت الحارث من نجد. معناه: أن الضب لا يعيش في مكة ، ولا الحجاز ، ويكون في نجد : (فقدمت الضب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان قل ما يمد يده لطعام حتى يحدث به ويسمى له -هذا هو الشاهد ما يسأل هذا حلال أو حرام، لا، بل يسأل ما هو هذا؟- وأهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى الضب، فقالت امرأةٌ من النسوة الحضور: أخبرنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ما قدم له هو الضب، فقلت: يا رسول الله هو الضب، فرفع رسول صلى الله عليه وسلم يده عن الضب، فقال خالد بن الوليد : أحرام الضب يا رسول الله؟ قال: لا. ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه، قال خالد : فاجتررته وأكلته ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلي) . فمن أراد بالسؤال أن يعرف هل هذا النوع مما هو يشتهيه أو مما يكرهه فلا بأس أن يعرف ما هو هذا، يسأل عن نوع الطعام أو من أي شيء صنع ونحو ذلك، ولأن بعض الأطعمة من طريقة الطهي لا تعرف وتتغير ملامحها، هذا الضب مشوي بطريقة لم يظهر فيها، ولذلك ما تميز له إلا بعد أن قالوا له هو ضب. بالنسبة لوعظ من يسيء الأكل فقد تقدم حديث عمر بن أبي سلمة الذي يدل على مشروعية وعظ من يسيء الأكل.

حكم الإقران في الطعام:
ومن آداب الأكل: مسألة النهي عن الإقران بين التمرتين: وبالنسبة للإقران بين التمرتين ونحوها فقد جاءت فيه أحاديث، ومن هذه الأحاديث ما رواه البخاري رحمه الله تعالى في كتاب: المظالم، باب إذا أذن إنسان لآخر بشيء جاز.. عن جبلة قال: كنا في المدينة مع بعض أهل العراق فأصابنا سنة -يعني قحط- فكان ابن الزبير يرزقنا التمر فكان ابن عمر رضي الله عنهما يمر بنا فيقول: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الإقران إلا أن يستأذن الرجل منكم أخاه) أي: لا يقرن تمرة بتمرة عند الأكل لئلا يجحف برفقته، ما داموا مجتمعين على الطعام.. وهذا جاء من ابن الزبير كان يمدهم به وهو في قحط، فإذاً من الظلم أن الإنسان يتفرد بقران تمرتين دون إخوانه، ولذلك قال في الشرح في فتح الباري : فإن أذنوا له في ذلك جاز؛ لأنه حق لهم، فلهم أن يسقطوه. وكذلك أورده البخاري رحمه لله تعالى في كتاب الشركة: باب القران في التمر بين الشركاء حتى يستأذن صاحبه، وأتى بحديث جبلة بن سحيم قال: سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يقول: نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرن الرجل بين التمرتين جميعاً حتى يستأذن صاحبه، قال ابن بطال : النهي عن القران من حسن الأدب في الأكل عند الجمهور لا على التحريم كما قال أهل الظاهر. أي أن المسألة فيها خلاف: هل النهي عن القران للتحريم أو أنه من حسن الأدب أن لا يقرن؟ قال: لأن الذي يوضع للأكل سبيله سبيل المكارمة لا التشاح باختلاف الناس في الأكل، الناس قدراتهم وطاقاتهم في الأكل وحاجاتهم مختلفة، هذا يأكل قليلاً وهذا يأكل كثيراً وهكذا.. لكن إذا استأثر بعضهم بأكثر من بعض لم يحل له ذلك، يعني: واحد يستولي على شيء دون الآخرين لا يحل له ذلك، إذا كانوا شركاء مثل المناهدة، وهي: أن يدفع كل شخصٍ قدراً من المال، فيشترون بهذا المال المجتمع طعاماً لهم جميعاً، ثم يقسمونه بينهم أو يجتمعون عليه، هذه هي المناهدة وقد وردت في السنة، وكانوا يستعملونها في الأسفار، يأخذون اشتراكات من كل واحد من الرفقة ثم يشترون بها طعاماً للجميع، فإذا نزلوا منزلاً للغداء أو العشاء ونحو ذلك أكلوا مجتمعين. فإذا تفرد بعضهم بالطعام دون بعض وقد اشتركوا جميعاً في قيمته فلا شك أنه فيه شيءٌ من الظلم، ثم إن البخاري رحمه الله تعالى: قد أورده أيضاً في كتاب الأطعمة، وقال: ثم يقول (إلا أن يستأذن الرجل أخاه فإذا أذن له جاز) والمراد بالأخ: رفيقه الذي اشترك معه في التمر مثلاً، سوء اشتركا في القيمة، أو أنه كان مهدى إليهما جميعاً، فإذا أكله دون أخيه لا شك أنه من الظلم، وكذلك فإن الإقران هذا يدخل فيه غير التمر ما كان مثل التمر، ولذلك لو كانوا وضعوا بين أيديهم عنباً أو خوخاً أو مشمشاً أي شيء مما له ثمرٌ مما هو منفصل، ولذلك قال ابن حجر : في معنى التمر الرطب وكذا الزبيب والعنب ونحوهما، لوضوح العلة الجامعة. بعضهم قيد النهي عن الإقران بما إذا كان في حال الفقر.. وأما إذا كان موسع فلو قرن بين الاثنتين فإنه لا يكون ظالماً للآخر؛ لأن الآخر عنده زيادة وموجود.. الخير كثير، فلو قرن يعني أنه لا بأس به، على أساس أنه في غير وقت الفقر والشدة. وكذلك قالها بعضهم: أنه مقيد بما إذا كانوا مشتركين فيه، أما إذا أعطاهم الطعام واحد غيرهم دون اشتراك فيقرنوا هم دون صاحب الطعام، لكن هذا يصلح إذا قلنا: العلة في القران هي الظلم، فهنا لا ظلم فلا بأس، لكن لو قلنا مثلاً: من العلة الشره، أنه إذا أكل اثنتين مع بعض صار كأن عنده نهم وشره، فهنا حتى لو كان هو مالك الطعام، فإن العلة لا تزال موجودة.

المضمضة بعد الطعام:
كذلك مما يؤخذ من قضية النهي عن القران المساواة بين الضيوف، ولعله يأتي من الأحاديث ما يبين هذا. وكذلك من آداب الآكل قضية المضمضة بعد الطعام، ولعل هذه لم نذكرها في الآداب ونضيفها الآن، وقد جاء في حديث سويد بن النعمان (أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم بـالصهباء فحضرت الصلاة، فدعا بطعامٍ فلم يجده إلا سويقاً فلاك منه، فلكنا معه ثم دعا بماء فمضمض، ثم صلى وصلينا ولم يتوضأ). قد يقال: هذا محله إذا كان سيصلي بعده لكن على أية حال، فالمضمضة مما يزيل الأوساخ أو مخلفات الطعام وكذلك السواك، ومما يكون فيه محافظة على الأسنان؛ فإن من أسباب تلف الأسنان بقايا الطعام التي تكون موجودة ومحبوسة فيها؛ فإذا تعفنت وأنتنت بين الأسنان سببت التسوس والآلام والأضرار. ولذلك المضمضة بعده والتسوك لا شك أنه مما يحافظ الإنسان به على صحته، ومن الأشياء التي يتأكد المضمضة فيها اللبن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مضمضوا من اللبن فإن فيه دسماً).. (أو فإن له دسماً) أو كما قال صلى الله عليه وسلم. يعني: اللبن فيه دسم فالمضمضة ليست مثل شرب الماء، فهذا الدسم يحتاج إذهاب أثره إلى مضمضة، واستخدام الأدوات في الطعام جائز، مثل الشوكة والسكين والملعقة، ومن الأدلة على ذلك حديث الصحيحين: عن عمرو بن أمية الضمري (أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يحتز من كتف شاةٍ في يده، فدعي إلى الصلاة فألقاها والسكين التي يحتز بها، ثم قام فصلى ولم يتوضأ) . أما حديث (لا تقطع اللحم بالسكين) فقد بين الإمام أحمد رحمه الله أنه ليس بصحيح، وكذلك النهي عن تقطيع الخبز لم يثبت فيه شيء عن تقطيعه بالسكين، فتقطيع اللحم والخبز بالسكين لا بأس به، والنبي صلى الله عليه وسلم قد استخدم الأدوات أثناء الأكل كاستخدام السكين، فلو أكل واستخدم الملعقة والشوكة وغير ذلك لا بأس به، لكن ينتبه الذين يستخدمون الشوكة والسكين أن عليهم أن يمسكوا الشوكة باليد اليمنى، وأنهم إذا احتاجوا للقطع باليمنى فإنهم لا يأكلون مباشرة، يقطعوها باليمين أولاً، ثم يأكل بالشوكة باليمين، أما ما يفعله بعضهم المقلدين للكفرة من إمساك الشوكة باليسرى والسكين باليمنى ثم يقطع باليمنى ويأكل مباشرةً باليسرى فهذا من إشراكهم للشيطان معهم في الأكل.

التفصيل في الأكل على الأرض:
ومن آداب الطعام: الأكل على الأرض لحديث: (آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد) وقد جاء أيضاً في البخاري عن أنس قال: (لم يأكل النبي صلى الله عليه وسلم على خوان، وما أكل خبزاً مرققاً حتى مات) وقال: (ما علمت النبي صلى الله عليه وسلم أكل على سكرجة قط، ولا خبز له مرقق قط، ولا أكل على خوانٍ قط، قيل لـقتادة على ما كانوا يأكلون؟ قال: على السفر).

اقرأ القرآن وأذكر ربك
10-11-2011, 08:57 PM
حكم الأكل على السكرجة:
أما بالنسبة للأكل على الأرض فقد علمنا أن الأكثر تواضعاً والسنة أن يأكل الإنسان على الأرض، وبالنسبة للأكل على غير الأرض مما ارتفع عنها كالطاولة مثلاً فإن هذا الحديث وهو حديث أنس الذي فيه: (ما علمت النبي صلى الله عليه وسلم أكل على سكرجة قط) فما معنى السكرجة؟ وما علاقتها بالموضوع؟ أما السكرجة جاء في تعريفها: أنها فارسية تكلمت بها العرب، وأن معنى هذه الكلمة: قال بعضهم: القصعة المدهونة، وقال بعضهم: أنها قصعة ذات قوائمٍ من عودٍ كمائدةٍ صغيرة، فلماذا لم يأكل على السكرجة؟ قال بعض أهل العلم: ترك أكله على السكرجة إما لكونها لم تكن تصنع عندهم أو استصغاراً لها؛ لأن عادتهم الاجتماع على الأكل وهذه تضيق الدائرة، أو أنها كانت تُعد لوضع الأشياء التي تعين على الهضم، ولم يكونوا غالباً يشبعون فلا يحتاجون إلى شيءٍ يوضع عليه فيساعد على الهضم، الآن الناس يكثرون الطعام ويشربون بيبسي للهضم. طيب لا يحتاج أن تشرب بيبسي إذا كنت لا تكثر من الطعام، لكن صارت الآن الأمراض والأشياء التي تستخدم للإعانة على الهضم نتيجة خطأ أساسي في البداية، فالذي يظهر والله أعلم أن الأكل على الطاولة ليس بمحرم، وإن الأكل على الأرض أحسن، وأكثر تواضعاً وهو السنة، لكن لو أكل على الطاولة لا حرج إن شاء الله، لكن لو سأل واحد ما هو الأفضل نأكل على الأرض أو نأكل على الطاولة؟ نقول: على الأرض؛ فهي جلسة النبي صلى الله عليه وسلم وهي التواضع: (آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد) لكن لو أكل على الطاولة لا حرج، ولعل الأكل على الأرض من مزاياه أن الإنسان يستطيع أن يجلس الجلسة التي وردت في السنة، وهي: نصب الرجل اليمنى والجلوس على القدم اليسرى، لكن لو أكل على الطاولة في الغالب لا يتمكن أن يجلس هذه الجلسة، وأقول: لأجل هذا فإن الأكل على الأرض هو الأفضل والأقرب إلى السنة، ويمكن الإنسان إلى الجلسة المشروعة فيه، لكن الأكل على الطاولة لا يصل إلى أن يكون محرماً ألبتة. ثم إن الإنسان قد يستطيع في بيته أن يكيف على أشياء، لكن في بيوت الناس والمحلات العامة لا يكاد يوجد الأكل على الأرض.

التفصيل في عدم الاتكاء أثناء الأكل:
وكذلك من آداب الطعام أيضاً: عدم الاتكاء أثناء الأكل، وذكرنا كلام ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد حول هذا الموضوع، وقد جاء في حديث عبد الله بن مسلم قال: (أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم شاةٌ، فجثا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتيه يأكل، فقال أعرابي: ما هذه الجلسة؟! فقال: إن الله جعلني عبداً كريماً ولم يجعلني جباراً عنيداً) رواه ابن ماجة ، وقال البوصيري ، في الزوائد : إسنادٌ صحيح، ورجاله ثقات.

كيفية الاتكاء على الأرض وحكمه:
لكن ما كيفية الاتكاء؟ ذكر ابن القيم رحمه الله ثلاث كيفيات للاتكاء: الاتكاء على الجنب، الاتكاء على اليد، والتربع، وقد اختلف العلماء في حكمه لأن النهي ليس بصريح، لأنه قال: (إني لا آكل متكئاً) فالآن هذا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم أو مما نحن نقتدي به: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21]؟ فلا شك أن الأصل أن نقتدي بالنبي عليه الصلاة والسلام، ولا نأكل متكئين وهذا هو الأحوط على الأقل، فقيل في صفة الاتكاء: أن يتمكن من الجلوس على أي صفةٍ كانت، يعني: يأخذ راحته ويتمكن، ويجلس جلسة فيها اطمئنان وراحة تامة، طبعاً من المحذور فيها أنه سيكثر من الطعام تبعاً لطريقة جلسته، وقيل: أن يميل على أحد شقيه على الجنب، وقيل: أن يعتمد على يده اليسرى من الأرض. وقال الخطابي : تحسب العامة أن المتكئ هو الآكل على أحد شقيه وليس كذلك بل هو المعتمد على الوطاء الذي تحته فيجعل تحته فرشاً وشيئاً مريحاً للجلوس، يعني: كأنه يرى رحمه الله أن الاتكاء داخلٌ فيه، يعني: أي وضعية فيها راحة تامة، بحيث إن الإنسان يجلس فترة طويلة، فيتسبب في مزيدٍ من الأكل، قال: ومعنى الحديث (إني لا أقعد متكئاً على الوطاء عند الأكل فعل من يستكثر من الطعام، فإني لا آكل إلا البلغة من الزاد فلذلك أقعد مستوفزاً) . وجاء في حديث أنس رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أكل تمراً وهو مقعٍ) -من الإقعاء- وفي رواية (وهو محتفز) والمقصود: أن يجلس على وركيه غير متمكن، وعموماً يدل ذلك على كراهة كل ما يعد الآكل فيه متكئاً لا بصفةٍ بعينه، اتكاء على جنب، اتكاء على اليد، اتكاء على الوطاء، جلسة مستمكنة يستريح فيها تماماً ويأخذ راحته فيها، كل ذلك داخلٌ فيه، ولعل الأكل وهو على جنب مما يضر به، فلا ينحدر الطعام في مجاريه سهلاً هنيئاً فربما يتأذى به لو أكل متكئاً، وقيل: إن ذلك من فعل الملوك الأعاجم الأكل متكئاً، ولذلك صار مكروهاً . والمستحب إذاً للآكل أن يكون جاثياً على ركبتيه وظهور قدميه، أو ينصب رجله اليمنى ويجلس على اليسرى، فإذاً هناك كيفيتان للجلوس على الطعام قد وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم أولاً: أن يكون جاثياً على ركبتيه وظهور قدميه. الثانية: أن يكون ناصباً للرجل اليمنى جالساً على الرجل اليسرى. ولا يستبعد أن تكون العلة مجتمعة في أشياء كثيرة -مثلاً- طبية وشرعية، قد تكون أقرب للتواضع وأبعد عن مشابهة الأعاجم.. تؤدي إلى عدم الإكثار من الطعام، وهكذا..

التفصيل في الأكل والأطعمة:
ذم الإسراف في الأكل ورميه:
وأما بالنسبة لمسألة الأكل فإن الأكل ينبغي أن يصان عما يهينه، فقد درج الناس على أنهم إذا طبخوا طعاماً اليوم لا يأكلون منه غداً، وإذا زاد يرمونه لا شك أن هذا من الإسراف ومن الاستهانة بالنعمة، وهناك من الناس من يبحث عن لقمةٍ صغيرة، وهؤلاء لا يطيقون الطعام الذي يبيت في الثلاجة ولو كان محفوظاً، فترى عندهم استحالة أن يأكل الواحد من الطعام ثاني يوم، ولا شك أن هذا من البطر، لماذا لم يؤكل الطعام اليوم الثاني؟ لماذا لا يسخن؟ ثم ليتهم إذا ما أكلوه اليوم الثاني تصرفوا من اليوم الأول! لا، يرمى كأنه صار غير صالح للأكل، يعني: إذا زاد شيء لابد أن يرمى، أما يوم الثاني لا يمكن أن يبقى عندهم؛ وعلى أية حال، فإن هذا من صنيع المترفين ولعله يخشى على من فعل ذلك أن تزول منه النعمة.

أطعمة دل الشرع على فضلها:
سبق أن ذكرنا أن هناك بعض الأطعمة التي جاءت السنة بما يفيد استحبابها أو فائدتها أو أن لها موقعاً خاصاً ونحو ذلك، فمثلاً التمر قد ورد مدحه وأن البيت الذي لا تمر فيه جياعٌ أهله، ومن أكل سبع تمرات من تمر العالية العجوة لم يضره سمٌ ولا سحر، هذا نوع معين من التمر يكون في المدينة من عجوة العالية منطقة يسمونها: العوالي، وقال بعض أهل العلم: أنه يفيد أكل سبع تمرات على الريق في الصباح من أي نوعٍ كان، لكن إذا كان من تمر العالية يكون أحسن، وأن من فعل ذلك لم يضره سمٌ ولا سحر. كذلك ورد الوصية بالتلبينة للمريض وأنه عليه الصلاة والسلام قال: (مجمةٌ لفؤاد المريض، وتذهب ببعض الحزن) ما هي التلبينة؟ حساء، يعمل من دقيق أو نخالة، ويجعل فيه عسل سميت تلبينة تشبيهاً لها باللبن في رقتها وبياضها. جاء كذلك أن الخل نعم الإدام، حتى قال جابر : فالخل يعجبني منذُ سعمتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما يقول. وجاء كذلك الثريد قال: (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام). وكذلك اللبن: الإنسان إذا شرب اللبن أكل أي طعام يقول: اللهم بارك لنا فيه وارزقنا خيراً منه، لكن اللبن يقول: وزدنا منه، لا يقول: وارزقنا خيراً منه، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (فإني لا أعلم طعاماً أفضل منه أو خيراً منه) أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

الاعتدال في الطعام والثناء على الله بعده:
وكان عليه الصلاة والسلام كما ذكرنا معتدلاً في طعامه، وربما جمع اللونين معاً لأجل الاعتدال، كما كان يجمع بين البطيخ والرطب، والتمر والقثاء، والقثاء بالرطب، وكذلك فإنه عليه الصلاة والسلام كان إذا فرغ من الطعام ورفعت مائدته عليه الصلاة والسلام قال: (الحمد لله كثيراً مباركاً طيباً فيه، غير مكفي ولا مودع ولا مستغنٍ عنه ربنا) رواه البخاري. المكفي: من انكفأ الإناء إذا انقلب للاستغناء عنه، يعني: أن نشكر نعمة الله ولا نكفرها، وأن هذا الطعام نعمة من الله لا نكفرها، ولا مودع: غير متروك الرغبة إليه والطلب منه، ولسنا بمستغنين عنه، فهو فيه حمدٌ لله سبحانه وتعالى على هذا الطعام، وأنه يتمنى من الله سبحانه وتعالى أن تدوم هذه النعمة، وألا تنقطع. وكذلك قد جاء في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام، كان إذا فرغ من طعامه قال: (الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين). وكذلك جاء في الحديث الذي صحح إسناده النووي رحمه الله: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أكل أو شرب قال: الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوغه وجعل له مخرجاً) لأنه أذىً لمن لم يجعل له مخرج، لأن هذه نقمة، ومصيبة، ولذلك بعض الناس يعملون عمليات جراحية لأجل أن يجعل له مكان تخرج منه الفضلات. وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (من أكل طعاماً فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حولٍ مني ولا قوة غفر له ما تقدم ما ذنبه) حسنه الترمذي . وكذلك فإنه قد جاء: (اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيراً منه -وأما اللبن فيقال- اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه فإنه ليس يجزئ من الطعام والشراب غير اللبن) قال الترمذي حديثٌ حسن. وقد صحح الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة حديثاً مشابهاً لهذا، فيما يقال عند شرب اللبن.

آداب الطعام العرفية:
وقد سبق ذكر كثيرٍ من الآداب التي وردت الأدلة من السنة الصحيحة بها، وهناك آدابٌ أخرى ذكرها أهل العلم بلا أدلة لكنها من الأدب ومن العرف الطيب، وقبل أن ندخل فيها هل سبق ذكر عدم إدخال الطعام على الطعام في آداب الأكل؟ لا. لاشك أنه مضر من جهة الصحة، وأنه يعرقل هضم الغذاء الأول، فبعد الفراغ من الطعام وجدت طعاماً آخر، فأضفته إلى الأول وهكذا قبل أن يتم هضم الأول، تدخل وجبة على وجبة فلا شك أن هذا مما يضر في الطب، فما صحة حديث النهي عن إدخال الطعام على الطعام؟

عدم المسح بالمنشفة قبل الأكل:
وما ذكره أهل العلم في هذا ونلخص ما ذكره الأقفهسي رحمه الله في: آداب الأكل، وكذلك مما ذكره ابن طولون الصالحي في كتابه فص الخواتم فيما قيل في الولائم في موضوع آداب الطعام والأكل، قال:
واغسل يديك ولا تمسح بمنشفةٍ قبل الطعام ففيه الأمن من علل
ولا تغسل الصبيان أيديهم قبل الشيوخ ولا تمسـح من البـللِ
فمما ذكروه أنه يترك تنشيف اليدين قبل الطعام؛ لأنه ربما كان في المنديل وسخٌ تعلق في اليد؛ فإذا أكل تعلق الوسخ بالطعام، لكن إذا كان المنديل نظيفاً فلا بأس أن يمسح يديه ولا حرج في ذلك، فهم يقولون: لا ينشف إذا غسل قبل الطعام حتى يدخل بيديه نظيفتين للأكل مباشرةً، وإذا غسل بعد الطعام نشف يديه لأنه لن يدخل يديه في الطعام.

غسل الكبار قبل الصبيان:
وكذلك مما ذكروه: عدم تقديم الصبيان على الشيوخ في الغسل قبل الأكل؛ لأنه ربما كان الماء قليلاً أو شحيحاً فيقدم الشيوخ قبل الصبيان في الغسل قبل الطعام، لأن الوسخ بأيدي الصبيان أكثر مما يكون في أيدي الكبار، فلو انتهى الماء بعد غسل الصبيان أيديهم فنكون قد أمنا من الأذى الأكثر.
تنقية الطعام قبل أكله:

وكذلك مما ذكروه في آداب الطعام قوله:
ونقي شوك طعامٍ أنت آكلـه ولا تكن حـاطبـاً يومـاً علـى دغـل
كحاطب الليل إن يقبض على حطـبٍ حوى البلاء ونوع الإثم والأصلِ
فهذا يفيد تنقية الطعام الذي فيه شوك أو أذى قبل أكله، والذي يأكله من غير تنقية يسمونه: بحاطب ليل؛ لأنه ربما أخذ مع اللقمة شيئاً يضره.

تقديم الفاكهة قبل الطعام:
وكذلك قالوا من آدابه: أن تقدم الفاكهة قبل الطعام كما قال:
نضيج فاكهةٍ قبل الطعام فكل ما لم يطب أكله فاطرحه في الذبل
يعني أن تقديم الفاكهة قبل الطعام أحسن؛ لأنه أسرع لهضمها، وبعضهم يستند بقوله تعالى: في ضيافة أهل الجنة أو طعام أهل الجنة: وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ [الواقعة:20-21] فقدم الفاكهة على الطعام، لكن هذا لا يستلزم أن يكون دليلاً، فمجرد ذكره معطوفاً عليه لا يكون دليلاً على تقديم الفاكهة، ثم إن الوضع في الجنة قد يختلف عن الدنيا.. على أية حال سواء قدموا الفاكهة قبل الأكل أو بعده فالأمر واسع.

الأكل بثلاث أصابع إذا كان الأكل جامداً:
وسبق أن ذكرنا الأكل بثلاث أصابع، وقلنا: محلهما إذا كان الأكل بها ممكناً كما إذا كان الطعام جامداً، كما قال هذا:
كل بالثلاث إذا جمد الطعام أتى وبالجميع إذا سمـح الطـعام ولـي
في الأكل من أصبعٍ مقت الإله ودع دون الثلاث ففيها كبر ذي خيلِ
يعني: أن الأكل بثلاث إذا كان الطعام جامداً يمكن أكله بثلاث هو السنة، والأكل بأصبع واحد مقت، وبالاثنين كبر، فلذلك السنة الأكل بثلاث، وإذا كان لا يمكن أكله بثلاث فإنه يؤكل بأكثر من ذلك للحاجة.

استثناء الفواكه في الأكل مما يلي:
وذكروا أيضاً في آداب الطعام: الأكل مما يليه واستثنوا منه الثمار "الفاكهة" فإنه لا يشترط أن يأكل فيها مما يليه لأنه حب وعدد، وقد يحتاج وقد يريد أخذ واحدة دون أخرى من جهة النوع، فهي قد تكون مختلطة الأنواع، فإذا كانت ثمار فلا يشترط فيها ما يشترط في الطعام من الأكل مما يليه، وتقدم أيضاً النهي عن القران في التمر وغيره من الأشياء كالعنب وما يشابه التمر أيضاً من الثمار، واستثنوا منه ما إذا كان هو الذي يملك الطعام، أو إذا كانوا قد سامحوه بذلك الآكلون معه، أو إذا كان الآكلون كلهم يقرنون، وبعضهم قال أيضاً: يستثنى من ذلك إذا ما أكل مع عياله وأهله، وبعضهم قال: الحديث عام فلا يستثنى حتى لو أكل مع أهله.

إذا أكل من طعام غيره لا يزيد على الشبع:
وكذلك مما ذكروه في آداب الطعام: أنه إذا أكل من طعام الغير فإنه لا يزيد على الشبع إلا إذا علم رضا صاحب الطعام وصاحب الوليمة، فله أن يأكل ما يشاء مع الالتزام بآداب الطعام الشرعية؛ لأن زيادة الطعام تسبب عدداً من الآفات قيل في الحكمة: يا بني! إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة -القدرة على التفكير تنام- وخرست الحكمة، وقعدت الأعضاء عن العبادة. وقال بعض الحكماء: من كثر أكله كثر شربه، ومن كثر شربه كثر نومه، ومن كثر نومه كثر لحمه، ومن كثر لحمه قسا قلبه ومن قسا قلبه، غرق في الآثام، ولا شك أن هذا مما هو معين، ويسبب الخمول والكسل.

عدم إدخال الطعام على الطعام:
وكذلك ذكروا أن البردة مما ينافي آداب الآكل وهي: إدخال الطعام على الطعام الأول قبل هضمه؛ لأن المعدة تبرز عن هضم الطعام عند ذلك وتصبح مرتبكةً بهذا القادم الجديد.. وكذلك فإن المرضى لا يكرهون على الطعام؛ لأن الله سبحانه وتعالى يطعمهم ويسقيهم كما ورد في الحديث الصحيح.

أن لا يكون نهماً في أكله ولا يديم النظر إلى الآكل:
من الأشياء التي تضاف إلى قضية عدم الإكثار من الطعام أو من آداب الأكل أن لا يكون نهماً في أكله:
ولا تكن نهماً في الأكل واقتصد وانفي عن العرض وصف الجوع والبخل
إن الرغيب مشئومٌ في الأنام فكن زهيد أكل تـرى فـي النـاس ذا نحـلِ
فالتوسط في كل شيء حسن، والله يقول: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً [الفرقان:67] فالإنسان يتوسط في أكله فلا يقصر فيه حتى ينسب إلى التحشم، ولا يبالغ فيه حتى ينسب إلى الشره. ومما ذكروه أيضاً: أنه إذا قدم له طعامٌ فإنه لا يطعم منه غيره ولو كان قطاً إلا بإذن صاحب الطعام لأنه هو مالكه. ومن آداب الأكل التي ذكروها: أنه ينبغي للآكل حال أكله أن لا يديم النظر إلى جليسه؛ لأن ذلك يخجله فيترك الطعام قبل أن يشبع. وينبغي كذلك: ألا يقضم الخبز في فمه ثم يضعه في الطعام، فبعض الناس إذا أراد أن يغمس شيئاً بالخبز قضم الخبز بأسنانه ثم وضعه في الأكل، وهذا يورث أن تعاف النفوس الأخرى -نفوس الجالسين- الأكل فقد يلتصق بها من بصاقه أو يكون في فمه شيءٌ من البخر، والرائحة الكريهة، فيكره له ذلك، وهذا النوع يسمونه المهندس؛ لأنه يهندس اللقمة ثم يضعها في الطعام، كما سماها صاحب كتاب: عجائب الأكل، أو الآكل المهندس الذي يقضمها بأسنانه قبل أن يدخلها في الإناء وإن هذا مما يسبب التقزز والنفور فلا يفعل ذلك.

إغلاق الشفتين عند الأكل:
من الآداب التي ذكروها أيضاً في الأكل: إغلاق الشفتين عند الأكل وأن لا يتركهما مفتوحتين، وذلك لمعنيين: المعنى الأول: الأمن من تطاير البصاق حال المضغ، وقد يقع ذلك في الطعام فيورث قنافةً يعني: تقززاً وأذىً عند الآخرين. وثانياً: أنه إذا ضم شفتيه لم يبق لطعامه فرقعة وصوت، فإن بعض الناس ربما ينزعج من صوت المضغ الذي يخرج من الآخرين، فإذا أطبق الشفتين أمن من تطاير البصاق، وأمن ثانياً من إصدار الصوت المزعج عند أكله للآخرين.

ألا يكون خردباناً:
وكذلك من آداب الأكل ألا يكون خردباناً، والخردبان: هو الذي يجر الخبز خوفاً أن يسبقه إليه غيره، فيجعله في شماله ويأكل بيمينه، فهذا لا شك أنه دالٌ على الشره، فالذي تكون اللقمة في يده قبل أن يبتلع التي في شدقه وعينه على الثالثة، فهذا لا شك أنه من الجشعين؛ لأن بعض الناس كأنه لا يصدق أن ما أمامه طعامٌ يمكن أن يأكله، فإذا أخذ لقمةً قبل أن يبتلع التي قبلها فهذا شره منافٍ لآداب الطعام، وتكون عينه على الثالثة أيضاً، أو تكون كلتا يديه فيهما الأكل والطعام فيأخذ من هذه لهذه ونحو ذلك، أو أنه يأخذ رغيف الخبز كله، فيجعله في يده ونحو ذلك، كلها من الأشياء التي تنافي آداب الطعام.

ترك السعال وقت الأكل:
وكذلك من الآداب التي ذكروها في حال الأكل: عدم السعال، فإذا سعل أو اضطر للسعال فإنه يحول وجهه عن الطعام ويبعده عنه، أو يجعل شيئاً على فيه حتى لا يخرج البصاق مع السعال فيقع في الطعام، فيسبب الأذى للآخرين. وكذلك ألا يتنخم، لا يخرج النخامة أو البلغم، ولا يبصق، ولا يتمخط بحضرة الآخرين عند الطعام، ولاشك أن هذا أيضاً مما يسبب القرف لدى البعض أو الأكثرين.

ألا يصف أشياء مستقذرة عند الأكل:
وكذلك لا يذكر شيئاً فيه مستقذر، لا يصف أشياء مستقذرة إذا أكل على الأكل لا يأتي مثلاً بوصف الصراصير والجرذان والفئران، ونحو ذلك ويذكر القصص المقرفة؛ فإنها أيضاً مما يسبب نفسياً النفور من الأكل، وربما عافه بعضهم، وقال: من أجل هذه السيرة التي أتيت بها تركنا الأكل.

ألا يأكل قبل الناس:
كذلك من الآداب ألا يأكل قبل الناس، ولا يمد يده قبل الناس، ويمد يده الأكبر مثلاً ممن كانت الوليمة من أجله، أو الذي قدمه صاحب المنزل للطعام، فقد يقدم شخصاً معيناً ليبدأ أو الأكبر بالسن أو الأفضل صاحب العلم العالم، وكان الصحابة لا يمدون أيديهم إلى الطعام حتى يمد النبي صلى الله عليه وسلم يده، والذي يمد يده قبل القوم دون أن يكون هناك سبب كأن يكون هو الأكبر أو صاحب العلم والفضل أو الذي قدمه صاحب البيت فلا شك أنه إذا لم تكن هناك هذه الأسباب أو بعضها يكون جشعاً.

ألا يطأطئ رأسه حال الأكل على الإناء:
ومن الآداب: ألا يطأطئ رأسه على الإناء حال الأكل، وإنما يجعل شيئاً من المسافة بينه وبين الأكل. ومنها: ألا ينفض يديه على الطعام، بعض الناس وخصوصاً الذين يأكلون الرز من هذه (التباسي) وهذه الأواني فإنه يأكل وينفض يديه بعد كل لقمة على هذا الإناء ثم يأكل وينفض يديه وهكذا، وربما نفضهما على من بجانبه، على أية حال هذا أيضاً من الأشياء التي تسبب النفور، وربما وقع شيءٌ على ثوب الجليس أو على طعامه فيسبب تقذراً.

إذا أكل بطيخاً ألا يخلط القشر باللبِّ:
وكذلك من آداب الطعام ألا يخلط -إذا أكل بطيخاً- يخلط القشر باللب، والأشياء التي تقشر كثيراً لا يخلط القشر ببقية الفاكهة، وكذلك لا يلقي بالقشور بعيداً؛ فربما نالت أحداً أو صدمته أو تقاطر منها شيءٌ من القشرة المرمية على الآخرين، فلا يلقي بها على المائدة. وكذلك ذكرنا عدم خلط النوى بالتمر، وكذلك كل ما كان مثل التمر، كالبرقوق مثلاً لا يخلط النوى بالثمرة، لا يخلط ما أكل بما لم يأكل، طبعاً أنتم ترون الآن -أيها الإخوة- أن هذه الأشياء فيها دقة بالغة، ولا شك أن بعض الناس يقولون: هل في الشريعة ذوق؟ مثل هذه الأشياء ربما كان بعض الناس لا يتصورون أن هذه تكلم عنها العلماء، لكنهم تكلموا عنها وذكروها وفصلوا فيها تفصيلاً عجيباً، كل الأشياء التي تخطر ببال الإنسان من القضايا المتعلقة بالذوق والأدب والنظافة، والبعد عن القرف والتقزز والقنافة وما يكرهه الآخرون كلها مذكورة ومكتوبة، مما يدل على الأدب في هذه الشريعة وأن العلماء فهموا ذلك ودونوه، وكانوا يلاحظون من الواقع الأشياء التي تنافي الأدب أو التي هي من الأدب فينصون عليها، ولو ما وردت فيها الأحاديث لكنهم ذكروها. وقلنا: إنه لا يتصرف بالطعام في غير الأكل إذا كان ليس هو صاحب الطعام، ولذلك قالوا: لا يطعم الهر والقط وغيره إلا إذا أذن صاحب البيت.

أن يختار لنفسه من الطعام الحلو:
وكذلك من الأشياء التي ذكروها: أن يختار لنفسه من الطعام الحلو؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب الحلوى والعسل، ولاشك أن هذا من الطباع ولا يلزم الإنسان به.

أن الآكل إذا شبع لا يرفع يده قبل القوم:
ومن الآداب أيضاً: أنه ينبغي للآكل إذا شبع ألا يرفع يده قبل القوم الذين لم يكتفوا منه، كما إذا كان هناك شخصٌ جائع أو شخصٌ جاء متأخراً فلو وقفوا أو توقفوا عن الطعام كلهم لأحرجوا هذا المتأخر، فيضطر لرفع يده معهم ولم يحصل له الاكتفاء من الطعام.

تليين الجانب وخفض الجناح مع الضيف:
وكذلك ينبغي للآكلين أن يلينوا جانبهم ويخفضوا جناحهم لمن يأكل معهم، ولا يؤثروا أنفسهم بشيءٍ دون بعضهم البعض، وذكروا حتى من آداب الأكل مسامرة ومآنسة الضيف الآكل، إذا كان الكلام مما يجعله ينبسط ويرتاح في أكله وطعامه، فإذا كان السكوت يجعل هناك جواً من الوحشة يخيم على الآكل فقد لا يكون مرتاحاً أثناء الطعام فقالوا: إنه يأتي بالحكايات على الأكل التي في سماعها إيناسٌ للآكل، وإطالةٌ لجلسته.

تصغير اللقمة وجودة المضغ:
وكذلك ذكروا من آداب الطعام ألا يمسح يديه بالخبز وقالوا: إنه داخلٌ في حديث (أكرموا الخبز) وتقدم أن هذا الحديث من الأحاديث الصحيحة. وأيضاً من آداب الطعام: تصغير اللقمة، وجودة المضغ قبل البلع، لأن بعض الناس يبلع بدون مضغٍ جيد، فهذا يضره من جهة ويدل على شرهه من جهة، لأنه يريد أن يأكل أكثر كمية في أقل وقت. وقد سئل النووي رحمه الله عن مسألة وهي: هل ورد حديثٌ في تصغير اللقمة؟ فقال: لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بتصغير اللقمة ولا بتدقيق المضغ، ولكن نقل عبادي في الطبقات عن الربيع عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: في الأكل أربعة أشياء فرض، وأربعة سنة، وأربعة أدب، أما الفرض: فغسل اليد، والقصعة، والسكين، والمغرف، والسنة: الجلوس على اليسار، وتصغير اللقمة، والمضغ الشديد، ولعق الأصابع، والأدب: أن لا تمد يدك حتى يمد من هو أكبر منك، والأكل مما يليك، وقلة الكلام، هذا مما نقل عن الشافعي رحمه الله تعالى، فإذاً تصغير اللقمة، وجودة المضغ من آداب الطعام.

ألا يقيم الآكل قبل أن يفرغ من الطعام:
وكذلك ألا يقيم الآكل قبل أن يفرغ من الطعام، واختلفوا في الضيف هل يملك الطعام الموضوع للأكل أم لا يملكه؟ ثم قالوا: إذا امتلكه فمتى يمتلكه؟ هل إذا وضع بين يديه، أو إذا تناوله بيده، أو إذا أدخله فيه؟ وقد ينبني على هذا دقائق وفروع فقهية، لكن بعضها فيه مبالغات، كما قالوا: لو أكل الضيف تمراً وطرح النوى فنبتت شجرة فلمن هي؟ فعش أيها الضيف ويا صاحب المنزل حتى تنبت الشجرة ثم سل عن هذا الحكم.

ألا يحمل شيئاً إلا بإذن المضيف:
من آداب الطعام أيضاً: أنه لا يحمل معه شيئاً من بيت الذي أضافه إلا بإذن صاحب البيت؛ لأنه أذن له أن يأكل ولم يأذن له أن يحمل، والطعام طعامه والمال ماله، وإذا علم رضاه جاز له أن يدعو غيره وأن يأخذ معه ويحمل وأن يأكل على الشبع، فإذا علم رضا صاحب البيت وكان صديقاً له أو أخاً ويعلم أنه لا يمانع في ذلك فعله.

ألا يأكل وحده :
وكذلك من آداب الأكل: ألا يأكل وحده ما أمكن ذلك، بل إنه يدعو من يمكن دعوته خصوصاً من الصالحين (لا تصحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي) وقد يصادف صالحاً يدعوه معه؛ فيكون داخلاً في حديث إطعام الطعام الذي هو من أسباب دخول الجنة، ولعله يصيب من هذا الرجل دعوةً صالحةً تنفعه نفعاً عظيماً، وأيضاً الأكل أن يأكل لوحده ليس من دلائل الإيثار، ومشاركة الآخرين، ولذلك كان بعض السلف رحمهم الله، إذا حضر الطعام وهو لوحده يلتمس من يأكل معه، يبحث وربما مشى مسافة حتى قيل: إن بعضهم إذا كان يريد الأكل يمشي الميل والميلين يلتمس من يتغدى معه، ولاشك أن على رأس هؤلاء إبراهيم الخليل عليه السلام الذي كان مشهوراً بإكرام الضيوف.

أن يأكل صاحب المنزل مع الضيف:
وكذلك من آداب الطعام: أنه إذا كان الضيف يستحي من الأكل لوحده فإنه ينبغي على صاحب المنزل أن يأكل معه، وجرى في عادات بعض الناس أنهم يضعون الطعام ويمشون، وقد يصيب الحرج الآكلين ويريدون أن يجلس معهم صاحب البيت، ليأنسوا ولا يشعروا بالحرج لكن هو يصر على العادات والتقاليد ويمشي من المكان. وهذا ليس من الدين في شيء، هذا يرجع إلى حال الضيوف فإن كانوا ممن يرون أن تجلس معهم اجلس معهم، وإن كانوا لا مانع عندهم أن تذهب اذهب، لكن أن تقول: أنا سأحكم العادات والتقاليد، ونحن عاداتنا ما نجلس مع الضيف عند الأكل، ولو كان الضيف يريدك أن تجلس، إذاً هذا من قلة الأدب وليس من الأدب في شيء، ضع العادات على جنب وخذ ما جاء في الشريعة التي أمرت أو حثت على الإيناس واللطف وحسن العشرة، فإذا كان من حسن العشرة أن تجلس مع الضيوف فاجلس معهم وكل معهم، وآنسهم.

البدء بالطعام قبل الصلاة:
وكذلك ذكروا من آداب الطعام: أنه إذا حضر الطعام لا يذهب للصلاة ويترك الطعام، وإنما يبدأ بالطعام لأن البدء به فيه إذهاب ما في نفسه من الشوق للطعام الذي قد يشغله عن الخشوع في الصلاة، وفي هذا تفصيل سبق ذكره في شرح كتاب: عمدة الأحكام .

أن يأخذ ما سقط من الأكل:
وكذلك من آداب الأكل: أن يلقط ما سقط خصوصاً من حبات الرز، الذين يأكلون الرز في هذه الأيام لا يكلفون أنفسهم مطلقاً في لقط حبات الرز الساقطة، فترمى وتجمع مع السماط وترمى، ولا شك أن هذا إهدار للنعمة وإهانة لها، ولم يتقزز الإنسان من شيء هو السبب فيه وهو الذي أسقطه والسبب في تناثره، فلماذا لا يجمعه؟ ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا وقعت اللقمة من أحدكم فيأخذها وليمط عنها الأذى ثم ليأكلها ولا يدعها للشيطان) فلماذا لا يلتقطون حبات الأرز التي وقعت ويأكلونها؟ وهناك في العالم الذين يتمنون حبة رز؛ بل ربما تبع بعضهم نملة حتى يراها تذهب إلى شيء في الأرض من حبة شعير أو قمح صغير فيأخذه قبله، إذا كثرت النعمة عند الناس استهانوا بها ولا يعرفون قيمتها إلا إذا فقدوها. وما يورده بعض العامة لأولادهم ( من أن اللقمة تتبع صاحبها يوم القيامة وتجري وراءه إذا لم يلتقطها ) ليس له مستند صحيح، ولذلك لا ينبغي أن نخوف الناس بالأحاديث الضعيفة والموضوعة وعندنا من الصحيح ما يغني عنها. وكذلك: (الإناء يستغفر للاعقه) هذا حديث معروف أنه ليس ثابتاً عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكن هناك ما يغني عنه في لعق الإناء من الأحاديث التي وردت.

أن لا يأكل عند رجل يشتهي الطعام وينظر إليه:
ومن آداب الأكل: أن لا يأكل بحضرة شخص يشتهي الطعام وينظر إليه، حتى ولو كان خادماً، والنبي صلى الله عليه وسلم أمر الإنسان إذا أكل والخادم موجود أن يناوله منه أو يشاركه فيه، إما أن يجلسه معه أو على الأقل يناوله منه فإنه هو الذي ولي حره ودخانه، فالخادم هو الذي طبخ وتعرض للدخان والحر والنار التي طبخ بها، فلا أقل من أن يشرك أو يعطى من الطعام. وبعض الناس يأكلون وغيرهم ينظر إليهم بتشهي الطعام، ولكن لسبب أو لآخر لا يجعلونه يشارك معهم، فذكر أهل العلم كراهية أنه يأكل بحضرة من يشتهي الطعام دون أن يشاركه فيه، حتى قالوا: ولو كان قطاً. حتى قال بعضهم: فإن في نظرة هذا من السموم التي ربما أثرت في الآكل، نظرة المتشهي للطعام ولو كان قطاً قد يكون فيها شيء، ولذلك يرمى له بشيء.

عدم الأكل في السوق :
ثم من آداب الأكل: قضية الأكل في السوق، وذكروا أن الأكل في السوق من خوارم المروءة وأنه إذا فعل ذلك سقطت شهادته، لكن هذه المسألة تعتمد على الزمن والوقت، يمكن يكون في وقتٍ مضى الأكل في السوق عيب كبير جداً.. والذي يأكل في السوق هذا إنسان ما عنده مروءة، إنسان دنيء، ولا يبالي أن يأكل أمام الناس وهم يمشون ويذهبون، ولاشك أن فيه شيءٌ من الدناءة فعلاً، خصوصاً الذين يأكلون السندوتشات وهم يمشون في السوق، أو في الأسواق والشوارع، لا شك أن فيه شيء من الدناءة وقلة المروءة. لكن الآن جعلت مطاعم فيها طاولات منفصلة، ولا يمر عليك الناس الغادين والرائحين، السوق في الماضي كان الأكل فيه دناءة وقلة مروءة؛ لأنه يأكل أمام الناس الغادي والرائح، والأكل ينبغي أن يكون فيه شيء من الاحتشام والآداب التي يصعب تطبيقها في السوق، وخصوصاً إذا كان يتمشى ويأكل، فليس من الأدب أن يأكل ويتمشى بين الناس. أما الشرب فإنهم رخصوا فيه، قالوا: لنقص زمنه.. لأنه لا يأخذ إلا شيئاً يسيراً، ثم قد يحتاج.. يصيبه العطش ويحتاج وقد جوزوا للمعتكف أن يخرج على بيته للأكل والشرب، ولو كان معتكفاً ما دام لم يحضر معه طعاماًَ وما تيسر إحضار الطعام معه.

تنظيف الأسنان بعد الأكل:
كذلك من آداب الأكل: أن يتخلل بعد الطعام ويستعمل السواك أو العود لتنظيف الأسنان وإخراج ما بها، وفي عصرنا هذا الفرشاة ومعجون الأسنان. ثم إن بعضهم: فرقوا بين الشيء الذي يخرج من الأسنان هل يبتلع أم لا؟ فقال بعضهم: إذا أخرجه بالخلال استحب طرحه وكره ابتلاعه، وإن قلعه بلسانه لم يكره ابتلاعه، ونقلوا ذلك عن الشافعي رحمه الله، ولم يظهر لي الفرق وما هو السبب في هذا؟ ولعل الأكل الذي يكون بين الأسنان نتيجة طول اللبث أو المكث فإنه يحدث له تغير أو رائحة؛ فإذا ابتلعه ربما يكون له ضرراً عليه، فهذا النوع من العالق الذي يطول مكثه يحتاج إلى عود إلى إخراجه، لكن الذي يخرج باللسان قد يكون مما يسهل إخراجه، ولذلك إذا خرج باللسان فلم يكن قد حدثت له فترة مكث في الفم، فما حصل له هذا التغير أو النتن، والله أعلم.

النوم بعد الغداء والمشي بعد العشاء:
وكذلك من الأشياء أيضاً فإنهم ذكروا مسألة النوم بعد الأكل، وقال بعض أهل العلم: يستحب من جهة الطب النوم بعد الغداء، والمشي بعد العشاء، وقالت العرب: تعشى وتمشى، وتغدى وتمدى. طبعاً: تعشى وتمشى، واضح التمشية بعد العشاء، ولا ينام حتى ربما يهضم طعامه لأن نومه طويل، والغداء في وسط أو في أول النهار، وبعده قيلولة، تغدى وتمدى، والأصل طبعاً تمدد، لكن اختصر على دالٍ واحدة. وكما في قوله تعالى: ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى [القيامة:33] قالوا: هي أصلها يتمطط، فكان من علم الأولين بالطب أن النوم بعد الغداء مفيد.. والعشاء لابد من المشي بعده، وهذا موجود في أمثال العامة اليوم، حتى بنفس اللفظ هذا، مثل قديم لكنه ساري المفعول، تعشى وتمشى، وتغدى وتمدى. وأيضاً: مما ذكره الأطباء في الماضي التي دونها أهل العلم أن يعرض نفسه على الخلاء قبل النوم، يعني: إذا أكل قبل أن ينام يدخل الخلاء حتى لا يحتبس فيه البول والغائط فيضره ذلك؛ لأن النوم قد يأخذ وقتاً طويلاً، فيدخل الخلاء قبل أن ينام.

لا يشرع في الأكل حتى يؤذن له:
هذا بعض ما ذكره الأقفاسي رحمه الله في كتابه: آداب الأكل ابن عماد الأقفاسي المتوفى سنة 880هـ وابن طولون هو: محمد بن علي بن طولون الدمشقي الصالحي الذي توفي بعد بفترة فإنه قد ولد بعد موت الأول، ولد في عام 880هـ وتوفي في عام 953هـ ألف كتابه: فص الخواتم فيما قيل في الولائم ، وذكر في أثناء الكتاب فصلاً يتعلق بآداب الأكل، تخلل كلامه عن الولائم، فأخذ من كلام الأقفاسي شيئاً كثيراً جداً، كما هو واضح في الكتاب، والأقفاسي يأخذ من الغزالي أشياء كثيرة جداً من الإحياء، المهم لا زال أهل العلم يأخذ بعضهم من بعض، ويذكر بعضهم من بعض، والعلم ليس ملكاً لأحد، لكن لعل هناك بعض الإضافات التي ذكرها فمما ذكر من آداب الأكل: أنه لا يشرع في الأكل إذا كان عند الآخرين حتى يؤذن له، فمثل أن يقول: سموا الله أو كلوا ونحو ذلك، وقال بعضهم: يكفي أن يضع الطعام بين أيديهم، فإن مجرد وضع الطعام بين أيديهم دليلٌ على إذنه لهم بالأكل وأنه لا يشترط لفظ معين، فإذا كان العرف جارياً أنه بمجرد وضع الطعام بين أيديهم دليلٌ على الإذن لهم بالأكل يمشي على ذلك، أما إذا كان جرى في العرف أنه لا يبدأ إلا إذا قال صاحب البيت: سموا الله أو باسم الله، أو كلوا أو تفضلوا أو اشرعوا أو ابدأو ونحو ذلك، فإنه ينتظر حتى يبدأ ويقدم لهم صاحب الطعام أو يأذن لهم بمثل هذه الألفاظ. وقال النووي رحمه الله: الصحيح في تقديم الطعام أنه لا يجوز الأكل بلا لفظٍ سواء دعاه أم لا، بشرط ألا يكون ينتظر غيره. وقال ابن العماد : يشترط أن يكمل وضع السماط، يعني: ليس من أول طبق يأتي به معناه: اشرعوا في الأكل قال: يشترط أن يكتمل وضع السماط: يكتمل وضع الطعام بأنواعه أو بما يريد إحضاره وبعد ذلك يشرعوا فيه. نحن ذكرنا قضية غسل اليدين، وقضية الحديث الذي ورد في الوضوء للجنب، أو غسل اليدين للجنب قبل الطعام وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وثبت في حديثٍ آخر من طريقٍ عزيز ذكره الشيخ: ناصر في السلسلة غسل اليدين قبل الطعام عموماً للجنب ولغير الجنب، وللمحدث وغير المحدث.

ترك أكل الأشياء غير الناضجة:
ومن الأشياء التي ذكرها رحمه الله تعالى في آداب الأكل ألا يأكل الطعام غير نضيج سواء كان فاكهة أو غيرها، وأن أكل الفواكه غير الناضجة من الأشياء التي تضر، وكذلك أكل اللحم النيئ، وقد سئل الإمام أحمد رحمه الله عن أكل اللحم المتغير، لحم قد يحصل له تغير في الرائحة بسبب طول مكثه فقال: إن لم يكن يضر فيجوز أكله، وإن كان يضر فلا يجوز أكله، ونقل عن الغزالي قوله: ويأكل من استدارة الرغيف إلا إذا قل الخبز فيكسره ولا يقطعه بالسكين، وقد تقدم أن قطع الخبز بالسكين ليس به بأس، وأن الحديث الوارد في النهي عن قطع الخبز بالسكين ليس بصحيح.

عدم إهدار النعمة:
ومن الآداب التي ذكرها أيضاً ألا يوضع الطعام على الخبز إلا ما يؤكل منه، فإن بعض الناس قد يأخذ رغيفاً ويضع عليه قطعةً من الطعام، ثم يأكل جزءاً من الرغيف ويترك الباقي وقد تلوث أو أصابه ما أصابه من الطعام فلا يأكله لا هذا ولا هذا، ويفضي ذلك إلى إهدار النعمة، كما يحدث لكثير من الناس عندما يوزعون الأرغفة على الطعام فإن بعضهم يجعل الأرغفة توزع، بحيث يقسم من هذا ومن هذا ومن هذا ثم تبقى الأشياء المقسومة أو الباقية ترمى، ولا شك أن هذا مخالف لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (أكرموا الخبز).

عدم غمس اللقمة الدسمة في الخل:
وكذلك ورد في كلامهم: عدم غمس اللقمة الدسمة في الخل، ولعل من أسباب ذلك عدم تلويث السائل أو الشراب، أو الخل وإنما يأخذ منه فيضعه على اللقمة، ولا يضعها فيه فيجعله مشوباً بها، فربما أدى ذلك إلى تقزز الآخرين ونفورهم.

عدم الحلف على الآخرين بالأكل:
وكذلك من آداب الأكل التي ذكرت عدم الحلف على الآخرين، وأما الحلف عليه بالأكل فممنوع، وروي عن الحسن بن علي بن أبي طالب أنه قال: الطعام أهون من أن يحلف عليه، فينبغي للشخص ألا يقول للآكل: أقسم عليك بالله.. حلفت عليك بالله أن تأكل.. والله العظيم أن تأكل، الأكل أهون من أن يحلف عليه، ما يستحق الأكل أن تأتي بلفظ الجلالة وتقسم، والله يقول: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ [القلم:10] الحلاف الذي يكثر الحلف بالشيء المهم وغير المهم ويحلف هذه عادته وطبيعته، كثرة الحلف هذا مذموم، خصوصاً إذا كان في أشياء مثل هذه، ويمكن أنه يعزم عليه، وأن يدعوه إلى الطعام بغير الحلف كأن يلح عليه بقوله ائت، تخير، كُلْ، تفضل، وإذا آنس من رفيقه الأكل نشطه بألفاظ ولكنه لا يحلف عليه. ولا شك أن الشخص الغريب أو الشخص الذي يأتيك لأول مرة على طعام ربما يكون في نفسه شيءٌ من الحياء، ويحتاج منك إلى شيء من الإلحاح أو شيء من التشجيع على الأكل، فهذا من الأداب مع الضيف، وهذا داخل في آداب الضيف ربما استبقناه هنا، لكن على أية حال لا يقسم بالحلف على الكل هذا من الأمور السيئة المنتشرة بين الناس.

عدم شرب الماء أثناء الأكل:
ومما ذكروه أيضاً من الفوائد الطبية في آداب الأكل: أن لا يكثر من شرب الماء أثناء الأكل، قالوا: إلا إذا غص بلقمةٍ ونحوها الحاجة، لأنه وجد أن ذلك مضر بالهضم أو المعدة. وينبغي كذلك الحذر من استعمال الحار بعد البارد، والبارد بعد الحار، في الأكل والشرب وفي الشرب أكثر لأن ذلك ربما أضر به، وقال العز بن عبد السلام رحمه الله في مسألة اللقمة: ويحرم عليه لو كان الطعام قليلاً أن يأكل لقماً كباراً مسرعاً في مضغها وابتلاعها حتى يحرم أصحابه، فلا شك أن هذا من الجشع، فلو كان الطعام قليلاً فلا يكبر اللقمة إذا كان مشتركاً ومعه أناسٌ آخرون حتى يكون هناك عدلٌ في الطعام.

حمد الله بعد الطعام:
وكذلك تقدم: أنه يحمد الله بعد الانتهاء من الطعام، ويسأل الله أن يرزقه خيراً منه إلا اللبن، فإنه يقول: وزدنا منه، ولا يقل، ارزقنا خيراً منه، لأنه ليس هناك طعامٌ يجزئ عن اللبن كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك فإن من آداب الطعام أيضاً، أنه يتجنب الأكل من الأشياء الضارة أو التي تضره هو مثل الأكل من الثوم والبصل إذا أراد أن يذهب إلى المسجد، أو أن يأكل من لحم البقر إذا ثبت عنده حديث النبي صلى الله عليه وسلم (لحم البقر داء) . لكن جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ضحى عن أهله ببقرة.

المحادثة أثناء الأكل:
وكذلك فإن من آداب الطعام ما قاله النووي رحمه الله: وإذا أكلوا جماعةً فمن الأدب أن يتحدث على طعامهم بما لا إثمٍ فيه، وبعض الناس يورد حديثاً: (تحدثوا ولو بثمن أسلحتكم) لكنه ليس بصحيح. فالأكل أثناء المحادثة مما يكون فيه إيناس، ولذلك فإنه لا بأس به وليس بحرام، بعض الناس يظن أن الحديث أثناء الأكل مما يكره أو مما ينهى عنه، وليس ذلك بصحيحٍ على الإطلاق، وللشرب آداب كما للأكل آداب، لكن حيث إن موضعنا هو آداب الأكل فنقتصر عليه.

معرفة قدر هذه النعمة:
وكذلك فإن من آداب الطعام أنه يعرف قيمة هذه النعمة، ليحمد الله سبحانه وتعالى عليها وينوي بالأكل التقرب إلى الله عز وحل بتقوية البدن لأجل الطاعة، وهذا مما يفوت كثيراً استحضاره من كثيرٍ من الآكلين. ونكتفي بهذا القدر من آداب الأكل، وبذلك يكون قد انتهى هذا الموضوع مما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث الصحيحة، ومن كلام أهل العلم، والآداب التي ذكروها واستحسنوها مما يتبع العرف الحسن والذوق الطيب، والأدب الذي تهواه وتميل إليه النفوس ذات الفطر الصحيحة والسليمة، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

الأسئلة:
الإسراف في الوجبات المكلفة:
السؤال: هل من الإسراف ما يفعله بعض الناس من ارتياد بعض المطاعم المكلفة، حيث قد تبلغ وجبة الفرد الواحد مائة ريال؟ الجواب: نعم. لا شك في أن هذا من الإسراف، ولكن المسألة أحياناً تعتمد على قدرة الشخص المادية أن يشتري طعاماً، لكن في بعض الحالات يكون هذا إسراف حتى في حق أغنى الأغنياء، فيكون الطعام غالي الثمن بغير فائدة، وإنما مجرد لأنه من المطعم الفلاني، ففي هذه الحالة يكون إسرافاً.

معنى الخل:
السؤال: ما هو الخل؟ هل هو الخل المعروف في يومنا؟ الجواب: نعم. الخل: هو هذا الخل المعروف في يومنا وهو يؤخذ من عدة أشياء، فهناك خل من العنب، وخل من التفاح وغير ذلك، الخل أنواعٌ كثيرة، وبعضه له فوائد طبية، بحسب المأخوذ منه.

حكم الأكل بالملعقة:
السؤال: ماذا تقول إذا قال الشخص أن الأكل بالملعقة سنة لأنك تمسكها بثلاثة أصابع؟ الجواب: قد لا نقول: إن الأكل بالملعقة سنة، لأنك إذا قلت إن الأكل بالملعقة سنة معناها أنه كان عليه الصلاة والسلام يأكل بالملعقة، نعم، إن المغارف والملاعق كانت معروفة في عهدهم وقد جاء في بعض الأحاديث ذكرها، لكن يمكن أن يقول الشخص: إنك إذا كنت مخيراً بين الأكل بالملعقة أو الأكل بالخمس الأصابع فإن الأكل بالملعقة أقرب إلى السنة، يعني: لا تقول: هو سنة، لكن تقول: هو أقرب إلى السنة من عدة جهات: أولا: أنه يمسكها بثلاث أصابع، والذي يأكل بخمس أصابع يأكل بالخمسة معاً؛ فهي أكثر من الثلاث. ثانياً: أنه إذا أكل بالملعقة كانت اللقمة أصغر مما إذا أكل بالخمس.. أليس كذلك؟ ولا شك أن تصغير اللقمة من السنة، وتكبيرها من الجشع، ولذلك الأكل بالملعقة أقرب إلى السنة من الأكل بالخمس من جهة تصغير اللقمة. ثالثاً: أنه إذا أكل بالخمس نثر الطعام أمامه وتساقط، وإذا أكل بالملعقة يمكنه أن يتحكم فيه، فكان الأكل بالملعقة أحسن من الأكل بالخمس؛ لأن الأكل بالخمس يؤدي إلى تناثر الطعام، وأكثر هؤلاء الذين يأكلون بالخمس ويتناثر بينهم الطعام لا يكلفون أنفسهم جمعه ولا أكله، وإنما يبقى هكذا. فمن هذه الجهة يكون الأكل بالملعقة أحسن من الأكل بالخمس. كذلك يمكن أن يقال: إن الأكل بالملعقة أكثر تحكماً من الأكل بالخمس؛ لأنه عند أكله بالخمس كما قلنا يتناثر الطعام. لكن لو كان الإنسان يستطيع أن يأكل بثلاث أصابع والطعام يؤكل بثلاث أصابع، لأن من الطعام ما يؤكل بثلاث أصابع ومنه ما لا يؤكل بثلاث أصابع، فمثلاً: ما كان متماسكاً كالثريد، وكالتمر المخلوط بالسمن والزبد (حيس) هذا يمكن أن يأكل بالثلاث أصابع، لا داعي أن يأكل بالخمس أبداً، فلو قيل لك: تأكله بثلاث أصابع أو تأكل بالملعقة أيهما هو السنة؟ بثلاث أصابع أفضل، لكن بين الخمس وبين الملعقة قد تكون الملعقة أقرب إلى السنة من الخمس، ثم إن الذين يستخدمون الخمس ليسوا سواء، فبعضهم يستخدمها استخداماً جيداً، وبعضهم يستخدمها استخداماً في غاية الرداءة. فإذاً هناك طعام لا يمكن أن يؤكل بثلاث، الرز -مثلاً- كيف تأكل الرز بثلاث أصابع؟ ولذلك قد يكون هناك عذر أن يأكل بأكثر من ثلاث أصابع، لكن ليس العتب هنا في استخدام أكثر من ثلاث للحاجة، العتب في طريقة الاستخدام، وإذا كان الأكل بالملعقة سلبياته أقل فيكون هو أحسن، وهناك من الأطعمة ما لا يمكن أكله لا بثلاث أصابع ولا بخمس مثل: الحساء، كيف يحتسي بأصابع؟ لا يمكن، فطريقة الاحتساء إما أنه يشرب من الإناء مباشرة أو أنه يبتلعه بمغرفةٍ أو ملعقةٍ مثلاً.. فإذاً المأكولات تختلف، ومنه ما يحتاج إلى إمساك بالقبضة كالتفاح مثلاً، فأنواع الأكل تتحكم في الطريقة التي تستخدم في أكلها.

أكل الدباء ليس بسنة:
السؤال: هل أكل الدباء سنة وعبادة؟ الجواب: فيما يتعلق بالدباء ليست هذه سنة تعبدية، فلا يترتب على أكل الدباء أجر من جهة أنه سنة مثل الأكل بثلاث أصابع أو التسمية أو الأكل باليمين، لا. هذه لا تقارن بهذه مطلقاً.

كيفية قول: لا إله إلا الله.. بعد الفجر والمغرب:
السؤال: قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، بعد المغرب والفجر؟ الجواب: عشراً عشراً كما ثبت في السنة، بعد الصلاة عشراً عشراً، وبقية الصلوات مرة أو ثلاث مرات، كما ورد في السنة.

حكم ذكر دعاء معين قبل الصلاة:
السؤال: هل يجوز الدعاء قبل كل صلاة، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً؟ الجواب: الدعاء قبل كل صلاة لا بأس به، بل هو من أوقات الإجابة بين الأذان والإقامة، لكن تعيين دعاء معين يقوله فهذه مشكلة إذا ما ورد في السنة، ولذلك لا يواظب على دعاءٍ معين.

حكم قراءة الفاتحة بعد الإمام:
السؤال: هل تقرأ الفاتحة بعد قراءة الإمام؟ الجواب: هذه المسألة طويلة ولكن الخلاصة: اختلف العلماء فيها في الصلاة الجهرية، منهم من قال تجب القراءة، ومنهم من قال: لا تجوز القراءة، ومنهم من قال: إذا كانت الصلاة جهرية لا يقرأ، وإذا كانت سرية يقرأ، وهذا أوسط الأقوال وأعدلها، وهو رأي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

تعليم الطفل قول: باسم الله:
السؤال: بعض الأطفال لا يقولون: باسم الله؟ الجواب: يسقط عن الطفل إذا لم يستطع أن يقول، لكن يذكره أمامه أبوه أو أمه من باب التعليم.

كيفية الأكل جماعة:
السؤال: إذا أكل جماعة مجتمعين ولكن في صحون صغيرة، كلٌ على حدة على مائدةٍ واحدة؟ الجواب: نعم. إنهم ليسوا متفرقين تماماً لكن لو اجتمعوا في صحنٍ واحد يكون أحسن.

عدم جواز رمي الأكل المكشوف:
السؤال: الأكل المكشوف من غير تعمد هل يرمى لأنه قد يخاف منه الداء الذي ينزل كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم؟ الجواب: سبق أن سألت هذا السؤال الشيخ عبد العزيز بن باز فقال: لا. يؤكل أو إذا خشي أن يكون نزل عليه الداء، يطعم للبهائم ولا يرمى.

حكم اللحوم تذبح في ديار أهل الكتاب:
السؤال: يوجد في الأسواق كثير من اللحوم التي ذبحت في ديار أهل الكتاب؟ الجواب: إذا كان هؤلاء لم يعرف عنهم أنهم يقومون بقتلها بطرق غير شرعية فإننا نأكل، هذا الأصل من حل أكل طعام أهل الكتاب، لكن إذا وردت الأخبار، وتكاثرت الأنباء، وتعددت المصادر، وجاءت الروايات والصور وشهادات الناس الذين زاروا تلك المصانع، أنهم يصعقون ويرمون الدجاج في أحواض المياه المغلية، وهي حية، أو يضربون البقر بالمسدس مثلاً.. فيقتلونها فعند ذلك لا نأكل، لأن الشبهة صارت قوية جداً، الآن جاءت الأخبار وتكاثرت وأصلاً عندهم جمعيات الرفق بالحيوان، تمنع الذبح وتقول: رفقاً بالحيوان لا تذبح، ورفق بالإنسان الذي يأكل هذه الميتة!!

كيفية أكل التمر المسوس:
السؤال: ما كيفية أكل النبي صلى الله عليه وسلم التمر المسوس؟ الجواب: سبق أن ذكرنا الحديث الذي رواه أبو داود وهو حديثٌ صحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يأكل التمر فتشه وأخرج ما فيه من السوس ثم أكله).

عيب الطعام بعد الانتهاء منه:
السؤال: ماذا لو عاب شخص الطعام بعد انتهائه بفترة؟ الجواب: إذاً دخلنا في عيب الطعام قبله أو بعده أو معه، ما دام أنه حصل العيب فهو عيب، ولكن إذا أراد أن يبين لصاحب المطعم عيوب الطعام لا بأس، فهذا لمصلحة المسلمين لكن الآن ما صار لأجل مصلحة المسلمين كأن يقول: يا أخي اهتم بطعامك أنتَ تفعل فيه كذا وكذا ونحو ذلك، فهذا لا بأس، هذا قصده نصيحة للمسلمين.

الفرق بين التربع والقرفصاء:
السؤال: هل التربع هو القرفصاء؟ الجواب: لا. يختلف التربع عن القرفصاء.

تحريم الجمع بين اليد اليمنى واليسرى في الأكل:
السؤال: استعمال الأكل باليد اليسرى مع اليمنى أثناء الأكل كأن يمسك باليد اليمنى طعاماً ويمسك باليد اليسرى شراباً؟ الجواب: العبرة بالذي يوصل الطعام إلى الفم، فإذا كانت اليسرى فهو حرام.

سؤال صاحب المطعم عن مصدر طعامه:
السؤال: هل أسأل صاحب المطعم عن الطعام؟ الجواب: إذا كثرت الشبه عن هذا اللحم الذي يستخدمه أو الدجاج فإنك تسأله، لكن إذا كان يستخدم طعاماً مستورداً من بلاد المسلمين لا تسأل، أو من بلاد أهل كتاب لا يعرف عنهم شيء غير الذبح فلا تسأل.

الملاعق والسكاكين من الذهب أو الفضة:
السؤال: الملاعق والسكاكين مصنوعة من الذهب والفضة؟ الجواب: حرام، لا تجوز، الذي يأكل ويشرب في آنية الذهب والفضة فكأنما يجرجر في بطنه نيران جهنم، ومثلها الأواني والصحون والملاعق والسكاكين والشوك وكلها داخلة فيها.

اشتراط الأكل من الوليمة في إجابة الدعوة:
السؤال: هل إجابة دعوة الوليمة تقتضي الأكل من الطعام؟ الجواب: هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، بعضهم قال: يشترط لكي تكون مجيباً للدعوة أن تأكل من الطعام، الذي هو وليمة الزواج، وقال بعضهم: لا يشترط ولعله هو الأرجح.

أكل الشيطان مع من يأكل بشماله:
السؤال: هل الشيطان يأكل مع الذي يأكل بشماله حتى وإن كان قد ذكر اسم الله عند الأكل؟ الجواب: نعم. لأنه قال: الشيطان يأكل بشماله، ولا مانع أن يكون هناك عدة وسائل للشيطان تمكنه من الأكل مع الإنسان، منها: ألا يذكر اسم الله، ومنها: أن يأكل بشماله، وإذا أكل بشماله وما سمى الله شبع الشيطان.

حكم دفع الفوائد من البنك للضرائب:
السؤال: دفع الفوائد من البنك إلى الضرائب؟ الجواب: حرام. لأنه استفاد من الربا لشيءٍ وهو دفع الضرر عن نفسه. هذا بالنسبة لأسئلة هذا الدرس.. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

اقرأ القرآن وأذكر ربك
11-11-2011, 11:30 PM
محاضرة( آداب المزاح )للشيخ محمد المنجد


عناصر الموضوع :
1. صور من ممازحة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه
2. قراءة في كتاب المراح في المزاح للغزي
3. صور من مزاح السلف الصالح رضوان الله عليهم
4. ضوابط المزاح
5. آداب المزاح

المزاح بضم الميم: كلام يراد به المباسطة بحيث لا يفضي إلى أذى، والمزاح مباح، ولكن لا يستحب الإكثار منه؛ لأنه قد يؤدي إلى جرح مشاعر الآخرين أو أذيتهم، ولا تجوز أذية المسلمين، والمزاح له آداب وضوابط ذكرت في هذا الدرس. وقد وردت أحاديث صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يمازح أهله وأصحابه رضوان الله عليهم.
صور من ممازحة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعــد: نشرع في آداب المزاح إن شاء الله تعالى, والمزاح -بضم الميم-: كلام يراد به المباسطة بحيث لا يفضي إلى أذى, فإذا بلغ إلى الإيذاء، فهو السخرية. والمزاح بكسر الميم مصدر, وقد ثبت في سنة النبي صلى الله عليه وسلم أنه مزح، وكان يمزح عليه الصلاة السلام, فقد روى الترمذي في كتاب الشمائل المحمدية : باب ما جاء في صفة مزاح رسول الله صلى الله عليه وسلم, عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (يا ذا الأذنين). قال أبو أسامة الراوي: أي: يمازحه, وليس المقصود السخرية أو الاستهزاء، وإنما ممازحة منه صلى الله عليه وسلم؛ لأن كل إنسان له أذنان, وهو حديث صحيح. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير -وهو أخوه لأمه-: يا أبا عمير ! ما فعل النغير). قال أبو عيسى الترمذي رحمه الله: وفِقه هذا الحديث:
1- أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمازح.
2- وفيه: أنه كنَّى غلاماً صغيراً فقال له: ( يا أبا عمير ).
3- وفيه: أنه لا بأس أن يعطى الصبي الطير ليلعب به, وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا أبا عمير ما فعل النغير) لأنه كان له نغير -أي: طائر صغير- يلعب به فمات هذا الطائر، فحزن الغلام عليه، فمازحه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: (يا أبا عمير ! ما فعل النغير). هذا الحديث فيه عدة فوائد، حتى قال الشافعي رحمه الله: إنه أمضى ليلة فاستخرج من هذا الحديث ألف فائدة بتوابعها ومتعلقاتها، وإلا فيصعب أن يستخرج منه بدونها ألفاً, لكن بما يمكن أن يترتب على ما يستخرج منه يكون فيه هذا العدد الكبير من الفوائد. وهذا الحديث -أيضاً- حديث صحيح, و أبو عمير توفي صغيراً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قالوا: يا رسول الله! إنك تداعبنا، قال: (نعم. غير أني لا أقول إلا حقاً). وعن أنس بن مالك أن رجلاً استحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم -أي: سأله دابة ليركبها- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني حاملك على ولد ناقة, فقال: يا رسول الله! ما أصنع بولد الناقة, فقال صلى الله عليه وسلم: وهل تلد الإبل إلا النوق) أي: أن الناقة مهما كبرت فهي بنت ناقة, قد ولدتها أمها من قبل, وهو حديث صحيح. وعنه أن رجلاً من أهل البادية كان اسمه زاهراً , وكان يهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم هدية من البادية، فيجهزه النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج إلى مسكنه في البادية، وإذا جاء هو من البادية أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم هدايا, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن زاهراً باديتنا -أي: نستفيد منه ما يستفيد الرجل من باديته- ونحن حاضروه) أي: نحن حاضروا المدينة له, نعطيه ما يستفيد من الحاضرة, وهو يعطينا ما نستفيد من البادية, وكان صلى الله عليه وسلم يحبه، وكان رجلاً دميماً رضي الله عنه، فهو قبيح الصورة، مليح السريرة، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يوماً وهو يبيع متاعه -كأنه أتى من البادية بشيء يبيعه في المدينة - فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يوماً وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره, فقال: من هذا؟ أرسلني -اتركني- فالتفت فعرف النبي صلى الله عليه وسلم, فجعل لا يألوا ما ألصق ظهره بصدر النبي صلى الله عليه وسلم حين عرفه- أي: يحاول ويجتهد طيلة الوقت أن يلصق ظهره بصدر النبي صلى الله عليه وسلم، لبركته عليه الصلاة والسلام وبركة جسده الشريف- فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من يشتري هذا العبد, فقال: يا رسول الله! إذاً والله تجدني كاسداً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لكنك عند الله لست بكاسد) أو قال: (أنت عند الله غالٍ). وعن الحسن قال: أتت عجوزٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: (يا رسول الله! ادع الله أن يدخلني الجنة, فقال: يا أم فلان! إن الجنة لا تدخلها عجوز, قال: فولت تبكي, فقال: أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً * عُرُباً أَتْرَاباً [الواقعة:35-37]) فجعلناهن عذارى، أعدنا إنشاءهن من جديد حتى تصبح الثيب في الدنيا عذراء يوم القيامة (عرباً) متحببات إلى أزواجهن, (أتراباً) في سن واحدة, وأهل الجنة أعمارهم جميعاً ثلاثة وثلاثين سنة كما جاء في الحديث الصحيح. إذاً: هذا يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمزح، ولكنه قال: (إني لأمزح ولا أقول إلا حقاً) للتأكيد, وفي رواية: (إني وإن داعبتكم، فلا أقول إلا حقاً) وكذلك فإنه عليه الصلاة والسلام قال -أيضاً- مبيناً شيئاً مما لا يجوز في المزاح، قال: (لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً). وكذلك فإنه عليه الصلاة والسلام قد قال في الحديث الصحيح: (أنا زعيمٌ ببيت في ربض الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً). إذاً: هذه الأحاديث تدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يمزح، وهناك ضوابط مذكورة في هذه الأحاديث تدل على مزاحه عليه الصلاة والسلام, ومشروعية مزاحه عليه الصلاة والسلام.

قراءة في كتاب المراح في المزاح للغزي:
أما بالنسبة لآداب المزاح، فقد ذكر العلماء فيها أشياء كثيرة منهم: الماوردي رحمه الله في أدب الدنيا والدين , و للغزي رحمه الله كتاب بعنوان: المراح في المزاح , ونقتطف منه أجزاء في هذا الدرس. قال: "الحمد لله على جميل أفضاله وجزيل بره ونواله, والصلاة والسلام على أشرف الخلق سيدنا محمد وصحبه وآله, وبعد: فقد سئلت قديماً عن المزاح وما يكره منه وما يباح، فأجبت؛ لأنه مندوب إليه بين الإخوان والأصدقاء والخلان، لما فيه من ترويح القلوب والاستئناس المطلوب، بشرط ألا يكون فيه قذف ولا غيبة ولا انهماك فيه يسقط الحشمة ويقلل الهيبة". وسنستعرض بعد قليل ما هي الضوابط في المزاح. المسألة ليست مسألة إقناع الناس أن المزاح أمر شرعي, فالناس -على كل حال- متفلتين في هذا الجانب, الآن القضية قضية ضبط المزاح ضبطاً شرعياً, فذكرنا بعض الضوابط في الأحاديث وسنعيدها مع شيء من التعليق, و-أيضاً- سيأتي في كلام صاحب هذه الرسالة المراح للغزي رحمه الله وبعض الأشياء الأخرى, قال: "بشرط ألا يكون فيه قذف ولا غيبة ولا انهماكٌ فيه يسقط الحشمة ويقلل الهيبة، ولا فحشٌ يورث الضغينة ويحرك الحقود الكنينة, ثم طلب السائل من بعد مدة بسط الكلام في ذلك وإيضاح الدلائل، فقلت مستعيناً بالله ومتوكلاً عليه ومفوضاً جميع أموري إليه: قد ورد في ذم المزاح ومدحه أخبار, فحملنا ما ورد في ذمه على ما إذا وصل إلى حد المثابرة والإكثار، فإنه إزاحةٌ عن الحقوق، ومخرجٌ إلى القطيعة والعقوق, يصم المازح، ويضيم الممازح". بعض العبارات ربما إذا قارن أحد بعض الكتب يجدها منقولة، فمثلاً يقول الماوردي في كتابه: اعلم أن للمزاح إزاحة عن الحقوق ومخرج إلى القطيعة والعقوق, يصم المازح، ويؤذي الممازح, والعبارة تقريباً موجودة, فوصمه المازح: أن يذهب عنه الهيبة والبهاء ويجرئ عليه الغوغاء والسفهاء, ويورث الغل في قلوب الأكابر والنبهاء, وأما إضامة الممازح، فلأنه إذا قوبل بفعل ممضٍ أو قول مستكره وسكت عليه أحزن قلبه، وأشغل فكره -الذي يمزح معه في الغالب أنه تخرج منه المزحة بطريقة استهزاء، فهذا سيسكت على مضر, وربما يجامل ويضحك مع البقية في المجلس لكن في الحقيقة ماذا في قلبه؟- قال: أو قابل عليه مع صاحبه حشمة وأدباً، وربما كان للعداوة والبغضاء سبباً, فإن الشر إذا فتح لا يستد, وسهم الأذى إذا أرسل لا يرتد, وقد يعرض العرض للهتك، والدماء للسفك, وربما تكون هذه المقاتلة التي ربما تصل إلى سفك الدماء أصلها مزحة, فحق العاقل يتقيه وينزه نفسه عن وصمة مساويه, وعلى ذلك يحمل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وأتى بها هنا بصيغة التضعيف: (لا تماري أخاك ولا تمازحه) لكن بما أنه لم يثبت فلا نتكلف الجواب عليه, لكن لو ثبت فنقول: ما معنى لا تمازحه وقد مازح النبي صلى الله عليه وسلم؟ فنقول: لا بد أن نحمل النهي عن الممازحة هنا على أمرٍ غير الذي ورد في الممازحة, فنقول: إن الممازحة كانت للدعابة والفكاهة والطرفة والملح، وكان فيها تطييب للنفوس، وتأليف للقلوب, وما ورد فيه النهي عنه إلا إذا كان فيه غيبة أو إيذاء للآخرين.. أو نحو ذلك.

أقوال عابرة في المزاح:
قال عمر بن عبد العزيز : " اتقوا المزاح فإنها حمقة تولد ضغينة ". وقال: " إن المزاح سباب إلا أن صاحبه يضحك ". وقيل: إنما سمي مزاحاً لأنه مُزيح عن الحق. وقال إبراهيم النخعي : المزاح من سخط أو بطر. وقيل في ميسور الحكم: المزاح يأكل الهيبة كما تأكل النار الحطب. وقال بعض الحكماء: من كثر مزاحه زالت هيبته ومن كثر خلافه طابت غيبته. وقال بعض البلغاء: من قلّ عقله كثر هزله. وذكر خالد بن صفوان المزاح -وهو من الخطباء المشهورين- فقال: يصك أحد صاحبه بأشد من الجندل، وينشقه أحرق من الخردل, ويفرغ عليه أحرَّ من المرجل، ثم يقول: إنما كنت أمازحه بعد كل هذا الإيذاء، يقول: إنما كنت أمزح معك. وقال بعض الحكماء: خير المزاح لا ينال، وشره لا يقال، فنظمها بعض الشعراء، فقال:
شر مزاح المرء لا يقـال وخيره يا صاح لا ينــال
وقد يقال كثـرة المـزاح من الفتى تدعو إلى التلاح
إن المزاح بـدؤه حـلاوة لكـنمـا آخـره عـداوة
يحقد منه الرجل الشريف ويجترئ بسخفه السخـيف
لا تمازح الشريف يحقد ولا الدنيء يجترئ ويفسد
وقال بعضهم: ربما يستفتح المزح مغاليق الحمم، أي: الموت. وقال بعضهم لولده: اقتصد في مزحك، فإن الإفراط فيه يذهب البهاء، ويجرئ السفهاء، وإن التقصير فيه يغض عنك المآنسين، ويوحش منك المصاحبين -يجعل بينك وبينهم وحشة- وإما أن ينفي بالمزاح ما طرأ عليه من سأم, أي: إذا كان المقصود بالمزاح نفي السآمة التي طرأت، مثلاً: حصل ملل في مجلس العلم، كأن يطول المجلس، فحصل فيه نوعٌ من السآمة، فأورد أحد الحاضرين طرفة قصد بهذه المزحة إزالة السآمة، فهذا أمرٌ محمود، وإما أن ينفي بالمزاح ما طرأ عليه من سأم، أو حدث به من همَّ أو غم، فقد قيل: لا بد للمصدور أن ينفس، أي: الذي في صدره شيء لا بد له من تنفيس. وقال بعض الشعراء:
أروق القلب ببعض الهـ زل تجاهل مني بغير جـهل
أمزح فيه مزح أهل فضـ ل والمزح أحياناً جلاء العقل
وقال أبو الفتح البستي رحمه الله وهو صاحب القصيدة المشهورة:
زيادة المرء في دنياه نقصان وربحه غير محض الخير خسران
أفض طبعك المكـدود بالجـد راحةً يجم وعلله بشيءٍ من المزح
ولكن إذا أعطيته المزح فليكن بمقدار ما تعطي الطعام من الملـح
إذاً: فليكن المزاح في الكلام مثل الملح في الطعام, وإذا لم يوجد بالمرة كان الكلام فيه شيء من السآمة, وإذا كثر أفسد، مثلما أن الملح إذا كثر في الطعام أفسده وما عاد مستساغاً، إما أن يكون غير مستساغ أو ممجوج.

مزاحه صلى الله عليه وسلم :
ومما ورد عنه صلى الله عليه وسلم في بعض الأحاديث. حديث: (صح جسمك يا خوات) وهذا الحديث رواه الحاكم، وفي سنده موسى بن زكريا التستري , قال عنه الذهبي في ميزان الاعتدال : موسى بن زكريا التستري الذي يروي عن شباب العصفري ونحوه تكلم فيه الدارقطني , وحكى الحاكم عن الدارقطني أنه متروك، وقال ابن حجر في لسان الميزان عن موسى بن زكريا التستري الذي هو في إسناد (صح جسمك يا خوات) قال: الذي يروي عن شَبَاب العصفري ونحوه تكلم فيه الدارقطني، وحكى الحاكم عن الدارقطني بأنه متروك, وهذه العبارة في ميزان الاعتدال و لسان الميزان لـابن حجر. إذاً: علة هذا السند هو موسى بن زكريا التستري . ولنأت الآن إلى بعض الأحاديث التي وردت مما أورده المصنف رحمه الله وغيره, ونريد معرفة صحة هذه الأحاديث من مزاح النبي عليه الصلاة والسلام, عن أم أيمن أنها جاءت النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة لزوجها، فقال لها: (من زوجك؟ قالت: فلان, فقال: الذي في عينه بياض؟ فقالت: أي رسول الله! ما بعينه بياض, قال: بلى. إن بعينه بياضاً, فقالت: لا والله, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما من أحدٍ إلا في عينه بياض)، وفي رواية: (فانصرفت عجلة إلى زوجها، وجعلت تتأمل عينيه, فقال لها: ما شأنك؟ فقالت: أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن في عينيك بياضاً, فقال: أما ترين بياض عيني أكثر من سوادها). وكذلك قد جاء أنه مزح صلى الله عليه وسلم مع محمود بن الربيع ، والقصة معروفة وهي في الصحيح، ومجّ مجّة من دلوٍ من ماء في وجهه, فداعبه بها أو مازحه بها. وكذلك مما ورد أنه صلى الله عليه وسلم قال للشفاء بنت عبد الله : (علمي حفصة رقية النملة) وهي قروح تخرج في الجنب, هذه الرقية يقول فيها بعض العلماء: إن فيها إشارة إلى مزاحه صلى الله عليه وسلم ومداعبته لزوجته حفصة , قالوا: إنها كانت -أي: الرقية- كلاماً تقوله النساء مما لا يضر ولا ينفع, وهو أنهم كانوا يقولون:
العروس تحتفـل وتختضـب وتكتحـل
وكل شيء تفتعل غير ألَّا تعصي الرجل
فقيل: إنه عليه الصلاة والسلام أراد مزاحاً ولغزاً في الكلام؛ لأنه كان قد ألقى إلى حفصة سراً، فأفشته، فقال للشفاء : (علميها رقية النملة)لأن في رقية النملة هذه العبارة: "غير ألَّا تعصي الرجل" وأنها قد عصته بإفشاء سره. وقال البعض: ليس الأمر مزاحاً إنما تعليماً، وأنه قال: كما علمتها الكتابة، وأن هذه الرقية رقية جادة وليست مزاحاًَ على الاختلاف في شرح هذا الحديث, لكن هذا قول من الأقوال التي وردت في شرحه. وعن النعمان بن بشير قال: استأذن أبو بكر رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم، فسمع صوت عائشة عالياً، فلما دخل تناولها ليلطمها -أي: أبو بكر أراد أن يؤدب بنته, كيف ترفع صوتها على النبي صلى الله عليه وسلم؟!- وقال: لا أراك ترفعين صوتك على رسول الله صلى الله عليه وسلم, فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبسه -أي: يمنع أبا بكر من ضرب عائشة- فقال النبي صلى الله عليه وسلم حين خرج أبو بكر لـعائشة : (كيف رأيتني أنقذتك من الرجل؟ قال: فمكث أبو بكر أياماً، ثم استأذن، فوجدهما قد اصطلحا، فقال لهما: أدخلاني في سلمكما كما أدخلتماني في حربكما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد فعلنا) رواه أبو داود . وثبت من ممازحته عليه الصلاة والسلام وتلطيف الجو بين نسائه، والضرائر يكون بينهن ما يكون, عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في بيت عائشة ، فبعث إليه بعض نسائه بقصعة - فغارت عائشة : كيف تأتي بصحن طعام في بيتي وفي يومي؟ تتجرأ هذه الجرأة- فأخذت عائشة القصعة وألقتها، فكسرتها، من غيرتها رضي الله عنها, فجعل النبي صلى الله عليه وسلم -في البخاري وغيره- يضم الطعام ويجمعه ويجمع كسر الإناء, ويقول: (غارت أمكم) أي: عائشة ، لأنها أم المؤمنين، هذا من مزاحه عليه الصلاة والسلام، ومن ملاطفته أو من تلطيف الجو المتكهم نتيجة الغيرة بين نسائه. يقول العلماء: "إن الغيرة يعذر فيها صاحبها أو صاحبتها ما لا يعذر الشخص الذي لا يكون عنده هذه الغيرة, حتى قيل: الغيرة لا ترى أسفل الوادي من أعلاه" أي: إذا بلغت بها الغيرة شدتها لا تعرف أسفل الوادي من أعلاه, تنقلب الأمور عندها وتنعكس. ولذلك ربما يغتفر منها في الغيرة ما لا يغتفر من المرأة العادية, هذا فيه إشارة إلى أن الشخص -مثلاً- لو تزوج امرأة واحدة، ثم تزوج عليها أخرى فحدثت غيرة شديدة من الأولى أو الثانية ولكن الغيرة من الأولى أكثر، فساء تصرفها، فعليه أن يحتمل ذلك ويعذرها لأجل ما فيها من الغيرة, كما هو مركبٌ في طبع النساء, فعليه أن يعذر في هذه الحالة, فلما جاءت قصعة عائشة بعث بها إلى صاحبة القصعة التي كسرتها، وأعطى عائشة القصعة المكسورة, فعدل عليه الصلاة والسلام, وعوض صاحبة القصعة المكسورة بقصعة المرأة التي كسرتها. وكذلك فإنه قد جاء في حديث رواه أبو يعلى، وقال الحافظ العراقي : إسناده جيد, أن عائشة قالت: (كان عندي رسول الله صلى الله عليه وسلم و سودة , فصنعت خزيراً -الخزير: نوع من الطعام يستخدم فيه اللحم والدقيق- فجئت به، فقلت لـسودة : كلي, فقالت: لا أحبه- فظنت عائشة أنها قالت: لا أحبه؛ لأنها لا تريد أن تأكل من صنعها وأنها نفرت من صنعها، أو أن فيها إذلالاً أو في تصرفها شيء- فقالت: والله لتأكلين أو لألطخنّ وجهك -كل هذه الأشياء لا بد أن تفهم في قضية الغيرة الموجودة بين النساء, والإنسان العادي لا يحتمل ما يحصل- فقالت: ما أنا بباغية, فأخذت شيئاً من الصحفة فلطخت به وجهها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ما بيني وبينها, فخفض لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ركبتيه لتستقيد مني, فتناولت من الصفحة شيئاً، فمسحت به وجهي, وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك). وجاء كذلك عند أبي داود عن أسيد بن حضير -رجل من الأنصار- قال: بينما هو يحدث القوم وكان فيه مزاح، وبينما هو يضحكهم، فطعنه النبي صلى الله عليه وسلم في خاصرته بعود, فقال: أصبرني، فقال: (اصطبر -أي: أنت طعنتني وأنا أريد أن أقتص- قال الأعرابي: إن عليك قميصاً يا رسول الله! وليس علي قميص -لا بد من العدل، أنت طعنتني وليس علي قميص، في اللحم مباشرة, وأنا أريد أن يكون في اللحم مباشرة- فرفع النبي صلى الله عليه وسلم عن قميصه، فاحتضنه وجعل يقبل كشحه- أي: يقبل جلده وبياضه- قال: إنما أردت هذا يا رسول الله) الحديث رواه أبو داود في كتاب الأدب. ومن أمثلة الممازحات التي ليست في موضعها وتصلح أن تكون مثالاً يأتينا في الضوابط، ما رواه أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث علقمة بن مجزر على بعثٍ وأنا فيهم, فلما انتهى إلى رأس غزاته، أو كان ببعض الطريق استأذنته طائفة من الجيش فأذن لهم، وأمّر عليهم عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي ، فكنت فيمن غزا معهم, فلما كنت ببعض الطريق أوقد القوم ناراً ليصطلوا، أو ليصنعوا عليها صنيعاً- أي: يطبخوا عليها- فقال عبد الله- وكانت فيه دعابة أليس لي عليكم السمع والطاعة؟ قالوا: بلى. قال: فما أنا بآمركم بشيء إلا صنعتموه, قالوا: نعم. قال: فإني أعزم عليكم إلا تواثبتم في هذه النار - أي: تدخلوا في هذه النار- فقام أناس فتحجزوا، فلما ظن أنهم واثبون- أي: أنهم فعلاً سيثبون بها- قال: أمسكوا على أنفسكم، فإنما كنت أمزح معكم, فلما قدمنا -أي: على النبي صلى الله عليه وسلم- ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أمركم منهم بمعصية الله فلا تطيعوه) الأمير إذا أمر بمعصية الله فلا تطيعوه, أنتم تريدون الهرب من النار، فكيف تقعون فيها؟ هذا الحديث موجود في أحد الكتب الأربعة؛ أبو داود ، أو النسائي ، أو الترمذي ، أو ابن ماجة. وهذا حديث آخر رواه ابن ماجة، وفيه ضعف؛ لأن في إسناده زمعة بن صالح وهو متكلمٌ فيه, أن أبا بكر خرج في تجارة إلى بصرى قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بعام ومعه نعيمان و سويبق بن حرملة , وكانا قد شهدا بدراً , وكان نعيمان على الزاد، وكان سويبق رجلاً مزاحاًَ، فقال لـنعيمان : أطعمني، قال: حتى يجيء أبو بكر , قال: فلأغيظنك -أي: سأضع لك مقلباً- قال: فمروا بقوم، فقال لهم سويبق: تشترون مني عبداً لي؟ قالوا: نعم. قال: إنه عبد له كلام، وهو قائل لكم: إني حرٌ, فإذا قال لكم هذه المقالة تركتموه، فلا تفسدوا علي عبدي, قالوا: لا بل نشتريه منك, فاشتروه منه بعشر قرائص -بعشر من الإبل- قال: خذوه, ثم أتوه فوضعوا في عنقه عمامة أو حبلاً، فقال

صور من مزاح السلف الصالح رضوان الله عليهم:
ومما ورد في مزاح أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ما رواه البخاري عن بكر بن عبد الله المزني قال: [كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمازحون حتى يتبادحون بالبطيخ، فإذا حزبهم أمر كانوا هم الرجال] وهذا حديث صحيح رواه البخاري في الأدب المفرد , وهذا ليس فيه إهدار للنعمة، أو أنه يؤذي، بمعنى: أنه يضربه بشيء ثقيل, فلو أنه حصل في بعض المناسبات أن رماه بقشرته -مثلاً- دون أن يؤذيه فلا بأس, لكن المقصود أنه كان في بعض المواقف يحصل شيء من هذا, قد يكون في الأسفار عندما يكون الجو فيه تعب, فيكون المزاح في السفر مما يقبل لأن في السفر شدة وعناء, والملاطفة والممازحة في السفر أوكد من الحضر, فيكون مقبولاً. وسئل النخعي : هل كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يضحكون؟ قال: نعم. والإيمان في قلوبهم كالجبال الرواسي, والناس الآن قد يغرقون في الضحك، لكن ما عندهم إيمان لا مثل الجبال الرواسي ولا مثل القدور الرواسي. وكذلك فإنه قد جاء في مزاح عدد من السلف آثار، فمن ذلك: ما رواه ابن أبي المليح، عن أبيه، قال: قال عمر بن الخطاب : [إني ليعجبني أن يكون الرجل في أهله مثل الصبي، فإذا أربد منه حاجة وجد رجلاً] أي: أنه يكون عنده تواضع لأهله، ولين ورفق, ولكن إذا كانت حاجة المرأة إلى رجل كان رجلاً, ونظر ابن الخطاب إلى أعرابي يصلي صلاة خفيفة، فلما قضاها، قال: اللهم زوجني بحور العين, قال عمر: أسأت النقد، وأعظمت الخطبة, خطبت الحور العين، وما هو المقابل؟ صلاة سريعة بلا طمأنينة. وكذلك مما جاء عن عيينة بن حصن أنه شكا إلى نعيمان -و نعيمان كان فيه طرافة- صعوبة الصيام, فقال: صم الليل, فروي أن عيينه دخل على عثمان وهو يفطر في شهر رمضان, فقال: العشاء، فقال: أنا صائم, فقال عثمان: الصوم بالليل, فقال: هو أخف عليّ, فيقال: إن عثمان قال: هذه إحدى هنات نعيمان -وكبير السن الذي لا يستطيع أن يصوم يشرع له الإفطار ويطعم: فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184]. وقال علي بن أبي طالب: [لا بأس بالمفاكهة يخرج بها الرجل عن حد العبوس] أحياناً تكون هناك للمازحة مناسبات، وتكون مؤكدة ومقبولة، كأن يكون هناك رجل عابس أو مقطب, فالإنسان يمازحه ليذهب عنه تقطيبه أو عبوسه, وقد ورد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما دخل على النبي عليه الصلاة والسلام، والنبي عليه الصلاة والسلام مهموم وفيه غم بسبب ما حصل مع زوجاته, قال عمر: [أردت أن أقول شيئاً أضحك به النبي صلى الله عليه وسلم] فهو تقصد ذلك في هذه المناسبة. وكذلك روي أن علياً رضي الله عنه جاءه رجل يشكو إليه، يقول: إني احتلمت على أمي -أي: إني رأيت أني أزني بأمي- فقال: أقيموه بالشمس واضربوا ظله حد الزنا, كأنه يقول: أنا مهموم، وحصلت لي مصيبة رأيت في المنام أني وقعت على أمي, ماذا أفعل؟ ما هو الحكم الآن؟ و علي معروف في القضاء رضي الله عنه, قال: أقيموه في الشمس واجلدوا ظله. وروى الأعمش عن أبي وائل أنه قال: مضيت مع صاحب لي نزور سلمان ، فقدم إلينا خبز شعير وملحاً جريشاً, فقال صاحبي: لو كان في هذا الملح زعتر كان أطيب, فلما أكلنا قال صاحبي: الحمد الله الذي قنعنا بما رزقنا, فقال سلمان : لو قنعت بما رزقت لم تكن مطهرتي مرهونة -أي: من أجل أن آتي لك بالزعتر رهنت مطهرتي، لأنه ليس عندي قيمة الزعتر- وأنت تتمنى الزعتر على صاحب البيت، فتسبب ذلك أن المطهرة مرهونة الآن من أجلك. وكذلك جاء من الطرف عن الشعبيوكان الشعبي من العلماء الكبار، لكن كان مزاحاً- فمما جاء عن الشعبي أنه سئل عن المسح على اللحية؟ فقال: خللها بالأصابع، قال: أخاف ألا تبلها- بعض العلماء المفتين قد يمزح مع السائل مزحة لكن لها معنى ومغزى وليست فقط للضحك- قال: أخاف ألا تبلها -هذا تنطع- قال الشعبي : إن خفت، فانقعها من أول الليل!! وسأله آخر: هل يجوز للمحرم أن يحك بدنه؟ قال: نعم. قال: مقدار كم؟ قال: حتى يبدو العظم! وروى الشعبي حديثاً (تسحروا ولو بأن يضع أحدكم أصبعه على التراب ثم يضعها في فيه) فقال رجل: أي الأصابع؟ فتناول الشعبي إبهام رجله، وقال: هذه! وقال رجل: ما اسم امرأة إبليس, قال الشعبي: ذاك نكاح ما شهدناه. وروي أن خياطاً مرَّ بـالشعبي وهو مع امرأةٍ في المسجد، فقال: أيكما الشعبي؟ هذا مغفل إلى هذه الدرجة لا يعرف الشعبي! فأشار إليه الشعبي: أن هذه! وكذلك من الذين كانوا معروفين بالمزاح الأعمش رحمه الله, قال ابن عياش : رأيت على الأعمش فروة مقلوبة صوفها من الخارج, فأصابنا مطر، فمررنا على كلب، فتنحى الأعمش وقال: لا يحسب أني شاة. وقع بين الأعمش وامرأته وحشة، فسأل بعض أصحابه أن يصلح بينهما, فقال هذا الصاحب لزوجة ذاك محاولاً تلطيف ما بينهما, قال: هذا سيدنا وشيخنا أبو محمد فلا يزهدنك فيه عمش عينيه، وحموشة ساقيه، وضعف ركبتيه، وقزل رجليه، وجعل يصف!! فقال الأعمش : قم عنا فقد ذكرت لها من عيوبي ما لم تكن تعرفه. وجاء رجل إلى أبي حنيفة ، فقال له: إذا نزعت ثيابي ودخلت النهر أغتسل فإلى القبلة أتوجه أم إلى غيرها؟ فقال له: الأفضل أن يكون وجهك إلى جهة ثيابك لئلا تسرق! قال الربيع : دخلت على الشافعي وهو مريض، فقلت: قوِّى الله ضعفك؟ -فقصده واضح أي: أن يبدلك الله بدلاً من الضعف قوة, يعني: بدل المرض صحة- فقال الشافعي رحمه الله: لو قوى ضعفي قتلتني, لأن العبارة قد تفهم قوى الله ضعفك أي زاده وجعله مضاعفاً, قال قلت: والله ما أردت إلا الخير, قال: أعلم أنك لو شتمتني لم ترد إلا الخير. فقلت: ما أقول؟ أي: علمني عبارة بدل هذه العبارة، فلاطفه بهذه الملاطفة. قال عثمان الصيدلاني: شهدت إبراهيم الحربي وقد أتاه حائكٌ في يوم عيد، فقال: يا أبا إسحاق! ما تقول في رجل صلّى صلاة العيد ولم يشترِ ناطفاً ما الذي يجب عليه؟ الناطف: نوع من الحلوى, يجعل من السكر ويدهن به الأشياء التي تصنع من العجين فانظر إلى سذاجة هذا الخياط. فتبسم إبراهيم ، ثم قال: يتصدق بدرهمين, فلما مضى قال: ما علينا أن نفرح المساكين من مال هذا الأحمق الذي يسأل مثل هذا السؤال! وهناك كثير من القصص التي وردت عن السلف في مسألة المزاح, وحسبنا منها ما ذكرنا.

ضوابط المزاح:
نذكر في ختام هذا الدرس ضوابط المزاح: أولاً: ألاَّ يكون فيه كذب, امزح ولكن لا تقول إلا حقاً, رواية، حادثة صحيحة فيها طرفة تذكرها, أما أن تختلق أشياء لإضحاك الناس فلا. ثانياً: ألا يكون فيه غيبة. ثالثاً: ألا يكون فيه قذف. رابعاً: أن يكون في الوقت المناسب, فلا يكون -مثلاً- في وقت الوعظ، أو التذكير بالموت، أو جلسة علم وجِدٍّ، ويأتي في منتصف هذا الجو العلمي أو الوعظي من يلقي بطرفة، فهذا من أسوأ ما يمكن أن يحدث في مجالس العلم. خامساً: عدم الانهماك والاسترسال والمبالغة والإطالة. سادساً: عدم الترويع وعدم الإضرار به, فلا يأتي شخص ويخطف مفتاح سيارة شخص آخر أو يسرق, أو يأخذ منه شيئاً ثميناً، فهذا فيه ترويع وخوف، وربما يبلغ الشرطة، وفي الأخير يأتي هذا ويقول: كنت أمزح, فهذا لا يكون بحال. سابعاً: ألا يكون فيه فحش, بعض النكت التي تُسمى عند العوام نكتاً هي عبارة عن قلة حياء، وقلة أدب وبذاءة, وتكون قبيحة، وهي كثيرة جداً ومنتشرة بين الناس في المجالس, كل الطرف التي يأتون بها متعلقة بالعورات المغلظة, وربما بلغت البذاءة ببعضهم أن يأتيك بطرفة فيما يتعلق بجماع الرجل بزوجته, أو ما يكون بينهما من الأشياء, والله لا يحب الجهر بالسوء من القول, ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشاً أو متفحشاً. ثامناً: ألا يكون فيها استهزاء بشيء من الدين، كالاستهزاء بالكتاب العزيز، أو بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، أو بالملائكة, فبعض النكت مذكور فيها استهزاء بالملائكة، أو الجنة والنار، أو عذاب القبر، فهذه كثيرة بين الناس, يقول: عندي نكتة ثم يأتي بشيء فيه ذكر لأشياء من العقيدة أو من اليوم الآخر يجعله في هيئة طرفة ونكتة. تاسعاً: ألا يكون مع السفهاء، لأنه إذا مازح السفهاء ردوا عليه سفاهة, فأضر ذلك بشخصيته. عاشراً: أن يراعي شعور الآخرين, لأنه قد يأتي بمزحة لكن تجرح شعور الذي أمامه, ويجب على الإنسان أن يكون أدبياً يراعي مشاعر الخلق, وإذا أراد أن يمازح لا يزعجه ولا يجعله يغضب منه, وليست القضية إضحاك أكبر عدد في المجلس ولو كان فيها إيذاء للآخرين, وكثير من المزحات يكون فيها ضحايا, يعني: ضحك من في المجلس، لكن صار بينك وبين الذي مزحت به كما يقال في لغة العرب: تطنـزت به, هذا موجود في كثير من النكت وطرائف الناس, وربما قام من المجلس وقد خاصمهم وهجرهم أو لم يكلمه من أجل أنه جعل منه أضحوكة في المجلس, وهذا يقع كثيراً, وهذا لا شك أنه إيذاء للمؤمنين, وإيذاء المؤمنين حرام وسخرية، قال تعالى: لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ [الحجرات:11] وبعض الناس متخصص في هذه القضية, المسألة أنه كيف يجعل الآخرين أضحوكة.. كيف يهزأ بهم في المجلس، كيف يجعلهم مضحكة في الناس, وهذا حرام لا يجوز. حادي عشر: ألا يمازح مع الكبير والعالم بما لا يليق بمقامه أن تمازحه في هذا المجال, ممكن أن يمازح شخص صديقه، لكن قد لا يناسبه أن يمزح مع كبير في السن في المجلس، فأنت عندما تمازحه فكأنك لا تحترمه ولا توقره, مزاحك له تنبئ عن عدم توقيرك له. ثانية عشر: ألَّا يكون فيه إغراق في الضحك، أو يؤدي إلى الإغراق في الضحك, كل مزاح النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيه إغراق في الضحك حتى ينقلب الإنسان على قفاه, أو على عقبيه وهو يضحك, بل مزاح معتدل. ثالثة عشر: ألَّا يضر بشخصه بين الناس, فيكون مضحكة أو مهرج القوم، حتى إذا أراد أحد أن يضحك -كما يقولون- يأتي إلى هذا المهرج، ويقولون: ما هو آخر شيء عندك؟ أعطنا موقفاً، وكثير من المقابلات الجادة مع بعض المشايخ يكون فيها سؤالاً، مثل أن يقول: اذكر لنا موقفاً طريفاً مر بك؟ نكتفي بهذا القدر، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يؤدبنا بآداب شريعته, وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

اقرأ القرآن وأذكر ربك
12-11-2011, 04:32 AM
محاضرة( آداب المصافحة والمعانقة والتقبيل )للشيخ محمد المنجد


عناصر الموضوع:
1. الأدلة الواردة في المصافحة والمعانقة
2. فضل المصافحة ومشروعية معانقة الأولاد وتقبيلهم
3. تقبيل الميت والحجر الأسود
4. تعريف المصافحة وحكم مصافحة النساء الأجنبيات
5. حكم مصافحة الكفار
6. بعض أحكام المصافحة
7. بعض أحكام التقبيل
8. الأدلة الواردة في مشروعية التقبيل في كتاب محمد بن إبراهيم المقرئ
9. أحوال التقبيل
10. الأسئلة

آداب المصافحة والمعانقة والتقبيل:
ذكر الشيخ حفظه الله في هذه المادة أحكاماً وآداباً في المصافحة والمعانقة والتقبيل، فبدأ بإيراد الأدلة الواردة في ذلك، ثم بين ما يستحب منها وما يباح وما يكره، وبيَّن أن منها ما يحرم، وذكر الأدلة المبينة لذلك من فعل السلف الصالح رضوان الله عليهم.

الأدلة الواردة في المصافحة والمعانقة:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: سنتحدث اليوم -إن شاء الله تعالى- عن أدب آخر من الآداب الشرعية التي حفلت بها هذه الشريعة المطهرة، ألا وهو (أدب المصافحة والمعانقة والتقبيل) ولاشك أن هذا الأدب مما يحتاج إليه خصوصاً عند لقاء الإخوان وعند المقابلة، وكذلك مع أهل العلم ومع الأقارب، وقد جاء في المصافحة والمعانقة والتقبيل عدة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أصحابه، وعن السلف الصالح رحمهم الله تعالى، وسنذكر بعض هذه الأحاديث مع التعليق عليها، وذكر بعض ما ذكره أهل العلم في هذه المسألة. فأما بالنسبة لهذه الآداب فقد ذكرها عدد من أهل العلم في كتبهم، ومنهم بعض الأئمة الستة في مصنفاتهم، وذكرها كذلك البخاري رحمه الله تعالى في كتاب: الأدب المفرد ، فقال: باب مصافحة الصبيان، عن سلمة بن وردان قال: [رأيت أنس بن مالك يصافح الناس، فسألني من أنت؟ فقلت: مولى لبني ليث، فمسح على رأسي ثلاثاً، وقال: بارك الله فيك]. وعن أنس بن مالك قال: (لما جاء أهل اليمن قال النبي صلى الله عليه وسلم: قد أقبل أهل اليمن وهم أرق قلوباً منكم) وهم أول من جاء بالمصافحة. وقد صح موقوفاً ولم يصح مرفوعاً عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: [من تمام التحية أن تصافح أخاك] وقد روي مرفوعاً لكنه ضعيف. وأما بالنسبة للمعانقة فقد ذكر البخاري رحمه الله في باب المعانقة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه بلغه حديث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: ابتعت بعيراً، فشددت إليه رحلي شهراً حتى قدمت الشام -أي سافر شهراً كاملاً من أجل سماع الحديث- فإذا عبد الله بن أنيس ، فبعثت إليه أن جابراً بالباب، فرجع الرسول فقال: جابر بن عبد الله ؟ فقلت: نعم. فخرج فاعتنقني -وهو موضع الشاهد، هذا قادم من سفر فخرج إليه أخوه الصحابي الآخر فاعتنقه- قلت: حديث بلغني لم أسمعه، خشيت أن أموت أو تموت -أي: قبل أن أسمعه منك- قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (يحشر الله العباد -أو الناس- عراة غرلاً بهماً، قلنا: ما بهماً؟ قال: ليس معهم شيء، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد أحسبه قال: كما يسمعه من قرب..) وهذا من عجائب يوم القيامة أن الله ينادي الناس بصوت يسمعه البعيد كما يسمعه القريب، فإن العادة جرت أن البعيد يسمع أضعف من القريب، والقريب يسمع أشد من البعيد وأوضح، لكن الله سبحانه وتعالى عندما ينادي يوم القيامة ينادي بصوت يسمعه البعيد كما يسمعه القريب. يقول سبحانه وتعالى: (أنا الملك لا ينبغي لأحد من أهل الجنة يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار يدخل النار وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة، قلت: وكيف؟ وإنما نأتي الله عراة بهماً -ليس عندنا شيء حتى الثياب- قال: بالحسنات والسيئات) ورواه البخاري أيضاً تعليقاً في الصحيح ، ورواه موصولاً هنا في الأدب المفرد بإسناد حسن. وذكر رحمه الله حديثاً في باب الرجل يقبل ابنته، وذكر في باب تقبيل اليد، عن عبد الرحمن بن رزين ، قال: [ مررنا بـالربذة ، فقيل لنا: هاهنا سلمة بن الأكوع ، فأتيته فسلمنا عليه، فأخرج يديه، فقال: بايعت بهاتين نبي الله صلى الله عليه وسلم، فأخرج كفاً له ضخمة كأنها كف بعير -لأن سلمة رضي الله عنه كان رجلاً ضخماً قوي البنية- فقمنا إليها فقبلناها ]. حديث حسن الإسناد. هذا ما ذكره البخاري رحمه الله تعالى في موضوع المعانقة والمصافحة والتقبيل. أما بالنسبة لما رواه غيره من أهل العلم أو رواه هو -أي البخاري- في صحيحه فقد جاءت هناك أحاديث كثيرة، فمن ذلك على سبيل المثال: ما ورد في رواية الصحيحين في حديث كعب بن مالك رضي الله عنه، قال: [ فانطلقت أتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقاني الناس فوجاً فوجاً يهنئوني بالتوبة، ويقولون: لتهنك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحوله الناس، فقام طلحة بن عبيد الله يهرول، حتى صافحني وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره، قال: فكان كعب لا ينساها لـطلحة ]. الشاهد من الحديث قوله: [ صافحني ] عندما لقيه قام إليه فصافحه. وأما ما ورد أيضاً في سنن أبي داود ، ولكنه حديث مرسل فيه ضعف، وفي الرواية: عن رجل من عنـزة أنه قال لـأبي ذر حيث أخرج من الشام : (إني أريد أن أسألك عن حديث من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: إذاً أخبرك به إلا أن يكون سراً، قلت: إنه ليس بسر، هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصافحكم إذا لقيتموه؟ قال: ما لقيته قط إلا صافحني، وبعث إليَّ ذات يومٍ ولم أكن في أهلي، فلما جئت أخبرت أنه أرسل لي، فأتيت وهو على سريره فالتزمني، فكانت تلك أجود وأجود) لكن هذا الحديث في سنده ضعف. ومن الأحاديث التي جاءت عن أهل اليمن -أنهم أول من جاء بالمصافحة- ما رواه أبو داود رحمه الله بالإضافة لما تقدم مما سمعناه في الأدب المفرد للبخاري رحمه الله، قال أبو داود: روي عن أنس بن مالك قال: (لما جاء أهل اليمن ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: جاءكم أهل اليمن وهم أول من جاء بالمصافحة) المصافحة معروفة قبل أن يأتي أهل اليمن ، لكن أول من أفشاها ونشرها هم أهل اليمن، كما ذكر شراح الحديث. وكذلك من الأحاديث التي وردت في هذا، ما رواه الترمذي رحمه الله تعالى عن أبي هريرة (أن النبي صلى الله عليه وسلم لقيه وهو جنب، قال: فانبجست -أي: فانخنست فاغتسلت، لم يصافح أبو هريرة النبي صلى الله عليه وسلم لما لقيه وهو على جنابة، ذهب ورجع إلى البيت واغتسل- ثم جئت، فقال أين كنت؟ قال: إني كنت جنباً، قال: إن المسلم لا ينجس) تحرج من النبي عليه الصلاة والسلام وهو على جنابة، فلما سأله النبي عليه الصلاة والسلام لماذا ذهب وأخبره بما وجد من الحرج، وأنه ذهب ليغتسل، قال عليه الصلاة والسلام: (إن المسلم لا ينجس). وقد وردت عدة أحاديث في هذا الموضوع، وقال الترمذي رحمه الله بعد سياق الحديث: وقد رخص غير واحد من أهل العلم في مصافحة الجنب ولم يروا بعرق الجنب والحائض بأساً، ولذلك عنون بعضهم في كتاب الطهارة: باب في الجنب يصافح، والمقصود بهذه الترجمة أن الجنب ليس عليه بأس أن يصافح غيره. ومما ورد في فضل المصافحة وما فيها من الأجر العظيم، ما رواه أبو داود وغيره عن البراء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا) وقد رواه الترمذي رحمه الله تعالى كذلك في سننه ، وقال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب، فالحديث صحيح وله ألفاظ كثيرة، وقد جاء: (أنهما إذا تصافحا فأخذ كل منهما بيد الآخر، لا يأخذ بها إلا لله -وهذا الشرط مهم- تحاتت خطاياهما كما يتحات ورق الشجر في الخريف). إذاً: من فضل أخذ اليد والمصافحة مغفرة الذنوب، وتتحات الخطايا بكثرة. وكذلك مما ذكر الدارمي -رحمه الله- في كتاب الطهارة عن حماد قال: سألت إبراهيم عن مصافحة اليهودي والنصراني والمجوسي والحائض؟ فلم يرَ فيه وضوءاً، أي: لو صافح امرأته أو أخته وهي حائض مثلاً، أو صافح كافراً فإنه لا يلزمه الوضوء، لأن مجرد المصافحة ليس من نواقض الوضوء. أما مسألة أن المصافحة كانت شائعة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه يدل على ذلك الحديث الذي رواه البخاري و الترمذي عن قتادة ، قال: [قلت لـأنس بن مالك : هل كانت المصافحة في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم]. إذاً: كانت المصافحة معروفة وموجودة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. وبالنسبة لالتقاء المسلم مع أخيه لو حصل، فإن المشروع فيه المصافحة في الأحوال العادية، ولذلك جاء عند ابن ماجة من حديث أنس بن مالك قال: (قلنا: يا رسول الله! أينحني بعضنا لبعض؟ قال: لا. قلنا: أيعانق بعضنا بعضاً؟ قال: لا. ولكن تصافحوا). وكذلك روى الترمذي رحمه الله عن أنس بن مالك قال: (قال رجل: يا رسول الله! الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: لا. قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: لا. قال: أفيأخذ بيده ويصافحه؟ قال: نعم) قال أبو عيسى : هذا حديث حسن. إذاً: هذا الحديث الذي صح عن النبي صلى الله عليه وسلم يبين أن السنة إذا التقى الإنسان بأخيه المسلم أنه لا يعانقه ولا يقبله ولا ينحني له، وإنما يصافحه مصافحة.

فضل المصافحة ومشروعية معانقة الأولاد وتقبيلهم:
جاء كذلك في الأحاديث أيضاً، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تصافحوا يذهب الغل، وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء) وهذا الحديث قد رواه الإمام مالك رحمه الله في الموطأ ، لكن إسناده معضل، فقد سقط من إسناده رجلان، وقد جاء الحديث من وجوه، حتى قال ابن عبد البر : هذا يتصل من وجوه شتى حسان، وقال ابن المبارك: حديث مالك جيد، فعند ابن عبد البر -رحمه الله- أن هذا الحديث قد جاء موصولاً من طرق شتى، فالفائدة منه هي قوله: ( تصافحوا يذهب الغل ) فالمصافحة تذهب الحقد والعداوة التي تكون فيها بعض النفوس ممتلئة على بعض. ولذلك فالعناية بها لها فوائد، فقد تبين لنا أن من فوائد المصافحة أنها من أسباب مغفرة الذنوب والمحبة، وإذهاب الغل والحقد، وقد جاء كذلك في موضوع المعانقة والتقبيل عدة أحاديث أخرى، فقد روى البخاري -رحمه الله- في صحيحه في كتاب الاستئذان، باب المصافحة، هذا أيضاً يضاف إلى المصافحة حديث ابن مسعود في التشهد، عندما علمه النبي صلى الله عليه وسلم التشهد، قال: (وكفي بين كفيه). وقد جاء -أيضاً- في موضوع المعانقة، ما جاء في كتاب المناقب، في صحيح البخاري ، باب مناقب الحسن و الحسين رضي الله عنهما، قال نافع بن جبير: عن أبي هريرة : (عانق النبي صلى الله عليه وسلم الحسن ) وقد رواه هنا معلقاً، ورواه أيضاً موصولاً كما سيأتي، وهذا الحديث الموصول هو ما رواه في كتاب البيوع، عن أبي هريرة الدوسي رضي الله عنه قال: (خرج النبي صلى الله عليه وسلم في طائفة النهار لا يكلمني ولا أكلمه، حتى أتى سوق بني قينقاع، فجلس بفناء بيت فاطمة ، فقال: أثم لكع، أثم لكع، فحبسته قليلاً، فظننت أنها تلبسه سخاباً -وهو نوع من الملابس، تجهز الولد للقاء جده وهو النبي صلى الله عليه وسلم، أو تغسله حتى يخرج إليه طيب الرائحة- فجاء يشتد حتى عانقه وقبله) وهذا فيما يتعلق بموضوعنا في معانقة الصغار وتقبيلهم، ومعانقة الجد لحفيده وتقبيله. وموضوع الصغار يختلف عن موضوع الكبار، مثل الولد والحفيد يعانقه ويقبله ويشمه، كما جاء في الحديث الصحيح، لكن هذا يختلف عما يفعل مع الكبار، فالصغار من السنة أن يشمه ويقبله ويعانقه إذا لقيه كابنه وحفيده عانقه وقبله وقال: (اللهم أحببه وأحب من يحبه). وقد جاء هذا الحديث أيضاً في صحيح مسلم رحمه الله عن أبي هريرة قال: (خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من النهار لا يكلمني ولا أكلمه، حتى جاء سوق بني قينقاع، ثم انصرف حتى أتى خباء فاطمة ، فقال: أثم لكع، أثم لكع -أي: حسناً، وفي هذه الرواية تعيين الصبي الذي خرج إليه أنه الحسن بن علي رضي الله عنه -فظننا أنه إنما تحبسه أمه، لأن تغسله وتلبسه سخاباً- فلم يلبث أن جاء يسعى حتى اعتنق كل واحد منهما صاحبه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أحبه فأحبه وأحبب من يحبه) هذا بالنسبة لما فعله عليه الصلاة والسلام بحفيده. أما ما فعله عليه الصلاة والسلام مع ولده إبراهيم، فقد جاء في الحديث الصحيح في البخاري ، عن أنس بن مالك قال: (دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سيف القيني ، وكان ظئراً لـإبراهيم -فهذا الحداد رضي الله عنه كان عنده إبراهيم يرتضع، مكث عنده فترة من الزمن- فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم فقبله وشمه...) الحديث. إذاً: في هذا الحديث مشروعية شم الأولاد وتقبيلهم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد فعل ذلك، وقد جاء في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قبل الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالساً، فقال الأقرع : إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداًً، هذا رجل من الأعراب كان في الأعراب شيء من الجفاء، والخشونة والغلظة، استغرب قال: يا رسول الله! أنتم تقبلون الصبيان، وأنا عندي عشرة أولاد ما قبلت واحداً منهم؟ كأنها عندهم شيء مما يتنافى مع الرجولة، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم مستنكراً هذا الكلام ومعاتباً، ثم قال: (من لا يرحم لا يرحم) وقال عليه الصلاة والسلام في عتابه: (أوأملك لك إذ نزع الله الرحمة من قبلك). إذا نزع الله الرحمة من قلبك لا تقبل الصبيان فماذا أملك لك؟ فهذا يدل على مشروعية تقبيل الصبيان. وعنون البخاري رحمه الله: (باب من ترك صبية غيره حتى تلعب به أو قبلها أو مازحهها)، هذه الصبية الصغيرة، وعموماً فإن الرحمة بالصغير تكون مقيدة بما لم يكن هناك فتنة. ومما ورد من الأحاديث التي فيها التقبيل: تقبيل الأب لابنته، فقد روى البخاري رحمه الله في كتاب المناقب، أن البراء دخل مع أبي بكر على أهله، فإذا عائشة ابنته مضطجعة قد أصابتها حمى، فرأيت أباها قبل خدها، وقال: كيف أنت يا بنية؟ إذاً هذا من تقبيل الأب لابنته المريضة، ومن المعلوم أن عائشة رضي الله عنها أول ما قدمت المدينة كانت صغيرة، فأصابت عدداً من المهاجرين حمى المدينة ، والنبي صلى الله عليه وسلم دعا أن يذهب الله ما فيها من الحمى، فيجعلها بـالجحفة ، ولذلك قال: (وصححها لنا) أي: اجعل جوها وهواءها يكون فيه صحة لا يكون فيه مرض، فمن بركة المدينة أن جوها صحي أكثر من غيرها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بذلك.

تقبيل الميت والحجر الأسود:
ومما ورد أيضاً في التقبيل من الأحاديث: تقبيل الميت، فقد روى البخاري رحمه الله في كتاب الجنائز: (أن أبا بكر أقبل على فرسه من مسكنه بـالسنح ، حتى نزل، فدخل المسجد فلم يكلم الناس، حتى دخل على عائشة رضي الله عنها، فتيمم النبي صلى الله عليه وسلم -قصده- وهو مسجىً ببرد حبرة، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه، فقبله ثم بكى، فقال: بأبي أنت يا نبي الله، لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد نلتها ...) الحديث. إذاً: يشرع تقبيل الميت، والكشف عن وجهه، وتقبيله بين عينيه قبل أن يدفن. ومما ورد في التقبيل من الأحاديث: تقبيل الحجر الأسود، فقد روى الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه عن عمر أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله، فقال: [إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك]. وقد جاء أيضاً في صحيح مسلم رحمه الله تعالى عن سويد بن غفلة قال: رأيت عمر قبَّل الحجر والتزمه، وقال: [رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بك حفياً] فإذاً يسجد عليه ويقبله إذا تمكن، فإذا لم يتمكن من تقبيله واستلمه بيده -أي: لمس الحجر بيده- هل يقبل يده؟ روى الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه عن عبيد الله عن نافع ، قال: [رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده، ثم قبل يده، وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله]. إذاً: تقبيل اليد بعد لمس الحجر إذا لم يستطع أن يقبل الحجر مباشرة لأجل الزحام، فماذا يفعل؟ فإنه إذا استلم الحجر بيده قبَّل يده، وسيأتي بعض التفصيل لذلك.

تعريف المصافحة وحكم مصافحة النساء الأجنبيات:
جاء في منظومة ابن عبد القوي رحمه الله في موضوع المصافحة، قوله:
وصافح لمن تلقاه من كل مسلم تناثر خطاياكم كما في المسند.
أي: يا أيها المسلم! صافح كما جاء في المسطور عن النبي الأواب، المبعوث بالسنة والكتاب، صافح أخاك المسلم إذا لقيته. والمصافحة في اللغة: هي على وزن مفاعلة، أي: أنها تحدث من طرفين، وهي مأخوذة من إلصاق صفح الكف بالكف، ومنه علم أنه إذا أمسك بأطراف أصابعه فهي ليست مصافحة كاملة كما يفعل بعض الناس، وهذه ليست مصافحة الرجال، بل ولا حتى مصافحة النساء، لأن هذه المصافحة ناقصة، والمصافحة المشروعة هي وضع صفح الكف بصفح الكف والقبض عليها، فإذاً لا تكون المصافحة إلا بذلك. وأيضاً من تعريف المصافحة: إقبال الوجه على الوجه، فلو أعطاه يده من وراء ظهره.. ونحو ذلك لا تكون مصافحة شرعية إلا في أحوال قد تكون للحاجة أو أنه لا يستطيع ونحو ذلك. ويقال: صافحته، أفضيت بيدي إلى يده. وفي القاموس: المصافحة: الأخذ باليد كالتصافح. قوله رحمه الله:
وصافح لمن تلقاه من كل مسلم.
قيد الناظم رحمه الله المصافحة بالمسلم، أي: أن الكافر ليس له مصافحة.. هذا هو الأصل، لكن هل تحرم مصافحته أم لا؟ سيأتي الكلام على ذلك. إذاً: المسلم ولو كان صغيراً أو كبيراً فإنه يصافح بشرط أن تؤمن الفتنة، فقد يكون أمرداً أو يكون له فتنة به، فعند ذلك تحرم مصافحته ولاشك في ذلك. أما بالنسبة لمصافحة المرأة الأجنبية فإنه لا يجوز مصافحتها، سواءً كانت كبيرة أو صغيرة، وكذلك قد سئل الإمام أحمد رحمه الله عن مصافحة النساء؟ قال: "لا. قال: قلت: فيصافحها بثوبه -لو جعل الثوب حائلاً؟ يمد يده فيكون الثوب بين يده ويدها- قال: لا". وقال ابن تيمية رحمه الله: "إن الملامسة أبلغ من النظر". ملامسة المرأة أبلغ من النظر إليها في الفتنة وثوران الشهوة، ولذلك لا يجوز مطلقاً. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخبر أن الإنسان لو طعن بمخيط -المخيط الإبرة العظيمة التي يخاط بها- في رأسه خير له من أن يمس امرأة لا تحل له، سواء كان في المصافحة أو في غير المصافحة، ويكون هذا مس المرأة التي لا تحل له، وهذا من قواعد الشريعة العظيمة التي تدرأ بها الفتن، وتسد بها الذرائع إلى الشر، ويؤمن بواسطتها من ثوران الشهوات. إذاً: لا يجوز مصافحة المرأة الأجنبية لا بحائل ولا بغير حائل، لا كبيرة ولا صغيرة. فإن قال قائل: الكبيرة ماذا يجوز منها إذاً؟ نقول: الله عز وجل قال: وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً [النور:60]. وهذا الشرط أن تكون المرأة من القواعد من النساء -كبيرات السن- لا يرجون نكاحاً، أي: أنها بلغت من الكبر عتيا، وأنه قد ذهب كل جمال فيها، بحيث لم تعد ترجو زواجاً مطلقاً، ولا أحد يطمع فيها أو يتزوجها أبداً، فهذه المرأة فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ [النور:60] أي: يجوز لها أن تضع الخمار عن رأسها إذا دخل عليها أجنبي، ولكن يشترط مع ذلك ألا تكون متزينة. على سبيل المثال: لا يجوز أن تضع مكياجاً مثلاً، أو حمرة أو خضرة، أو أي نوع من أنواع المساحيق الموجودة وغيرها، لا يجوز أن تضع ذلك وتكشف على الأجنبي، ولو كانت كبيرة ولا تشتهى، لا تضع الزينة، كل ذلك من احتياطات الشريعة لعدم الوقوع في الفاحشة، وعدم إشاعة الفتنة وثوران الشهوة، ولأجل صيانة المجتمع المسلم وحماية أفراد المسلمين، ولكل ساقطة لاقطة. إذاً: المرأة الكبيرة يجوز لها أن تضع ثيابها غير متبرجة بزينة إذا كانت لا ترجو نكاحاً، لكن لا يجوز مصافحتها ولا الخلوة بها، ولا أن تتعطر عنده ولا تتزين، ولا يسافر بها إذا لم يكن لها محرماً، لأن بعض الناس قد يتساهلون في الكبيرات، فيصافح ويقبل ويسافر ويخلو بها، فنقول: أقصى ما ورد أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة. أما المرأة الشابة الأجنبية فهذا معروف من باب أولى أنه لا يجوز مصافحتها ولا تقبيل رأسها ولا غيره، ولا السفر بها بدون محرم، ولا أن تكشف عليه، ولا أن يخلو بها.. إلى آخره.

حكم مصافحة الكفار:
أما بالنسبة لمصافحة الكافر، فإن الناظم ابن عبد القوي رحمه الله قال في منظومته:
وصافح لمن تلقاه من كل مسلم تناثر خطاياكم كما في المسند

حكم مصافحة أهل الذمة:
بالنسبة لمصافحة غير المسلمين، فقد سئل الإمام أحمد عن مصافحة أهل الذمة؟ فقال: لا يعجبني. وهذا اللفظ من ألفاظ الكراهة عنده. إذاًَ: يكره عند الإمام أحمد رحمه الله للرجل أن يصافح كافراً، لكن لو صافحه جاز ذلك ولا يأثم، خصوصاً إذا كان يرجو تأليف قلبه للدخول في الإسلام. أما ما عمت به البلوى اليوم من كثرة وجود الكفرة بيننا في الأعمال المختلفة والمكاتب والجامعات.. ونحو ذلك، ونحن ننصح ونقول: أنت لا تمد يدك ابتداءً، لكن لو مد هو يده فإن خشيت من مفسدة، كأن يضر بك مثلاً، فيمكن أن تصافحه، لكن الأحسن ألا تفعل ذلك، لكن إذا صافحته فلا تأثم، وهؤلاء الذين يعملون في المكاتب والشركات.. ونحو ذلك يجدون حرجاً كبيراً في هذا الموضوع، فنقول: لا تبتدئ الكافر بالمصافحة، لكن لو مد الكافر يده ولم يكن في ذلك ضرراً على الإسلام وأهله، أو لم يكن في يده نجاسة مثلاً، لأن هؤلاء لا تدري عنهم ماذا يمسون بأيديهم، وقد يدخل دورة المياه والحمام والمرحاض وبيت الخلاء ويمس نجاسة ولا يغسل يده، فأنت لا تعلم كيف يفعلون، فهم أناس لم يتعلموا التنـزه والطهارة، ولم يطبقوا ذلك، لاشك أن أيديهم يكون فيها ما فيها، فهذا ما يمكن أن يقال في موضوع مصافحة الكافر.

حكم مصافحة الكفار المحاربين:
أما مصافحة عدو الله المحارب للإسلام، والمجاهر بالعداء للدين، أو يطعن في الدين، أو يثير الشبهات حول الإسلام، أو عن أي شيء في الدين، أو المبتدع، فلا مصافحة، وخصوصاً الذي بدعته كفرية تخرج عن الملة، فلا تجوز مصافحته؛ لأن المصافحة فيها مودة، والله عز وجل حرَّم المودة تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا [الممتحنة:1] ثم هؤلاء الذين أظهروا وأبدوا العداوة، فلا يجوز إظهار المودة لهم، والمصافحة من المودة. وقول الناظم رحمه الله تعالى: "تناثر خطاياكم"، فتناثر الخطايا: تفرقها وتساقطها، والخطايا جمع خطيئة، وهي: الذنب، أو ما يتعمد من الخطايا. وقوله: كما في المسنَّد: الأصل المُسْنَدِ ، لكن شدده لضرورة الوزن.

بعض أحكام المصافحة:
جاءت أخبار كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن المسلمين إذا التقيا فتصافحا غفر لهما قبل أن يتفرقا، ذكرها الإمام أحمد رحمه الله تعالى وغيره، وسبق ذكر بعضها قبل قليل. وبالنسبة لإشهار المصافحة وإعلانها سنة، وقد كانت المصافحة في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وبالنسبة لأول من صافح وعانق، قيل: إنه إبراهيم الخليل عليه السلام، لكن هذا يحتاج إلى دليل.

المصافحة بعد الصلوات المفروضة:
مما يتعلق بالمصافحة: المصافحة بعد الصلوات المفروضة، وقد نص أهل العلم على أن المداومة على المصافحة بعد كل صلاة بأن يصافح من عن يمينه وعن شماله بدعة. فنقول: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يصلون وراءه، وما نقل عنه ولا عنهم أنهم بعد الصلاة كان يصافح بعضهم بعضاً، أو من عن يمينه وعن شماله، وإذا ألحقنا بالعبادة شيئاً معيناً وواظبنا عليه بعدها، كالمصافحة يميناً وشمالاً، فلاشك أننا نكون قد وقعنا في البدعة. وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن المصافحة بعد العصر والفجر، هل هي سنة مستحبة أم لا؟ فأجاب رحمه الله بقوله: أما المصافحة عقب الصلاة فبدعة، لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يستحبها أحدٌ من العلماء. إذاً: إذا التقى المسلمون، وقاموا من المسجد وخرجوا، أو وهم داخلون إلى المسجد وقابل بعضهم بعضاً، هل يتصافحون؟ الجواب: نعم، وورد سؤال عن رجل في صلاة الجمعة مد إليه رجل آخر يده أثناء الخطبة، فهل يصافحه أم لا؟ فسألت الشيخ عبد العزيز بن باز عن هذا السؤال، فقال: يصافحه دون كلام. لكن هل يجوز أن تشغل الناس أثناء الخطبة وتشغلهم عن سماعها؟ الجواب: لا، لكن لو أن شخصاً فعل ذلك وفوجئت به فصافحه دون سلام. علَّم النبي صلى الله عليه وسلم ابن مسعود التشهد وكفه بين كفيه، فيمكن أن يطول التصافح، ليعلمه شيئاً مثلاً، وقد قال الصحابي: (صافحت بكفي هذه كف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أر خزاً ولا حريراً ألين من كفه عليه الصلاة والسلام). بالنسبة لمسألة المعانقة والتقبيل، فهي من الأشياء التي ترد بعد قضية المصافحة، لكن ينبغي أن نؤكد على مسألة المصافحة تأكيداً آخر قبل أن نغادر هذه النقطة، لأجل أن كثيراً من الناس يقصرون فيها، وربما مر بجانبه ويمكن أن يصافحه فلا يفعل ذلك. نعم! إنها ليست بواجبة، لكن لماذا يفوت هذا الأجر العظيم في قضية المغفرة، وتحات الخطايا والمودة، لماذا يفرط في ذلك؟ إذاً: ينبغي أن نحافظ على هذه الشعيرة الإسلامية، والأصل أن المصافحة تكون باليد اليمنى، لكن قد يكون فيه شيء في يده اليمنى من كسر أو حرق أو جرح فلا يستطيع المصافحة بها، فلو صافح باليد الأخرى فلا بأس بذلك.

مصافحة العلماء والأرحام:
وكذلك فإن مصافحة العلماء والأرحام كالآباء... وغيرهم من الأمور المؤكدة التي ينبغي التأكيد عليها أكثر من غيرها، أي: مصافحة أهل الخير أولى من مصافحة غيرهم، والاعتناء بذلك ينبغي أن يكون مما عليه حال طالب العلم، وقد ورد أن حماد بن زيد صافح ابن المبارك .

بيان كيفية المصافحة :
أما قضية المصافحة باليدين، فإن بعض الناس إذا صافح فإنه يصافح بكلتا يديه، فيقبض على يمينك ويضع شماله فوقها، فقد جاء في البخاري : باب الأخذ باليد، وصافح حماد بن زيد ابن المبارك بيديه، ومر معنا حديث ابن مسعود قوله: (علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد وكفي بين كفيه) أي: أنه آخذ بكف ابن مسعود بكفيه كلتيهما. إذاً: لو فعل ذلك فلا بأس به، فقد صافح ابن المبارك حماد بن زيد بكلتا يديه، فلا حرج فيها إذاً. بعض الناس يصافح ثم يقبض على إبهام صاحبه مثلاً، فنعلم أن المصافحة هي وضع الصفح بالصفح، أما القبض على الإبهام فلا يكون مصافحة. وضع الساعد على الساعد ليس مصافحة في اللغة، لكن أحياناً تدعو الحاجة إذا مد يده، والآخر يده غير جاهزة للمصافحة فيعطيه ساعده، فهذا لا بأس به ولو أنه أقطع اليدين الكف غير موجودة، فيقبض على الساعد وهذا للحاجة وليس هو الأصل. المصافحة فيها شيء من الهز: إذا قبض على اليدين فهزها فلا بأس بذلك أيضاً، ولكن برفق، فمن أخطاء المصافحة: أنه إذا قبض على يده قبض بقوة.. يفرقع بها أصابع الآخر، ويشد بها شداً مؤذياً مؤلماً، حتى تجده يقول: ليتني لم أصافحه، أو تراه يحتال لتخليص يده، أو يريد أن ينـزع يده بسرعة، فلاشك أن هذا ليس من الأدب. وكذلك إذا هزها بقوة حتى يكاد يخلع يده، فهذا أيضاً ليس من الأدب. فالمصافحة وضع الصفح في الصفح بلين ورفق وهز يسير لو أراد، هذا هو ما ينبغي أن تكون المصافحة، أما أن تكون المصافحة وسيلة لإيذاء الآخر فهذه ليست مصافحة مشروعة، وينبغي على القوي أن يرفق بالضعيف، وعلى الكبير أن يراعي الصغير، فيصافح برفق ولين.

أحكام المعانقة:
أما بالنسبة للمعانقة فقد وردت فيها أحاديث تقدم ذكر بعضها، وقد ذكر البخاري رحمه الله في صحيحه باب المعانقة، وقول الرجل: كيف أصبحت؟ ثم ساق حديث النبي صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي مات فيه، وقول علي رضي الله عنه لما خرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الناس: (يا أبا حسن ! كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أصبح بحمد الله بارئاً -تفاؤلاً- فأخذ بيده العباس ، فقال: أنت والله بعد ثلاث عبد العصا، والله إني لأرى رسول الله صلى الله عليه وسلم سيتوفى في وجعه، وإني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت، فاذهب بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنسأله فيمن يكون الأمر...) الحديث. المعانقة عند القدوم من السفر سنة، كما جاء ذلك في حديث استقباله صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه، ونص شيخ الإسلام رحمه الله على تقييدها بالسفر، وفي الأحوال العادية ليس هناك معانقة؛ لأن الحديث قال: (أيلتزمه فيعانقه؟ قال: لا). وأما إذا قدم من سفر فقد ثبتت المعانقة. وكذلك الصبيان فيعتنقهم حتى لو كان بغير سفر، سواء كان ولده أو حفيده كما جاء في الآثار، أما وغيرهم فيجوز ذلك مع أمن الفتنة، وكل هذه الأشياء: (المصافحة والمعانقة والتقبيل) يشترط فيها العلماء الأمن من الفتنة والشهوة؛ لأن المسألة حتى مع غير النساء يوجد فيها فتنة وشهوة، وهذا ما يذكره أهل العلم في مسألة المردان. في قضية المعانقة فإن الإمام أحمد رحمه الله احتج بحديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم عانقه، وقال إسحاق بن إبراهيم : سألت أبا عبد الله عن رجل يلقى الرجل يعانقه؟ قال: نعم. فعله أبو الدرداء. وقال: في الإرشاد المعانقة عند القدوم من السفر حسنة. وقال الشيخ تقي الدين رحمه الله: فقيدها بالقدوم من السفر، وقال القاضي أبو يعلى من الحنابلة: وهو المنصوص عليه في السفر. إذاً: إذا قدم من السفر فعند ذلك يتعانقون، وقد جاء عن الشعبي أنه قال: [كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا التقوا تصافحوا، فإذا قدموا من السفر عانق بعضهم بعضاً]. قال السفاريني : قال ابن مفلح رحمه الله في الآداب الشرعية : إسناده جيد. أما بالنسبة لمعانقة الكافر فهي أشد من المصافحة بلاشك، وكذلك المبتدع، فيبتعد عنها أشد من ابتعاده عن المصافحة. أما بالنسبة لحديث أبي ذر المتقدم، فقد جاء عند أبي داود وفيه رجل مجهول، وقد جاء أنه عليه الصلاة والسلام لما جاءه جعفر قام يجر إزاره، وهذا إذا انفلت الإزار بغير قصد، وليس المقصود أنه يتعمد إرسال الإزار، فإن الإسبال معروف حكمه، لكن قد يسقط عن قيام الشخص فجأة، أو لظرف عارض ونحو ذلك، فاعتنقه عليه الصلاة والسلام. قال بعضهم: تكون المعانقة إذا طالت الغيبة، وقد ذكر ذلك بعض أهل العلم قياساً على السفر، أن السفر فيه بعد وطول عهد، لكن ينبغي ألا يكون هذا ذريعة إلى إفشاء المعانقة كالمصافحة، وأن تكون في غير موضعها، وخصوصاً أن المسألة فيها نص، أنه عليه الصلاة والسلام سئل (أيلتزمه ويعانقه؟ فقال: لا.). إذاً: تكون المصافحة فقط في الأحوال العادية.

بعض أحكام التقبيل:
أما بالنسبة للتقبيل، فإن التقبيل مصدر قـبّل، والاسم منه: قبلة، والجمع: قُبَل.

أقسام التقبيل:
قسم بعض أهل العلم التقبيل إلى خمسة أقسام: 1- قبلة المودة للولد على الخد. 2- قبلة الرحمة للوالدين على الرأس. 3- قبلة الشفقة لأخيه على الجبهة. 4- قبلة الشهوة لامرأته أو أمته على الفم. 5- قبلة التحية للمؤمنين على اليد، أي: للعلماء أو للأبوين. 6- وزاد بعضهم: قبلة الديانة للحجر الأسود، للحاج والمعتمر، وهذا معروف، وقد تقدمت فيه الأحاديث، فإن عجز عن التقبيل استلمه بيده ثم قبلها، وبالنسبة إذا استلمه بغير يده، كما إذا استلمه بعصا، فقد جاء عن ابن عباس قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت ويستلم الركن بمحجن معه ويقبل المحجن) وجاء هذا الحديث في الصحيحين ، أما بالنسبة للركن اليماني فلا تقبيل، وإنما هو مسح فقط واستلام، يستلمه ويمسح عليه، ولاشك أن مسح الحجر الأسود والركن اليماني يحطان الخطايا حطاً، وقد ثبت أنهما ياقوتتان من يواقيت الجنة طمس الله نورهما، وإلا لأعشى ذلك النور أبصار أهل الأرض. وبالنسبة لتقبيل الأجنبية فهو نوع من الزنا ولاشك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن زنا الجوارح.. زنا اليد، وزنا العين النظر، وزنا اللسان، وزنا الأذن، وزنا الرجل.. وغير ذلك، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه.

حكم تقبيل اليد والفم والأمرد:
وقد نص العلماء أيضاً في أحكام التقبيل، على تحريم تقبيل الأمرد الذي يكون مع تقبيله الشهوة. وكذلك فإنهم قالوا: لا يجوز للرجل أن يقبل فم الرجل، وكذلك المرأة لا تقبل فم المرأة، الفم عموماً متروك للزوجين أو الرجل وأمته. أما تقبيل اليد فقد جاء في الحديث أنهم قبلوا يد النبي عليه الصلاة والسلام، وعند البخاري في الأدب المفرد -كما تقدم- أنهم قبلوا يد سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، فأخذوا منها أن تقبيل يد العالم والفاضل أو الوالدين لا بأس به ولا حرج؛ بل هو مشروع، أما تقبيل يد الظالم فقالوا: إنها معصية، إلا إذا خشي على نفسه، وتقبيل الأرض بين يدي العظماء من المنكرات.

أثر التقبيل على الاعتكاف والوضوء والصلاة والصيام:
التقبيل يتعلق به أحكام في قضية الاعتكاف، هل إذا قبل يبطل الاعتكاف أم لا؟ نقول: إذا أنزل أبطل. وكذلك بالنسبة للصائم: هل يقبل؟ إذا كان يأمن على نفسه يقبل، وإذا كان لا يأمن على نفسه فلا يجوز أن يقبل. وذكروا كذلك في قضية الوضوء، هل ينتقض الوضوء بالقبلة أم لا؟ إذا خرج منه شيء انتقض وضوءه، وإذا لم يخرج منه شيء فوضوءه صحيح. وكذلك فإن التقبيل في الصلاة يفسدها عند من يقول ببطلان الوضوء بالتقبيل. ويحرم على المحرم بالحج والعمرة أن يقبل زوجته، ومن فعل ذلك بشهوة فعليه دم، وكذلك من قبل زوجته المطلقة بنية الرجعة في العدة، فهو رجوع.

حكم تقبيل المصحف والخبز:
وأما بالنسبة لتقبيل المصحف، فإنه لم يرد فيه شيء مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ورد عن عكرمة أنه كان يقبله، ويقول: [كلام ربي، كلام ربي] وهذا ليس مما وافقه عليه الصحابة، ولذلك نص بعض أهل العلم على بدعية هذا. والناس اعتادوا تقبيل المصحف خصوصاً إذا سقط أو وقع على الأرض، وكأنه صار عندهم دين وشرع أن المصحف إذا وقع لابد أن يقبل، وليس هناك دليل على ذلك، والمواظبة على تقبيله مما لم يرد فيه دليل صحيح. وكذلك تقبيل الخبز، فإن بعض الناس يقبلون الخبز، وهذا مما لم يرد فيه دليل أيضاً، لكن الخبز ورد الحديث بإكرامه، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أكرموا الخبز) ومن إكرامه كأن يكون موجوداً فلا يلقى ويرمى ويهان، ولا يجعل مع القاذورات والنجاسات، إذا رأيته مرمياً فأخذته ورفعته، فهذا من إكرام الخبز، لكن تقبيله ليس عليه دليل. وتقبيل يد العالم الورع والوالدين تقدم، كما أنه يقبله في جبهته، وأيضاً يقبل يده، والنبي صلى الله عليه وسلم عانق جعفراً حين قدم من الحبشة ، وقبله بين عينيه، لكن هذا الحديث الذي رواه أبو داود قال المنذري : إنه حديث مرسل؛ لأنه من رواية الشعبي. ومن أنكر من العلماء تقبيل اليد، لعلهم لم يطلعوا على الحديث أو لم يثبت عندهم صحته، وتقبيل الأولاد والأحفاد والصغار تقدم الحديث فيه مع أمن الشهوة عموماً، وتقبيل الأب لابنته، والبنت لأبيها، وينبغي أن يشدد في مسألة تقبيل الأقارب بعضهم لبعض، لأجل فشو الفساد في هذا الزمان، لكن لو قبل جدته مثلاً في رأسها فلا حرج في ذلك، الجدة مثل الوالدة، وكذلك الجد، أو قبلت جدها في رأسه أو يده، فلا حرج في ذلك.

حكم تقبيل المحارم:
وموضوع التقبيل يستثنى منه تقبيل الفم -كما تقدم- وأنه خاص بالزوج، ولذلك حتى الأب لا يقبل ابنته في الفم مطلقاً، وبالنسبة لتقبيلها في الخد ورد حديث أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وذكر ابن مفلح رحمه الله في الآداب الشرعية فصلاً في تقبيل المحارم من النساء في الجبهة والرأس، قال ابن منصور لـأبي عبد الله : يقبل الرجل ذات محرم منه؟ قال: إذا قدم من سفر ولم يخف على نفسه، وذكر حديث خالد بن الوليد قال إسحاق بن راهويه ، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم من غزوٍ فقبل فاطمة ، ولكن لا يفعله على الفم أبداً، الجبهة أو الرأس. وقال بكر بن محمد، عن أبيه، عن أبي عبد الله، وسئل عن رجل يقبل أخته؟ قال: قد قبَّل خالد بن الوليد أخته. إذاً بالنسبة لتقبيل الأخت، ولابد من الأمن من ثوران الشهوة أو الفتنة، فنقول: لو صار كمثل عادات الناس اليوم، أن الرجل إذا واجه -مثلاً- أخته، قالوا: سلم عليها، وعند العامة كلمة سلم عليها معناها: تقبيل، لكن إذا نظرت في الحقيقة إلى كيفية التقبيل وجدت أنها معانقة، ولكن القبلة لا تقع على الوجه ولكن تقع في الهواء، هذا لا حرج فيه أصبحت معانقة وليست بتقبيل. إذاً هناك ضوابط في المسألة ذكرها الإمام أحمد رحمه الله في قضية أمن الشهوة والفتنة وعدم التقبيل في الفم مطلقاً، ولو كانت من المحارم وكبيرة فقبل رأسها فلا حرج في ذلك، أي: إذا أراد أن يقبل في الوجه يجعلها في الجبهة والرأس، مثل الخالة والعمة والأخت الكبيرة التي تكون أحياناً بمثابة الأم، والجدة التي هي أم، هذا بعض ما يتعلق بموضوع المصافحة والمعانقة والتقبيل. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الفقه في دينه.

الأدلة الواردة في مشروعية التقبيل في كتاب محمد بن إبراهيم المقرئ:
نريد أن نكمل موضوعاً آخر أيضاً وهو ما يتعلق بالتقبيل، فإنه قد كان الكلام في جلسة ماضية عن آداب المصافحة والمعانقة والتقبيل، فتقدم الكلام عن المصافحة، وأظن من الآداب التي فات ذكرها: ألا ينـزع يده حتى ينـزع الشخص الآخر يده، لكن ذكر شيخ الإسلام كلاماً أنه إذا كان ذلك المقام يطول، بحيث أن هذا لم ينـزع يده والآخر مثله، سيبقى الجميع واقفون إلى متى؟ لذلك لو أن البادئ بمد اليد هو الذي يسحب يده أولاً في إنهاء هذه القضية فلا حرج في ذلك. فأما بالنسبة للتقبيل، فهناك كتاب بعنوان: الرخصة في تقبيل اليد ، من تصنيف الحافظ أبي بكر محمد بن إبراهيم المقرئ ، ذكر فيه أحاديث ونصوصاً في مسألة التقبيل، بالإضافة لما سبق ذكره سابقاً، وقد أورد حديث أسامة بن شريك ، قال: (قمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقبلنا يده). قال ابن حجر رحمه الله: سنده قوي. وكذلك أورد فيه من الأحاديث -أيضاً- حديث أم ولد أنس بن مالك قالت: كان ثابت إذا أتى أنساً قال: [يا جارية! هاتِ طيباً أمسه بيدي، فإن ثابتاً إذا جاء لم يرض حتى يقبل يدي] وهو حديث صحيح، فإن ثابتاً كان يقبل يد أنس بن مالك ؛ لأن يد أنس بن مالك مست يد النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك من الأحاديث التي ذكرها، حديث سلمة بن الأكوع ، قال: [ بايعت بيدي هذه رسول الله صلى الله عليه وسلم]. وقال الراوي عبد الرحمن بن رزين: قبلناها ولم ينكر ذلك. وقال ابن حجر رحمه الله: إسناده جيد، وقال الهيثمي : رجاله ثقات. وكذلك أورد حديثاً قد رواه البخاري في الأدب المفرد ، وهو عن ذكوان أن رجلاً قال له صهيب : [ رأيت علياً رضي الله عنه يقبل يدي العباس أو رجله، ويقول: أي عم! ارض عني ]. وكذلك أورد أثر موسى بن داود قال: [ كنت عند سفيان بن عيينة ، فجاء الحسن الجعفي ، فقام ابن عيينة فقبل يده ] وهذا صحيح إليه. وكذلك أثر ثابت قال: قلت لـأنس بن مالك : [أحب أن أقبل ما رأيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمكنه من عينيه]. وقال ثابت : [كنت إذا أتيت أنساً أخبر بمكانه، فأدخل عليه فآخذ بيديه فأقبلهما، فأقول: بأبي هاتين اليدين اللتين مستا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل عينيه، وأقول: بأبي هاتين العينين اللتين رأتا رسول الله صلى الله عليه وسلم]. قال الهيثمي : رجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن أبي بكر المقدمي وهو ثقة. وكذلك أتى من حديث ابن جدعان قال: سمعت ثابتاً يقول لـأنس : [مسست رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديك؟ قال: نعم، قال: فأعطني يدك، فأعطاه فقبلها]، والأثر فيه علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، لكن يشهد له آثار وطرق أخرى في هذا، فيكون حسناً. وكذلك جاء من حديث أم أبان بنت الوازع بن الزارع ( أن جدها الزارع انطلق في وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فما ملكنا أنفسنا أن وثبنا عن رواحلنا، وجعلنا نقبل يديه ورجليه ) والحديث حسنه ابن عبد البر رحمه الله تعالى.

أحوال التقبيل:
تقبيل اليد والتفصيل فيه:
سبق الكلام على أنواع التقبيل: تقبيل اليد، وتقبيل القدم، وتقبيل العينين، وتقدم حديث أنس قال: (قال رجل: يا رسول الله! الرجل منا يلقى أخاه أينحني له؟ قال: لا. قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: لا. قال: فيأخذ بيده ويصافحه؟ قال: نعم). إذاً: في الأحوال العادية لا يستحب التقبيل إذا لقي الأخ أخاه، أما تقبيل اليد لسبب عارض، فإن كان للدنيا فإنه مكروه. وقال سفيان الثوري : أكرهها -تقبيل اليد- على دنيا. وقال وكيع شيخ أحمد بن حنبل رحمهما الله: إنها -أي: قبلة اليد- صلحت حين قبلت للآخرة، وأنها فسدت حين قبلت للدنيا. وقال أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- فيما نقله عنه المروذي، لما سأله عن قبلة اليد، فلم يرَ به بأساً عن طريق التدين، وكرهها على طريق الدنيا، وقال: إن كان على طريق التدين فلا بأس، فقد قبل أبو عبيدة يد عمر ، وإن كان على طريق الدنيا فلا، إلا رجلاً يخاف سيفه أو سوطه. وكذلك قال حميد زنجويه : ما كان على وجه التملق والتعظيم -أي: المكروه من المعانقة والتقبيل-. وقال النووي في كتاب الأذكار : إن كانت لغناه ودنياه وثروته وشوكته ووجاهته عند أهل الدنيا ونحو ذلك، فهو مكروه شديد الكراهة، وقال المتولي من أصحابنا: لا يجوز، فأشار إلى أنه حرام، وإذا كان الرجل ظالماً أو مبتدعاً أو كافراً تتأكد هذه الحرمة؛ لأن الواجب هجره أصلاً والإنكار عليه، وليس تقبيل يديه. وقال سفيان الثوري رحمه الله: تقبيل يد الإمام العادل سنة. وقال حميد زنجويه : تقبيل اليد لا يستوجبه كل أحد. وقال بعض أهل العلم: تقبيل يد الظالم معصية، إلا أن يكون عن خوف. وقال ابن الوردي الشاعر:
أنا لا أختار تقبيل يد قطعها أجمل من تلك القبل
أي: هذه حقها أن تقطع، ربما يكون يد سارق وناهب، فكيف تقبل يده؟! والواجب أن تقطع في الشريعة. وبعض الناس وخصوصاً الصوفية ورؤساؤهم، عندهم عادة تقبيل اليد، ويتخذونها كبراً وطلباً من الناس، وهذا يدل عليه تصرفاتهم، كما إذا مد يده ليقبلها الناس، تجد بعض شيوخ الصوفية الطرقيين إذا جلسوا في مجلس أو كانوا يمشون، وجاءهم الناس مدوا أيديهم، كأنه يقول: خذ قبل وتبرك وامسح! ويتبين كذلك فعل هؤلاء السفهاء بما إذا استحسنوا من تقبيل يده، تجد أنه إذا قبل شخص أيديهم ابتسموا وأكرموه وأثنوا على فعله، وقال: الله يرضى عليك، المقصود هؤلاء الصوفية ولا أقصد الوالد الذي إذا قبل الولد يده فدعا له فهذا شيء آخر، وكذلك يظهر هذا من تشنيعهم على من لم يقبل أيديهم أيضاً. وكان السلف رحمهم الله بخلاف ذلك، إذا جاء شخص يقبل يده ربما سحب يده، وعندما استأذن رجل الإمام أحمد رحمه الله في تقبيل رأسه، قال: لم أبلغ أنا ذاك، لم أصل إلى درجة أن تقبل رأسي أنا دون ذلك، هذا من تواضعه رحمه الله تعالى، وفي رواية عبد الله قال: لم أره يشتهي أن يفعل به ذلك، فكان من ورعهم وتواضعهم رحمهم الله أنهم لا يسمحون للناس بتقبيل أيديهم ورءوسهم، ويقولون: نحن أدنى من هذا، وكره أحمد رحمه الله المسح على اليد للتبرك ونحوها، فقال لمن مسح يده عليه عمن أخذتم هذا؟ وغضب ونفض يده. وقال ابن تيمية رحمه الله: ابتداء الإنسان بمد يده للناس ليقبلوها، وقصده لذلك، فهذا ينهى عنه بلا نزاع كائناً من كان، بخلاف ما إذا كان المقبل هو المبتدئ لذلك، فلا حرج، أما أن يمد يده للناس فهذا مما ينهى عنه. وأيضاً اعتياد التقبيل حتى لو كان للمشايخ أو أهل العلم، فهذا فيه نظر؛ لأن الصحابة لقوا النبي صلى الله عليه وسلم مراراً وتكراراً، وما نقل عنهم أنهم كلما رأوه قبلوا رأسه ويده. نعم! قد تأتي العالم في المرة الأولى فتقبل رأسه أو يده، لكنك تأتيه في الدرس الذي يليه ثم الذي يليه ودائماً تواظب على هذه العادة فربما أدى هذا إلى شيء من الغلو. وكذلك قال ابن مفلح رحمه الله: تقبيل اليد لم يكونوا يعتادونه إلا قليلاً، ومن شعار بعض المبتدعة قرن تقبيل اليد بالمصافحة، فما صافح أحدهم صاحبه إلا قبل كل منهم يد صاحبه. وهذه أيضاً مسألة لا أصل لها، تجد بعض الناس في بعض الأماكن كلما صافح الأول الثاني هذا يقبل اليد وهذا يقبل اليد الأخرى، وأحياناً يقبل يد نفسه، كأنه يقبل اليد التي لامست يد الآخر، وهذا أيضاً مما لا دليل عليه.

التقبيل لأجل التبرك أو الشهوة:
وأما إذا كان التقبيل لأجل التبرك، فهذا يكون أشد وأشد، ولاشك أن تقبيل القبور والأعتاب والأحجار والأشجار من شعار المشركين في كل زمان ومكان، ولذلك أكد عمر رضي الله عنه ورحمه على هذه المسألة، فقال عندما قبل الحجر الأسود: [والله إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك] رواه البخاري. فكيف بمن يتبرك بحمار الشيخ، يقول: هذا الحمار الذي ركبه الشيخ، فيمسحون حمار الشيخ، وربما قبلوه، وتكلمنا عن مسألة التقبيل لشهوة، وأن ذلك لا يجوز إلا إذا كان لزوجته أو سريته. وبالنسبة للتقبيل للشهوة فإنه لا يجوز للإنسان أن يقبل أحداً إلا زوجته أو أمته، أما المرأة الأجنبية فلا شك أنه حرام، وكذلك الصبية الصغيرة والأمرد، كله حرام ولا يجوز، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لأن يطعن أحدكم في رأسه بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له) رواه الطبراني، وهو حديث صحيح. وكلما خشي أن يثير شهوته، مثل: تقبيل يد الأمرد الحسن، أو الصبية الصغيرة الحسنة التي قاربت البلوغ، فحرام لاشك في ذلك، والفتنة بالمردان أمر معروف، وهو عند الصوفية دين يتخذونه ويتقربون إلى الله بذلك، ولو قال: لا تثور شهوتي، فإنه لا يأمن عليه، والله قال: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى [الإسراء:32] ولم يقل: لا تفعلوا الزنا، فحتى اقتراب الشيء الذي يكون سبباً للوقوع في المعصية لا يفعله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (العين تزني وزناها البصر، واليد تزني وزناها اللمس، والفم يزني وزناه التقبيل) إذاً: زنا الفم أن يقبل بالحرام. وبالنسبة لتقبيل الإنسان يده بعد تقبيل الحجر الأسود، فذلك ثابت في السنة، وتقبيل المحجن أو العصا إذا استلم بها الحجر الأسود إذا لم يستطع أن يقبله بنفسه.

تقبيل الخد وما بين العينين والفم:
أما بالنسبة لتقبيل الخد، فقد ذكرنا أن أبا بكر الصديق قبل عائشة رضي الله عنها عندما أصابتها الحمى حين هاجروا إلى المدينة ، وكانت دون البلوغ، وهذه قبلة شفقة من الوالد لابنته. وأما بالنسبة لتقبيل ما بين العينين، فإنه قد ورد فيه تقبيل النبي صلى الله عليه وسلم بين عيني العباس ، ورواه الطبراني وقواه الهيثمي ، وقبَّل مسلم بن الحجاج النيسابوري عيني البخاري رحمه الله، وقال: يا أستاذ الأستاذين، أو يا طبيب الحديث في علله. وبالنسبة لتقبيل العين جاء تقبيل التابعي لعين أنس كما تقدم، وبالنسبة لتقبيل الفم فهذا خاص بين الزوجين، وبالنسبة لتقبيل الكشح أو البطن، الكشح هو: ما بين الخاصره إلى الضلع، وقد قبل الصحابي النبي صلى الله عليه وسلم في كشحه لما كشفه له ليقتص منه، وقلنا في تقبيل الرأس: إنه يكون للكبير في السن أو العالم والوالد. كذلك لو كان له أخت كبيرة أو عمة أو جدة، فلا بأس أن يقبل رأسها، ولا حرج في ذلك.

تقبيل المرأة للرجل الأجنبي وتقبيل الشعر:
أما تقبيل المرأة للرجل الأجنبي، فهذا حرام ولو كان كبيراً، وتقبيل الرجل للمرأة الأجنبية حرام ولو كانت كبيرة في السن، وتقبيل الشعر كتقبيل الرأس في الحكم، وبعضهم قد يحتج بتقبيل الإمام أحمد رحمه الله لشعرة من شعرات النبي صلى الله عليه وسلم، لكن هذا كان ثابتاً عنده أنها شعرته، أما اليوم فمن أين نثبت أنه قد بقي شيء من آثار النبي صلى الله عليه وسلم حتى نقبله؟ وذكرنا في مسألة تقبيل المصحف أنه لم يرد بذلك حديث صحيح من النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن تيمية رحمه الله: لا نعلم في تقبيل المصحف شيئاً مأثوراً. وقد سئل أحمد عن تقبيله، فقال: ما سمعت فيه شيئاً، ولكن روي عن عكرمة بن أبي جهل ، واتباع السلف أولى، ولا يعلم له موافق رحمه الله على ذلك، ولم وافقه الصحابة على ذلك، ولم يكن شيئاً مشروعاً منتشراً عندهم.

تقبيل آثار الصالحين وأرض الوطن:
وأما بالنسبة لآثار الصالحين التي يفعلها بعض الناس وتقبيلها فهذا أيضاً من البدع، وكذلك تقبيل الشجر والحجر، أما بالنسبة لتقبيل الأرض بين يدي العظماء، فسبق الكلام أنه من المنكرات العظيمة، وقال ابن تيمية رحمه الله: وأما تقبيل الأرض ووضع الرأس أمام الشيخ والملك فلا يجوز، بل الانحناء كالركوع لا يجوز، ومن فعله قربة وتديناً بين له -نبين له أن تقبيل الأرض والانحناء كالركوع بين يدي الشيخ أو الصوفي هذا أو الملك لا يجوز- ومن فعله قربة وتديناً بين له أن هذا حرام ولا يجوز، فإن تاب وإلا قتل، وأما إذا أكره الرجل بأن يخشى أخذ ماله أو ضربه أو قطع رزقه في بيت المال، فإنه يجوز عند أكثر العلماء. وكذلك إذا ظن أن بركة الشخص تعود على من أشرك به وخرج عن طاعة الله ورسوله، مثل أن يظن أن ببركة السجود لغيره وتقبيل الأرض عنده.. ونحو ذلك يحصل له السعادة، فهو من أحوال المشركين وأهل البدع وهو باطل لا يجوز اعتقاده ولا اعتماده. وقال أيضاً رحمه الله: وأما وضع الرأس عند الكبراء والشيوخ أو غيرهم أو تقبيل الأرض أو نحو ذلك، فهو مما لا نزاع فيه بين الأئمة في النهي عنه، بل مجرد الانحناء بالظهر لغير الله منهي عنه. هناك نوع من تقبيل الأرض يحدث في هذا الزمان، وهو تقبيل أرض الوطن بزعمهم أن ذلك وطنية، فلاشك أن هذا حرام، وفيه نوع من الشرك، وهذا دين المنتسبين، إذا وطأت قدماه بلده مثلاً قبل أرض بلده أو وطنه، ولاشك أن هذا حرام لا يجوز. ومن الأشياء التي تفعل في هذا الزمان مثلاً: التشبه بالكفار وتقليدهم في تقبيل الكلاب وبعض الحيوانات، ولاشك أن الكلب مما ينبغي التخلص منه، والاحتفاظ به ينقص الأجر. فهذه تكملة لآداب المصافحة والمعانقة والتقبيل، وبذلك نكون قد أنهينا الكلام عليها والحمد لله رب العالمين.

الأسئلة :
حكم قيام الليل مع الزوجة:
السؤال: هل الأفضل في قيام الليل أن أصلي بعض الوقت وزوجتي تصلي البعض الآخر أو نصلي جماعة؟ الجواب: يصلي كل واحدٍ منهما بمفرده، ولا يتفقان على الجماعة في القيام، لكن إن انضمت إليه -وهو لا يريد أن ينضم إليها- فصلت وراءه فلا بأس.

حكم تقبيل الكتف للعظماء:
السؤال: ما حكم تقبيل كتف العظماء؟ الجواب: إذا كان ظالماً فلا يجوز تقبيله؛ لأن التقبيل نوع من التوقير، فإذا كان ظالماً أو كافراً لم يجز تقبيله، وإذا كان صالحاً راشداً قبل رأسه، كما إذا قبل رأس الخليفة الصالح الإمام العادل لأن هذا قد نص عليه أهل العلم.

حكم تقبيل البنت الصغيرة ومصافحتها:
السؤال: ما حكم مصافحة وتقبيل البنت الصغيرة؟ الجواب: البنت الصغيرة إذا كانت أجنبية لابد من الحذر الشديد، حيث أن هذا من الأبواب العظيمة التي ينفذ بها الشيطان، خصوصاً في هذا الزمان الذي عمَّت به الفتن.

معانقة المسافر لمحارمه:
السؤال: ما حكم معانقة المسافر العائد لأمه وعماته وخالاته؟ الجواب: لا بأس بذلك.

حكم المعانقة في العيد:
السؤال: ما حكم المعانقة في العيد؟ الجواب: المعانقة في العيد لا أعلم لها أصلاً، وكذلك المعانقة في العزاء.

حكم تقبيل الرجل زوجته أمام أهله:
السؤال: هل يقبل الرجل زوجته أمام أهله؟ الجواب: ينبغي أن يكون هذا مما يصان ولا يظهره، من أجل أن الرجل يستمتع بأهله على انفراد، ولا يكون أمام الآخرين. نكتفي بهذا القدر، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

حال حديث: ( من خلط سمكاً ولبناً فأصابه فالج فلا يلومن إلا نفسه ):
السؤال: ما صحة حديث (من خلط سمكاً ولبناً فأصابه فالج فلا يلومن إلا نفس)؟ الجواب: هذا حديث غير صحيح، وقد جرب بعض الناس أكل السمك باللبن فلم يضرهم، وبعض الناس ضرهم، فالمسألة ترجع إلى طبيعة الأجساد.

عدد وجبات السلف:
السؤال: هل تناول ثلاث وجبات في اليوم والليلة مما أثر عن السلف ؟ الجواب: أثر عنهم الغداء والعشاء، وكان غداءهم في الصباح، والعشاء قبل المغرب كان عندهم وجبتان.

حكم إجابة دعوة من عنده تلفاز:
السؤال: إذا كان عند الداعي تلفاز هل يسقط وجوب إجابة الدعوة؟ الجواب: إذا كان التلفاز مفتوحاً على شيء محرم فيسقط إجابة الدعوة.

حكم وضع اليد على الصدر بعد المصافحة:
السؤال: كثير من الناس يضع يده على صدره بعد أن ينتهي من المصافحة؟ الجواب: لا أعلم في هذا دليل.

كيفية الترتيب في إجابة أكثر من دعوة:
السؤال: إذا دُعيت إلى وليمة، ودعيت بعد يومين إلى وليمة وقد نسيت الأولى وأني قد وافقت على الوليمتين، هل أذهب إلى ما أريد أم لابد من إجابة الأولى؟ الجواب: إذا كان فات وقت الأولى فتجيب الثانية، وإذا لم يفت فتجيب الأولى.

حكم وضع الستائر على الجدران:
السؤال: هل تُعتبر الستائر من ستر الجدران؟ الجواب: نعم. ولذلك توضع الستائر على الشبابيك لأجل الغبار أو الشمس، أما على الجدران كلها بما لا داعي له، فلاشك أن هذا نوع من الإسراف.

حكم تقبيل البنت الصغيرة الأجنبية:
السؤال: ما حكم تقبيل البنات الصغيرات الأجنبيات؟ الجواب: إذا كان بشهوة فهو حرام.
الاستدلال بحديث الغلام على عدم السكوت حال الطعام
السؤال: بعض الناس يستشهد بحديث: (يا غلام! سم الله) على دلالة الكلام عند الأكل؟ الجواب: هذا رأى منكراً فأنكره لا يستلزم أن يكون هذا دليل على هذه المسألة.

عدم وجوب إجابة الدعوة العامة:
السؤال: هذه الأيام تكثر الدعوة لوليمة العرس، وتكون عامة، فهل يكفي معرفة اسم الشخص دون معرفته شخصياً إذا كانت عامة؟ الجواب: إذا كانت الدعوة عامة فلا مانع أن تذهب، لكن لا يجب عليك إلا إذا خصصت بالدعوة.

حكم إجابة المبتدع والكافر لتأليفه ودعوته إلى الله:
السؤال: ما حكم إجابة المبتدع والكافر لتأليفه ودعوته إلى الله؟ الجواب: لا بأس أن يذهب لتأليفه ودعوته إلى الله.

متى يأثم المدعو؟:
السؤال: هل يأثم المدعو إذا اعتذر عن الإجابة؟ الجواب: إذا قبل العذر الحمد لله لا يأثم.

مشروعية عدم إجابة دعوة العاصي:
السؤال: ما حكم عدم الإجابة للدعوة تأديباً للداعي على معصيته؟ الجواب: مشروع.

تحريم اللعب بالورق:
السؤال: ما حكم لعب الورق؟ الجواب: جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء أنه حرام، وأن فيه شبه من الميسر، وأنه يلهي عن ذكر الله، أزيد على ذلك أن فيه صوراً لذوات الأرواح.

عدم وجوب إجابة الدعوة إذا وجدت مشقة:
السؤال: ما حكم إجابة الدعوة إذا كنت في بلد بعيد وفي السفر مشقة؟ الجواب: إذا كان فيه مشقة لا يتحملها الشخص لا يجب عليه الإجابة.

وجوب الكفارة للحانث في يمينه:
السؤال: حلف رجل على ألا يدخل منزل أبيه وأخيه حتى يغيروا المنكرات فيها، علماً أنه لا يجلس في مكان في البيت فيه منكر، وبعد ذلك دخل البيت، فهل عليه كفارة؟ الجواب: نعم. عليه كفارة إذا كان يمينه يمنياً واحداً.

حكم الاقتراض من البنك:
السؤال: هل يجوز اقتراض مبلغ من البنك ثم رده إلى البنك بأكثر؟ الجواب: هذا هو الربا بعينه.

حالات وجوب إجابة الدعوة:
السؤال: إذا كنا في عرس، ودعانا أحد الأشخاص في الليلة الثانية في عرس لولده، وكانت الدعوة لجميع الموجودين فما هو الحكم؟ الجواب: إذا كانت الدعوة عامة لا تجب، ويستحب أن تأتي، لكن إذا خصك أنت وأرسل إليك رسولاً، أو بطاقة باسمك، وجبت الإجابة ما لم يكن هناك عذرٌ.

حكم ارتداء الملابس الداخلية أمام الناس:
السؤال: هل الذهاب إلى دورة المياه في السكن الجامعي بالملابس الداخلية سراويل قصيرة وعليه سراويل طويلة وفنيلية يعتبر من خوارم المروءة؟ الجواب: هذا قد يعتمد على الشخص، وعلى شفافية هذا القماش، فقد يكون شفافاً، وقد يمشي مسافة بعيدة ويمر على أشخاص كثيرين، فبعض الأشخاص قد يكون إمام مسجد، لا يجوز في حقه أن يمشي بهذا الشكل بين الناس الذين هم من المأمومين، فعند ذلك يحتاط ويتحفظ ويكون محتشماً في ملابسه.

حكم الأكل في المطعم المزجج:
السؤال: كثير من المطاعم يكون تصميمه بالزجاج، مما يجعل المار ينظر إلى الزبائن وهم يأكلون؟ الجواب: هذا ليس هو الأفضل، الأفضل ألا يجعل من زجاج حتى لا ينظرون إلى الزبائن، لأن هذا كأنهم يأكلون في السوق، وهناك المار والغادي والرائح، ويدخل فيه كلام أهل العلم في قضية أنه من خوارم المروءة، ولا يشترط في خوارم المروءة أن تكون محرمة، لكن المقصود أنها مما يعاب.

وصايا تساعد على هضم الطعام:
السؤال: عدم شرب الماء الكثير مع الطعام يقلل الهضم؟ الجواب: هذه أشياء مذكورة، لكن يبدو أن هذا الكاتب له معرفة بالطب، يقول: أكل الفاكهة قبل الأكل مفيد لسببين: أولاً فرصة امتصاص المواد المفيدة في الفاكهة تكون أكبر. ثانيا: السكريات تقلل من الشهية للأكل بكثير. فائدة: شرب الشاي مع الطعام يمنع امتصاص فيتامين الحديد. فائدة: يمنع النوم مباشرة بعد الأكل لدرجة الشبع، فالنوم يشغل الجسم عن الهضم. هذه وصايا، وقضية الشره في الطعام والإكثار منه، وانتفاخ البطن، وعدم شرب الماء الكثير مع الطعام يقلل الهضم، فهذا آخر ما جاء من الأسئلة. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

اقرأ القرآن وأذكر ربك
13-11-2011, 02:58 PM
محاضرة( آداب المصافحة والمعانقة والتقبيل )للشيخ محمد المنجد



عناصر الموضوع:
1. الأدلة الواردة في المصافحة والمعانقة
2. فضل المصافحة ومشروعية معانقة الأولاد وتقبيلهم
3. تقبيل الميت والحجر الأسود
4. تعريف المصافحة وحكم مصافحة النساء الأجنبيات
5. حكم مصافحة الكفار
6. بعض أحكام المصافحة
7. بعض أحكام التقبيل
8. الأدلة الواردة في مشروعية التقبيل في كتاب محمد بن إبراهيم المقرئ
9. أحوال التقبيل
10. الأسئلة

آداب المصافحة والمعانقة والتقبيل:
ذكر الشيخ حفظه الله في هذه المادة أحكاماً وآداباً في المصافحة والمعانقة والتقبيل، فبدأ بإيراد الأدلة الواردة في ذلك، ثم بين ما يستحب منها وما يباح وما يكره، وبيَّن أن منها ما يحرم، وذكر الأدلة المبينة لذلك من فعل السلف الصالح رضوان الله عليهم.

الأدلة الواردة في المصافحة والمعانقة:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: سنتحدث اليوم -إن شاء الله تعالى- عن أدب آخر من الآداب الشرعية التي حفلت بها هذه الشريعة المطهرة، ألا وهو (أدب المصافحة والمعانقة والتقبيل) ولاشك أن هذا الأدب مما يحتاج إليه خصوصاً عند لقاء الإخوان وعند المقابلة، وكذلك مع أهل العلم ومع الأقارب، وقد جاء في المصافحة والمعانقة والتقبيل عدة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أصحابه، وعن السلف الصالح رحمهم الله تعالى، وسنذكر بعض هذه الأحاديث مع التعليق عليها، وذكر بعض ما ذكره أهل العلم في هذه المسألة. فأما بالنسبة لهذه الآداب فقد ذكرها عدد من أهل العلم في كتبهم، ومنهم بعض الأئمة الستة في مصنفاتهم، وذكرها كذلك البخاري رحمه الله تعالى في كتاب: الأدب المفرد ، فقال: باب مصافحة الصبيان، عن سلمة بن وردان قال: [رأيت أنس بن مالك يصافح الناس، فسألني من أنت؟ فقلت: مولى لبني ليث، فمسح على رأسي ثلاثاً، وقال: بارك الله فيك]. وعن أنس بن مالك قال: (لما جاء أهل اليمن قال النبي صلى الله عليه وسلم: قد أقبل أهل اليمن وهم أرق قلوباً منكم) وهم أول من جاء بالمصافحة. وقد صح موقوفاً ولم يصح مرفوعاً عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: [من تمام التحية أن تصافح أخاك] وقد روي مرفوعاً لكنه ضعيف. وأما بالنسبة للمعانقة فقد ذكر البخاري رحمه الله في باب المعانقة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه بلغه حديث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: ابتعت بعيراً، فشددت إليه رحلي شهراً حتى قدمت الشام -أي سافر شهراً كاملاً من أجل سماع الحديث- فإذا عبد الله بن أنيس ، فبعثت إليه أن جابراً بالباب، فرجع الرسول فقال: جابر بن عبد الله ؟ فقلت: نعم. فخرج فاعتنقني -وهو موضع الشاهد، هذا قادم من سفر فخرج إليه أخوه الصحابي الآخر فاعتنقه- قلت: حديث بلغني لم أسمعه، خشيت أن أموت أو تموت -أي: قبل أن أسمعه منك- قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (يحشر الله العباد -أو الناس- عراة غرلاً بهماً، قلنا: ما بهماً؟ قال: ليس معهم شيء، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد أحسبه قال: كما يسمعه من قرب..) وهذا من عجائب يوم القيامة أن الله ينادي الناس بصوت يسمعه البعيد كما يسمعه القريب، فإن العادة جرت أن البعيد يسمع أضعف من القريب، والقريب يسمع أشد من البعيد وأوضح، لكن الله سبحانه وتعالى عندما ينادي يوم القيامة ينادي بصوت يسمعه البعيد كما يسمعه القريب. يقول سبحانه وتعالى: (أنا الملك لا ينبغي لأحد من أهل الجنة يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار يدخل النار وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة، قلت: وكيف؟ وإنما نأتي الله عراة بهماً -ليس عندنا شيء حتى الثياب- قال: بالحسنات والسيئات) ورواه البخاري أيضاً تعليقاً في الصحيح ، ورواه موصولاً هنا في الأدب المفرد بإسناد حسن. وذكر رحمه الله حديثاً في باب الرجل يقبل ابنته، وذكر في باب تقبيل اليد، عن عبد الرحمن بن رزين ، قال: [ مررنا بـالربذة ، فقيل لنا: هاهنا سلمة بن الأكوع ، فأتيته فسلمنا عليه، فأخرج يديه، فقال: بايعت بهاتين نبي الله صلى الله عليه وسلم، فأخرج كفاً له ضخمة كأنها كف بعير -لأن سلمة رضي الله عنه كان رجلاً ضخماً قوي البنية- فقمنا إليها فقبلناها ]. حديث حسن الإسناد. هذا ما ذكره البخاري رحمه الله تعالى في موضوع المعانقة والمصافحة والتقبيل. أما بالنسبة لما رواه غيره من أهل العلم أو رواه هو -أي البخاري- في صحيحه فقد جاءت هناك أحاديث كثيرة، فمن ذلك على سبيل المثال: ما ورد في رواية الصحيحين في حديث كعب بن مالك رضي الله عنه، قال: [ فانطلقت أتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقاني الناس فوجاً فوجاً يهنئوني بالتوبة، ويقولون: لتهنك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحوله الناس، فقام طلحة بن عبيد الله يهرول، حتى صافحني وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره، قال: فكان كعب لا ينساها لـطلحة ]. الشاهد من الحديث قوله: [ صافحني ] عندما لقيه قام إليه فصافحه. وأما ما ورد أيضاً في سنن أبي داود ، ولكنه حديث مرسل فيه ضعف، وفي الرواية: عن رجل من عنـزة أنه قال لـأبي ذر حيث أخرج من الشام : (إني أريد أن أسألك عن حديث من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: إذاً أخبرك به إلا أن يكون سراً، قلت: إنه ليس بسر، هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصافحكم إذا لقيتموه؟ قال: ما لقيته قط إلا صافحني، وبعث إليَّ ذات يومٍ ولم أكن في أهلي، فلما جئت أخبرت أنه أرسل لي، فأتيت وهو على سريره فالتزمني، فكانت تلك أجود وأجود) لكن هذا الحديث في سنده ضعف. ومن الأحاديث التي جاءت عن أهل اليمن -أنهم أول من جاء بالمصافحة- ما رواه أبو داود رحمه الله بالإضافة لما تقدم مما سمعناه في الأدب المفرد للبخاري رحمه الله، قال أبو داود: روي عن أنس بن مالك قال: (لما جاء أهل اليمن ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: جاءكم أهل اليمن وهم أول من جاء بالمصافحة) المصافحة معروفة قبل أن يأتي أهل اليمن ، لكن أول من أفشاها ونشرها هم أهل اليمن، كما ذكر شراح الحديث. وكذلك من الأحاديث التي وردت في هذا، ما رواه الترمذي رحمه الله تعالى عن أبي هريرة (أن النبي صلى الله عليه وسلم لقيه وهو جنب، قال: فانبجست -أي: فانخنست فاغتسلت، لم يصافح أبو هريرة النبي صلى الله عليه وسلم لما لقيه وهو على جنابة، ذهب ورجع إلى البيت واغتسل- ثم جئت، فقال أين كنت؟ قال: إني كنت جنباً، قال: إن المسلم لا ينجس) تحرج من النبي عليه الصلاة والسلام وهو على جنابة، فلما سأله النبي عليه الصلاة والسلام لماذا ذهب وأخبره بما وجد من الحرج، وأنه ذهب ليغتسل، قال عليه الصلاة والسلام: (إن المسلم لا ينجس). وقد وردت عدة أحاديث في هذا الموضوع، وقال الترمذي رحمه الله بعد سياق الحديث: وقد رخص غير واحد من أهل العلم في مصافحة الجنب ولم يروا بعرق الجنب والحائض بأساً، ولذلك عنون بعضهم في كتاب الطهارة: باب في الجنب يصافح، والمقصود بهذه الترجمة أن الجنب ليس عليه بأس أن يصافح غيره. ومما ورد في فضل المصافحة وما فيها من الأجر العظيم، ما رواه أبو داود وغيره عن البراء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا) وقد رواه الترمذي رحمه الله تعالى كذلك في سننه ، وقال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب، فالحديث صحيح وله ألفاظ كثيرة، وقد جاء: (أنهما إذا تصافحا فأخذ كل منهما بيد الآخر، لا يأخذ بها إلا لله -وهذا الشرط مهم- تحاتت خطاياهما كما يتحات ورق الشجر في الخريف). إذاً: من فضل أخذ اليد والمصافحة مغفرة الذنوب، وتتحات الخطايا بكثرة. وكذلك مما ذكر الدارمي -رحمه الله- في كتاب الطهارة عن حماد قال: سألت إبراهيم عن مصافحة اليهودي والنصراني والمجوسي والحائض؟ فلم يرَ فيه وضوءاً، أي: لو صافح امرأته أو أخته وهي حائض مثلاً، أو صافح كافراً فإنه لا يلزمه الوضوء، لأن مجرد المصافحة ليس من نواقض الوضوء. أما مسألة أن المصافحة كانت شائعة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه يدل على ذلك الحديث الذي رواه البخاري و الترمذي عن قتادة ، قال: [قلت لـأنس بن مالك : هل كانت المصافحة في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم]. إذاً: كانت المصافحة معروفة وموجودة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. وبالنسبة لالتقاء المسلم مع أخيه لو حصل، فإن المشروع فيه المصافحة في الأحوال العادية، ولذلك جاء عند ابن ماجة من حديث أنس بن مالك قال: (قلنا: يا رسول الله! أينحني بعضنا لبعض؟ قال: لا. قلنا: أيعانق بعضنا بعضاً؟ قال: لا. ولكن تصافحوا). وكذلك روى الترمذي رحمه الله عن أنس بن مالك قال: (قال رجل: يا رسول الله! الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: لا. قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: لا. قال: أفيأخذ بيده ويصافحه؟ قال: نعم) قال أبو عيسى : هذا حديث حسن. إذاً: هذا الحديث الذي صح عن النبي صلى الله عليه وسلم يبين أن السنة إذا التقى الإنسان بأخيه المسلم أنه لا يعانقه ولا يقبله ولا ينحني له، وإنما يصافحه مصافحة.

فضل المصافحة ومشروعية معانقة الأولاد وتقبيلهم:
جاء كذلك في الأحاديث أيضاً، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تصافحوا يذهب الغل، وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء) وهذا الحديث قد رواه الإمام مالك رحمه الله في الموطأ ، لكن إسناده معضل، فقد سقط من إسناده رجلان، وقد جاء الحديث من وجوه، حتى قال ابن عبد البر : هذا يتصل من وجوه شتى حسان، وقال ابن المبارك: حديث مالك جيد، فعند ابن عبد البر -رحمه الله- أن هذا الحديث قد جاء موصولاً من طرق شتى، فالفائدة منه هي قوله: ( تصافحوا يذهب الغل ) فالمصافحة تذهب الحقد والعداوة التي تكون فيها بعض النفوس ممتلئة على بعض. ولذلك فالعناية بها لها فوائد، فقد تبين لنا أن من فوائد المصافحة أنها من أسباب مغفرة الذنوب والمحبة، وإذهاب الغل والحقد، وقد جاء كذلك في موضوع المعانقة والتقبيل عدة أحاديث أخرى، فقد روى البخاري -رحمه الله- في صحيحه في كتاب الاستئذان، باب المصافحة، هذا أيضاً يضاف إلى المصافحة حديث ابن مسعود في التشهد، عندما علمه النبي صلى الله عليه وسلم التشهد، قال: (وكفي بين كفيه). وقد جاء -أيضاً- في موضوع المعانقة، ما جاء في كتاب المناقب، في صحيح البخاري ، باب مناقب الحسن و الحسين رضي الله عنهما، قال نافع بن جبير: عن أبي هريرة : (عانق النبي صلى الله عليه وسلم الحسن ) وقد رواه هنا معلقاً، ورواه أيضاً موصولاً كما سيأتي، وهذا الحديث الموصول هو ما رواه في كتاب البيوع، عن أبي هريرة الدوسي رضي الله عنه قال: (خرج النبي صلى الله عليه وسلم في طائفة النهار لا يكلمني ولا أكلمه، حتى أتى سوق بني قينقاع، فجلس بفناء بيت فاطمة ، فقال: أثم لكع، أثم لكع، فحبسته قليلاً، فظننت أنها تلبسه سخاباً -وهو نوع من الملابس، تجهز الولد للقاء جده وهو النبي صلى الله عليه وسلم، أو تغسله حتى يخرج إليه طيب الرائحة- فجاء يشتد حتى عانقه وقبله) وهذا فيما يتعلق بموضوعنا في معانقة الصغار وتقبيلهم، ومعانقة الجد لحفيده وتقبيله. وموضوع الصغار يختلف عن موضوع الكبار، مثل الولد والحفيد يعانقه ويقبله ويشمه، كما جاء في الحديث الصحيح، لكن هذا يختلف عما يفعل مع الكبار، فالصغار من السنة أن يشمه ويقبله ويعانقه إذا لقيه كابنه وحفيده عانقه وقبله وقال: (اللهم أحببه وأحب من يحبه). وقد جاء هذا الحديث أيضاً في صحيح مسلم رحمه الله عن أبي هريرة قال: (خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من النهار لا يكلمني ولا أكلمه، حتى جاء سوق بني قينقاع، ثم انصرف حتى أتى خباء فاطمة ، فقال: أثم لكع، أثم لكع -أي: حسناً، وفي هذه الرواية تعيين الصبي الذي خرج إليه أنه الحسن بن علي رضي الله عنه -فظننا أنه إنما تحبسه أمه، لأن تغسله وتلبسه سخاباً- فلم يلبث أن جاء يسعى حتى اعتنق كل واحد منهما صاحبه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أحبه فأحبه وأحبب من يحبه) هذا بالنسبة لما فعله عليه الصلاة والسلام بحفيده. أما ما فعله عليه الصلاة والسلام مع ولده إبراهيم، فقد جاء في الحديث الصحيح في البخاري ، عن أنس بن مالك قال: (دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سيف القيني ، وكان ظئراً لـإبراهيم -فهذا الحداد رضي الله عنه كان عنده إبراهيم يرتضع، مكث عنده فترة من الزمن- فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم فقبله وشمه...) الحديث. إذاً: في هذا الحديث مشروعية شم الأولاد وتقبيلهم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد فعل ذلك، وقد جاء في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قبل الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالساً، فقال الأقرع : إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداًً، هذا رجل من الأعراب كان في الأعراب شيء من الجفاء، والخشونة والغلظة، استغرب قال: يا رسول الله! أنتم تقبلون الصبيان، وأنا عندي عشرة أولاد ما قبلت واحداً منهم؟ كأنها عندهم شيء مما يتنافى مع الرجولة، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم مستنكراً هذا الكلام ومعاتباً، ثم قال: (من لا يرحم لا يرحم) وقال عليه الصلاة والسلام في عتابه: (أوأملك لك إذ نزع الله الرحمة من قبلك). إذا نزع الله الرحمة من قلبك لا تقبل الصبيان فماذا أملك لك؟ فهذا يدل على مشروعية تقبيل الصبيان. وعنون البخاري رحمه الله: (باب من ترك صبية غيره حتى تلعب به أو قبلها أو مازحهها)، هذه الصبية الصغيرة، وعموماً فإن الرحمة بالصغير تكون مقيدة بما لم يكن هناك فتنة. ومما ورد من الأحاديث التي فيها التقبيل: تقبيل الأب لابنته، فقد روى البخاري رحمه الله في كتاب المناقب، أن البراء دخل مع أبي بكر على أهله، فإذا عائشة ابنته مضطجعة قد أصابتها حمى، فرأيت أباها قبل خدها، وقال: كيف أنت يا بنية؟ إذاً هذا من تقبيل الأب لابنته المريضة، ومن المعلوم أن عائشة رضي الله عنها أول ما قدمت المدينة كانت صغيرة، فأصابت عدداً من المهاجرين حمى المدينة ، والنبي صلى الله عليه وسلم دعا أن يذهب الله ما فيها من الحمى، فيجعلها بـالجحفة ، ولذلك قال: (وصححها لنا) أي: اجعل جوها وهواءها يكون فيه صحة لا يكون فيه مرض، فمن بركة المدينة أن جوها صحي أكثر من غيرها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بذلك.

تقبيل الميت والحجر الأسود:
ومما ورد أيضاً في التقبيل من الأحاديث: تقبيل الميت، فقد روى البخاري رحمه الله في كتاب الجنائز: (أن أبا بكر أقبل على فرسه من مسكنه بـالسنح ، حتى نزل، فدخل المسجد فلم يكلم الناس، حتى دخل على عائشة رضي الله عنها، فتيمم النبي صلى الله عليه وسلم -قصده- وهو مسجىً ببرد حبرة، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه، فقبله ثم بكى، فقال: بأبي أنت يا نبي الله، لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد نلتها ...) الحديث. إذاً: يشرع تقبيل الميت، والكشف عن وجهه، وتقبيله بين عينيه قبل أن يدفن. ومما ورد في التقبيل من الأحاديث: تقبيل الحجر الأسود، فقد روى الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه عن عمر أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله، فقال: [إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك]. وقد جاء أيضاً في صحيح مسلم رحمه الله تعالى عن سويد بن غفلة قال: رأيت عمر قبَّل الحجر والتزمه، وقال: [رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بك حفياً] فإذاً يسجد عليه ويقبله إذا تمكن، فإذا لم يتمكن من تقبيله واستلمه بيده -أي: لمس الحجر بيده- هل يقبل يده؟ روى الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه عن عبيد الله عن نافع ، قال: [رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده، ثم قبل يده، وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله]. إذاً: تقبيل اليد بعد لمس الحجر إذا لم يستطع أن يقبل الحجر مباشرة لأجل الزحام، فماذا يفعل؟ فإنه إذا استلم الحجر بيده قبَّل يده، وسيأتي بعض التفصيل لذلك.

تعريف المصافحة وحكم مصافحة النساء الأجنبيات:
جاء في منظومة ابن عبد القوي رحمه الله في موضوع المصافحة، قوله:
وصافح لمن تلقاه من كل مسلم تناثر خطاياكم كما في المسند.
أي: يا أيها المسلم! صافح كما جاء في المسطور عن النبي الأواب، المبعوث بالسنة والكتاب، صافح أخاك المسلم إذا لقيته. والمصافحة في اللغة: هي على وزن مفاعلة، أي: أنها تحدث من طرفين، وهي مأخوذة من إلصاق صفح الكف بالكف، ومنه علم أنه إذا أمسك بأطراف أصابعه فهي ليست مصافحة كاملة كما يفعل بعض الناس، وهذه ليست مصافحة الرجال، بل ولا حتى مصافحة النساء، لأن هذه المصافحة ناقصة، والمصافحة المشروعة هي وضع صفح الكف بصفح الكف والقبض عليها، فإذاً لا تكون المصافحة إلا بذلك. وأيضاً من تعريف المصافحة: إقبال الوجه على الوجه، فلو أعطاه يده من وراء ظهره.. ونحو ذلك لا تكون مصافحة شرعية إلا في أحوال قد تكون للحاجة أو أنه لا يستطيع ونحو ذلك. ويقال: صافحته، أفضيت بيدي إلى يده. وفي القاموس: المصافحة: الأخذ باليد كالتصافح. قوله رحمه الله:
وصافح لمن تلقاه من كل مسلم.
قيد الناظم رحمه الله المصافحة بالمسلم، أي: أن الكافر ليس له مصافحة.. هذا هو الأصل، لكن هل تحرم مصافحته أم لا؟ سيأتي الكلام على ذلك. إذاً: المسلم ولو كان صغيراً أو كبيراً فإنه يصافح بشرط أن تؤمن الفتنة، فقد يكون أمرداً أو يكون له فتنة به، فعند ذلك تحرم مصافحته ولاشك في ذلك. أما بالنسبة لمصافحة المرأة الأجنبية فإنه لا يجوز مصافحتها، سواءً كانت كبيرة أو صغيرة، وكذلك قد سئل الإمام أحمد رحمه الله عن مصافحة النساء؟ قال: "لا. قال: قلت: فيصافحها بثوبه -لو جعل الثوب حائلاً؟ يمد يده فيكون الثوب بين يده ويدها- قال: لا". وقال ابن تيمية رحمه الله: "إن الملامسة أبلغ من النظر". ملامسة المرأة أبلغ من النظر إليها في الفتنة وثوران الشهوة، ولذلك لا يجوز مطلقاً. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخبر أن الإنسان لو طعن بمخيط -المخيط الإبرة العظيمة التي يخاط بها- في رأسه خير له من أن يمس امرأة لا تحل له، سواء كان في المصافحة أو في غير المصافحة، ويكون هذا مس المرأة التي لا تحل له، وهذا من قواعد الشريعة العظيمة التي تدرأ بها الفتن، وتسد بها الذرائع إلى الشر، ويؤمن بواسطتها من ثوران الشهوات. إذاً: لا يجوز مصافحة المرأة الأجنبية لا بحائل ولا بغير حائل، لا كبيرة ولا صغيرة. فإن قال قائل: الكبيرة ماذا يجوز منها إذاً؟ نقول: الله عز وجل قال: وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً [النور:60]. وهذا الشرط أن تكون المرأة من القواعد من النساء -كبيرات السن- لا يرجون نكاحاً، أي: أنها بلغت من الكبر عتيا، وأنه قد ذهب كل جمال فيها، بحيث لم تعد ترجو زواجاً مطلقاً، ولا أحد يطمع فيها أو يتزوجها أبداً، فهذه المرأة فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ [النور:60] أي: يجوز لها أن تضع الخمار عن رأسها إذا دخل عليها أجنبي، ولكن يشترط مع ذلك ألا تكون متزينة. على سبيل المثال: لا يجوز أن تضع مكياجاً مثلاً، أو حمرة أو خضرة، أو أي نوع من أنواع المساحيق الموجودة وغيرها، لا يجوز أن تضع ذلك وتكشف على الأجنبي، ولو كانت كبيرة ولا تشتهى، لا تضع الزينة، كل ذلك من احتياطات الشريعة لعدم الوقوع في الفاحشة، وعدم إشاعة الفتنة وثوران الشهوة، ولأجل صيانة المجتمع المسلم وحماية أفراد المسلمين، ولكل ساقطة لاقطة. إذاً: المرأة الكبيرة يجوز لها أن تضع ثيابها غير متبرجة بزينة إذا كانت لا ترجو نكاحاً، لكن لا يجوز مصافحتها ولا الخلوة بها، ولا أن تتعطر عنده ولا تتزين، ولا يسافر بها إذا لم يكن لها محرماً، لأن بعض الناس قد يتساهلون في الكبيرات، فيصافح ويقبل ويسافر ويخلو بها، فنقول: أقصى ما ورد أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة. أما المرأة الشابة الأجنبية فهذا معروف من باب أولى أنه لا يجوز مصافحتها ولا تقبيل رأسها ولا غيره، ولا السفر بها بدون محرم، ولا أن تكشف عليه، ولا أن يخلو بها.. إلى آخره.

حكم مصافحة الكفار:
أما بالنسبة لمصافحة الكافر، فإن الناظم ابن عبد القوي رحمه الله قال في منظومته:
وصافح لمن تلقاه من كل مسلم تناثر خطاياكم كما في المسند

حكم مصافحة أهل الذمة:
بالنسبة لمصافحة غير المسلمين، فقد سئل الإمام أحمد عن مصافحة أهل الذمة؟ فقال: لا يعجبني. وهذا اللفظ من ألفاظ الكراهة عنده. إذاًَ: يكره عند الإمام أحمد رحمه الله للرجل أن يصافح كافراً، لكن لو صافحه جاز ذلك ولا يأثم، خصوصاً إذا كان يرجو تأليف قلبه للدخول في الإسلام. أما ما عمت به البلوى اليوم من كثرة وجود الكفرة بيننا في الأعمال المختلفة والمكاتب والجامعات.. ونحو ذلك، ونحن ننصح ونقول: أنت لا تمد يدك ابتداءً، لكن لو مد هو يده فإن خشيت من مفسدة، كأن يضر بك مثلاً، فيمكن أن تصافحه، لكن الأحسن ألا تفعل ذلك، لكن إذا صافحته فلا تأثم، وهؤلاء الذين يعملون في المكاتب والشركات.. ونحو ذلك يجدون حرجاً كبيراً في هذا الموضوع، فنقول: لا تبتدئ الكافر بالمصافحة، لكن لو مد الكافر يده ولم يكن في ذلك ضرراً على الإسلام وأهله، أو لم يكن في يده نجاسة مثلاً، لأن هؤلاء لا تدري عنهم ماذا يمسون بأيديهم، وقد يدخل دورة المياه والحمام والمرحاض وبيت الخلاء ويمس نجاسة ولا يغسل يده، فأنت لا تعلم كيف يفعلون، فهم أناس لم يتعلموا التنـزه والطهارة، ولم يطبقوا ذلك، لاشك أن أيديهم يكون فيها ما فيها، فهذا ما يمكن أن يقال في موضوع مصافحة الكافر.

حكم مصافحة الكفار المحاربين:
أما مصافحة عدو الله المحارب للإسلام، والمجاهر بالعداء للدين، أو يطعن في الدين، أو يثير الشبهات حول الإسلام، أو عن أي شيء في الدين، أو المبتدع، فلا مصافحة، وخصوصاً الذي بدعته كفرية تخرج عن الملة، فلا تجوز مصافحته؛ لأن المصافحة فيها مودة، والله عز وجل حرَّم المودة تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا [الممتحنة:1] ثم هؤلاء الذين أظهروا وأبدوا العداوة، فلا يجوز إظهار المودة لهم، والمصافحة من المودة. وقول الناظم رحمه الله تعالى: "تناثر خطاياكم"، فتناثر الخطايا: تفرقها وتساقطها، والخطايا جمع خطيئة، وهي: الذنب، أو ما يتعمد من الخطايا. وقوله: كما في المسنَّد: الأصل المُسْنَدِ ، لكن شدده لضرورة الوزن.

بعض أحكام المصافحة:
جاءت أخبار كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن المسلمين إذا التقيا فتصافحا غفر لهما قبل أن يتفرقا، ذكرها الإمام أحمد رحمه الله تعالى وغيره، وسبق ذكر بعضها قبل قليل. وبالنسبة لإشهار المصافحة وإعلانها سنة، وقد كانت المصافحة في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وبالنسبة لأول من صافح وعانق، قيل: إنه إبراهيم الخليل عليه السلام، لكن هذا يحتاج إلى دليل.

المصافحة بعد الصلوات المفروضة:
مما يتعلق بالمصافحة: المصافحة بعد الصلوات المفروضة، وقد نص أهل العلم على أن المداومة على المصافحة بعد كل صلاة بأن يصافح من عن يمينه وعن شماله بدعة. فنقول: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يصلون وراءه، وما نقل عنه ولا عنهم أنهم بعد الصلاة كان يصافح بعضهم بعضاً، أو من عن يمينه وعن شماله، وإذا ألحقنا بالعبادة شيئاً معيناً وواظبنا عليه بعدها، كالمصافحة يميناً وشمالاً، فلاشك أننا نكون قد وقعنا في البدعة. وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن المصافحة بعد العصر والفجر، هل هي سنة مستحبة أم لا؟ فأجاب رحمه الله بقوله: أما المصافحة عقب الصلاة فبدعة، لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يستحبها أحدٌ من العلماء. إذاً: إذا التقى المسلمون، وقاموا من المسجد وخرجوا، أو وهم داخلون إلى المسجد وقابل بعضهم بعضاً، هل يتصافحون؟ الجواب: نعم، وورد سؤال عن رجل في صلاة الجمعة مد إليه رجل آخر يده أثناء الخطبة، فهل يصافحه أم لا؟ فسألت الشيخ عبد العزيز بن باز عن هذا السؤال، فقال: يصافحه دون كلام. لكن هل يجوز أن تشغل الناس أثناء الخطبة وتشغلهم عن سماعها؟ الجواب: لا، لكن لو أن شخصاً فعل ذلك وفوجئت به فصافحه دون سلام. علَّم النبي صلى الله عليه وسلم ابن مسعود التشهد وكفه بين كفيه، فيمكن أن يطول التصافح، ليعلمه شيئاً مثلاً، وقد قال الصحابي: (صافحت بكفي هذه كف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أر خزاً ولا حريراً ألين من كفه عليه الصلاة والسلام). بالنسبة لمسألة المعانقة والتقبيل، فهي من الأشياء التي ترد بعد قضية المصافحة، لكن ينبغي أن نؤكد على مسألة المصافحة تأكيداً آخر قبل أن نغادر هذه النقطة، لأجل أن كثيراً من الناس يقصرون فيها، وربما مر بجانبه ويمكن أن يصافحه فلا يفعل ذلك. نعم! إنها ليست بواجبة، لكن لماذا يفوت هذا الأجر العظيم في قضية المغفرة، وتحات الخطايا والمودة، لماذا يفرط في ذلك؟ إذاً: ينبغي أن نحافظ على هذه الشعيرة الإسلامية، والأصل أن المصافحة تكون باليد اليمنى، لكن قد يكون فيه شيء في يده اليمنى من كسر أو حرق أو جرح فلا يستطيع المصافحة بها، فلو صافح باليد الأخرى فلا بأس بذلك.

مصافحة العلماء والأرحام:
وكذلك فإن مصافحة العلماء والأرحام كالآباء... وغيرهم من الأمور المؤكدة التي ينبغي التأكيد عليها أكثر من غيرها، أي: مصافحة أهل الخير أولى من مصافحة غيرهم، والاعتناء بذلك ينبغي أن يكون مما عليه حال طالب العلم، وقد ورد أن حماد بن زيد صافح ابن المبارك .

بيان كيفية المصافحة :
أما قضية المصافحة باليدين، فإن بعض الناس إذا صافح فإنه يصافح بكلتا يديه، فيقبض على يمينك ويضع شماله فوقها، فقد جاء في البخاري : باب الأخذ باليد، وصافح حماد بن زيد ابن المبارك بيديه، ومر معنا حديث ابن مسعود قوله: (علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد وكفي بين كفيه) أي: أنه آخذ بكف ابن مسعود بكفيه كلتيهما. إذاً: لو فعل ذلك فلا بأس به، فقد صافح ابن المبارك حماد بن زيد بكلتا يديه، فلا حرج فيها إذاً. بعض الناس يصافح ثم يقبض على إبهام صاحبه مثلاً، فنعلم أن المصافحة هي وضع الصفح بالصفح، أما القبض على الإبهام فلا يكون مصافحة. وضع الساعد على الساعد ليس مصافحة في اللغة، لكن أحياناً تدعو الحاجة إذا مد يده، والآخر يده غير جاهزة للمصافحة فيعطيه ساعده، فهذا لا بأس به ولو أنه أقطع اليدين الكف غير موجودة، فيقبض على الساعد وهذا للحاجة وليس هو الأصل. المصافحة فيها شيء من الهز: إذا قبض على اليدين فهزها فلا بأس بذلك أيضاً، ولكن برفق، فمن أخطاء المصافحة: أنه إذا قبض على يده قبض بقوة.. يفرقع بها أصابع الآخر، ويشد بها شداً مؤذياً مؤلماً، حتى تجده يقول: ليتني لم أصافحه، أو تراه يحتال لتخليص يده، أو يريد أن ينـزع يده بسرعة، فلاشك أن هذا ليس من الأدب. وكذلك إذا هزها بقوة حتى يكاد يخلع يده، فهذا أيضاً ليس من الأدب. فالمصافحة وضع الصفح في الصفح بلين ورفق وهز يسير لو أراد، هذا هو ما ينبغي أن تكون المصافحة، أما أن تكون المصافحة وسيلة لإيذاء الآخر فهذه ليست مصافحة مشروعة، وينبغي على القوي أن يرفق بالضعيف، وعلى الكبير أن يراعي الصغير، فيصافح برفق ولين.

أحكام المعانقة:
أما بالنسبة للمعانقة فقد وردت فيها أحاديث تقدم ذكر بعضها، وقد ذكر البخاري رحمه الله في صحيحه باب المعانقة، وقول الرجل: كيف أصبحت؟ ثم ساق حديث النبي صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي مات فيه، وقول علي رضي الله عنه لما خرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الناس: (يا أبا حسن ! كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أصبح بحمد الله بارئاً -تفاؤلاً- فأخذ بيده العباس ، فقال: أنت والله بعد ثلاث عبد العصا، والله إني لأرى رسول الله صلى الله عليه وسلم سيتوفى في وجعه، وإني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت، فاذهب بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنسأله فيمن يكون الأمر...) الحديث. المعانقة عند القدوم من السفر سنة، كما جاء ذلك في حديث استقباله صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه، ونص شيخ الإسلام رحمه الله على تقييدها بالسفر، وفي الأحوال العادية ليس هناك معانقة؛ لأن الحديث قال: (أيلتزمه فيعانقه؟ قال: لا). وأما إذا قدم من سفر فقد ثبتت المعانقة. وكذلك الصبيان فيعتنقهم حتى لو كان بغير سفر، سواء كان ولده أو حفيده كما جاء في الآثار، أما وغيرهم فيجوز ذلك مع أمن الفتنة، وكل هذه الأشياء: (المصافحة والمعانقة والتقبيل) يشترط فيها العلماء الأمن من الفتنة والشهوة؛ لأن المسألة حتى مع غير النساء يوجد فيها فتنة وشهوة، وهذا ما يذكره أهل العلم في مسألة المردان. في قضية المعانقة فإن الإمام أحمد رحمه الله احتج بحديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم عانقه، وقال إسحاق بن إبراهيم : سألت أبا عبد الله عن رجل يلقى الرجل يعانقه؟ قال: نعم. فعله أبو الدرداء. وقال: في الإرشاد المعانقة عند القدوم من السفر حسنة. وقال الشيخ تقي الدين رحمه الله: فقيدها بالقدوم من السفر، وقال القاضي أبو يعلى من الحنابلة: وهو المنصوص عليه في السفر. إذاً: إذا قدم من السفر فعند ذلك يتعانقون، وقد جاء عن الشعبي أنه قال: [كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا التقوا تصافحوا، فإذا قدموا من السفر عانق بعضهم بعضاً]. قال السفاريني : قال ابن مفلح رحمه الله في الآداب الشرعية : إسناده جيد. أما بالنسبة لمعانقة الكافر فهي أشد من المصافحة بلاشك، وكذلك المبتدع، فيبتعد عنها أشد من ابتعاده عن المصافحة. أما بالنسبة لحديث أبي ذر المتقدم، فقد جاء عند أبي داود وفيه رجل مجهول، وقد جاء أنه عليه الصلاة والسلام لما جاءه جعفر قام يجر إزاره، وهذا إذا انفلت الإزار بغير قصد، وليس المقصود أنه يتعمد إرسال الإزار، فإن الإسبال معروف حكمه، لكن قد يسقط عن قيام الشخص فجأة، أو لظرف عارض ونحو ذلك، فاعتنقه عليه الصلاة والسلام. قال بعضهم: تكون المعانقة إذا طالت الغيبة، وقد ذكر ذلك بعض أهل العلم قياساً على السفر، أن السفر فيه بعد وطول عهد، لكن ينبغي ألا يكون هذا ذريعة إلى إفشاء المعانقة كالمصافحة، وأن تكون في غير موضعها، وخصوصاً أن المسألة فيها نص، أنه عليه الصلاة والسلام سئل (أيلتزمه ويعانقه؟ فقال: لا.). إذاً: تكون المصافحة فقط في الأحوال العادية.

بعض أحكام التقبيل:
أما بالنسبة للتقبيل، فإن التقبيل مصدر قـبّل، والاسم منه: قبلة، والجمع: قُبَل.

أقسام التقبيل:
قسم بعض أهل العلم التقبيل إلى خمسة أقسام: 1- قبلة المودة للولد على الخد. 2- قبلة الرحمة للوالدين على الرأس. 3- قبلة الشفقة لأخيه على الجبهة. 4- قبلة الشهوة لامرأته أو أمته على الفم. 5- قبلة التحية للمؤمنين على اليد، أي: للعلماء أو للأبوين. 6- وزاد بعضهم: قبلة الديانة للحجر الأسود، للحاج والمعتمر، وهذا معروف، وقد تقدمت فيه الأحاديث، فإن عجز عن التقبيل استلمه بيده ثم قبلها، وبالنسبة إذا استلمه بغير يده، كما إذا استلمه بعصا، فقد جاء عن ابن عباس قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت ويستلم الركن بمحجن معه ويقبل المحجن) وجاء هذا الحديث في الصحيحين ، أما بالنسبة للركن اليماني فلا تقبيل، وإنما هو مسح فقط واستلام، يستلمه ويمسح عليه، ولاشك أن مسح الحجر الأسود والركن اليماني يحطان الخطايا حطاً، وقد ثبت أنهما ياقوتتان من يواقيت الجنة طمس الله نورهما، وإلا لأعشى ذلك النور أبصار أهل الأرض. وبالنسبة لتقبيل الأجنبية فهو نوع من الزنا ولاشك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن زنا الجوارح.. زنا اليد، وزنا العين النظر، وزنا اللسان، وزنا الأذن، وزنا الرجل.. وغير ذلك، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه.

حكم تقبيل اليد والفم والأمرد:
وقد نص العلماء أيضاً في أحكام التقبيل، على تحريم تقبيل الأمرد الذي يكون مع تقبيله الشهوة. وكذلك فإنهم قالوا: لا يجوز للرجل أن يقبل فم الرجل، وكذلك المرأة لا تقبل فم المرأة، الفم عموماً متروك للزوجين أو الرجل وأمته. أما تقبيل اليد فقد جاء في الحديث أنهم قبلوا يد النبي عليه الصلاة والسلام، وعند البخاري في الأدب المفرد -كما تقدم- أنهم قبلوا يد سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، فأخذوا منها أن تقبيل يد العالم والفاضل أو الوالدين لا بأس به ولا حرج؛ بل هو مشروع، أما تقبيل يد الظالم فقالوا: إنها معصية، إلا إذا خشي على نفسه، وتقبيل الأرض بين يدي العظماء من المنكرات.

أثر التقبيل على الاعتكاف والوضوء والصلاة والصيام:
التقبيل يتعلق به أحكام في قضية الاعتكاف، هل إذا قبل يبطل الاعتكاف أم لا؟ نقول: إذا أنزل أبطل. وكذلك بالنسبة للصائم: هل يقبل؟ إذا كان يأمن على نفسه يقبل، وإذا كان لا يأمن على نفسه فلا يجوز أن يقبل. وذكروا كذلك في قضية الوضوء، هل ينتقض الوضوء بالقبلة أم لا؟ إذا خرج منه شيء انتقض وضوءه، وإذا لم يخرج منه شيء فوضوءه صحيح. وكذلك فإن التقبيل في الصلاة يفسدها عند من يقول ببطلان الوضوء بالتقبيل. ويحرم على المحرم بالحج والعمرة أن يقبل زوجته، ومن فعل ذلك بشهوة فعليه دم، وكذلك من قبل زوجته المطلقة بنية الرجعة في العدة، فهو رجوع.

حكم تقبيل المصحف والخبز:
وأما بالنسبة لتقبيل المصحف، فإنه لم يرد فيه شيء مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ورد عن عكرمة أنه كان يقبله، ويقول: [كلام ربي، كلام ربي] وهذا ليس مما وافقه عليه الصحابة، ولذلك نص بعض أهل العلم على بدعية هذا. والناس اعتادوا تقبيل المصحف خصوصاً إذا سقط أو وقع على الأرض، وكأنه صار عندهم دين وشرع أن المصحف إذا وقع لابد أن يقبل، وليس هناك دليل على ذلك، والمواظبة على تقبيله مما لم يرد فيه دليل صحيح. وكذلك تقبيل الخبز، فإن بعض الناس يقبلون الخبز، وهذا مما لم يرد فيه دليل أيضاً، لكن الخبز ورد الحديث بإكرامه، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أكرموا الخبز) ومن إكرامه كأن يكون موجوداً فلا يلقى ويرمى ويهان، ولا يجعل مع القاذورات والنجاسات، إذا رأيته مرمياً فأخذته ورفعته، فهذا من إكرام الخبز، لكن تقبيله ليس عليه دليل. وتقبيل يد العالم الورع والوالدين تقدم، كما أنه يقبله في جبهته، وأيضاً يقبل يده، والنبي صلى الله عليه وسلم عانق جعفراً حين قدم من الحبشة ، وقبله بين عينيه، لكن هذا الحديث الذي رواه أبو داود قال المنذري : إنه حديث مرسل؛ لأنه من رواية الشعبي. ومن أنكر من العلماء تقبيل اليد، لعلهم لم يطلعوا على الحديث أو لم يثبت عندهم صحته، وتقبيل الأولاد والأحفاد والصغار تقدم الحديث فيه مع أمن الشهوة عموماً، وتقبيل الأب لابنته، والبنت لأبيها، وينبغي أن يشدد في مسألة تقبيل الأقارب بعضهم لبعض، لأجل فشو الفساد في هذا الزمان، لكن لو قبل جدته مثلاً في رأسها فلا حرج في ذلك، الجدة مثل الوالدة، وكذلك الجد، أو قبلت جدها في رأسه أو يده، فلا حرج في ذلك.

حكم تقبيل المحارم:
وموضوع التقبيل يستثنى منه تقبيل الفم -كما تقدم- وأنه خاص بالزوج، ولذلك حتى الأب لا يقبل ابنته في الفم مطلقاً، وبالنسبة لتقبيلها في الخد ورد حديث أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وذكر ابن مفلح رحمه الله في الآداب الشرعية فصلاً في تقبيل المحارم من النساء في الجبهة والرأس، قال ابن منصور لـأبي عبد الله : يقبل الرجل ذات محرم منه؟ قال: إذا قدم من سفر ولم يخف على نفسه، وذكر حديث خالد بن الوليد قال إسحاق بن راهويه ، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم من غزوٍ فقبل فاطمة ، ولكن لا يفعله على الفم أبداً، الجبهة أو الرأس. وقال بكر بن محمد، عن أبيه، عن أبي عبد الله، وسئل عن رجل يقبل أخته؟ قال: قد قبَّل خالد بن الوليد أخته. إذاً بالنسبة لتقبيل الأخت، ولابد من الأمن من ثوران الشهوة أو الفتنة، فنقول: لو صار كمثل عادات الناس اليوم، أن الرجل إذا واجه -مثلاً- أخته، قالوا: سلم عليها، وعند العامة كلمة سلم عليها معناها: تقبيل، لكن إذا نظرت في الحقيقة إلى كيفية التقبيل وجدت أنها معانقة، ولكن القبلة لا تقع على الوجه ولكن تقع في الهواء، هذا لا حرج فيه أصبحت معانقة وليست بتقبيل. إذاً هناك ضوابط في المسألة ذكرها الإمام أحمد رحمه الله في قضية أمن الشهوة والفتنة وعدم التقبيل في الفم مطلقاً، ولو كانت من المحارم وكبيرة فقبل رأسها فلا حرج في ذلك، أي: إذا أراد أن يقبل في الوجه يجعلها في الجبهة والرأس، مثل الخالة والعمة والأخت الكبيرة التي تكون أحياناً بمثابة الأم، والجدة التي هي أم، هذا بعض ما يتعلق بموضوع المصافحة والمعانقة والتقبيل. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الفقه في دينه.

الأدلة الواردة في مشروعية التقبيل في كتاب محمد بن إبراهيم المقرئ:
نريد أن نكمل موضوعاً آخر أيضاً وهو ما يتعلق بالتقبيل، فإنه قد كان الكلام في جلسة ماضية عن آداب المصافحة والمعانقة والتقبيل، فتقدم الكلام عن المصافحة، وأظن من الآداب التي فات ذكرها: ألا ينـزع يده حتى ينـزع الشخص الآخر يده، لكن ذكر شيخ الإسلام كلاماً أنه إذا كان ذلك المقام يطول، بحيث أن هذا لم ينـزع يده والآخر مثله، سيبقى الجميع واقفون إلى متى؟ لذلك لو أن البادئ بمد اليد هو الذي يسحب يده أولاً في إنهاء هذه القضية فلا حرج في ذلك. فأما بالنسبة للتقبيل، فهناك كتاب بعنوان: الرخصة في تقبيل اليد ، من تصنيف الحافظ أبي بكر محمد بن إبراهيم المقرئ ، ذكر فيه أحاديث ونصوصاً في مسألة التقبيل، بالإضافة لما سبق ذكره سابقاً، وقد أورد حديث أسامة بن شريك ، قال: (قمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقبلنا يده). قال ابن حجر رحمه الله: سنده قوي. وكذلك أورد فيه من الأحاديث -أيضاً- حديث أم ولد أنس بن مالك قالت: كان ثابت إذا أتى أنساً قال: [يا جارية! هاتِ طيباً أمسه بيدي، فإن ثابتاً إذا جاء لم يرض حتى يقبل يدي] وهو حديث صحيح، فإن ثابتاً كان يقبل يد أنس بن مالك ؛ لأن يد أنس بن مالك مست يد النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك من الأحاديث التي ذكرها، حديث سلمة بن الأكوع ، قال: [ بايعت بيدي هذه رسول الله صلى الله عليه وسلم]. وقال الراوي عبد الرحمن بن رزين: قبلناها ولم ينكر ذلك. وقال ابن حجر رحمه الله: إسناده جيد، وقال الهيثمي : رجاله ثقات. وكذلك أورد حديثاً قد رواه البخاري في الأدب المفرد ، وهو عن ذكوان أن رجلاً قال له صهيب : [ رأيت علياً رضي الله عنه يقبل يدي العباس أو رجله، ويقول: أي عم! ارض عني ]. وكذلك أورد أثر موسى بن داود قال: [ كنت عند سفيان بن عيينة ، فجاء الحسن الجعفي ، فقام ابن عيينة فقبل يده ] وهذا صحيح إليه. وكذلك أثر ثابت قال: قلت لـأنس بن مالك : [أحب أن أقبل ما رأيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمكنه من عينيه]. وقال ثابت : [كنت إذا أتيت أنساً أخبر بمكانه، فأدخل عليه فآخذ بيديه فأقبلهما، فأقول: بأبي هاتين اليدين اللتين مستا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل عينيه، وأقول: بأبي هاتين العينين اللتين رأتا رسول الله صلى الله عليه وسلم]. قال الهيثمي : رجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن أبي بكر المقدمي وهو ثقة. وكذلك أتى من حديث ابن جدعان قال: سمعت ثابتاً يقول لـأنس : [مسست رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديك؟ قال: نعم، قال: فأعطني يدك، فأعطاه فقبلها]، والأثر فيه علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، لكن يشهد له آثار وطرق أخرى في هذا، فيكون حسناً. وكذلك جاء من حديث أم أبان بنت الوازع بن الزارع ( أن جدها الزارع انطلق في وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فما ملكنا أنفسنا أن وثبنا عن رواحلنا، وجعلنا نقبل يديه ورجليه ) والحديث حسنه ابن عبد البر رحمه الله تعالى.

أحوال التقبيل:
تقبيل اليد والتفصيل فيه:
سبق الكلام على أنواع التقبيل: تقبيل اليد، وتقبيل القدم، وتقبيل العينين، وتقدم حديث أنس قال: (قال رجل: يا رسول الله! الرجل منا يلقى أخاه أينحني له؟ قال: لا. قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: لا. قال: فيأخذ بيده ويصافحه؟ قال: نعم). إذاً: في الأحوال العادية لا يستحب التقبيل إذا لقي الأخ أخاه، أما تقبيل اليد لسبب عارض، فإن كان للدنيا فإنه مكروه. وقال سفيان الثوري : أكرهها -تقبيل اليد- على دنيا. وقال وكيع شيخ أحمد بن حنبل رحمهما الله: إنها -أي: قبلة اليد- صلحت حين قبلت للآخرة، وأنها فسدت حين قبلت للدنيا. وقال أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- فيما نقله عنه المروذي، لما سأله عن قبلة اليد، فلم يرَ به بأساً عن طريق التدين، وكرهها على طريق الدنيا، وقال: إن كان على طريق التدين فلا بأس، فقد قبل أبو عبيدة يد عمر ، وإن كان على طريق الدنيا فلا، إلا رجلاً يخاف سيفه أو سوطه. وكذلك قال حميد زنجويه : ما كان على وجه التملق والتعظيم -أي: المكروه من المعانقة والتقبيل-. وقال النووي في كتاب الأذكار : إن كانت لغناه ودنياه وثروته وشوكته ووجاهته عند أهل الدنيا ونحو ذلك، فهو مكروه شديد الكراهة، وقال المتولي من أصحابنا: لا يجوز، فأشار إلى أنه حرام، وإذا كان الرجل ظالماً أو مبتدعاً أو كافراً تتأكد هذه الحرمة؛ لأن الواجب هجره أصلاً والإنكار عليه، وليس تقبيل يديه. وقال سفيان الثوري رحمه الله: تقبيل يد الإمام العادل سنة. وقال حميد زنجويه : تقبيل اليد لا يستوجبه كل أحد. وقال بعض أهل العلم: تقبيل يد الظالم معصية، إلا أن يكون عن خوف. وقال ابن الوردي الشاعر:
أنا لا أختار تقبيل يد قطعها أجمل من تلك القبل
أي: هذه حقها أن تقطع، ربما يكون يد سارق وناهب، فكيف تقبل يده؟! والواجب أن تقطع في الشريعة. وبعض الناس وخصوصاً الصوفية ورؤساؤهم، عندهم عادة تقبيل اليد، ويتخذونها كبراً وطلباً من الناس، وهذا يدل عليه تصرفاتهم، كما إذا مد يده ليقبلها الناس، تجد بعض شيوخ الصوفية الطرقيين إذا جلسوا في مجلس أو كانوا يمشون، وجاءهم الناس مدوا أيديهم، كأنه يقول: خذ قبل وتبرك وامسح! ويتبين كذلك فعل هؤلاء السفهاء بما إذا استحسنوا من تقبيل يده، تجد أنه إذا قبل شخص أيديهم ابتسموا وأكرموه وأثنوا على فعله، وقال: الله يرضى عليك، المقصود هؤلاء الصوفية ولا أقصد الوالد الذي إذا قبل الولد يده فدعا له فهذا شيء آخر، وكذلك يظهر هذا من تشنيعهم على من لم يقبل أيديهم أيضاً. وكان السلف رحمهم الله بخلاف ذلك، إذا جاء شخص يقبل يده ربما سحب يده، وعندما استأذن رجل الإمام أحمد رحمه الله في تقبيل رأسه، قال: لم أبلغ أنا ذاك، لم أصل إلى درجة أن تقبل رأسي أنا دون ذلك، هذا من تواضعه رحمه الله تعالى، وفي رواية عبد الله قال: لم أره يشتهي أن يفعل به ذلك، فكان من ورعهم وتواضعهم رحمهم الله أنهم لا يسمحون للناس بتقبيل أيديهم ورءوسهم، ويقولون: نحن أدنى من هذا، وكره أحمد رحمه الله المسح على اليد للتبرك ونحوها، فقال لمن مسح يده عليه عمن أخذتم هذا؟ وغضب ونفض يده. وقال ابن تيمية رحمه الله: ابتداء الإنسان بمد يده للناس ليقبلوها، وقصده لذلك، فهذا ينهى عنه بلا نزاع كائناً من كان، بخلاف ما إذا كان المقبل هو المبتدئ لذلك، فلا حرج، أما أن يمد يده للناس فهذا مما ينهى عنه. وأيضاً اعتياد التقبيل حتى لو كان للمشايخ أو أهل العلم، فهذا فيه نظر؛ لأن الصحابة لقوا النبي صلى الله عليه وسلم مراراً وتكراراً، وما نقل عنهم أنهم كلما رأوه قبلوا رأسه ويده. نعم! قد تأتي العالم في المرة الأولى فتقبل رأسه أو يده، لكنك تأتيه في الدرس الذي يليه ثم الذي يليه ودائماً تواظب على هذه العادة فربما أدى هذا إلى شيء من الغلو. وكذلك قال ابن مفلح رحمه الله: تقبيل اليد لم يكونوا يعتادونه إلا قليلاً، ومن شعار بعض المبتدعة قرن تقبيل اليد بالمصافحة، فما صافح أحدهم صاحبه إلا قبل كل منهم يد صاحبه. وهذه أيضاً مسألة لا أصل لها، تجد بعض الناس في بعض الأماكن كلما صافح الأول الثاني هذا يقبل اليد وهذا يقبل اليد الأخرى، وأحياناً يقبل يد نفسه، كأنه يقبل اليد التي لامست يد الآخر، وهذا أيضاً مما لا دليل عليه.

التقبيل لأجل التبرك أو الشهوة:
وأما إذا كان التقبيل لأجل التبرك، فهذا يكون أشد وأشد، ولاشك أن تقبيل القبور والأعتاب والأحجار والأشجار من شعار المشركين في كل زمان ومكان، ولذلك أكد عمر رضي الله عنه ورحمه على هذه المسألة، فقال عندما قبل الحجر الأسود: [والله إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك] رواه البخاري. فكيف بمن يتبرك بحمار الشيخ، يقول: هذا الحمار الذي ركبه الشيخ، فيمسحون حمار الشيخ، وربما قبلوه، وتكلمنا عن مسألة التقبيل لشهوة، وأن ذلك لا يجوز إلا إذا كان لزوجته أو سريته. وبالنسبة للتقبيل للشهوة فإنه لا يجوز للإنسان أن يقبل أحداً إلا زوجته أو أمته، أما المرأة الأجنبية فلا شك أنه حرام، وكذلك الصبية الصغيرة والأمرد، كله حرام ولا يجوز، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لأن يطعن أحدكم في رأسه بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له) رواه الطبراني، وهو حديث صحيح. وكلما خشي أن يثير شهوته، مثل: تقبيل يد الأمرد الحسن، أو الصبية الصغيرة الحسنة التي قاربت البلوغ، فحرام لاشك في ذلك، والفتنة بالمردان أمر معروف، وهو عند الصوفية دين يتخذونه ويتقربون إلى الله بذلك، ولو قال: لا تثور شهوتي، فإنه لا يأمن عليه، والله قال: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى [الإسراء:32] ولم يقل: لا تفعلوا الزنا، فحتى اقتراب الشيء الذي يكون سبباً للوقوع في المعصية لا يفعله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (العين تزني وزناها البصر، واليد تزني وزناها اللمس، والفم يزني وزناه التقبيل) إذاً: زنا الفم أن يقبل بالحرام. وبالنسبة لتقبيل الإنسان يده بعد تقبيل الحجر الأسود، فذلك ثابت في السنة، وتقبيل المحجن أو العصا إذا استلم بها الحجر الأسود إذا لم يستطع أن يقبله بنفسه.

تقبيل الخد وما بين العينين والفم:
أما بالنسبة لتقبيل الخد، فقد ذكرنا أن أبا بكر الصديق قبل عائشة رضي الله عنها عندما أصابتها الحمى حين هاجروا إلى المدينة ، وكانت دون البلوغ، وهذه قبلة شفقة من الوالد لابنته. وأما بالنسبة لتقبيل ما بين العينين، فإنه قد ورد فيه تقبيل النبي صلى الله عليه وسلم بين عيني العباس ، ورواه الطبراني وقواه الهيثمي ، وقبَّل مسلم بن الحجاج النيسابوري عيني البخاري رحمه الله، وقال: يا أستاذ الأستاذين، أو يا طبيب الحديث في علله. وبالنسبة لتقبيل العين جاء تقبيل التابعي لعين أنس كما تقدم، وبالنسبة لتقبيل الفم فهذا خاص بين الزوجين، وبالنسبة لتقبيل الكشح أو البطن، الكشح هو: ما بين الخاصره إلى الضلع، وقد قبل الصحابي النبي صلى الله عليه وسلم في كشحه لما كشفه له ليقتص منه، وقلنا في تقبيل الرأس: إنه يكون للكبير في السن أو العالم والوالد. كذلك لو كان له أخت كبيرة أو عمة أو جدة، فلا بأس أن يقبل رأسها، ولا حرج في ذلك.

تقبيل المرأة للرجل الأجنبي وتقبيل الشعر:
أما تقبيل المرأة للرجل الأجنبي، فهذا حرام ولو كان كبيراً، وتقبيل الرجل للمرأة الأجنبية حرام ولو كانت كبيرة في السن، وتقبيل الشعر كتقبيل الرأس في الحكم، وبعضهم قد يحتج بتقبيل الإمام أحمد رحمه الله لشعرة من شعرات النبي صلى الله عليه وسلم، لكن هذا كان ثابتاً عنده أنها شعرته، أما اليوم فمن أين نثبت أنه قد بقي شيء من آثار النبي صلى الله عليه وسلم حتى نقبله؟ وذكرنا في مسألة تقبيل المصحف أنه لم يرد بذلك حديث صحيح من النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن تيمية رحمه الله: لا نعلم في تقبيل المصحف شيئاً مأثوراً. وقد سئل أحمد عن تقبيله، فقال: ما سمعت فيه شيئاً، ولكن روي عن عكرمة بن أبي جهل ، واتباع السلف أولى، ولا يعلم له موافق رحمه الله على ذلك، ولم وافقه الصحابة على ذلك، ولم يكن شيئاً مشروعاً منتشراً عندهم.

تقبيل آثار الصالحين وأرض الوطن:
وأما بالنسبة لآثار الصالحين التي يفعلها بعض الناس وتقبيلها فهذا أيضاً من البدع، وكذلك تقبيل الشجر والحجر، أما بالنسبة لتقبيل الأرض بين يدي العظماء، فسبق الكلام أنه من المنكرات العظيمة، وقال ابن تيمية رحمه الله: وأما تقبيل الأرض ووضع الرأس أمام الشيخ والملك فلا يجوز، بل الانحناء كالركوع لا يجوز، ومن فعله قربة وتديناً بين له -نبين له أن تقبيل الأرض والانحناء كالركوع بين يدي الشيخ أو الصوفي هذا أو الملك لا يجوز- ومن فعله قربة وتديناً بين له أن هذا حرام ولا يجوز، فإن تاب وإلا قتل، وأما إذا أكره الرجل بأن يخشى أخذ ماله أو ضربه أو قطع رزقه في بيت المال، فإنه يجوز عند أكثر العلماء. وكذلك إذا ظن أن بركة الشخص تعود على من أشرك به وخرج عن طاعة الله ورسوله، مثل أن يظن أن ببركة السجود لغيره وتقبيل الأرض عنده.. ونحو ذلك يحصل له السعادة، فهو من أحوال المشركين وأهل البدع وهو باطل لا يجوز اعتقاده ولا اعتماده. وقال أيضاً رحمه الله: وأما وضع الرأس عند الكبراء والشيوخ أو غيرهم أو تقبيل الأرض أو نحو ذلك، فهو مما لا نزاع فيه بين الأئمة في النهي عنه، بل مجرد الانحناء بالظهر لغير الله منهي عنه. هناك نوع من تقبيل الأرض يحدث في هذا الزمان، وهو تقبيل أرض الوطن بزعمهم أن ذلك وطنية، فلاشك أن هذا حرام، وفيه نوع من الشرك، وهذا دين المنتسبين، إذا وطأت قدماه بلده مثلاً قبل أرض بلده أو وطنه، ولاشك أن هذا حرام لا يجوز. ومن الأشياء التي تفعل في هذا الزمان مثلاً: التشبه بالكفار وتقليدهم في تقبيل الكلاب وبعض الحيوانات، ولاشك أن الكلب مما ينبغي التخلص منه، والاحتفاظ به ينقص الأجر. فهذه تكملة لآداب المصافحة والمعانقة والتقبيل، وبذلك نكون قد أنهينا الكلام عليها والحمد لله رب العالمين.

الأسئلة :
حكم قيام الليل مع الزوجة:
السؤال: هل الأفضل في قيام الليل أن أصلي بعض الوقت وزوجتي تصلي البعض الآخر أو نصلي جماعة؟ الجواب: يصلي كل واحدٍ منهما بمفرده، ولا يتفقان على الجماعة في القيام، لكن إن انضمت إليه -وهو لا يريد أن ينضم إليها- فصلت وراءه فلا بأس.

حكم تقبيل الكتف للعظماء:
السؤال: ما حكم تقبيل كتف العظماء؟ الجواب: إذا كان ظالماً فلا يجوز تقبيله؛ لأن التقبيل نوع من التوقير، فإذا كان ظالماً أو كافراً لم يجز تقبيله، وإذا كان صالحاً راشداً قبل رأسه، كما إذا قبل رأس الخليفة الصالح الإمام العادل لأن هذا قد نص عليه أهل العلم.

حكم تقبيل البنت الصغيرة ومصافحتها:
السؤال: ما حكم مصافحة وتقبيل البنت الصغيرة؟ الجواب: البنت الصغيرة إذا كانت أجنبية لابد من الحذر الشديد، حيث أن هذا من الأبواب العظيمة التي ينفذ بها الشيطان، خصوصاً في هذا الزمان الذي عمَّت به الفتن.

معانقة المسافر لمحارمه:
السؤال: ما حكم معانقة المسافر العائد لأمه وعماته وخالاته؟ الجواب: لا بأس بذلك.

حكم المعانقة في العيد:
السؤال: ما حكم المعانقة في العيد؟ الجواب: المعانقة في العيد لا أعلم لها أصلاً، وكذلك المعانقة في العزاء.

حكم تقبيل الرجل زوجته أمام أهله:
السؤال: هل يقبل الرجل زوجته أمام أهله؟ الجواب: ينبغي أن يكون هذا مما يصان ولا يظهره، من أجل أن الرجل يستمتع بأهله على انفراد، ولا يكون أمام الآخرين. نكتفي بهذا القدر، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

حال حديث: ( من خلط سمكاً ولبناً فأصابه فالج فلا يلومن إلا نفسه ):
السؤال: ما صحة حديث (من خلط سمكاً ولبناً فأصابه فالج فلا يلومن إلا نفس)؟ الجواب: هذا حديث غير صحيح، وقد جرب بعض الناس أكل السمك باللبن فلم يضرهم، وبعض الناس ضرهم، فالمسألة ترجع إلى طبيعة الأجساد.

عدد وجبات السلف:
السؤال: هل تناول ثلاث وجبات في اليوم والليلة مما أثر عن السلف ؟ الجواب: أثر عنهم الغداء والعشاء، وكان غداءهم في الصباح، والعشاء قبل المغرب كان عندهم وجبتان.

حكم إجابة دعوة من عنده تلفاز:
السؤال: إذا كان عند الداعي تلفاز هل يسقط وجوب إجابة الدعوة؟ الجواب: إذا كان التلفاز مفتوحاً على شيء محرم فيسقط إجابة الدعوة.

حكم وضع اليد على الصدر بعد المصافحة:
السؤال: كثير من الناس يضع يده على صدره بعد أن ينتهي من المصافحة؟ الجواب: لا أعلم في هذا دليل.

كيفية الترتيب في إجابة أكثر من دعوة:
السؤال: إذا دُعيت إلى وليمة، ودعيت بعد يومين إلى وليمة وقد نسيت الأولى وأني قد وافقت على الوليمتين، هل أذهب إلى ما أريد أم لابد من إجابة الأولى؟ الجواب: إذا كان فات وقت الأولى فتجيب الثانية، وإذا لم يفت فتجيب الأولى.

حكم وضع الستائر على الجدران:
السؤال: هل تُعتبر الستائر من ستر الجدران؟ الجواب: نعم. ولذلك توضع الستائر على الشبابيك لأجل الغبار أو الشمس، أما على الجدران كلها بما لا داعي له، فلاشك أن هذا نوع من الإسراف.

حكم تقبيل البنت الصغيرة الأجنبية:
السؤال: ما حكم تقبيل البنات الصغيرات الأجنبيات؟ الجواب: إذا كان بشهوة فهو حرام.
الاستدلال بحديث الغلام على عدم السكوت حال الطعام
السؤال: بعض الناس يستشهد بحديث: (يا غلام! سم الله) على دلالة الكلام عند الأكل؟ الجواب: هذا رأى منكراً فأنكره لا يستلزم أن يكون هذا دليل على هذه المسألة.

عدم وجوب إجابة الدعوة العامة:
السؤال: هذه الأيام تكثر الدعوة لوليمة العرس، وتكون عامة، فهل يكفي معرفة اسم الشخص دون معرفته شخصياً إذا كانت عامة؟ الجواب: إذا كانت الدعوة عامة فلا مانع أن تذهب، لكن لا يجب عليك إلا إذا خصصت بالدعوة.

حكم إجابة المبتدع والكافر لتأليفه ودعوته إلى الله:
السؤال: ما حكم إجابة المبتدع والكافر لتأليفه ودعوته إلى الله؟ الجواب: لا بأس أن يذهب لتأليفه ودعوته إلى الله.

متى يأثم المدعو؟:
السؤال: هل يأثم المدعو إذا اعتذر عن الإجابة؟ الجواب: إذا قبل العذر الحمد لله لا يأثم.

مشروعية عدم إجابة دعوة العاصي:
السؤال: ما حكم عدم الإجابة للدعوة تأديباً للداعي على معصيته؟ الجواب: مشروع.

تحريم اللعب بالورق:
السؤال: ما حكم لعب الورق؟ الجواب: جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء أنه حرام، وأن فيه شبه من الميسر، وأنه يلهي عن ذكر الله، أزيد على ذلك أن فيه صوراً لذوات الأرواح.

عدم وجوب إجابة الدعوة إذا وجدت مشقة:
السؤال: ما حكم إجابة الدعوة إذا كنت في بلد بعيد وفي السفر مشقة؟ الجواب: إذا كان فيه مشقة لا يتحملها الشخص لا يجب عليه الإجابة.

وجوب الكفارة للحانث في يمينه:
السؤال: حلف رجل على ألا يدخل منزل أبيه وأخيه حتى يغيروا المنكرات فيها، علماً أنه لا يجلس في مكان في البيت فيه منكر، وبعد ذلك دخل البيت، فهل عليه كفارة؟ الجواب: نعم. عليه كفارة إذا كان يمينه يمنياً واحداً.

حكم الاقتراض من البنك:
السؤال: هل يجوز اقتراض مبلغ من البنك ثم رده إلى البنك بأكثر؟ الجواب: هذا هو الربا بعينه.

حالات وجوب إجابة الدعوة:
السؤال: إذا كنا في عرس، ودعانا أحد الأشخاص في الليلة الثانية في عرس لولده، وكانت الدعوة لجميع الموجودين فما هو الحكم؟ الجواب: إذا كانت الدعوة عامة لا تجب، ويستحب أن تأتي، لكن إذا خصك أنت وأرسل إليك رسولاً، أو بطاقة باسمك، وجبت الإجابة ما لم يكن هناك عذرٌ.

حكم ارتداء الملابس الداخلية أمام الناس:
السؤال: هل الذهاب إلى دورة المياه في السكن الجامعي بالملابس الداخلية سراويل قصيرة وعليه سراويل طويلة وفنيلية يعتبر من خوارم المروءة؟ الجواب: هذا قد يعتمد على الشخص، وعلى شفافية هذا القماش، فقد يكون شفافاً، وقد يمشي مسافة بعيدة ويمر على أشخاص كثيرين، فبعض الأشخاص قد يكون إمام مسجد، لا يجوز في حقه أن يمشي بهذا الشكل بين الناس الذين هم من المأمومين، فعند ذلك يحتاط ويتحفظ ويكون محتشماً في ملابسه.

حكم الأكل في المطعم المزجج:
السؤال: كثير من المطاعم يكون تصميمه بالزجاج، مما يجعل المار ينظر إلى الزبائن وهم يأكلون؟ الجواب: هذا ليس هو الأفضل، الأفضل ألا يجعل من زجاج حتى لا ينظرون إلى الزبائن، لأن هذا كأنهم يأكلون في السوق، وهناك المار والغادي والرائح، ويدخل فيه كلام أهل العلم في قضية أنه من خوارم المروءة، ولا يشترط في خوارم المروءة أن تكون محرمة، لكن المقصود أنها مما يعاب.

وصايا تساعد على هضم الطعام:
السؤال: عدم شرب الماء الكثير مع الطعام يقلل الهضم؟ الجواب: هذه أشياء مذكورة، لكن يبدو أن هذا الكاتب له معرفة بالطب، يقول: أكل الفاكهة قبل الأكل مفيد لسببين: أولاً فرصة امتصاص المواد المفيدة في الفاكهة تكون أكبر. ثانيا: السكريات تقلل من الشهية للأكل بكثير. فائدة: شرب الشاي مع الطعام يمنع امتصاص فيتامين الحديد. فائدة: يمنع النوم مباشرة بعد الأكل لدرجة الشبع، فالنوم يشغل الجسم عن الهضم. هذه وصايا، وقضية الشره في الطعام والإكثار منه، وانتفاخ البطن، وعدم شرب الماء الكثير مع الطعام يقلل الهضم، فهذا آخر ما جاء من الأسئلة. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

اقرأ القرآن وأذكر ربك
14-11-2011, 02:19 AM
محاضرة ( آداب الهديـة )للشيخ محمد المنجد




عناصر الموضوع :

1. تعريف الهدية

2. ذكر الهدية في القرآن

3. ذكر الهدية في السنة

4. الأمر بقبول الهدية

5. المكافأة على الهدية

6. الناس في الهدايا على ثلاث طبقات

7. من أحكام الهدايا

8. الأحوال التي ترد فيها الهدية

9. تحري أحسن الأوقات والأماكن عند إهداء الهدية

10. استحباب تبيين سبب رد الهدية

11. أنواع الهدايا

12. حكم الهدية على قضاء الحاجات

13. مسألة الشفاعة والواسطة

14. الغرض من الهدايا

15. حكم إهداء القضاة

16. حكم قبول الحاكم للهدايا

17. حكم قبول العمال للهدايا

18. حكم قبول الهدايا من الكفار

19. حكم إهداء المشرك

20. بعض الأبيات التي جاء فيها ذكر الهدايا

21. بعض الهدايا التي يمكن إهداؤها

22. آداب الهديـة



الهدية كما عرفها أهل العلم هي عطية بلا اشتراط مقابل، وقد ورد ذكرها والحث عليها في القرآن والسنة، وهي من أعظم الأسباب التي تعين على إزالة ما في النفوس وتحبب المؤمنين بعضهم إلى بعض، وقد ذكر الشيخ مسائل كثيرة تتعلق بآداب الهدية وغيرها من القضايا التي تتعلق بالهدية.



تعريف الهدية:

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فحديثنا في هذه الليلة -أيها الإخوة- عن آداب الهدية، وهي شعيرةٌ إسلامية جميلة جداً، فبها يتم سببٌ عظيمٌ للتآلف بين القلوب والاجتماع، وشيوع المودة بين المسلمين، وهذا من أعظم ما جاء في شريعة الإسلام. أما الهدية: فإنها ما أتحفت به، والتهادي: أن يهدي بعضهم إلى بعض، يقال: أهديت له وإليه، والجمع هدايا، وهداوى، وهداوي، وهداوٍ كما هي في بعض روايات أهل اللغة، والهدية: مفرد هدايا، يقال: أهدى له وأهدى إليه، كلاهما صحيح، فيتعدى الفعل باللام وإلى، ويقال: أهدى الهدية إلى فلان، وأهدى له هدية، أي: بعث بها إكراماً له. ويقال أيضاً: أهديت العروس إلى بعلها، أي: زفت إليه، وهادى فلانٌ فلاناً أي: أرسل كلٌ منهما هدية إلى صاحبه. وبالنسبة للتعريف الشرعي للهدية، فإن العلماء قد ذكروا عدة تعريفات، ويمكن أن نقول عموماً: إن الهدية هي دفع عينٍ -سواءً كانت مالاً أو سلعة- إلى شخصٍ معين -الذي يراد بالهدية هذا الشخص المعين- لأجل الألفة والثواب، من غير طلبٍ ولا شرط. لأجل الألفة والثواب: وهو الأجر من الله سبحانه وتعالى. من غير طلبٍ؛ لأنه لو قال: أهدني أو أعطني ربما صارت رشوة. ولا شرط كما يشترط بعضهم في الإعانة، بشرط الإعانة. فإذاً الهدية: هي عطية بلا اشتراط مقابل، وهناك كلمات مرادفة لكلمة الهدية مثل: الهبة والعطية والصدقة، وقد جاء عن أهل العلم رواياتٌ في التفريق بينها، ولكن يمكن أن نقول: إن الهدية والهبة والصدقة والعطية بمعنىً واحد من جهة أنها تمليكٌ في الحياة بلا عوض، فالهدية والهبة والعطية والصدقة تشترك كلها في أنها تمليك في الحياة بلا عوض؛ لأنك تملكه هذا الشيء بلا مقابل، والعطية: اسمٌ شاملٌ للجميع. والهدية يُتقرب بها محبة لك، والهبة والعطية معناهما متقارب حتى لا يكاد يوجد فرقٌ بينهما، والصدقة: التي تُدفع إلى الشخص لقصد ثواب الآخرة فقط. فإذاً هناك فرقٌ بين الهدية والصدقة، من جهة أن الهدية يقصد بها التحبب وثواب الآخرة، والصدقة يقصد بها ثواب الآخرة فقط. وتُمتلك الهدية بالقبض، فإذا قبلها وقبضها صارت في ملكه، ولا تنتقل إلى ملكه إلا بقبضها سواء قبضها هو أو وكيله، واحتج جمهور العلماء بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (ولو أهدي إلي كراعٌ لقبلت). فالهدية بناءً على ذلك لا تُملك بمجرد الإهداء، حتى تصل إلى الشخص المهدى إليه أو وكيله، فإذا استلمها صارت ملكاً له، وهذا ينبني عليه أحكام، مثلاً: هل يجوز للإنسان أن يرجع فيها؟ متى يجوز له أن يرجع فيها؟ أو متى تنتقل إلى ملكية الشخص الآخر بحيث لا تكون في ملك الأول؟ إذا قبضها المهدى إليه -استلمها- دخلت في ملكه، فمن مجرد استلامه دخلت في ملكه، أما لو قال: سأهديك، أو أهديتك، ولم يسلمه شيئاً، فإنها لا زالت باقية في ملك المهدي ولم تخرج من ملكه.



ذكر الهدية في القرآن:

وقد جاء في القرآن الكريم ذكر الهدية، فقالت ملكة سبأ- بلقيس - لما خافت من سليمان عليه السلام، قالت للملأ من حولها: وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ * فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ [النمل:35-36]. فأرادت استمالة قلب سليمان لدفع الضرر عنها، وأرادت مصانعته، وأن تثنيه عن دعوته لها ولقومها وتهديدهم لهم، وسليمان لم يقبل الهدية؛ لأنها لم تكن لوجه الله، ولا كان فيها معروف، وإنما أرادت إيقافه عن جهادها، عن الجهاد وقتال هذه البلدة وهي اليمن ، فلما رأى سليمان عليه السلام أن هذه الهدية ليس فيها خير ولم يرد بها وجه الله ردها، وقال: بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ * ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا ))[النمل:36-37] ليعلموا أننا نريد الجهاد وإقامة الدين، وليست القضية مجاملات وهدايا، كما هي العادة بين الملوك: ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ [النمل:37] حتى لا ينخدعوا بحطام هذه الدنيا أو يظنوا أننا نغتر بالهدايا أو أننا سنترك الجهاد لأجل هديتهم: ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا [النمل:37]. ومما يدخل -أيضاً- في الهدية مثل العطية والهبة، أو مما يقرب من معناها ما جاء في قوله تعالى: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً [النساء:4] فالله عز وجل أمر بإيتاء النساء المهور. وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً [النساء:4] ومعنى نحلة: عطية عن طيب نفس. وقال: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ [النساء:4] وهبنه لكم، وتنازلن عنه لكم: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً [النساء:4] فإذا تنازلت عن جزء من الصداق لزوجها أو أعطته إياه بعدما استلمته منه دون ضغط منه ولا إكراه، وإنما عن طيب نفسٍ منها ورضا: فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً [النساء:4]. فإذاً: من أعظم الحلال الذي يؤكل، المغانم: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً [الأنفال:69] وهو أعظم أنواع المال الحلال، بل هو أشد الأموال حلة، وقد فاتنا هذا النوع من المال بسبب ترك الجهاد. وكذلك من الأموال الحلال الطيبة، ما تتنازل به المرأة من مهرها لزوجها، قال الله عز وجل: فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً [النساء:4] ولذلك جاء عن بعضهم أنه قال: إذا أردت أن تستشفي فاستوهب درهماً من زوجتك عن طيب نفسٍ منها، ثم اشتر به عسلاً، وهاتِ إناءً واجمع فيه من ماء المطر، ثم اقرأ القرآن وأذب العسل فيه واشربه، قال: أما ماء المطر فإنه ماءٌ مبارك، والعسل فيه شفاءٌ للناس، والقرآن -أيضاً- فيه شفاء، ودرهم الزوجة هنيئاً مريئاً، فإنك تبرأ بإذن الله.



ذكر الهدية في السنة :

والهدية قد وردت في السنة النبوية، وجاء النص عليها لما لها من الأثر العظيم في النفوس، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تهادوا تحابوا) وقد رواه البخاري في الأدب المفرد وقال ابن حجر : إسناده حسن. ولا شك أن الهدية سببٌ للمحبة وتآلف القلوب، وكان التابعون يرسلون بهداياهم، ويقول الواحد لأخيه الذي يهديه: نحن نعلم غناك عن مثل ذلك، وإنما لتعلم أنك منا على بال، يعني: نحن نعلم أنك مستغن عن هديتنا، ولكن لتعلم أننا نقدرك وأن لك في أنفسنا مكانة، وقال الشاعر:

هدايا الناس بعضهمُ لبعضٍ تولـد في قـلوبهـم الوصـالا

وتزرع في الضمير هـواً ووداً وتكسوهُ إذا حضروا جمالا

وقال آخر:

إن الهدايا لها حـظٌ إذا وردت أحظى من الابن عند الوالد الحدبِ

يكون لها مكانة في النفس إذا جاءت. وقال آخر:

إن الـهـديـة حـلـوةٌ كالسحر تجتذب القلوبا

تدني البغيض من الهوى حتى تصـيره قريبـا

وتعيد مضتغن العـداوة بعـد نفرتـه حـبيبا

وقد جاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم (كان يقبل الهدية ويثيب عليها) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو دعيت إلى كراعٍ لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع لقبلت) وهو في صحيح البخاري.



الأمر بقبول الهدية:

وجاء الأمر بقبول الهدية وعدم ردها إذا كانت لا شبهة فيها ولا حرام، فأخرج الإمام أحمد و البخاري في الأدب المفرد وغيرهما عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أجيبوا الداعي، ولا تردوا الهدية، ولا تضربوا المسلمين) فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن رد الهدية، وهذا الحديث صححه الألباني. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي عمر شيئاً من العطاء فكان يقول عمر : (أعطه من هو أفقر مني يا رسول الله! فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إذا جاءك من هذا المال شيءٌ وأنت غير مستشرف) أي: غير متطلع (ولا سائلٍ) ما طلبته (فخذه فتموله) أي: تملكه (فإن شئت كله وإن شئت تصدقت به، ومالا -إذا كان خالياً من هذه الشروط- فلا تتبعه نفسك) فإذاً: قوله: (إذا جاءك من هذا المال شيء فخذه) يدخل فيه الهدايا. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من آتاه الله شيئاً من هذا المال من غير مسألة فليقبل، فإنما هو رزقٌ ساقه الله إليه) مادام أن المال أتى من غير مسألة، وأنت لست مستشرفاً له، ولا متطلعاً له، ولا متعلقة نفسك به تهفو إليه وترجوه، فخذه ولا ترده، فهذا مال مبارك. ومن الأدلة أيضاً -أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية- قصة بريرة رضي الله عنها، وجاء في صحيح البخاري عديدٌ من الروايات في هذه القصة، فمنها ما رواه في كتاب الأطعمة، وربما تكون هذه الرواية هي أوضحها وأتمها، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل يوماً بيت عائشة وعلى النار برمةٌ تفور فدعا بالغداء، فأتي بخبزٍ وأدمٍ من أدم البيت فقال: (ألم أر لحماً؟ قالوا: بلى يا رسول الله! ولكنه لحمٌ تُصدق به على بريرة، فأهدته، لنا وأنت لا تأكل الصدق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هو صدقة عليها وهديةٌ لنا). إذاً: المال لما انتقل من شخص اختلف حكمه. من المتصدق إلى بريرة صدقة، ومن بريرة إلى بيت النبي عليه الصلاة والسلام هدية، إذاً: يجوز للنبي عليه الصلاة والسلام أن يأكل منه، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أتي بطعامٍ سأل عنه: أهديته أم صدقة؟ فإن قيل صدقة قال لأصحابه: كلوا، ولم يأكل؛ -لأنه لا يليق بمقام النبوة أن يأخذ من صدقات الناس وأوساخهم- وإن قيل: هدية، ضرب بيده صلى الله عليه وسلم فأكل معهم) رواه البخاري في كتاب الهبة. إذاً: النبي عليه الصلاة والسلام كان يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة، والسبب في ذلك كما تقدم، وهذه آيته عليه الصلاة والسلام في الكتب المتقدمة، أنه كان يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، والكتب المتقدمة كانت فيها صفة النبي صلى الله عليه وسلم. ولا شك أن هناك فرقاً بين الهدية والصدقة، فالهدية نوع من الكرامة، ومن باب حسن الخلق، وتتألف بها القلوب، وكان عليه الصلاة والسلام يأكلها؛ لأنها من باب الإكرام ولا يردها؛ لأجل ألا يغضب الذي أهدى، أو يصبح في نفسه عليه شيء، فلا شك أن في أخذ الهدية تألفاً للقلوب وإبلاغاً له بأن إكرامك مقبول. أما الصدقة من اليد العليا إلى اليد السفلى فلا تليق بمقام النبوة، وكان عليه الصلاة والسلام يقبل الهدية ولو كانت قليلة ويسيرة، ولذلك قال: (ولو أهدي إلي ذراعٌ أو كراعٌ لقبلته) والكراع: ما دون الكعب، وما عليه إلا اليسير من اللحم، لكن لو أهدي إليه لقبله عليه الصلاة والسلام ولم يحتقر شيئاً، وبذلك أوصى نساء المؤمنين فقال: (يا نساء المسلمات! لا تحقرن جارةٌ لجارتها ولو فرسن شاة) والفرسن: هو في الأصل اسمٌ لخف البعير، فاستعير للشاة فهو ظلفها، ولم تجر العادة بإهداء ظلف الشاة، لكن ذكره على سبيل المبالغة، أي: اقبل الشيء اليسير من الهدية ولا ترده، فأحياناً قد يهدي إليك أخ شيئاً يصنعه بيده من الأوراق التي لا قيمة لها في الحقيقة، فاقبله تطييباً لخاطره وقلبه.



من كريم أخلاقه صلى الله عليه وسلم في الهدايا:

وكان من كريم خلقه صلى الله عليه وسلم أنه إذا جاءته الهدية، أشرك فيها من معه، أو من حوله، كما جاء في كتاب الرقاق في صحيح البخاري ، دخل عليه الصلاة والسلام فوجد لبناً في قدح فقال: (من أين هذا اللبن؟ فقالوا: أهداه لك فلانٌ أو فلانةٌ، فقال: أبا هر ! قلت: لبيك يا رسول الله! قال: الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي، قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون إلى أهلٍ ولا مال ولا على أحدٍ. كان عليه الصلاة والسلام إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئاً، وإذا أتته هديةٌ أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها...) الحديث. إذاً: كان هذا من كريم خُلقه عليه الصلاة والسلام، من كرمه أنه كان إذا جاءته الهدية لم ينس من حوله من الفقراء والمحتاجين، وكان من حضره يعطيه، وإذا أهديت إليه باكورة الثمر -أو الثمار- كان يعطيها لأصغر القوم سناً -الطفل-. وكان صلى الله عليه وسلم يتألف بهداياه القوم، وربما كان رجلٌ حديث عهدٍ بالإسلام أو في قلبه شيء على الإسلام وأهله، أو على النبي صلى الله عليه وسلم فلا يزال يعطيه حتى يرضيه. ومن الأحاديث الجميلة التي وردت في صحيح البخاري عن ابن أبي مليكة أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أهديت له أقبية من ديباجٍ مزررةٍ بالذهب فقسمها في ناسٍ من أصحابه) ولا يلزم أن يلبسوها؛ لأن لبس الحرير للرجال حرام لكن يمكن أن يعطوها زوجاتهم أو بناتهم، أو كما فعل عمر حين أهداها لأخٍ له مشرك بـمكة . (أهديت له أقبية من ديباجٍ مزررةٍ بالذهب فقسمها في ناسٍ من أصحابه، وعزل منها واحدة لـمخرمة بن نوفل ، فجاء ومعه المسور بن مخرمة فقام على الباب فقال: ادعه لي -وكان صاحب جفاء وغلظة- فسمع النبي صلى الله عليه وسلم صوته فأخذ قباءً فتلقاه به واستقبله بأزراره فقال: يا أبا المسور! خبأت هذا لك، يا أبا المسور! خبأت هذا لك، وكان في خلقه شدة) أي: أبو المسور. وقد كان ابنه المسور بن مخرمة من كبار رواة الأحاديث. وكان صلى الله عليه وسلم يرسل الهدايا في أقربائه، وكان عنده من الوفاء لذكرى زوجته خديجة ما يستخدم الهدية فيه لإحيائه، والتدليل على أنه باقٍ في نفسه ذكرى تلك المرأة الطيبة التي ساعدته بمالها ودافعت عنه بنفسها، وكان أولاده منها، وأن ذكراها الطيبة لا زالت موجودة وحية، فكان إذا ذبح الشاة يُهدي لصديقات خديجة . ولذلك تقول عائشة رضي الله عنها: (ما غرت على امرأةٍ للنبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة) مع أنها ما رأتها، لكن غارت عليها من الذكر والسمعة، وأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يذكرها دائماً حتى قالت عائشة : (ما تريد من عجوزٍ حمراء الشدقين أبدلك الله خيراً منها؟! قال: إنها كانت وكانت... وكان لي منها ولد) . قالت عائشة : (ما غرت على امرأة للنبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة ، هلكت قبل أن يتزوجني، لكثرة ما كنت أسمعه يذكرها، وأمره الله أن يبشرها ببيتٍ من قصب، وإن كان ليذبح الشاة فيهدي في خلائلها منها ما يسعهن) أي: يُعطيهن ما يسعهن.



المكافأة على الهدية:

وكان صلى الله عليه وسلم يكافئ على الهدية، كما جاء في الحديث: (كان يقبل الهدية ويثيب عليها) ولا شك أن هذا من السنن الجميلة -المكافأة على الهدية- وذلك لعدة أسباب، منها: السبب الأول: ألا يبقى له منةٌ عليك، أو أن تبادله محبة بمحبة، أو أن تُظهر له أنك كافأته على جميله بجميل، وأنك لم تنس الجميل، وأنه صنع إليك معروفاً فصنعت إليه معروفاً مقابله، ولا شك كما قلنا أن الهدية الأصل فيها هو التبرع، وأن الذي يهدي لا يشترط المكافأة. وقد تكلم العلماء في حكم المكافأة على الهدية، وقال بعض أهل العلم: إن المكافأة على الهدية لا تجب، إذا أهداك شخص هدية لا يجب أن تكافئه عليها. وقال بعض المالكية: تجب المكافأة على الهدية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، لكن مجرد فعله عليه الصلاة والسلام لا يدل على الوجوب.



الناس في الهدايا على ثلاث طبقات:

جعل بعض العلماء الناس في الهدايا على ثلاث طبقات: هبة الرجل إلى من هو دونه، فهي إكرامٌ وإلطاف لا تقتضي الثواب والمكافأة بالمثل، فإذا استلمها هذا الأدون لا يستلزم ذلك أن يرد بهديةٍ مقابلها. وثانياً: هبة النظير إلى نظيره. وثالثاً: هبة الأدنى إلى الأعلى، إذا أهدى الأدنى للأعلى فإنه يكون من المؤكد في حق الأعلى أن يثيبه، وذلك بما جرت به العُرف والعادة. فإذاً: حكم الإثابة على الهدية مستحب؛ لأنه ورد في السنة. إذا أهداك إنسان هدية يُسن لك أن تهديه أخرى، وخصوصاً عندما يكون الذي أهداك أقل منك منزلة أو سناً -مثلاً- والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال: (من صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه). وقد أهدى أعرابي رسول الله صلى الله عليه وسلم ناقة فعوضه صلى الله عليه وسلم ستة، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (لا يشكر الله من لا يشكر الناس) فالهدية على الهدية من شكر الناس. إذاً: دخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: (من صنع إليكم معروفاً فكافئوه) الهدية على الهدية، وجاء في قوله عليه الصلاة والسلام: (من أُعطي عطاء فليجز به إن وجد، وإن لم يجد فليثن به، فإن من أثنى به فقد شكر، ومن كتمه فقد كفره، ومن تشبع بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور). وهذا الحديث حسنه الترمذي وصححه ابن حبان ، وإذا لم يجد شيئاً، فأقل شيء أن يدعو لمن أهدى له الهدية، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي وحسنه: (من صُنع إليه معروفٌ فقال لفاعله: جزاك الله خيراً فقد أبلغ في الثناء، وأجزل له في العطاء). وينبغي كذلك على المدعو له أن يبادل الدعاء بدعاء، كأن يقول له: وجزاك، أو وإياك، ونحو ذلك، وقد قالت عائشة رضي الله عنها: (أُهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة فقال: اقسميها، فكانت عائشة إذا رجع الخادم تقول: ما قالوا؟) عندما ترسل عائشة الهدية أو العطية مع الخادم إلى شخصٍ آخر أو بيت ناس، تسأل الخادم إذا رجع، تقول له: ماذا قال أهل البيت لما أعطيتهم ما أرسلنا به إليهم؟ فيقول الخادم: (قالوا: بارك الله فيكم، فتقول عائشة : وفيهم بارك الله، نرد عليهم مثلما قالوا، ويبقى أجرنا لنا).



من أحكام الهدايا:

أما بالنسبة لمن يُستحب أن يهدي إليهم الإنسان ويبدأ بهم، فقد جاء في صحيح البخاري في كتاب الهبة أن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أعتقت وليدةً لها -جارية- فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: (لو وصلت بعض أخوالك كان أعظم لأجرك) يعني لو أعطيتها بعض أخوالك، كان أعظم لأجرك من العتق؛ لأنهم قد يكون بهم حاجة، فإعطاؤها إياهم أحسن وأكثر أجراً. وكذلك من الضوابط في مسألة الإهداءات أن نبدأ بمن جاء في صحيح البخاري في كتاب الشفعة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: (قلت: يا رسول الله! إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربهما منك باباً) فالجار الأقرب يُبدأ به في الهدية؛ لأن الإنسان قد تكون مقدرته محدودة على الإهداء، ليس عنده هدايا كثيرة تسع الجميع، فيبدأ بالأقرب باباً بالنسبة لهدايا الجيران. وكذلك من الأحوال التي يتأكد فيها الإهداء: إذا احتاج الناس، إذا كانت هناك حاجة كما جاء في صحيح البخاري في كتاب المغازي: [أن رجلاً من الصحابة رضي الله عنه صنع طعاماً فلما أوشك على النضج جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله! طعيمٌ لي -طعيم: تصغير طعام، أي: هو قليل- فقم أنت يا رسول الله! ورجلٌ أو رجلان] عندي طعيم لو تأتي أنت ورجل أو رجلان قال: (كم هو؟ فذكرت له كم هو مقدار الطعام، فقال: كثيرٌ طيب). ثم قال: (قل لها -يعني لزوجتك التي تطبخ الطعام- لا تنزعي البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتي، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: قوموا) ومن حوله كان المهاجرون والأنصار، فقام المهاجرون والأنصار، والرجل يريد واحداً أو اثنين أو ثلاثة بالكثير، فالنبي عليه الصلاة والسلام نادى المهاجرين والأنصار فلما دخل على امرأته قال: (ويحك -مصيبة- جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والأنصار، فقالت المرأة -وكانت فقيهة-: هل سألك عن مقدار الطعام؟! قلت: نعم. فاطمأنت) لأنه ما دام يعلم أن الطعام قليل ومع ذلك دعاهم، فلا بد أن يكون هناك سبب، فلما دخلوا قال: (ادخلوا ولا تباغطوا -النبي صلى الله عليه وسلم- فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ويخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه، ويقرب إلى أصحابه، ثم ينزع فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا وبقيت بقية، فقال عليه الصلاة والسلام للمرأة: كلي هذا واهدي، فإن الناس أصابتهم مجاعة). فإذاً: تتأكد أن الهدية احتاج الناس إليها وصارت حاجة، فيكون إرسالها فيه أجر عظيم. وبالنسبة لبعض الهدايا التي يتأكد عدم ردها: ما كان غير ذي مئونة ولا فيه كلفة، فعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يرد الطيب. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عُرض عليه ريحانٌ فلا يرده؛ لأنه خفيف المحمل طيب الرائحة) رواه أحمد و أبو داود ، وصحح إسناده في صحيح الجامع الصغير . فإذاً: الأشياء اليسيرة يتأكد عدم ردها.



الأحوال التي ترد فيها الهدية:

ما هي الأحوال التي ترد فيها الهدية؟ أولاً: هل ثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام رد هدايا؟ نعم. ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم رد هدايا بعض المشركين، وقال -أيضاً- في الحديث الصحيح: (وايم الله! لا أقبل بعد يومي هذا من أحدٍ هدية إلا أن يكون مهاجراً قرشياً أو أنصارياً أو دوسياً أو ثقفياً) والسبب أن أعرابياً وهب النبي عليه الصلاة والسلام ناقة فأثابه النبي صلى الله عليه وسلم عليها، فقال: (أرضيت؟ قال: لا. فزاده حتى عوضه ست بكرات) هذا الأعرابي كأنه يريد بالهدية أن يأخذ أكثر منها. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال هذه العبارة الشديدة: أنه هم ألا يقبل هدية إلا من هؤلاء الأحياء من العرب، قال: (إن فلاناً أهدى إلي ناقةً فعوضته عنها ست بكرات، فضل ساخطاً، ولقد هممت ألا أقبل هديةً إلا من قرشي أو أنصاريٍ أو ثقفيٍ أو دوسي) رواه أحمد و الترمذي . وكذلك قال صلى الله عليه وسلم: (إن رجالاً من العرب يهدي أحدهم الهدية فأعوضه منها بقدر ما عندي، ثم يتسخطه فيظل يتسخط فيه عليّ، وايم الله! لا أقبل بعد مقامي هذا من رجلٍ من العرب هدية إلا من قرشيٍ أو أنصاريٍ أو ثقفيٍ أو دوسي) لأن هؤلاء لا يفعلون هذه الأفاعيل، هؤلاء الأربعة الأحياء من العرب معروفون بجودة الأخلاق، فالواحد منهم لا يلجأ إلى هذه الأساليب الملتوية، ثم يتسخط إذا أُعطي رداً عليها. فالإنسان إذا أحس أن الشخص يُريد بالهدية إحراجه، فإن له أن يردها، وإذا كانت الهدية من حرام، فإنه يجب ردها. وإن كانت فيها شبهة فإنه يستحب له أن يردها، وإذا كانت رشوة، فإنه يجب عليه أن يردها، كأن يكون موظفاً صاحب منصب ولولا وظيفته ما أعطي الهدية، أو يكون موظفاً في الجوازات، أو موظفاً في المصلحة الفلانية، فإذا جاءته هدية من معقب الشركة، قال: هذه الشركة تهدي لك هذه الهدية، فلا يأخذها، لأنه يجوز له ذلك، ولو كان في غير هذه الوظيفة ما أعطوه، لكن لو أن جاره أو قريبه أعطاه، فليقبلها؛ لأنها ما جاءت من أجل أنه موظف في هذه الدائرة التي يراجعها الناس، وإنما جاءت لأنه قريب أو جار. فإذاً: إذا اشتم منها رائحة التهمة أو الرشوة أو الريبة فإنه يردها. فإذاً هناك بعض الحالات التي يجب فيها رد الهدية، أو يستحب فيها رد الهدية. كذلك لو أهداك إياها فاجر فاسق، أو كافر يريد بالهدية أن يبقى له منةٌ عليك، حتى إذا قابلك انكسرت عينك وذلت نفسك له، ففي هذه الحالة لا تقبلها، لكن إذا جاءتك الهدية سليمة نقية ما فيها شائبة ولا ريبة ولا شبهة ولا حرمة فاقبلها ولا تردها، وربما قبل النبي صلى الله عليه وسلم هدايا وهو لا يحبها، لا يحبها من جهة نفسه؛ لأن نفسه لا تشتهيها لكن يأخذها إكراماً لصحابها، كما جاء في كتاب الهبة في صحيح البخاري رحمه الله عن ابن عباس قال: [أهدت أم حفيدة خالة ابن عباس إلى النبي صلى الله عليه وسلم أقطاً وسمناً وأضباً -جمع ضب- فأكل النبي من الأقط والسمن وترك الضب تقذراً -نفسه تعافه؛ لأنه لم يكن بأرض قومه، لم يكن من طعام قريش- وأكل على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان حراماً لما أكل على مائدته]. إذاً: يأخذ الإنسان الطعام ولو كانت هذه الأكلة لا تعجبه، فيأخذها ويعطيها إلى أناس آخرين. بعض الأحيان قد يطبخ جيرانك طعاماً، ويهدوك منه، وأنت لا يعجبك هذا النوع من الطعام مطلقاً، فلا غضاضة عليك لو أخذته وطيبت خاطرهم بأخذه، ثم أعطيته بعض الفقراء أو العمال أو المساكين، أو الناس الآخرين فهم يأكلونه أو يستفيدون منه.



تحري أحسن الأوقات والأماكن عند إهداء الهدية:

وإذا أراد الإنسان أن يُهدي أخاه هدية، فإنه يتحرى أحسن الأوقات والأماكن، ليهدي إليه حتى تصبح أعظم، وحتى تصبح أوقع في النفس، والدليل على ذلك ما رواه البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه باب من أهدى إلى صاحبه وتحرى بعض نسائه دون بعض. وقالت عائشة: [ كان الناس يتحرون بهداياهم اليوم الذي يكون فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عندي يبتغون بذلك مرضاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ]. فإذاً: الهدية إذا كانت في يوم مُفضل أو ساعة أو مكان معين أو ظرف معين عند المهدى إليه تكون أوقع في النفس وأحسن، فهذا من آداب الهدية. وقد حدثت قصة طويلة في هذا الباب رواها البخاري رحمه الله في كتاب الهبة وفي كتاب المناقب، وملخص هذه الهدية أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة فاجتمع صواحبي - تقول عائشة - إلى أم سلمة فقلن: (يا أم سلمة! والله إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، وإنا نريد الخير كما تريد عائشة، فمري رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيث ما كان، أو حيث ما دار -لا يتقصدون عائشة - قالت: فذكرت ذلك أم سلمة للنبي صلى الله عليه وسلم قالت: فأعرض عني، فلما عاد إليَّ ذكرت له ذلك فأعرض عني، فلما كان في الثالثة ذكرت له فقال: يا أم سلمة! لا تؤذيني في عائشة، فإنه -والله- ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها) وهذا من فضلها رضي الله عنها. وجاء في رواية أخرى: (أنهن وسطن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تقول له: إن نساءك ينشدنك الله العدل في بنت أبي بكر ، فكلمته فقال: يا بنية! ألا تحبين ما أحب؟ قالت: بلى. فرجعت إليهن فاطمة ) ثم أنه ليس من المناسب للنبي عليه الصلاة والسلام أن يقول: يا أيها الناس! أهدوني في بيت فلان وفلان. فعلى أية حال: النبي عليه الصلاة والسلام كان يُحب أن يهدى إليه وهو في بيت عائشة؛ لأنه يحب عائشة رضي الله عنها، وأن تأتيه الهدية في هذا البيت يكون موقعها أجمل وأحسن، على أنه ينبغي على الإنسان المتزوج بأكثر من زوجة أن يراعي مسألة الغيرة أشد المراعاة حتى لا تتفاقم المشكلات وتعظم، ويكون هذا من أسباب القطيعة، أو من أسباب تنغيص عيشه في بيته مع زوجاته، وقد جاءت قصة حفصة مع النبي صلى الله عليه وسلم لما كان يحب العسل والحلوى، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه فيدنو من أحدهن، فدخل على حفصة بنت عمر فاحتبس أكثر ما كان يحتبس، تقول عائشة: فغرت، لماذا أطال عند حفصة أكثر من المعتاد؟ فسألت عن ذلك فقيل لي أهدت لها امرأة من قومها عكةً من عسل فسقت النبي صلى الله عليه وسلم منه شربة فقلت: أما والله لنحتالن له، وجاءت قصة العرفط والمغافير التي حصلت من حيلة عائشة رضي الله عنها، فالإنسان على أية حال يحتاج أن ينتبه إلى مسألة الغيرة بين الزوجات، ولا يكون هو سبب الشر، أو يكون هو مفتاح الشر.



استحباب تبيين سبب رد الهدية:

ومن آداب الهدية أن الإنسان إذا رد الهدية لسبب يبين للشخص الذي ردها له ما هو السبب، مثال: روى البخاري رحمه الله تعالى عن عبد الله بن عباس عن الصعب بن جثامة الليثي : (أنه أهدى لرسول صلى الله عليه وسلم حماراً وحشياً وهو بـالأبواء أو بـودان -هذا موضع بين مكة و المدينة - صاده، فرده عليه النبي عليه الصلاة والسلام وكان محرماً صلى الله عليه وسلم، فلما رأى ما في وجهه قال: إنا لم نرده عليك إلا أننا حرمٌ) وقد يقال: ألم يقبل من أبي قتادة الهدية وهو محرم؟ فقد جمع العلماء بين هذين الحديثين وقالوا: إن الصيد إذا صِيْدَ للمحرم -صيد لأجله- فإن عليه أن يرده؛ لأن المحرم لا يأكل الصيد، لا يصيد ولا يأكل الصيد الذي صيد لأجله، لكن إذا لم يصد لأجله جاز له أن يأكل، فـأبو قتادة لما صاد حمار الوحش عندما لما تضاحك المحرمون من رفقائه والتفتوا ورأى الصيد وصاده، ما صاده لأجل النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان بعيداً عنه، فهو صاده لأجل نفسه، وأهدى للنبي عليه الصلاة والسلام وأكل النبي صلى الله عليه وسلم. فالفرق بين القصتين أن ما صيد لأجل المحرم لا يُؤكل، وإذا كان لم يُصد لأجله جاز للمحرم أن يأكل منه. والشاهد الذي أورد الحديث من أجله هنا فهو تبيان أن الإنسان إذا رد الهدية لسبب، فإنه يُطيب خاطر المهدي بتبيان السبب. وكذلك من الأمور التي تتعلق بالهدية والتي ذكرها أهل العلم: إذا مات المهدى إليه قبل وصول الهدية، فلمن هي؟ هل ترجع للمهدي؟ أو هي لورثة المهدى إليه؟ فالإمام أحمد رحمه الله سُئل عن ذلك، فقال مجيباً عن هذا السؤال: إن كان حاملها - لما حصل الموت- رسول المهدي رجعت إلى المهدي، وإن كان حاملها رسول المهدى إليه فهي لورثته. فإذا حصل الاستلام من المهدى إليه أو من رسوله أو ولده دخلت في ملكه وإلا فلا.



أنواع الهدايا، والهدية أنواع:

هدية المحبة والمودة :

فمنها هدية المحبة والمودة، التي يقصد بها تثبيت الصحبة وتأكيد الأخوة، وحسن العشرة والمروءة بين الناس، وهذا النوع من الهدية قد يكون من الأعلى للأدنى، أو من الكبير للصغير، أو من المعلم للتلميذ، فإذا كانت من الأعلى إلى الأدنى صار فيها شيء من معنى الصدقة، بخلاف ما إذا كانت من الأدنى إلى الأعلى؛ لأنها تكون أبعد عن معنى الصدقة. وقد تكون الهدية من باب الصلة والبر إذا كانت بين الأهل والأقارب، أي: تكون الهدية من صلة الرحم، قد تكون من باب التحبب والتقرب إلى الله، كالهدايا التي تقدم للعلماء والصالحين. قد يقصد بالهدية التوسعة كما إذا كانت من الغني للفقير، وقد يُقصد بالهدية تأليف القلب، كأن يعطيها الإنسان لمن بينه وبينه عداوة؛ لإزالة العداوة. قد تكون الهدية لتأكيد الصحبة والمحبة، كما إذا كانت بين الإخوان والأصحاب، وقد تكون الهدية هدية تشجيع كما إذا أعطى المدرس هدية لطالب نجيب عنده، أو يحفظ القرآن، أو يستذكر دروسه، فهي هدية تشجيعية يُقصد بها التشجيع. فإذاً الهدية لها عدة معانٍ جميلة ينبغي الالتفات لكل معنى منها، وقد تكون الهدية في مناسبة كالعيدين، أو مناسبة دينية أو اجتماعية موافقة للشرع مثل هدية زواج، أو هدية ولادة، أو هدية ختان، أو هدية إلى المريض، أو هدية للقيام من المرض، أو هدية للنجاح، أو للترقية، أو للمسافر، أو للعائد من السفر. فإذاً: الهدية كلما كانت مناسبتها أحسن كلما كان نفعها أكبر، وكلما كانت أفضل عند الله سبحانه وتعالى.



هدايا الوالدين:

والهدايا للوالدين لا شك أنها من أعظم الهدايا؛ لأن بر الوالدين واجب، ويتقرب الإنسان إلى الله بالهدية للوالدين أكثر من غيرهما، أما هدية الوالدين للأبناء فإنها تتعلق بها أحكام، فلا يجوز للأبوين أن يفضلا أحد الأولاد أو بعض الأولاد على بعض دون مسوغ شرعي، كأن يكون أعطاه هبةً لفقره أو لأنه تزوج، أو لأنه مريض يحتاج إلى علاج، أو لأنه نجح في الدراسة ولم ينجح بقية إخوانه، أو لأنه حفظ سورة لم يحفظها بقية إخوانه، فإذا كانت لسبب شرعي فلا بأس بذلك، ولو لم يعط بقية الإخوة، لكن ينبغي عليه أن ينوي في نفسه أنه لو مر أحدٌ من الأولاد الآخرين بالظرف نفسه الذي مر به هذا الولد الذي أعطاه أن يُعطيهم مثلما أعطاه، أي: لو أن أحد أولاده -مثلاً- تزوج فأعطاه عشرة آلاف ريال، فيجب على الأب من العدل أن ينوي في قلبه أنه لو تزوج الولد الثاني أن يُعطيه مثلما أعطى الولد الأول، إذا كان في ذلك الوقت مستطيعاً. ولا يجوز له أن يميز أحد الأولاد على بعض، كأن يُعطي هدية أو عطية أو هبة لولدٍ دون آخر دون سببٍ شرعي، فالراجح أنه حرام لا يجوز، ويكاد يكون هذا هو مذهب الإمام أحمد رحمه الله خلافاً لجمهور العلماء، وقد نصر ذلك ابن القيم نصراً مؤزراً في تهذيب السنن في شرحه على أبي داود وذكر أدلة الفريقين ورجح المذهب القائل بعدم جواز أن يميز الأب ولداً من أولاده بعطية أو هدية أو هبة دون مسوغٍ شرعي، وحديث: (اذهب فأشهد على هذا غيري، فإني لا أشهد على جور) ونحو ذلك من ألفاظ الحديث كلها تدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام رفض أن يشهد على عطية النعمان وتمييزه عن بقية إخوانه. ولذلك التمييز بينهم حرامٌ، ولا شك أنه من الأسباب التي تولد الضغائن بين الأولاد، أن يميز الأب واحداً منهم بشيء، والله سبحانه وتعالى قال: آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً [النساء:11]. وبقي في موضوع الهدية بقية، وخصوصاً الكلام على الفرق بين الهدية والرشوة؛ لأنها مهمة في خِضم الحياة التي نعيشها. فأقول أيضاً أيها الإخوة: إن الهدية العلمية الشرعية والنصيحة من أعظم ما يُهدى للإنسان المسلم. ويدل على ذلك ما جاء في الصحيح عن عبد الله بن عيسى أنه سمع عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة فقال: (ألا أهدي لك هدية سمعتها من النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقلت: بلى فأهدها لي، فقال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله! كيف الصلاة عليكم أهل البيت، فإن الله قد علمنا كيف نسلم عليكم؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد) فإذا أهديت لإنسان معلومة دينية شرعية فلا شك أن هذه من أعظم ما يُهدى. ومن الأمور والأحكام المتعلقة بالهدية ذكرنا هدية المحبة والمودة، وهدية الوالدين.



هدية المخطوبة:

ومن الهدايا أيضاً هدية المخطوبة التي جرت بها العادة، والتي يُراد بها التودد والتحبب أيضاً، فإن الناس قد اعتادوا أنه إذا خطب أحدهم امرأة أو عقد على امرأة أن يُهدي لها هدايا، ومنها هذه الشبكة. فأما بالنسبة لما يُهدى من المطعومات والمشروبات والأمور المستهلكة والملابس وكل ما لم يُقصد به المهر أو جزءاً منه، فإنه ملكٌ لمن أهدي إليها، فإذا فُسخت الخطوبة سيبقى عندها، لكن إذا كان قد أُعطي لها على أنه جزءٌ من المهر مثل الشبكة التي تعارف الناس على أنها جزء من المهر، فهذه إذا حدث ما حدث من الفراق، فإنها تكون من جملة الأشياء التي يسترجعها الرجل. وبالنسبة لمن أهدى هدية طمعاً في المكافأة عليها، فإن هذا الشخص لا يكون له ثوابٌ عليها حيث أنه أراد من وراء الهدية أن يُهدى إليه، وإذا لاحظ المهدى إليه أنه قُصد من وراء الإهداء إليه أن يرد، مثل أن يكون غنياً وأهدي إليه من قبل فقير، فإنه إذا أخذها يأخذها على أن يُهدي ويُثيب ويكافئ؛ لأنها أعطيت إليه بهذا القصد وإلا فلا يأخذها.



حكم الهدية على قضاء الحاجات:

أما بالنسبة للهدية على قضاء الحاجات، فإن أهل العلم لهم أقوالٌ في مسألة من أهدى لآخر هدية لأنه قضى له حاجةً مباحة، فقال بعضهم بالحل، وقال بعضهم بالكراهة، ورأي الإمام أحمد رحمه الله تعالى أن الهدية على عملٍ مباح مكروهة إلا أن يكافئ بمثلها، قال أبو الحارث : إن أبا عبد الله سُئل عن رجل يسأله الرجل حاجةً، فيسعى فيها يقول: يا فلان! هل يمكن أن تقضي لي الحاجة الفلانية؟ -تنهي لي هذه المشكلة أو هذه المعاملة أو هذه الوظيفة- فإذا فعلها له أهدى له هدية، هل يجوز أن يقبلها أم لا؟ فقال الإمام أحمد رحمه الله: إن كان شيئاً من البر وطلب الثواب كرهت له ذلك؛ لأنه لما قضى له الحاجة ماذا أراد الذي قضاها: هل أراد جعلاً؟ هل أراد مقابلاً مادياً؟ هل قال: أسعى في المعاملة أو أقضيها في مقابل مادي؟ هل قال: أسعى لك في المعاملة أو أقضيها لك -مثلاً- أو أتابعها لك أو أنهي لك هذه القضية بمقابل كذا من المال؟ لا. إنما فعلها لوجه الله. فإذا أهدي له هدية فإنه لا يأخذها؛ لأنه يريد أن يتم له الأجر، لكن إن أخذها فإنه يأخذها بقصد المكافأة عليها، ويثيب عليها وتكون واحدة بواحدة ويبقى له أجر ما عمل.



مسألة الشفاعة والواسطة:

بالنسبة لمسألة الشفاعة والواسطة، أنه يطلب من شخص أن يتوسط له في مسألة من المسائل أو أمر من الأمور، بجاهه يقول: يا فلان! أنت تعرف المدير، أنت تعرف فلاناً، أنت تعرف الرئيس الفلاني، توسط لي عنده في إنهاء هذه القضية أو هذه الوظيفة ونحو ذلك، فهذه شفاعة، إذا كانت في أمرٍ مباح فهي جائزة، والشافع مأجور: (اشفعوا تؤجروا). لكن ما حكم أخذ الهدية على الشفاعة؟ الجواب: الراجح أنه لا يجوز أخذ الهدية على الشفاعة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الحسن: (من شفع لأخيه شفاعةً فأهدى له هديةً عليها فقبلها منه، فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الربا) ولعل من الحكم من وراء هذا الأمر -وهو عدم جواز أخذ الهدية على الشفاعة والواسطة الحسنة- أن الجاه نعمة من الله ينبغي أن يُستخدم في خدمة عباد الله مجاناً بدون مقابل، وينبغي أن يتسارع إليه الناس المستطيعون، لنصرة حقٍ أو رفع ظُلم، ولا ينبغي لمن ساهم بجاهه في جلب حقٍ أو دفع ظلم أن يأخذ مالاً على ذلك، حتى لا يتكاسل الناس عن هذه المسألة، ويشترطون الأجر، فيقول أحدهم: لا أتوسط لك إلا بمقابل. قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله: الهدية لمن يشفع له بشفاعة عند السلطان ونحوه لا يجوز أخذ الأجرة عليها. وقال بعض الفقهاء: لا يجوز أخذ العوض مقابل الدفع عن المظلوم، وإنه يجب أن تُقضى له الحاجة مجاناً. وقال ابن الجوزي : يجب على الولاة إيصال قصص المظلومين وأهل الحوائج، وقال: والواجب كف الظلم عنهم بحسب القدرة، وقضاء حوائجهم التي لا تتم مصلحة الناس إلا بها من تبليغه للسلطان حاجاتهم، وتعريفه بأمورهم، ودلالته على مصالحهم، وصرفه عن مفاسدهم، بأنواع الطرق اللطيفة وغير اللطيفة. إذاً: لا يجوز أخذ المقابل على هذه الشفاعة وخصوصاً إذا كانت لجلب حقٍ أو دفع ظُلم. وقد أفتى ابن تيمية رحمه الله -في مسألة أخذ العوض أو الهدية على قضاء الحاجة- بعدم الجواز، وقال: هذا هو المنقول عن السلف والأئمة الكبار، ولما سئل ابن مسعود عن السحت قال:إنما السحت أن يستعينك على مظلمةٍ فيهدي لك. فلا تقبل. يقول: تعال ادفع عني هذه المظلمة فإذا أهدى لك هدية لا تقبل؛ لأنه سحت، لو قبلتها فهذا سحت. وعن مسروق أنه كلم ابن زياد في مظلمة فردها، فأهدى إليه صاحب المظلمة وصيفاً فرده ولم يقبله، وقال مسروق : سمعت ابن مسعود يقول: [من رد عن مسلمٍ مظلمة فأعطاه على ذلك قليلاً أو كثيراً فهو سحت، فقال الرجل: يا أبا عبد الرحمن ما كنا نظن أن السحت إلا الرشوة في الحكم، قال: ذلك كفرٌ نعوذ بالله من ذلك] أي: أشد وأشنع، أي: الرشوة للقاضي أشد وأشنع ليحكم بغير الحق والصواب. وجاء نصرانيٌ إلى الإمام الأوزاعي وكان يسكن بيروت فقال: إن والي بعلبك ظلمني وأريد أن تكتب فيَّ إليه، وأتاه بقلة عسل -هدية معه- فقال له: إن شئت رددت عليك قلتك وأكتب إليه؟ وإن شئت أخذتها ولا أكتب؟ -أنت بين أمرين إما أن تأخذ هديتك وأكتب لك , وإلا لا أكتب لك ولا أقبل هديتك- فقال النصراني: بل اكتب لي وارددها، فكتب له أن ضع عنه من خراجه، فشفّعه الوالي فيه، وحط له عن جزيته ثلاثين درهماً. أي: كان قد أخذ أكثر من الجزية الشرعية. فإذاً: لا ينبغي الاستعانة بالهدايا على قضاء الحوائج وتيسير المهام؛ حتى لا تتوقف الأمور على ذلك وتضيع المروءات والأخلاق بين الناس، ويكون التعامل بينهم على أساس مادي، فيضيع باب الاحتساب ويضعف الوازع الديني عند الناس. وكذلك من الأشياء التي لا ينبغي قبول الهدية فيها مطلقاً: الهدية مقابل حفظ الأمانة، كأن يستودع أحد عندك أمانة ثم جاء فأخذها كاملة فأعطاك هدية فلا تأخذها منه، إلا بنية أن تكافئه عليها، حتى يبقى أجرك عند الله موفوراً، وحتى لا تصبح قضية حفظ الأمانات بين الناس مقابل هدايا ومكافآت، وينبغي أن يُسعى في قضاء الحوائج للناس ابتغاء الأجر من الله سبحانه تعالى، وينبغي أن يبذل المسلم جاهه بدون مقابل؛ لأن الجاه زكاة مثل المال. ولذلك فإن الذي يُعطي شخصاً مالاً وهو مضطر، أعطاه إياه؛ لأنه ما عنده طريقة أخرى يصل بها إلى حقه أو يدفع الظلم عن نفسه، فيجوز له أن يدفعها؛ لأنه مضطر، لكن لا يجوز للآخر أن يأخذها، وإنما يستخدم جاهه في مساعدته، أما إذا كانت الهدية لإحقاق باطل، أو إبطال حق فلا شك أنها محرمة تحريماً عظيماً.



الغرض من الهدايا:

وقد ذكر بعضهم أن الهدايا لها أغراض أربعة: أولاً: أن يكون الغرض منها حصول الثواب الأخروي، كأن يكون المهدى إليه فقيراً أو عالماً أو صالحاً. ثانياً: أن يُقصد بالهدية جلب المحبة والتودد، مثل أن يُعطي المخطوبة يتودد بالهدية إلى قلبها. فهذان جائزان. ثالثاً: أن يقصد بها غرضاً دنيوياً، كأن يعطي الفقير غنياً هدية على أمل أن يُعطيه أكثر، فيجوز للغني أن يأخذها إذا كان سيعطيه فعلاً. رابعاً: أن يكون المراد بها الاستعانة على فعل أمر معين، كالمحتاج إلى السلطان في مسألة، فيُعطي وكيله هدية، فهذا إذا كان في إحقاق باطل أو إبطال حق فلا شك في تحريمه. وإذا كان العمل في أخذ حقه أو دفع الظلم عن نفسه، فقد يجوز الإعطاء، ولكن لا يجوز الأخذ أبداً. أما الأشياء المباحة كأن يتوسط له في جلب بضاعة -مثلاً- ليس مضطراً إليها ولا محتاجاً إليها، يريد أن يتوسع بها، فهذه الهدية في هذه الحالة الأحوط ألا يأخذها؛ لأن فيها استعمال الجاه بمقابل.



حكم إهداء القضاة:

وبالنسبة لهدايا القضاة فإن العلماء قد تكلموا على ذلك، وذكر بعضهم أن القاضي لا يجوز له مطلقاً أن يقبل الهدية، وهذا قول بعض أهل العلم، وقال بعضهم: جائز، وقال بعضهم: يجوز إذا كان الذي أهدى للقاضي ليس له قضية عند هذا القاضي، وبعضهم قال: يجوز إذا كان ممن يهديه قبل القضاء، فيجوز له أن يهديه بعد القضاء، وشرط بعضهم أن يكون ممن يهديه قبل القضاء وليس عنده قضية عند القاضي. وعلى أية حال فإن تحريم أخذ القاضي للهدايا هو القول الأحوط، وقد رجحه ابن قدامة رحمه الله تعالى، ولا شك أن القاضي إذا أخذ الهدية فإن ذلك سيكون باب شرٍ عظيم. اللهم إلا إذا كان هدية لا علاقة لها بالقضاء أبداً، كما إذا أهدى له أخوه هدية، أو جاره أهداه هدية للجوار فقط، أو من -مثلاً- قاض آخر يكون زميلاً له، أي: لا علاقة له بالقضاء مطلقاً، فهو يجزم تماماً أنها لا علاقة لها بالقضاء، فهذا يجوز له أخذها. ولذلك قال النووي رحمه الله: إن كان المهدي ممن لم تجر له العادة بالهدية إليه قبل الولاية حرم عليه قبول الهدية. وإذا كانت له عادة بالهدية من قبل ولم تكن له قضية عند القاضي أو حكومة -العلماء يسمونها حكومة- جاز قبولها، وإن كان له حكومة أو قضية عند القاضي فلا يجوز للقاضي أن يقبلها حتى لو كان المهدي له سابق عهد بالهدية، قبل أن يتولى القاضي القضاء. كذلك فإن من الأشياء التي يمكن أن تكون بريئة، الإهداء للقاضي بعد التقاعد من القضاء، أو أن يهدي له شخص شيئاً ما، وهذا الشخص لا علاقة له بمجال القضاء ولا يأتي إليه في خصومة مثل أن يكون في بلدٍ آخر فيه قاض آخر، فأهدى له هدية من بلد إلى بلد، فهنا لا يطمع أن يكون له عند القاضي شيء، وإذا أهديت للقاضي هدية؟ قال بعض أهل العلم: يردها إلى بيت المال.



حكم قبول الحاكم للهدايا:

أما بالنسبة للحاكم، فإنه لا يأخذ شيئاً مطلقاً، ولذلك قيل لـعمر بن عبد العزيز : يا أمير المؤمنين! مالك لا تقبل الهدية وكان رسول صلى الله عليه وسلم يقبلها؟ فقال عمر رضي الله عنه ورحمه: إنها كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية، وإنها اليوم رشوة. كانوا يهدونه لنبوته يتقربون بها إلى الله، لكن نحن لماذا يهدوننا؟! لسلطاننا وإمرتنا، ولذلك قال: هي رشوة، فإذاً: لا يجوز له أخذها من الرعية. أما بالنسبة لمسألة قبوله هو لهدايا من ملوك الأرض -مثلاً- كما أهدى النجاشي و أكيدر دومة الجندل وغيرهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم أشياء، فقبلها عليه الصلاة والسلام، فإن كان فيها مصلحة للمسلمين أخذها، وهذا الباب فيه تفصيل، لكن لعلنا لا نحتاج إليه في هذا المقام والزمان.



حكم قبول العمال للهدايا:

أما بالنسبة للعمال وهم الموظفون العاملون، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكر الحكم صريحاً فقال: (هدايا العمال غلول) أي: سرقة وحرام وسحت، من هم العمال؟ موظفو الدولة عموماً، كل من تولى ولاية عامة، أو في مكان له علاقة بالناس يقضي لهم المعاملات، فإن هذا الموظف لا يجوز له أخذ الهدية من الناس أبداً، وحديث ابن اللتبية واضح جداً لما جاء يحاسب النبي عليه الصلاة والسلام قال: (هذا مالكم وهذا هدية -قال: هذه الزكوات جمعتها لكم وهذه أعطوني إياها هدية- فغضب النبي عليه الصلاة والسلام غضباً شديداً وخطب الناس وقال: أما بعد: فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله، فيأتي فيقول: هذا مالكم وهذه هدية أهديت لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته؟! والله لا يأخذ أحدٌ منكم شيئاً بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة، فلا أعرفن أحداً منكم لقي الله عز وجل يحمل بعيراً له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاةً تيعر، ثم رفع يديه حتى رئي بياض إبطيه يقول: اللهم هل بلغت؟). وفي رواية: (فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقاً) أي: يقول: لو لم تكن موظفاً عندنا وكنت في بيت أبيك وأمك هل كانت تأتيك الهدية؟ لو كنت صادقاً اقعد في بيت أبيك وأمك وانتظر الهدية. إذاً: كل هدية تأتي للموظف بسبب وظيفته حرامٌ عليه أخذها؛ لأنها رشوة، وهذه مسألة صريحة لا تحتاج إلى نقاش، ويقع بسبب قبول الموظفين في الأماكن العامة للهدايا من المراجعين والناس فسادٌ عظيم. وعن سليمان بن يسار : (أن رسول صلى الله عليه وسلم كان يبعث عبد الله بن رواحة إلى خيبر فيخرص بينه وبين يهود خيبر) هذا موظف النبي عليه الصلاة والسلام أرسله إلى يهود خيبر لأجل الخرص؛ لأن بينهم صُلح ولا بد أن يؤدوا أشياء معينة ونسبة معينة، قال: (فجمعوا له حلياً من حلي نسائهم -اليهود- فقالوا: هذا لك، وخفف عنا وتجاوز القسط) رشوة واضحة من إخوان القردة والخنازير، خذ هدية وخفف عنا (فقال عبد الله بن رواحة: يا معشر اليهود! والله لأنكم من أبغض خلق الله إليّ وما ذاك بحاملي على أن أحيف عليكم) يقول: أنتم أبغض خلق الله إليّ وربما ما فعلتموه الآن معي يزيدني عليكم حنقاً وبغضاً، لكن مع ذلك لن أجور عليكم في القسمة (فأما ما عرضتم من الرشوة فإنها سحت وإنا لا نأكلها، فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض). وقال ابن تيمية رحمه الله: وما أخذ ولاة الأمور وغيرهم من مال المسلمين بغير حق، فلولي الأمر العادل استخراجه منهم، كالهدايا التي يأخذونها بسبب العمل، قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: (هدايا العمال غلول) أي: خيانة. الخلاصة: لا يجوز للموظف أخذ الهدية من الناس مطلقاً، إلا إذا كانت هدية لا علاقة لها بالوظيفة أبداً، مثل هدية شخصية، أبوه أهداه هدية، أو أخوه، لا علاقة له بأنه موظف أو غير موظف، فهنا في هذه الحالة يأخذها، لكن أن يأخذ من عامة الناس ومن المراجعين فهذا حرام وسحت ولا يجوز. وقد تكون الهدية بأشكال كثيرة، كأن يقول صاحب ورشة لشخص: هات أصلح لك السيارة، هات نراعك فيها، هات نعطك أثاثاً بنصف السعر، فهذا كله سحت، حرام سواءً كان بشيءٍ مادي، أو خصم، أو خدمة مثل إصلاح سيارة أو تأجيرها، أو أشياء مجانية، لشخصه هو فهي حرام، ولا يجوز للآخر أن يدفعها، وإعطاء الهدية للموظف في الجوازات أو الشرطي أو لشخص في المرور حرام مطلقاً، وذكرنا استثناء في موضوع دفع الظلم عن نفسه وهي قضية أخرى.



حكم قبول الهدايا من الكفار:

أما بالنسبة لقبول الهدايا من الكفار، فإنه قد وردت نصوص أن النبي عليه الصلاة والسلام أخذ هدايا من الكفار، مثلما أخذ -مثلاً- من أكيدر دومة الجندل . وكذلك قبل النبي صلى الله عليه وسلم هدية اليهود لما أهدوه الشاة التي وضعوا فيها السم، ووردت أحاديث بمنع أخذ الهدية منهم، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنا لا نقبل زبد المشركين) وزبد المشركين: هو عطاؤهم وهداياهم، فكيف جمع العلماء بين هذه الأحاديث؟ قال بعضهم: إن أحاديث المنع ناسخة، والأخذ منسوخة. وقال بعضهم: أحاديث الأخذ ناسخة، وأحاديث المنع منسوخة. وقال بعضهم: إنه إذا أُهدي إليه عليه الصلاة والسلام خاصةً لا يقبل، وفيما أهدي للمسلمين يقبل، لكن هذا فيه نظر، فإن النبي عليه الصلاة والسلام قد أُهدي هدايا خاصة، فقد أهداه المقوقس ملك الإسكندرية بغلة ومارية القبطية له خاصة، فهذا قد لا يكون جواباً صحيحاً أو راجحاً. وقال بعض العلماء: إذا كان الذي أهداه قصد الموالاة فيردها، وإذا كان الذي أهداه يُرجى بقبول هديته تأليفه إلى الإسلام وتأنيسه فيأخذها، وهذا جمعٌ جيد. وقال بعضهم: إن كانت من أهل الكتاب قبلها، وإن كانت من أهل الأوثان لم يقبلها، وقال بعضهم: إن كانت من المحاربين لم يقبلها وإن كانت من غير المحاربين قبلها، فلعل الراجح إن كانت من غير المحاربين ومن غير أهل الأوثان من أهل الكتاب، الذين يراد بقبول هديتهم تأليفهم، فيقبل وإلا فلا.



حكم إهداء المشرك:

ما حكم أن نهدي المشرك؟ فالجواب: إذا كان المشرك محارباً فلا يجوز إهداؤه؛ لأنه لا يوجد بيننا وبينه إلا السيف، وإذا كان غير محارب فالله يقول: لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة:8] كانت أم أسماء مشركة، فلما رغبت في صلتها قال لها النبي عليه الصلاة والسلام: (صلي أمك) والوصل عام يمكن أن يكون بالهدايا أو بغير الهدايا، والصلة عامة لهذه الأم المشركة. فإذاًَ: يجوز أن نهدي المشرك خصوصاً إذا أهديناه لأجل تأليف قلبه، ودعوته إلى الله. ما حكم إهداء الكفار في مناسباتهم الدينية مثل الأعياد؟ الجواب: لا يجوز ذلك مطلقاً؛ لأنه مشاركة وإقرار ولا ينبغي إظهار الفرحة، أو مشاركتهم بفرحتهم مطلقاً مهما كانت، وأصحاب أبي حنيفة يشددون في ذلك جداً، حتى قالوا في بعض كتبهم: من أهدى إليهم يوم عيدهم بطيخة بقصد تعظيم عيدهم فقد كفر.

بعض الأبيات التي جاء فيها ذكر الهدايا

وهناك أبياتٌ للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله فيها ذكر بعض أحكام الهدية يقول:

ثابتةٌ بالسنن القويمة وقد روي إذهـابـها السـخـيمـة

يُشرع للمسلم أن يقبلـها وأن يثيـب كـرمـاً فـاعلـها

إذ صح مروياً عن النبي وهو دليـل الخلـق المرضـي

وبين مسلمٍ وكافرٍ تحـل مالم يخف وداً لمنـعٍ قـد نقـل

يجوز ردها بدون مانـع شرعـي إذ قـد مـنع الشـارع

القاضي والأمير والشافع أن يقبلها نصاً صريحاً في السنن

وإن تكن إلى جوارٍ تهدي فقـدم الأقـرب عـن ذي البـعدِ

وإذا كانت الهدية من الصغير إلى الكبير فإنها فكلما لطفت ودقت كانت أبهى، وإذا كانت من الكبير إلى الصغير فكلما عظمت وجلت كانت أوقع، وبعث أبو العتاهية إلى الفضل بن ربيع بنعل وكتب معها:

نعلٌ بعثت بها لتلبسـها تسعى بها قدمٌ إلى المـجدِ

لو كان يمكن أن أشركها جلدي جعلت شراكها خدي

وقال رجل لـأبي الدرداء : إن فلاناً يقرئك السلام، فقال: هدية حسنة ومحملٌ خفيف.



بعض الهدايا التي يمكن إهداؤها:

وفي نهاية الكلام عن الهدية نريد أن نستعرض وإياكم بعض الهدايا التي يمكن إهداؤها، فأشير الآن ما هي الهدايا المناسبة التي يمكن أن تهدى للناس والإخوان والأقارب والجيران وغيرهم: طبعاً الكتاب والشريط الإسلامي لا شك أنه من أعظم ما يُهدى في هذا الزمان. ومن الهدايا الساعة، لكن لا تكون مطلية بالذهب أو فيها صلبان، وكذلك الأقلام لا تكون مطلية بالذهب. ومما يهدى أيضاً الملابس، فالنبي عليه الصلاة والسلام أهديت له ألبسة، وهي من الأشياء الجيدة التي وردت فيها السنة مثل الثوب وغيره. الأطعمة والأشربة أيضاً كانت تُهدى، كما تُصدق على بريرة ، و بريرة أهدته لبيت النبي صلى الله عليه وسلم، والمصحف وهو داخل في كتب العلم، لأنه هو أعظم كتاب على الإطلاق، ولا شك أنه كلما قرأ فيه، والغالب أن يُقرأ فيه كثيراً -يعني: المصحف- أكثر من أي كتاب آخر، يؤجر عليه الإنسان. والمركوبات، ولكن هذه أشياء مكلفة أي: لا يتيسر لعامة الناس أن يهدوها إلا إذا كان صاحب يسار فأهدى سيارة مثلاً. وكذلك الآلات التي تستخدم في حفظ المعلومات كالحاسب الآلي أو الآلات الحاسبة التي تهدى للطلبة أو الأشياء القرطاسية كالمساطر وعلب الهندسة والدفاتر ونحوها، وكذلك الشاة تهدى للمتزوج من باب المساعدة في الوليمة، وقد ثبت في السنة مساعدة صاحب الوليمة أو الزوج بما ييسر عليه مئونة حفلة الزفاف، وإهداء الزوجة من الحلي. ينظر في حاجته فيعطيه هدية تناسب حاجته، وكذلك إهداء مبلغ من المال. الورد للمرضى من عادات الكفرة ولذلك لا ينبغي إهداء الورود للمرضى، ومن عاداتهم حمل العروس باقة وردٍ بيدها في حفلة الزفاف، لكن لو أهداه ورداً في غيرها كأن يأتي لأمه بوردٍ أو قرنفلٍ أو ياسمينٍ أو فُل -مثلاً- وجده جيداً وطيباً فلا شك أنها هدية جيدة ومحمودة. وإهداء النصيحة، أو إهداء العلم الشرعي، أو تعليم حديث كما مر معنا من الهدايا الطيبة، وكذلك العسل. فعلى أية حال الهدايا كثيرة وهذا طرف منها وأمثلة، وبذلك نختم الكلام عن موضوع الهدية. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبصرنا وإياكم بالسبيل القويم، وأن يرزقنا اتباع سنة نبيه الكريم، والله أعلم.

اقرأ القرآن وأذكر ربك
15-11-2011, 01:29 AM
محاضرة( آداب الوليمة )للشيخ محمد المنجد


عناصر الموضوع :
1. تعريف الوليمة
2. أنواع الولائم
3. حكم إجابة الدعوة
4. شروط وجوب تلبية الدعوة للولائم
5. حكم الإتيان إلى وليمة لم يدع إليها
6. من أخبار الطفيليين

آداب الوليمة:
تحدث الشيخ في هذا الدرس عن تعريف الوليمة وأنواع الدعوات من وليمة عرس وعقيقة مولود... إلى آخر تلك الأنواع. وبين حكم إجابة الدعوة إلى الوليمة أو إلى غيرها، سواء كانت الدعوة من امرأة أو رجل، وذكر الحالات التي يسقط فيها حكم الوجوب عن المدعو, وختم الدرس ببعض أخبار الطفيليين.

تعريف الوليمة:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: سنتحدث -أيها الإخوة- في هذه الليلة في سلسلة الآداب الشرعية عن آداب الوليمة. ومعنى الوليمة في اللغة هو مشتقٌ من الجمع والضم، فيقولون: الولم: هو الجمع والضم، ويقال: أولم الرجل إذا اجتمع عقله وخلقه، وسمي القيد في الرجل ولماً لأنه يجمع الرجلين، واشتهر إطلاق الوليمة على الطعام الذي يُصنع للعرس لأن فيه اجتماع الزوجين، وكذلك فإن فيه اجتماع الناس للطعام، فالوليمة طعام العُرس، وقيل: هي كل طعام، والجمع ولائم. ولكن اشتهر إطلاقها واختصاصها بطعام العرس، وكذلك قالوا: إن الوليمة تقع على كل دعوة تتخذ لسرورٍ حادث من نكاح أو ختان أو غيره، لكن الأشهر استعمالها عند الإطلاق في النكاح، وتقيد في غيره، فإذا قيل وليمة يُفهم أنها وليمة النكاح، هذا إذا أطلقوا، إذا أردنا غيرها نقول: وليمة الختان، وليمة السفر، وليمة النقيع ونحو ذلك من الأسماء، والدعوة أعم من الوليمة، فالدعوة ما دعوت إليه من طعامٍ وشراب.

أنواع الولائم:
فالدعوة أعم من الوليمة والوليمة أخص منها، والولائم أنواع، ذكرها الناظم في قوله:
أسامي الطعام اثنان من بعد عشرةٍ سأسردها مقرونة ببيانِ
وليمة عـرسٍ ثـم خـرس ولادة عقيقة مولودٍ وكيرة بان
وضيمة ذي موتٍ نقيعة قادمٍ عذيرٌ أو اعذارٌ ليـوم خـتانِ
ومأدبـة الخـلان لا سـببٌ لها حذاقة يـوم الختـم للقرآنِ
وعاشرها في النظم تحفة زائرٍ قرى الضيف مع نزلٍ له بأمانِ
وسنأتي على شرحها بسرعة، ثم نتوسع في مسألة وليمة الزواج أو النكاح، وبعض التفاصيل المتعلقة بها.

الوليمة والخرس والعقيقة:
أما بالنسبة لوليمة النكاح فهي ما يُصنع من الطعام بسبب النكاح، أما وليمة الخُرس فهو الطعام الذي يُصنع لسلامة المرأة من الطلق في النفاس، وكذلك فإن هناك العقيقة وهو الطعام الذي يُصنع بسبب ولادة المولود، وقيل: إن العقيقة أصلها من الشعر الذي يكون على رأس الصبي حين يولد، وسميت بذلك لأنه يحلق عنه في يوم سابعه، وهو اليوم التي تذبح فيه العقيقة، وقال بعض أهل العلم: إن العق هو القطع، والعقيقة هي الذبح نفسه، وهي اسمٌ للشاة المذبوحة عن المولود يوم السابع من ولادته. وقد اختلف أهل العلم فيها بين الوجوب والاستحباب، وجمهورهم على الاستحباب، ومن أدلة أهل الوجوب: (كل غلامٍ رهينة بعقيقته) أي: مرتهنٌ بها، والسُنة شاتانِ عن الغلام الذكر وشاة عن الأنثى، ويجوز أن يذبح شاة عن الذكر لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عق عن الحسن و الحسين شاةً شاةً، والمسألة فيها تفاصيل أخرى.

الوكيرة والوضيمة والنقيعة:
وبالنسبة لوليمة الوكيرة: هي ما ذبح لإحداث بناء السكن، مأخوذٌ من الوكر، وهو المأوى والمسكن، فيُصنع بسبب البيت الجديد وليمة يدعى إليها الناس. وأما الوضيمة: فهي ما يصنع من الطعام -بسبب المصيبة- لأهل الميت، وهي سنة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اصنعوا لآل جعفر طعاماً، فقد جاءهم ما يشغلهم). أما إذا كان اجتماع على طعام يصنعه أهل الميت، فهو من النياحة المحرمة، وقد جاء النص بذلك عن الصحابي جرير بن عبد الله رضي الله عنه: [كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام بعد دفنه من النياحة]. أما ما يفعله أهل البيت من صنع طعام، وجمع الناس عليه أول يوم وثاني يوم وثالث يوم فهو من النياحة، وهو حرام، ولا يجوز الأكل منه مطلقاً. فإذا صنعوا طعاماً لأنه أتاهم ما يشغلهم، أو صنعوا للضيوف الذين جاءوا من بعيد، فناموا عندهم وأكلوا معهم، فهذا لا بأس به، أما أن يصنعوا طعاماً يدعى إليه الناس والجيران والمعزون، فهذا من البدع المحدثة وهو حرام. أما بالنسبة لوليمة النقيعة فهي الدعوة التي تُصنع بسبب قدوم المسافر سالماً من سفره، مأخوذة من النقع وهو الغبار، قال الله تعالى: فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً [العاديات:4]. ويصنعها المسافر أو يصنعها أهله، وقيل: تُصنع للمسافر فرحاً بسلامة وصوله، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة نحر جزوراً أو بقرة، فهذا الحديث الذي رواه البخاري رحمه الله يدل على مشروعية عمل الطعام بعد القدوم سالماً من سفره.

العذيرة والمأدبة:
وأما بالنسبة للعذيرة فهي الوليمة التي تُصنع بسبب الختان، وتُسمى أيضاً الإعذار، والإعذار هو الختان، وهو الطعام الذي يُطعم بمناسبة الختان، وقد جاء عن بعض السلف فعل هذه الوليمة، وهل هي للذكر فقط أم تشمل الأنثى؟ للعلماء أقوالٌ في المسألة، ومما قاله ابن الحاج المالكي رحمه الله في كتابه المدخل: إن السنة في الختان للذكور إظهاره، وفي ختان النساء إخفاؤه فإذا كان ذكراً خُتن، فإنه يُصنع له هذه الوليمة إذا جرت العادة بذلك، فلا بأس في فعلها، وقد جاء فعلها عن بعض السلف رحمهم الله تعالى. فإذا صار ختانه وحلق شعره في اليوم السابع فالعقيقة تغني عن هذا. وأما وليمة المأدبة فهي الضيافة التي تعمل بدون سببٍ معين، فإذا أراد أحد الناس أن يجمعهم على طعام من أجل أن يكسب أجراً في إطعام الناس، فدعاهم للطعام، كالأصدقاء والأحباب والإخوان والأقارب والجيران. أراد أن يصنع المعروف من باب أن إطعام الطعام وإفشاء السلام من أسباب دخول الجنة، وليس لوليمته سبب معين، فلا بأس بذلك. وقد جاء في الحديث أن ملائكة جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم فقالوا: (إن لصاحبكم هذا مثلاً، مثله كمثل رجلٍ بنى داراً، وجعل فيها مأدبة، وبعث داعياً، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة، فالدار الجنة، والداعي محمد، فمن أطاع محمداً فقد أطاع الله، ومن عصى محمداً فقد عصى الله، ومحمدٌ صلى الله عليه وسلم فرّق بين الناس) صار الناس فريقين: مؤمنون وكفار، وهذه المأدبة التي تصنع بلا سبب، إذا كانت عامة فتسمى الجَفَلَى (بالألف المقصورة)، بأن قال: يا أيها الناس هلموا، وليأت من يريد من الناس، فهذه دعوة عامة يجوز لكل واحد أن يأتيها، أو فعلها في مكان عام على الشارع مثلاً أو في أرضٍ مفتوحة، ودعا إليها من شاء من الناس أن يأتيها، فتسمى جَفَلَى، يجوز لكل واحد أن يأتيها. وإذا كانت خاصة فتسمى النَقَرى، فهي خاصة بمن يدعى إليها، فإذاً لا يجوز لغيرهم أن يأتي، وإطعام الأصحاب على أية حال من القُرب، ودعوة الإخوان أيضاً من الطاعات.

الحذاقة والقرى:
أما الوليمة التي يسمونها الحذاقة فهي الإطعام عند ختم الصبي للقرآن إذا حفظه، فإن حفظ ولد الرجل القرآن وصنع والده وليمة للناس فرحاً بمناسبة ختم ولده للقرآن، وربما صنعت أيضاً إذا نبتت أسنان الصغير ونحو ذلك، وهي مأخوذة من قولهم: (حَذِقَ الصبيُّ يَحْذَقُ حِذْقاً، إذا مهر في الشيء) ويقال لليوم الذي يختم فيه الصبي القرآن: يوم حذاقة، ويقال: فلانٌ حاذقٌ في صنعته، وجاء عن بعضهم أنهم كانوا يصنعون هذا لغلمانهم. ويروى عن الحسن أنه قال: "كانوا إذا حذق الغلام قبل اليوم نحروا جزوراً واتخذوا طعاماً" ويُروى كذلك عن حميد أنه قال: "كانوا يستحبون إذا جمع الصبي القرآن أن يذبح الرجل الشاة ويدعو أصحابه". فهذه الشاة على أية حال هي شكر على نعمة حفظ الولد للقرآن، فإذا ذبح شاة على أية نعمة فلا بأس بذلك، لكن عندما تكون القضية واردة في السنة كالأضحية والعقيقة فإنها تتأكد، لأن لها مستنداً من فعل النبي صلى الله عليه وسلم أو من قوله، فهي لا شك أقوى وأقوى. أما أشياء جرت من عادات الناس، قد لا تكون واردة في السنة فهي بمنزلة أدنى، وإن كانت من عادات الناس ولم يقصدوا بها السنة، ولم يقصدوا بها التعبد فلا بأس بذلك، وذبح الشاة لأجل النعمة يدل عليه مجموع أحاديث وردت في الشريعة، فنعمة القدوم من السفر ذبحت فيها شاة، ونعمة المولود ذبحت فيها شاة، ونعمة الزواج ذبحت فيها شاة: (أولم ولو بشاة) إذاً ذبح شاة أو ذبيحة أو عمل طعام لمناسبة سارة أو لنعمة أنعم الله بها على الشخص لا بأس به ولا حرج فيه شرعاً، لكن فرق أن يعتقد الإنسان أنه سنة، فهذا لا بد له من دليل، أو أنه لم يعتقد أنه سنة، وإنما هو سنة على وجه العموم فإن في الشريعة ما يدل على ذبح شيء أو دعوة الناس إلى طعام بمناسبة حدوث شيءٍ سار. مثل لو أن إنساناً ترقى في وظيفته، أو تبوأ وظيفة ونحو ذلك أو تخرج من الجامعة، فعمل طعاماً فلا بأس بذلك، ليس بدعة ولا حراماً ولا مكروهاً ما لم يتضمن منكراً أو محظوراً من المحظورات الشرعية، وأيضاً وليمة القرى وهي الطعام الذي يصنع للضيف، وإكرام الضيف لا شك أنه قد ورد في السنة، ولعلنا نأتي إن شاء الله في هذه السلسلة على آداب الضيافة.

الفرع والعتيرة:
وكذلك فإن من أنواع الولائم التي ذكرت وليمة الفرع، والفرع هو أول نتاج الناقة، كان أهل الجاهلية يذبحونه لطواغيتهم، فأبطله الإسلام بقوله صلى الله عليه وسلم: (لا فرع). وأما العتيرة: فهي الشاة التي كانوا يذبحونها في رجب، وتسمى الرجبية، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا عتيرة) وهنا اختلف العلماء هل قوله صلى الله عليه وسلم: (لا عتيرة) إبطال لذبيحة رجب بالكلية، أو لا عتيرة بمفهوم أهل الجاهلية، كأن يكون هناك اعتقادٌ معين عند الجاهليين، كما أنهم كانوا يذبحون لأصنامهم في رجب مثلاً ويسمونها عتيرة، فتكون مشروعة إذا كانت لله؟ قال بعض العلماء: يشرع ذبح شاة في رجب لله عز وجل، وأجابوا عن حديث: (لا عتيرة) أن المقصود ذبحها بمفهوم أهل الجاهلية، أو كما كان أهل الجاهلية يذبحون.

حكم إجابة الدعوة:
أما بالنسبة لإجابة الدعوة فقد ورد في الولائم والدعوات أحاديث، فمن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (حق المسلم على المسلم خمس (وفي رواية ست) -وذكر منها- وإذا دعاك فأجبه) وقوله صلى الله عليه وسلم: (فكوا العاني، وأجيبوا الداعي، وعودوا المريض). وبالنسبة للدعوة العامة أيضاً ورد في صحيح مسلم : (إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن شاء طعم وإن شاء ترك) كأن يكون صائماً أو كأن يعاف الطعام أو يكون مريضاً ونحو ذلك، وقوله عليه الصلاة والسلام : (إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان صائماً فليصلِّ وإن مفطراً فليطعم) رواه مسلم رحمه الله في صحيحه ، وقال عليه الصلاة والسلام: (ائتوا الدعوة إذا دعيتم) رواه مسلم . أما بالنسبة للوليمة فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا دُعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها) وقال عليه الصلاة والسلام: (إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عُرساً كان أو نحوه) وقال صلى الله عليه وسلم: (شر الطعام طعام الوليمة، يمنعها من يأتيها، ويدعى إليها من يأباها -الفقراء الذين يريدون الطعام يمنعون والأغنياء الذين لا يريدون الطعام يدعون- ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله). وقال: (بئس الطعام طعام الوليمة؛ يدعى إليها الأغنياء، ويترك المساكين) وجاء ذلك من كلام أبي هريرة رضي الله عنه، وكان ابن عمر يأتي الدعوة في العرس وغير العرس وهو صائم، وهو الذي روى حديث: (أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم لها) رواه البخاري رحمه الله. فيتضح لنا من هذه الأحاديث أن إجابة الدعوة أقل ما يُقال فيها أنها سنة مشروعة أياً كانت الدعوة، ما دامت من مسلم وليس فيها منكرات، ويتأكد إجابة وليمة العرس تأكيداً خاصاً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في آخر الحديث: (ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله) فيتأكد ذلك، لأن عدم إجابة وليمة العرس معصية لله ورسوله. وكذلك أمره عليه الصلاة والسلام في البخاري : (إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها) وهو أمرٌ بالحضور، ولا شك أن الوليمة هنا وليمة العرس. وقال جمهور العلماء: إن إجابة وليمة العرس فرض عين لمن دعي إليها وهي واجبة، وقال بعض العلماء: فرض كفاية، لكن قول الجمهور أرجح، ويسند قولهم حديث: (ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله) بأن الأصل إجابة الدعوة إلى وليمة العرس.

حكم إجابة الدعوة في غير وليمة العرس:
وأما غير وليمة العرس من الدعوات فما حكم إجابتها؟ قال النووي رحمه الله: فيها وجهان: أحدهما: أنها كوليمة العرس. والثاني: أن الإجابة إليها ندبٌ وإن كانت في العرس واجبة. ونقل القاضي عياض رحمه الله اتفاق العلماء على وجوب الإجابة لوليمة العرس، قال: واختلفوا فيما سواها. وقال مالك والجمهور: لا تجب الإجابة إليها، وأهل الظاهر قالوا: تجب الإجابة لكل دعوة، إذاً عندنا شيء واضح وجوب إجابة دعوة وليمة العرس، ومسألة الدعوات الأخرى فيها خلاف، والأحوط أن الإنسان يجيب إذا لم يكن عنده عمل مصلحته أعلى، وكان من هديه عليه الصلاة والسلام عموماً إجابة الدعوة، وكأن يأتي إلى وليمة العرس خصوصاً. روى البخاري رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك : (أن خياطاً دعا النبي صلى الله عليه وسلم لطعام صنعه، قال: فذهبت مع النبي صلى الله عليه وسلم فقرب خبز شعيرٍ ومرقاً فيه دباء وقديد، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء من حوالي القصعة، فلم أزل أحب الدباء بعد يومئذٍ). وكلمة المرق مما أجاب به الذين قالوا: لماذا لم يأكل مما يليه؟ لأن الدباء كان في المرق فهو يتتبع، وكذلك أخرج البخاري رحمه الله عن أبي مسعود الأنصاري قال: كان رجل من الأنصار يقال له: أبو شعيب ، وكان له غلامٌ لحام، فقال: اصنع لي طعاماً أدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم خامس خمسة -اعمل حسابك على خمسة أشخاص- فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم خامس خمسة فتبعهم رجل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للداعي لما وصلوا: (إنك دعوتنا خامس خمسة، وهذا رجلٌ قد تبعنا، فإن شئت أذنت، وإن شئت تركته، قال: بل أذنت له). من فوائد هذا الحديث الذي ذكره ابن حجر رحمه الله: من صنع طعاماً لغيره فهو بالخيار بين أن يرسله إليه أو يدعوه إلى منزله، إذا صنعت طعاماً لغيرك سواء دعوته إليك أو أنك أوصلته إلى منزله، فكلاهما يصبح من الإكرام. ثانياً: من دعا أحداً استحب أن يدعو معه من يرى من أخصائه وأهل مجالسته، إذا دعوت رجلاً وكان له أصدقاء يجلس معهم باستمرار ، فالأفضل أن تدعوهم معه حتى لا تفصل بينه وبينهم، وهو يريد الجلوس معهم. وكذلك: إجابة الإمام والكبير دعوة من دونهم وأكل طعامهم، هذا النبي عليه الصلاة والسلام أجاب خياطاً، وذهب إليه، وقد جاء عند الحاكم بإسنادٍ صحيح حديث في هذا المعنى، وفيه أيضاً ذكرٌ لأدب من آداب الطعام الذي مر معنا سابقاً، وهو قول أنس رضي الله عنه: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يردف خلفه) بل أربع خصال تدل على التواضع، حديث أنس : (كان النبي صلى الله عليه وسلم يردف خلفه، ويضع طعامه على الأرض، ويجيب دعوة المملوك، ويركب الحمار) صححه الألباني. قوله: (ويضع طعامه على الأرض) فيه دليل على وضع الطعام على الأرض، وإن كان يجوز الأكل على المائدة والخوان كما تقدم، والشاهد من الحديث هذا قوله: (ويجيب دعوة المملوك) أن النبي عليه الصلاة والسلام يجيب دعوة الناس ولو كانوا مغمورين أو كانوا ضعفاء، أو كانوا لا يشار إليهم بالبنان وليسوا ذوي شرف ومكانة بين الناس، وكان يجيب إلى الطعام القليل: (لو دعيت إلى كراع لأجبت) يجيب إلى الطعام ولو كان قليلاً، ولا يستحقره أو يحتقر الداعي، لأن هذا جهده، فيجيبه إليه. ومن فوائد حديث الأنصاري الذي دعا النبي صلى الله عليه وسلم خامس خمسة أن من قصد التطفل أي: المجيء إلى الوليمة من غير دعوة لم يمنع ابتداءً، لا يقال له: لا تأت، يقال: ممكن تأتي لكن لا تدخل إلا بإذن، لأن الرجل يتبع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرده، لاحتمال أن تطيب نفس صاحب الدعوة بالإذن له، ولعله يأتي بعض الأحكام المتعلقة بالتطفل في النهاية إذا صار هناك متسع من الوقت إن شاء الله.

حكم إجابة دعوة المرأة:
والمرأة تشترك في وليمة العرس، وينبغي أن تفهم هنا حديث البخاري عن سهل قال: (لما عرس أبو أسيد الساعدي دعا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فما صنع لهم طعاماً ولا قربه إليهم إلا امرأته أم أسيد ، بلت تمراتٍ في تورٍ من حجارة من الليل، فلما فرغ النبي من الطعام أماتته له، فسقته تتحفه بذلك) وفي رواية لمسلم: (تخصه بذلك) وينبغي أن يفهم هذا الحديث فهماً صحيحاً. النووي رحمه الله قال: إن هذا الحديث كان قبل الحجاب، لأن المرأة أجنبية عنهم، وكانت تقدم لهم الطعام، وقال بعضهم: محمولٌ على أنها مستورة ستراً تاماً، وليس هناك فتنة بطبيعة الحال، فمحل ذلك أمن الفتنة ومراعاة الستر، ولذلك الأحوط أن المرأة لا تخرج على الرجال مطلقاً، خصوصاً إذا ترجح كلام من قال: إن ذلك كان قبل فرض الحجاب. وأما ما ورد من دعوة المرأة للرجل للوليمة، فقد أخرج البخاري رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك قال: أبصر النبي صلى الله عليه وسلم نساءً وصبياناً مقبلين من عرسٍ، فقام ممتناً فقال: (اللهم أنتم من أحب الناس إلي) قال القسطلاني في شرح الحديث: فلو دعت امرأةٌ امرأةً أو رجلاً لوليمة وجب أو استحب للرجل الإجابة لا مع خلوةٍ محرمة، فلا يجيبها إلى طعامٍ مطلقاً -أي: في حالة وجود الخلوة- أما إذا بعثت إليه بطعام أو لم يكن هناك خلوة ولا فتنة، فلا بأس بذلك. فالمرأة لها أن تدعو المرأة لوليمة الطعام، فما حكم إجابة المرأة المدعوة للوليمة هل هي واجبة أم لا؟ الجواب: تستأذن زوجها فإن أذن لها زوجها فإنها تذهب، بل يتعين عليها الذهاب، وإن لم يأذن فإنه لا يجوز لها الذهاب، أما دعوة المرأة رجلاً للوليمة فلا بأس بها إذا لم تكن فتنة، أي: مثلاً امرأة عندها بنت وزوجت البنت، وأبوها ميت، فصارت هي التي تدعو الناس، وهي امرأة كبيرة في السن وليس هناك فتنة، فوجهت الدعوة للرجال، فيحضرون ويطعمون وينصرفون. و مليكة جدة أنس -وهي امرأة كبير في السن- دعت النبي صلى الله عليه وسلم لطعامٍ صنعته، فأتى فأكل ولم يكن هناك خلوة ولا فتنة، أما في الأحوال التي يكون فيها فسادٌ وفتن فلا تدعو امرأةٌ رجلاً أبداً، ولذلك فرق العلماء بين المرأة الكبيرة العجوز وبين المرأة الشابة، وبين المرأة الصالحة والمرأة السوء، ولا يمكن بأي حال أن تجعل الشريعة ستاراً لأعمال الفحش.

شروط وجوب تلبية الدعوة للولائم:
نعود فنقول: إن وليمة العرس يتأكد إجابتها، والراجح الوجوب في ذلك، والأحوط أن يجيب الإنسان الدعوات الأخرى إذا لم يكن ثم مانعٌ شرعي أو مصلحة أعظم تفوت. لكن ما هي شروط وجوب تلبية الدعوة؟ ذكر العلماء شروطاً لوجوب تلبية الدعوة، والأصل أنه يجب عليك أن تلبي، ولكن متى لا يجب عليك؟ ما هي الأشياء التي لو حصلت لا يجب عليك أن تلبي، بل ربما لا يجوز لك أن تلبي الدعوة؟

ألا يخص الأغنياء:
قالوا: أولاً: ألا يخص الأغنياء، بل يعم الداعي بدعوته جميع عشيرته أو جيرانه، أو أهل حرفته أغنياءهم وفقراءهم، فإن وقع التخصيص فلا تجب الدعوة لقوله صلى الله عليه وسلم: (شر الطعام طعام الوليمة يُدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء) رواه مسلم ، وفي رواية: (يمنعها من يأتيها ويدعي إليها من يأباها) ويخرج من هذا التخصيص ما لو دعا جميع عشيرته أو أقربائه أو أهل حرفته، فكانوا كلهم أغنياء. فهنا يجب على المدعو الإتيان؛ لأنه ما خصص الأغنياء هنا، بل دعا جيرانه، فاتضح أنهم كلهم أغنياء، فهنا تجب الإجابة، لكن لو وجه الدعوة فقط للأغنياء وانتقاهم، واستثنى الفقراء من أقربائه ومن عشيرته وجيرانه، فهنا قالوا: إذا خصت الدعوة بالأغنياء لا تجب الإجابة.

أن يكون المدعو مقصوداً بنفسه:
ثانياً: أن يخص بالدعوة بنفسه أو يبعث شخصاً، هنا تجب الإجابة، إذا قال لك بنفسه: تعال، أسألك الحضور، أحب أن تحضر، فهنا يجب الحضور، أو أرسل إليك رسولاً منه ببطاقة دعوة لوليمة الزفاف، مرسولاً منه، فعند ذلك يجب الحضور، أما لو فتح باب الدار وقال: ليدخل من شاء، أو أرسل شخصاً فقال له: ادعُ من شئت، فلا يُوجب هذا على الشخص المدعو أن يجيب، لأن الداعي لم يعينه بنفسه، أو بعينه، أو يرسل له مرسولاً هو بالذات حتى يأتي، وإنما قال للرسول: ادعُ من شئت، أو قال لشخص: أنت ادعُ من جهتك، والآخر: أنت ادعُ من جهتك، فهنا لا يجب على المدعو الإتيان، أي: لو لم يجئ لا يكون آثماً ولا عاصياً. لكن لو وجهت الدعوة لشخصٍ بعينه، أو أرسل رسولاً له بعينه، أن يأتي أو بطاقة بالبريد أو بأي طريقة ولم يكن عند الآخر عذرٌ، فإنه يجب عليه الإجابة. أما لو قال: يا أيها الناس تعالوا، أو فتح الباب، فلا يجب على كل مار أمام الباب أن يدخل، والسبب واضح، لأنه إذا دعا شخصاً بعينه والشخص لم يجئ، أدى ذلك إلى وقوع الوحشة والنفرة، لكن لو قال: من شاء أيها الناس أن يأتي بدون أن يُعين شخصاً أو أشخاصاً بأعيانهم، فعند ذلك لو لم يجيئوا فلن تحدث هذه النفرة والوحشة. وكذلك لو تعنى فأرسل رسولاً أو سائقه أو خادمه إلى شخصٍ بعينه، فلا شك أنه يجد في نفسه عليه، ويكون في خاطره شيءٌ عليه، ولذلك فإن الدعوة للمعين تجب الإجابة فيها ولغير المعين لا تجب الإجابة فيها. وكذلك إذا كانت صيغة الدعوة ليس فيها إلزامٌ بالحضور، كأن قال: إن شئت فاحضر، لم يلزمه ذلك، بل قال الشافعي : إن قال له: ( إن شئت فاحضر ) فلا أحب أن يجيب، كأنه يقول: لست بعازمٍ عليك ولا بملح، ولست بمشترطٍ حضورك، إذا صار من عندك الدافع أن تأتي فافعل، أما أنا فليس عندي دافع، إن شئت أن تحضر فاحضر، فلا يجب الحضور إذا كان القائل يقصد معناها.

ألا تكون دعوته لخوف منه أو طمع فيه:
وكذلك من شروط الحضور ألا يكون إحضاره لخوفٍ منه، فلو خاف من شخص كمن يخشى أنه لو لم يدع رئيسه في العمل لأضر به، فدعا رئيسه في العمل لا محبة فيه ولا رغبة في إتيانه، وإنما خشية من أنه إذا لم يدعه فربما يضر به، أو ظالم من الظلمة، يخشى إذا لم يدعه أنه يظلمه، فهنا لا يجب على هذا المدعو أن يأتي، لأنه إنما دعي اتقاء شره، أو خشية ظلمه، فعند ذلك لا يجب عليه الإتيان. أو إن دعا شخصاً طمعاً في جاهه، أو ليعينه على الباطل، أو ليتزلف إليه وينافق، فعند ذلك لا يتوجب عليه الحضور، ولذلك يجب على الإنسان إذا دعا أن يقصد بالدعوة السنة وإعلان النكاح وإطعام الطعام؛ يقصد مقاصد صالحة، ولا يقصد التزلف إلى فلان، والمنافقة مع فلان، ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية، ويقصد بالدعوة تقريب ما بينه وبين إخوانه، والتحبب والتودد إلى إخوانه ونحو ذلك.

ألا يكون في المجلس من يتأذى به أو منه:
وكذلك مما لا يوجب الحضور أن يكون في المجلس من يتأذى به أو منه، كما إذا دُعي إلى المجلس فسقة، أو أناس عندهم مجون وفحش، أتيت إلى المجلس ووجدت فيه ناساً يقولون كلاماً بذيئاً أو طرائف وأضحوكات، لا يليق بك أن تجلس معهم، أنت صاحب دين وملتزم بالدين، ثم يدعوك مع هؤلاء السفلة عند ذلك لا يجب عليك الحضور، ولو لم تحضر لم تأثم، ولو رجعت فما عليك شيء، فمن دعا معه أراذل أو دعا معه فسقه ومجرمين معروفين بأكل الربا والسحت والسلب، فعند ذلك جلوسك معهم مضرة بك، وفيه إيذاءٌ لك، فلا يليق بك أن تجلس في هذا المجلس، فلا يجب عليك الحضور. والعلماء في الماضي كانوا يضربون أمثلة ببعض الصوفية الذين همهم أن يأكلوا الطعام، ويقولون للناس: ادعونا لتحصل لكم البركة ونحو ذلك، ويتلبسون بلباس أهل الطاعة، وربما قال: قرأت القرآن لميتك وهو قد قرأ (قل هو الله أحد) ثلاث مرات، يقصدون بذلك التزلف والمنافقة.

ألا يكون في الوليمة منكر:
وكذلك من شروط إجابة الدعوة ألا يكون هناك منكر في الدعوة، فلو كان هناك منكر فلا يجب الحضور، بل لا يجوز، كما إذا كان هناك مائدة يُدار عليها الخمر، لقوله صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعدن على مائدة يدار عليها الخمر) رواه الترمذي وحسنه. والمنكرات كثيرة في الولائم؛ مثل الملاهي المحرمة -المعازف- كالطبل والعود والطنبور والربابة والمزمار وغير ذلك من آلات المعازف، ومن الآلات الحديثة الأورج والبيانو وغيرها، فوجودها يسقط الوجوب، فمادام في الوليمة منكر سقط الوجوب، ما عاد للمجلس حرمة ولا وجوب لإجابة الدعوة، كذلك لو وضع في المجلس سجاجيد من الحرير، ومعروف أن افتراش الحرير لا يجوز، والجلوس عليه لا يجوز، أو فيه أشياء مأخوذة من مساجد أو مدارس لا يجوز له أخذها، أو أن يكون هناك مغنٍ أو مطرب أو مغنية أو مطربة، أو أن يكون هناك مطعوم محرم، أو مشروب محرم كالخمر كما تقدم، أو صور ذوات الأرواح على الجدران والسقوف والثياب، كما يفعل ذلك كثيرٌ من اللاهين العابثين. وهذه الأشياء المنقوشة والمصورة والمطبوعة والمنحوتة، إذا كانت من ذوات الأرواح، فهي تسقط وجوب إجابة الدعوة، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يدخل البيت لما رأى في الستر صورة من صور ذوات الأرواح، كذلك ستر الجدران واستعمال الحرير، فقد ورد أن صحابياً لم يدخل البيت وقد ستروا جداره بديباجٍ أخضر، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله في الحديث الصحيح: (إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة واللبن) وقال ابن عباس : لا تستر الجدران بالثياب، فبعضهم اعتبر أن ستر الجدران وتغطيتها بالقماش ونحوه مما يسقط الوجوب. أما لو كان هناك أشياء جائزة كصور لغير ذوات الأرواح، من الأشجار مثلاً ونحوها، فإن ذلك لا يسقط الوجوب، أو لُعب البنات إن كانت في البيت فإنها لا تسقط الوجوب، لأن اتخاذ لُعب البنات من الصُوف أو العِهْن جائز، وقالوا: إذا كانت صور ذوات الأرواح على الفراش الذي يوطأ ويهان ويداس عليه فإنه يجوز، وقال بعض أهل العلم: لا يجوز حتى يقطع ويُغير. وكذلك لو كان هناك مثلاً في الوليمة ملاعق من ذهب أو فضة، أو آنية ذهب أو فضة عموماً، فإن ذلك من أسباب إسقاط الوجوب، وكذلك لو كان المجلس فيه كذب وفحش مما هو منكر، وعلى رأس ذلك الاستهزاء بالدين، فيجب الخروج حينئذ، ولا يجوز الحضور.

عدم تكرار الوليمة في أيام متتابعة:
وكذلك من الأشياء التي لا تجعله واجباً الدعوة في اليوم الثاني والثالث، دعاهم في اليوم الأول فالإتيان واجب، أما الدعوة في اليوم الثاني فمكرمة، والثالث اختلفوا فيه، فقال بعضهم: إنه فخر فلا يجوز، وقال بعضهم: إنه جائز، والصحيح الجواز، وحديث: (الوليمة في اليوم الأول حق، وفي الثاني معروف، وفي الثالث رياء وسمعة) ليس له إسناد صحيح متصل. وقد يُحتاج إليه فقد يدعو في اليوم الأول قسماً من الناس وفي الثاني قسماً آخر، وفي الثالث قسماً ثالثاً، لأن الناس كُثُر والمكان ضيق، قد يدعو في اليوم الأول مثلاً أقاربه، والثاني أصدقاءه، والثالث عامة الناس، إذاً قضية الدعوة أكثر من ثلاثة أيام قد وردت أيضاً ، وليس بها بأس إذا لم يكن قصده المفاخرة والمراءاة، فإذا دعاك أول يوم، ثم دعاك ثاني يوم فالدعوة الواجبة في اليوم الأول، والثانية لا تكون واجبة.

أن يكون الداعي مسلماً:
وكذلك أن يكون الداعي مسلماً، فلو دعاك كافر فلا تجب الإجابة، وإذا كان الكافر ممن يحارب الدين فلا تجوز إجابته أصلاً، أو كان مبتدعاً فلا تجوز إجابته، وخصوصاً إذا كان صاحب بدعة كفرية، وكذلك من الشروط التي ذكروها في وجوب الإجابة أن يكون مال الداعي حلالاً، فلو كان ماله من الحرام كرجل يعمل في بنك الربا، أو يأخذ الرشاوى ونحو ذلك فإنه لا يجاب لطعامه. ومن ذلك دعوة أمراء الجور والظلم وقضاة الرشوة، فهؤلاء لا تجب إجابة دعوتهم، بل إذا كان كل مكسبهم من الحرام لا يجوز الأكل من طعامهم أصلاً.

ألا يكون هناك عذر تسقط معه صلاة الجماعة:
وكذلك يجب الإجابة ما لم يكن هناك عذرٌ شخصي، ما هي ضوابط الأعذار؟ قد اختلفوا فيها، لكن ذكر بعضهم ضابطاً، قالوا: يُعذر في عدم إجابة الوليمة بكل عذرٍ تسقط معه صلاة الجماعة. مثلاً المرض على سبيل المثال، يخشى أن يذهب ماله، أو يتلف من شدة الحر والبرد، والمطر الذي يبل الثوب، أو الاشتغال بتجهيز ميت، أو إطفاء حريق، أو رد جملٍ شارد، أو كان ممن يجب عليه السعي إلى الجمعة، فيسعى إليها، أي: قد يكون هناك دعوة لكن للنساء، وهذا الشخص يجب عليه أن يأتي الجمعة فلا يجيب الوليمة، حتى ولو كان من المحارم مثلاً. وكذلك إذا كان هناك زحامٌ شديدٌ بحيث لا يستطيع الوصول، أو كان شبعان متخماً، وكذلك مما يسقط الوجوب أن يكون عليه حق متعين كأداء شهادة، أو صلاة جنازة، والعبد لا يجب عليه الحضور إلا بإذن سيده، فإذا لم يأذن السيد لم يجز له أن يأتي، وإذا كان الداعي من الذين يطلبون المباهاة والفخر، فإنه أيضاً لا يجاب، ولو كان الداعي سفيهاً، ولم يأذن له وليه بالتصرف، فكذلك لا يجاب. وقال بعضهم: إن القاضي لا يجب عليه الإجابة، لأن الشبهة موجودة في دعوته.

ألا تسبقها دعوة أخرى:
وكذلك من الأسباب والأعذار التي تُسقط الإجابة ألا تكون مسبوقاً بدعوة أخرى قبلها، فإذا كُنت مسبوقاً بدعوة أخرى قبلها بأن دعاك شخص قبل ذلك، فإنك تجيب الأول، إذا دعا اثنان فصاعداً أجاب الأسبق، وإذا دعوه معاً كأن جاءت البطاقتان إلى بيتك في وقتٍ واحد في اليوم نفسه، فتجيب الأقرب رحماً أو الأقرب داراً لحق الجوار مثلاً. القاعدة إذاً أنك تجيب الأسبق، وقال بعض أهل العلم: إذا دعاه اثنان كل واحدٍ منهما إلى وليمة نفسه، فإن أمكن الجمع بينهما بأن تكون إحداهما عند طلوع الشمس والأخرى بعد ذلك مثلاً أجابهما، وإن لم يمكن الجمع بينهما بأن كانت في وقتٍ واحد أجاب السابق منهما، فإن استويا بالسبق أجاب أقربهما رحماً، فإن استويا في الرحم أجاب أقربهما داراً، والآن مثلاً لو دُعي الإنسان إلى ثلاث أو أربع ولائم لا يمكن أن يجيب، قد يستطيع إجابة وليمتين لكن لا يستطيع إجابة ثلاث: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286].

من مسقطات الوجوب قبول عذرك من الداعي:
كذلك مما يسقط الوجوب أن يعتذر المدعو ويقبل الداعي العذر، فإن اعتذر له فرضي عن تخلفه، فإنه لا يجب عليه أن يأتي، ولذلك لو كان عند الإنسان مصلحة أو كان عنده شيء أهم، أو أحس بشيء من الكسل والخمول والفتور، أو أراد أن ينام فاتصل بمن دعاه فاعتذر إليه، أو أرسل من يعتذر عليه، فإن وجده قد قبل ورضي رد رسوله إليه رضا الداعي عن عدم الحضور، وبذلك ينتهي الحرج عنه. وكذلك المرأة الأجنبية إذا دعت لا تجب الإجابة، وإذا كانت هناك خلوة أو فتنة فإنه لا يجوز، وليس مما يُسقط الوجوب أن يكون بين الداعي والمدعو عداوة شخصية. وكذلك لا تسقط الإجابة بالصوم، فلو كان صائماً يجيب ويدعو لهم، ولا يشترط أن يُفطر، وإذا أفطر فصام يوماً مكانه إذا كان صوم نفل، فهذا قد جمع بين أمرين حسنين، فله ما فيهما من الأجر والثواب. وعلى الإنسان بعد الطعام أن يخرج من بيت الداعي ولا يمكث فيه حتى لا يثقل على صاحب البيت، كما قال الله: فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا [الأحزاب:53] قال ابن كثير رحمه الله: فإذا فرغتم من الذي دعيتم إليه فخففوا عن أهل المنزل وانتشروا في الأرض.

حكم الإتيان إلى وليمة لم يدع إليها:
أما إذا أتى الإنسان إلى وليمة لم يدع إليها، فالذي يظهر أن هذا الأمر محرمٌ والله أعلم، من دخل بغير إذن وأكل بغير إذن، فهو كالسارق، ولذلك يحذر العلماء من التطفل والتطفيل، والتطفيل قيل: إنه مأخوذٌ من الطفل، وهو إقبال الليل على النهار بظلمته لأن الطفيلي يدخل على القوم بغير استئذان ولا يدرون من دعاه، وقيل: إنه منسوبٌ إلى طفيل رجل من بني غطفان، كان يأتي الولائم من غير أن يدعى إليها. وكان هذا الأمر مذموماً حتى في الجاهلية، وإذا أراد الإنسان أن يأتي إلى وليمة ويدعو غيره، فإنه يستأذن من صاحب الدعوة، يقول: معي فلان يأتي؟ فإن قال: نعم فيأتي به معه، أو يأتي به، فإن أراد الدخول قال: معي فلان، هل يدخل معنا؟ فإن رضي من غير إحراج فإنه يدخل ويطعم معهم، وقد ذكرنا بعض الأحاديث فيما مضى مما يتعلق بهذا الأمر. ولكن الإنسان يحذر أن يأتي إلى وليمة لم يُدع إليها وأن يكون متطفلاً، وإذا كان لرجلٍ صديق قد تأكدت حرمته به، وثبتت مخالطته له فقد رُخص في إتيان طعامه من غير أن يدعوه إليه، إذا علم أنه يؤثر ذلك، ويشتهيه ولا يكرهه، بل يرغب فيه، قال ذلك الخطيب البغدادي رحمه الله. إذا كنت تعلم أنه يُسر لو أتيته ولو بغير دعوة، وأن عدم دعوته ليست إلا نسياناً، أو أنه قال: فلان ما يحتاج دعوة لأنه صاحب محل، فهنا يجوز لك أن تأتي من غير دعوة، فهو قد اعتبرك من أصحاب البيت، فيجوز لك أن تأتي بغير دعوة. وأما التلميح بالإتيان عند الحاجة فلا بأس به إن شاء الله، كأن يكون بالشخص جوع فيلمح لرجلٍ أن يدعوه فلا بأس بذلك.

حكم التعريض بالحاجة إلى طعام من غير سؤال:
وقد جاء ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأنه رضي الله عنه كان يسأل بعض الصحابة عن مسائل أحياناً لا لأجل العلم، ولكن لأجل أن يكفوه الجوع، قال أبو هريرة : (كنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم لشبع بطني، حين لا آكل الخمير ولا ألبس الحرير، ولا يخدمني فلان ولا فلانة، وألصق بطني بالحصى، وأستقرئ الرجل الآية وهي معي كي ينقلب بي فيطعمني) وقال: (إن كنت لأسأل الرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الآية لأنا أعلم بها منه، لا أسأله إلا ليطعمني شيئاً) لأنه كان يخر من الجوع مغشياً عليه حتى يظن الناس أن به جنوناً - صرعاً- فيجثم الواحد على صدره يقرأ عليه، يريد إخراج الجن وهو ليس به صرع، ما به إلا الجوع رضي الله عنه. ولذلك حفظ هذه الآلاف من الأحاديث، قال: (فكنت إذا سألت جعفر بن أبي طالب لا يجيبني حتى يذهب بي إلى منزله، فيقول لامرأته: يا أسماء أطعميه، وإذا أطعمني أجابني، وكان جعفر يحب المساكين ويجلس إليهم ويحدثهم ويحدثونه) ولذلك كان يسمى بـأبي المساكين رضي الله عنه. فالتعريض في مثل هذه الحالة لا بأس به إن شاء الله، لأن ذلك مما يُحتاج إليه عند الحاجة إليه، أما أن يأتي الإنسان بغير دعوة ولا حاجة؛ ويفرض نفسه، فهذا هو المكروه.

من أخبار الطفيليين:
وقد جاءت الأخبار عن الطفيليين أنهم كانوا يحتالون للدخول. جاء طفيلي إلى عرسٍ فمُنع من الدخول، وكان يعرف أن أخاً للعروس غائباً، فذهب فأخذ ورقة وطواها وختمها وليس في بطنها شيء، وجعل العنوان من الأخ إلى العروس، وجاء فقال: معي كتابٌ من أخ العروس إليها، فأذن له فدخل ودفع إليهم الكتاب، فقالوا: ما رأينا مثل هذا العنوان ليس عليه اسم أحد، فقال: وأعجب من هذا أنه ليس في بطنه حرفٌ واحد، لأنه كان مستعجلاً؛ فضحكوا منه، وعرفوا أنه قد احتال ليدخل. وقيل لـنوح الطفيلي : كيف تصنع إذا لم يتركوك تدخل إلى عرس؟ قال: أنوح على الباب فيتطيرون مني فيدعونني، وكان بعضهم إذا أراد أن يدخل ذهب إلى باب النساء، فإذا أراد أن يدخل نادوه، وقالوا: من هنا من هنا، فقال: أنا أعتبرها دعوة، وليست سرقة. وأيضاً من الأشياء الظريفة التي ذكرها الخطيب البغدادي رحمه الله في كتاب التطفيل قال: عن نصر بن علي أبي عمرو الجهضمي قال: كان لي جار طفيلي، وكان من أحسن الناس منظراً، وأعذبهم منطقاً، وأطيبهم رائحةً، وأجملهم لباساً، فكان من شأنه أني إذا دُعيت إلى مدعاةٍ تبعني، فيكرمه الناس من أجلي، ويظنون أنه صاحبٌ لي، ينتظرني إذا خرجت لدعوة مشى ورائي، والناس يسمحون له بالدخول بناءً على أنه صاحبٌ لي، فاتفق يوماً أن جعفر بن القاسم الهاشمي أمير البصرة أراد أن يختن بعض أولاده، فقلت في نفسي: كأني برسول الأمير قد جاء، وكأني بهذا الرجل قد تبعني، والله لئن تبعني لأفضحنه، فأنا على ذلك إذ جاء رسوله يدعوني، فما زدت أن لبست ثيابي وخرجت، وإذا أنا بالطفيلي واقفٌ على باب داره قد سبقني بالتأهب، فتقدمت وتبعني، فلما دخلنا دار الأمير جلسنا ساعة، ودُعي بالطعام وحضرت الموائد، وكان كل جماعة على مائدة لكثرة الناس، فقُدمت إلى مائدة والطفيلي معي، فلما مد يده وشرع لتناول الطعام قلت: حدثنا رستم بن زياد عن أبان بن طارق عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من دخل دار قومٍ بغير إذنهم فأكل طعامهم دخل سارقاً وخرج مغيراً) فلما سمع ذلك قال: أنفت لك والله أبا عمرو من هذا الكلام؛ ألا تستحي أن تتكلم بهذا الكلام على مائدة سيد من أطعم الطعام، وتبخل بطعام غيرك على من سواك. ثم لا تستحيي أن تحدث عن رستم بن زياد وهو ضعيف عن أبان بن طارق وهو متروك الحديث تحكم برفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون على خلافه؛ لأن حكم السارق القطع وحكم المغير أن يعزر على ما يراه الإمام، وأين أنت من حديثٍ حدثنا أبو عاصم النبيل عن ابن دريد عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية) وهو إسنادٌ صحيحٌ ومتنٌ صحيح. قالنصر بن علي : فأفحمني فلم يحضرني له جواب، فلما خرجنا من الموضع للانصراف فارقني من جانب الطريق إلى الجانب الآخر بعد أن كان يمشي ورائي، وسمعته يقول:
ومن ظن ممن يلاقي الحر وب بألا يصاب فقد ظن عجزا
وبهذا نكون قد انتهينا من الكلام عن أحكام الوليمة، وما يتيسر من الأحكام والآداب المتعلقة بالوليمة، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.

اقرأ القرآن وأذكر ربك
16-11-2011, 04:31 AM
محاضرة( آداب عيادة المريض )للشيخ محمد المنجد


عناصر الموضوع :
1. فضل زيارة المريض
2. آداب الزيارة
3. استعمال أهل الذمة
4. من أحكام التطبيب
5. أحكام قتل الحيوانات
6. من آداب الطعام والشراب
7. من أحكام اللباس
8. من آداب النوم
9. من آداب الزواج
10. نصائح لطالب العلم
11. الأسئلة

آداب عيادة المريض:
في هذا الدرس عرض لأبيات من قصيدة الآداب لابن عبد القوي؛ مع خلاصة من شرحها غذاء الألباب للسفاريني؛ تعرض فيها الشيخ حفظه الله لزيارة المريض وفضلها وآدابها وبعض أحكام التطبيب، وأحكام قتل الحيوانات، وما يستحب قتله وما يكره وما يحرم، وبعض آداب الطعام والشراب.

فضل زيارة المريض:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: مما يعز علي في هذا المقام أن يكون هذا الدرس هو آخر درسٍ في سلسلة الآداب الشرعية، ولعل الفرصة تتاح -إن شاء الله- لإكمال هذه الآداب في مناسبةٍ قادمة، وفي ختام هذه السلسلة في هذه الأيام، لعلنا نتم الكلام عن بعض أبيات القصيدة التي ابتدأنا فيها، وهي قصيدة ابن عبد القوي رحمه الله تعالى. وكنا قد ذكرنا بعض أبيات هذه القصيدة العظيمة فيما سبق، ونختار أبياتاً أخرى من النصف الثاني من هذه القصيدة، لشرح بعضها والتعليق عليها، يقول رحمه الله تعالى:
ويشرع للمرضى العيادة فائتهم تخص رحمةً تغمر مجالس عود
أي: أن العيادة للمريض مشروعة، فائتهم، فإنك تمشي في الرحمة وتخوض فيها في ذهابك ومجيئك، وتكون مغموراً بالرحمة أثناء جلوسك فيها، والعود: جمع عائد.
فسبعون ألفاً من ملائكة الرضا تصلي على من عاد ممسىً إلى الغد
إذا عاده في المساء صلوا عليه إلى الصباح.
وإن عاده في أول اليوم واصلت عليه إلى الليل الصلاة فأسندِ
إذا عاده في الصباح واصلت الملائكة عليه الصلاة إلى الليل، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا المقصود بقوله (فأسندِ) أي: أسند الحديث في عيادة المريض والأجر فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
آداب الزيارة

تخفيف الزيارة أو تطويلها حسب حالة المريض:
فمنهم مغباً عده خفف ومنهم الذي يؤثر التطويل من متوَرِّدِ
من المرضى من يكون مغباً يعاد يوماً فيوماً، ومعنى الغب: قيل هو من (غب الإبل) وذلك إذا كانت تشرب يوماً وتترك يوماً، فقوله: فمنهم مغباً عده، أي: عده يوماً واتركه يوماً، وقال بعضهم: إذا أراد أن يكون غباً، أي يوماً في الأسبوع. فمنهم مغباً عده خفف، أي لا تطل الجلوس عنده، (ومنهم -أي ومن المرضى- الذي يُؤثر التطويل من متوردِ) والمتورد: وهو طالب الورود، وهو الذي يحب التطويل من الذين يقدمون عليه، والمرضى يختلفون، بعضهم يريدك أن تطيل عنده وتزوره كل يوم، وبعضهم قد يمل ويتعب من كثرة الزيارة والإطالة، ولذلك لابد من مراعاة الحال، ولذلك قال رحمه الله تعالى:
لا تنكد على المريض بكثرة الأسئلة
وفكر وراع في العيادة حال من تعود ولا تكثر سؤالاً تنكدِ
لا تكثر السؤال على المريض: متى جاءك المرض؟ وما هو شعورك؟ وكيف حالك؟ ونحو ذلك، كما يفعل بعض طلاب الطب مع المرضى. (ولا تكثر سؤالاً تنكدِ) تنكد على المريض.

استعمال أهل الذمة:
ومكروه استئماننا أهل ذمةٍ لإحراز مالٍ أو لقسمته اشهد
أي: يُكره أن نجعل الأمانة عند أهل الذمة لأنهم أعداؤنا في الدين فلا يؤتمنون، نعم إن منهم أمناء: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً [آل عمران:75] أي إلا إن كنت تطالبه باستمرار. (لإحراز مالٍ) أي: لحفظه، (أو لقسمته اشهدِ) أي: اشهد بذلك واعتقده ولا تعدل عنه، فإنه يُكره أن نستأمنهم وأن نستعملهم في قسمة الأموال، وأن نجعلهم ممن يوزعون الرواتب مثلاً.

الاستطباب عند أهل الكتاب :
ومكروهٌ استطبابهم لا ضرورةً وما ركبوه من دواء موصدِ
ويكره أيضاً أن نستعمل النصارى واليهود وأهل الكتاب في الطب ولو كانوا أهل ذمة، لكن إذا دعت الحاجة والضرورة فلا بأس بذلك. ولذلك قال رحمه الله: (ومكروهٌ استطبابهم لا ضرورة) أي: في حال الضرورة لا يُكره ذلك. (وما ركبوه من دواءٍ موصدِ) الموصد: المنسوج والمركب الدواء، أي: أيضاً يُكره اللجوء إليهم في تركيب الأدوية وأخذ الأدوية منهم، فإنهم قد يخلطون معها أشياء من المسمومات أو النجاسات، لأنهم قوم لا دين لهم صحيح، فربما جعلوا فيها سموماً من باب الخيانة، أو جعلوا فيها أشياء من النجاسات، لأنهم لا يحترزون عن النجاسات، وكثير من الأدوية المركبة فيها نجاسات، أو مأخوذة من النجاسة، أو ربما يكون فيها أشياء مما يُسكر.

من أحكام التطبيب:
حكم تطبيب الذكر للأنثى:
وإن مرضت أنثى ولم يجدوا لها طبيباً سوى فحلٍ أجزه ومهد
إذا مرضت أنثى من المسلمين طببتها أنثى مسلمة، فإن لم توجد أنثى مسلمة، فطبيبة كافرة، فإن لم توجد، قال: (ولم يجدوا لها طبيباً سوى فحلٍ)، قال في الشرح: أي لو كان هناك خصي أو كان خُنثى فهو أولى من الفحل الذكر، لكن إذا لم يوجد إلا الطبيب الذكر الفحل فـ(أجزه) أي: أجز تطبيبه للمرأة للضرورة، ويقدم الطبيب المسلم على الطبيب الكافر.

حكم الحقنة في المخرج:
ويكره حقن المرء إلا ضرورةً وينظر ما يحتاجه حاقنٌ قدِ
الحقنة: إيصال الدواء من المخرج إلى الجوف بالحقنة، ويكره حقن المرء إلا ضرورةً لما في ذلك من التعذيب وكشف العورة، لكن لو احتاج إلى الحقنة، فلا بأس.
ويكره حقن المرء إلا ضرورةً وينظر ما يحتاجه حاقنٌ قدِ
أي: وعلى الحاقن الذي يضع الدواء أو الحقنة في الشرج أن ينظر على قدر الضرورة ولا يتعداها.
كقابلةٍ حلٌ لها نظرٌ إلى مكان ولادة النساء في التولدِ
ومثل الحاقن الذي يحتاج إلى النظر إلى العورة لوضع الحقنة مثله في إباحة النظر للحاجة والضرورة مثل القابلة، والقابلة هي التي تولد، أحل لها النظر إلى مكان ولادة النساء ، ومكان ولادة المرأة العورة الكبرى، فيجوز لها النظر إليها في حال الولادة.

حكم إبانة عضو به آكلة وحكم قطع البواسير:
ويكره إن لم يسر قطع بواسر وبط الأذى حلٌ بقطع مجودِ
وكذلك قطع البواسير ولكن إذا لم يكن يسري ولم يكن يضر، فلا بأس به، وبط الأذى مثل الدمامل والقروح، إخراج ما فيها من صديد، إذا كان الذي يخرجها جيداً لا يضر، لأن بعض الناس قد ينبشها فتضره.
لآكلة تسري بعضوٍ أبنه إن تخافن عقباه ولا تترددِ
إذا أصاب الداء أو الآكلة عضواً واحتاجوا إلى بتره فـ(أبنه) أي اقطعه وابتره، (إن تخافن عقباه) أي: سريان الداء إلى مواضع أخرى في الجسد، مثل بعض الأمراض كالسرطان أو غيره، وإذا أصاب الداء عضواً وكان ينتشر يضطرون في بعض الأحيان لقطع العضو، فما حكم قطعه؟ الجواب: لا بأس بذلك، لأجل المصلحة العظيمة في قطعه أو درء المفسدة الكبيرة، ويلف ويدفن.

حكم الكي:
وقبل الأذى لا بعده الكي فاكرهن وعنه على الإطلاق غير مقيدِ
أي: اكره الكي قبل المرض، أما بعد المرض إذا حصل فلا بأس به، (وعنه على الإطلاق غير مقيدِ) أي: جاء أيضاً عن الإمام أحمد رحمه الله في رواية عنه بكراهية الكي على كل حال، لكن نقول: الكي إذا لم يكن له حاجة لا يستعمل، فإذا صار له حاجة فإن وجد ما يغني عنه يترك، لأن فيه استعمال النار، وفيه نوعاً من المثلة، لأنه يشوه مكان الكي، ولذلك لا يستحب فعله، لكن إن دعت الحاجة إليه ولم يكن إلا هو فلا بأس بذلك، فإن آخر الدواء الكي.

حكم الخصاء:
وفيما عدا الأغنام قد كرهوا الخصا لتعذيبه المنهي عنه بمسندِ
أي: وفيما عدا الأغنام يُنهى عن الخصا، وهو قطع الخصيتين، لكن في الأغنام يباح، والسبب أنه أطيب للحمها، وقد ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين موجوءين خصيين. فقطع خصيتيه لهذا لا بأس به لأجل طيب لحمه وما ينتج عنه لأجل المصلحة، لكن غيره لا يُقطع، ولذلك قال: (وفيما عدا الأغنام قد كرهوا الخصا لتعذيبه) لماذا لا يجوز الخصاء؟ لأن فيه تعذيباً ومثلة. (لتعذيبه المنهي عنه بمسندِ) المسند: الحديث المسند مثل حديث الصحيحين : (لعن الله من مثل بالحيوان).

قطع قرون الدواب وشق آذانها:
وقطع قرونٍ والأذان وشقها بلا ضررٍ تغيير خلقٍ معودِ
وأيضاً مما يُنهى عنه قطع القرون، قرون الشاة مثلاً (والأذان) هي الآذان، فهي أيضاً لا تُقطع، لأن الشيطان قال كما حكى الله عنه: وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ [النساء:119]، (وشقها): شق الآذان، (بلا ضررٍ تغيير خلقٍ معودِ) لماذا لا يقطع قرنها ولا تشق أذنها؟ لأنه من تغيير خلق الله، وإليه الإشارة بقوله: (تغيير خلقٍ معودِ)، أي: الخلق المعتاد، لا نفعله لئلا نغير خلق الله.

أحكام قتل الحيوانات :
ما يستحب قتله:
ويَحسن في الإحرام والحل قتل ما يضر بلا نفعٍ كنمرٍ ومرثدِ
انتقل رحمه الله لبيان بعض ما يتعلق بأحكام قتل الحيوانات، قال: (ويحسن في الإحرام والحل) في الحل والإحرام (قتل ما يضر) سواء كنت محرماً أو غير محرم، وفي حدود الحرم أو خارج حدود الحرم، يجوز لك (قتل ما يضر بلا نفعٍ)؛ لأن الحيوانات على ثلاثة أقسام: منها: ما ينفع بلا ضرر، ومنها: ما يضر بلا نفع، ومنها: ما ينفع ويضر، وسيأتي حكم كل واحدٍ من هذه الثلاثة. قال:
ويحسُن في الإحرام والحل قتل ما يضر بلا نفعٍ كنمرٍ ومرثدِ
والنمر: ضربٌ من السباع فيه شبهٌ من الأسد، غير أنه شرسٌ جداً، لا يملك نفسه عند الغضب، وربما قتل نفسه من شدة الغضب، فهذا يجوز قتله في الحل والحرام، والمرثد: اسمٌ من أسماء الأسد، والأسد له عند العرب أكثر من خمسمائة اسم، ومن أشهر أسمائه عندهم أسامة والحارث وحيدرة والهزبر والضرغام والضيغم والعنبس والغضنفر وقسورة والهرماس والليث؛ فمرثد هنا من أسماء الأسد، ولذلك قال:
ويحسن في الإحرام والحل قتل ما يضر بلا نفعٍ كنمرٍ ومرثدِ
فالأسد مما يباح قتله لأنه من السباع الضارية المعتدية، لكنه إذا ترك فريسةً لا يعود إليها، وإذا ولغ الكلب في ماء لا يشربه، فهو يأنف أن يشرب من الماء الذي ورد فيه الكلب. قال:
وغربان غير الزرع أيضاً وشبهها كذا حشرات الأرض دون تقيدِ
أي: أن الغربان يجوز قتلها، مثل الغراب الأبقع، لكن إذا كان من غراب الزرع، فلا يجوز قتله للمحرم، لأنه من الصيد، لجواز أكله، وغراب الزرع منقاره أحمر، فلا يصيده المحرم، وإنما الذي يقتله المحرم الغراب المعروف الذي لا يكون في الزرع وسمي الغراب بهذا لأنه أسود. ومما يشبه الغراب مما يقتل الحدأة والقنفذ أيضاً فإنه يباح قتلها في الحل والحرم، وهو خبيث لا يؤكل؛ فالصحيح أنه لا يجوز أكله ولو ذكي. (كذا حشرات الأرض دون تقيدِ): والحشرات كثيرة مثل الصرصور وغيره، وضرب لها أمثلة في البيت الذي بعده فقال:
كبقٍ وبرغوثٍ وفأرٍ وعقربٍ ودبرٍ وحيات وشبه المعددِ
فالبق معروف، والبرغوث هو من الحشرات التي لها أداةٌ تمص بها الدم، حتى إن بعض الظرفاء قال:
لا تسب البرغوث إن اسمه برٌ وغوثٌ لك لا تدري
فبـره مـص دمٍ فاســدٍ وغوثه الإيقـاظ للفجـر
والفأر هو الجرذ، والعقرب هي من أفتك ما يدب على الأرض، حتى إنها تقتل الحية، وكم تهلك الأفاعي بسموم العقارب! ومنها أنواعٌ إذا لدغت إنساناً تساقط لحمه وتناثر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لعن الله العقرب لا تدع مصلياً ولا غيره) وجاء أن العقرب لدغت النبي عليه الصلاة والسلام، وجاء أن عقرباً لدغت أحد أصحابه، فأراد صاحبٌ له أن يرقيه، فاستأذن النبي عليه الصلاة والسلام، فأذن له، وقال: (إن استطاع أحدكم أن ينفع أخاه بشيءٍ فليفعل) فالرقية من سم العقرب مشروعة. الدَبْر: جمع دبور، وهو الزنبور، وقد جاء في الحديث الصحيح: أن عاصم بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه لما قتله المشركون أرادوا أخذ جثته، وكان قد عاهد الله ألا يمس مشركاً ولا يمسه مشرك، فأرسل الله الدَبْر، فأظله، فجاءوا ليأخذوه فلم يستطع المشركون أخذ جثته لأن الدبر -الزنابير- قد أظلته، فلم يستطيعوا مد أيديهم إليه. والزنبور مما يحل قتله وربما تجتمع الزنابير على رجل فتقتله، وقد ذكروا أن رجلاً كان مع صحبه، فسب أبا بكر و عمر ، فبعد حين جاءت الزنابير إليه فاجتمعت وهي كثيرةٌ عليه فاستغاث بأصحابه، فأرادوا أن يغيثوه فاتجهت إليهم، فنفروا عنه حتى مات، قال أحدهم: ثم جاء زنبورٌ منها على أحدنا فلم يصبه بشيء، فعلمنا أنها مأمورة. قال:
كبق وبرغوث وفأر وعقرب ودبر وحيات وشبه المعدد
والحيات يجوز قتلها أيضاً للمحرم وغير المحرم، وسيأتي بعض الاستثناءات، (وشبه المعددِ): وهي الأشياء التي تشبه ما عددناه قبل قليل، يجوز قتلها كالوزغ مثلاً.

ما يكره قتله :
ويُكره قتل النمل إلا مع الأذى به واكْرَهَنْ بالنار إحراق مفسدِ
فإذاً قتل النمل منهي عنه، إلا إذا صار مؤذياً، فيجوز قتله، مثل أن تكون له قرصةٌ مؤذية، والنمل أنواع منها ما يكون له قرصةٌ مؤذية، ومنها ما ليس بمؤذٍ، ومنه ما يدخل في الطعام ويفسد، ومنه ما هو مسالم، فإذا كان النمل مؤذياً سواءً بقرصته أو بإفساده للطعام ودخوله فيه ونحو ذلك، فإنه يجوز قتله، ولذلك قال: (ويكره قتل النمل)، لأن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن قتل أربع: النمل والنحل والهدهد والصرد). (ويكره قتل النمل إلا مع الأذى به) فإنه لا يكره ، (واكْرَهَنْ بالنار إحراق مفسدِ): فإذاً بالنار لا تُحرق الحيوانات ولا ذات الأرواح، يُنهى عن إحراق كل ذي روح، لأنه لا يعذب بالنار إلا رب النار.
ولو قيل بالتحريم ثم أجيز مع أذىً لم يزل إلا به لم أُبَعِّد
أي: لو قيل أنه لا يجوز التحريق بالنار، إلا إذا كان هناك مؤذٍ لا يزول إلا بالإحراق، أو بتدخينه، (لم يزل إلا به) أي: بالتحريق جاز، ولو قلنا بجوازه، قال الناظم: لم أُبَعِّدِ: أي: لم أبعد عن الحق.
ويُكره لنهي الشرع عن قتل ضفدعٍ وصردان طيرٍ قتل ذين وهدهدِ
فإذاً نهى الشرع عن قتل الضفدع، لما رواه أحمد و أبو داود : (أن طبيباً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ضفدع يجعلونها في الدواء، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن قتلها). إذاً لا يجوز استعمال الضفدع أو أخذ شيء منه للدواء، وعلى الذين يركبون الأدوية ألا يأخذوا من الضفادع شيئاً، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتلها، وجاء أن نقيقها تسبيح، لكنه لا يصح. والله أعلم. فلما كان ليس منها فائدة لا هي تؤكل ولا يستخرج منها دواء، فلماذا تقتل؟ فلا تقتل إلا إذا كانت مؤذية، لكن في الأحوال العادية لا تُقتل.
ويُكره لنهي الشرع عن قتل ضفدعٍ وصردان طيرٍ قتل ذين وهدهدِ
صرادن: جمع صرد، والصرد نوع من الطيور لا يؤكل لحمه، فكان قتله من باب العبث، ولذلك يُترك، وعموماً لا يجوز العبث بقتل الدواب عموماً، إما أن يكون هناك فائدة من قتله كالصيد أو الأكل أو يكون فيه دفع ضرر، وإلا فلا تقتل أي بهيمة بدون سبب، فلا تقتل للتسلية مثلاً. أي: لا تقتل الضفدع والصرد، والهدهد أيضاً، وكنية الهدهد أبو الأخبار، وهو الذي جاء لسليمان عليه السلام وقال له كما ذكر الله في كتابه: وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ [النمل:22-23]. قال:
ويكره قتل الهر إلا مع الأذى وإن ملكت فاحظر إذاً غير مفسدِ
فإذاً الهر لا يقتل، ومن أسمائه البس والسنور والقط، إلا إذا صار مؤذياً، بأكل الفراخ وكفء القدور، فإن بعضها قد يؤذي بأكل الفراخ وكفء القدور. وبعض الناس يقول: عندنا قطة تؤذينا أو عندنا بسٌ يؤذينا أو عندنا هر يدخل علينا فيؤذينا واحترنا معه وأخرجناه خارج البيت ورجع، ويلد عندنا ويؤذينا بنتنه وأولاده ونحو ذلك، فهذا يُؤخذ ويرمى بعيداً ولا يقتل، لكن لو لم يندفع شره إلا بالقتل، كأن يكون ممن يخدش ويفعل الأشياء المؤذية والضارة بالأطفال، وربما مات طفلٌ بسبب أن قطاً كبيراً جلس على وجهه حتى خنقه فمات، فإذاً قد يكون القط مؤذياً، ندفعه ونطرده، فإذا لم يكن دفعه ممكناً إلا بالقتل فيقتل في نهاية المطاف، وإن مُلكت، أي مُلك القط فاحظر: أي لا تقتله لأنه صار ملكاً للغير (إذاً غير مفسد) إذا كان غير مفسد فلا يقتل، فإذا كان مفسداً يقتل.

قتل الحيات:
وقتلك حيات البيوت ولم تقل ثلاثاً له اذهب سالماً غير معتد
مما ينهى عنه أيضاً: قتل حيات البيوت، إذا لم تنذرها ثلاثاً ولم تقل: اذهب سالماً غير معتد. وحيات البيوت هذه فيها كلام طويل، بعض العلماء يرى أنه لا يجوز قتل حيات البيوت إلا بعد إنذارها في أي مكان، وبعضهم قال: إن هذا خاص بـالمدينة ، بيوت المدينة لا تُقتل فيها الحيات، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن جناً بـالمدينة قد أسلموا) والجن منهم من يكون على هيئة حيات، ومنهم من يكون على هيئة السعالي، ومنهم من يطيرون، ومنهم من يحلون ويظعنون مثل أهل البادية. فما دامت الجن تتمثل بالحيات والكلاب، فلابد من إنذار الحية قبل قتلها، علماً بأن الكلب الأسود شيطان فيقتل مباشرة، لكن الحية قد تكون جناً مسلماً، وقد تكون جناً كافراً، وقد تكون حية أفعى أصلية. فالآن العلماء بعضهم قال: إن حيات البيوت تنذر إذا وجدت في بيوت المدينة للحديث، وبعضهم قال: لا تقتل الحيات العوامر التي تسكن البيوت في أي بيتٍ وفي أي: مدينة، إذا وجدها لا يقتلها مباشرة، وإنما يُنذرها. واختلف العلماء في معنى ثلاثاً التي جاءت في الحديث، هل هي ثلاثة أيام، أو هي ثلاث مرات، هل ينذرها ثلاثة أيام كل يوم يقول: أحرج عليك بالله أن تخرجي، أي: أقسم عليك بالله أن تخرجي وتتركي بيتنا مثلاً؟ إن كان جناً مسلماً فسيغادر، وإن لم يغادر فهو شيطان فاقتله، هكذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام. لكن اختلفوا هل هي ثلاثة أيام أو ثلاث مرات؟ ثم إن الإنسان لو أنذرها ثلاثاً ولم تخرج، فليس ملزماً أن يبقيها في البيت، ممكن يدخلها في كيس أو شيء ويحاصرها ويرميها بعيداً أي: لا يقتلها، أي: واحد لو قال: أنا أنتظرها حتى تذهب وتدخل في المتاع ولا أدري أين تذهب، وقد تكون أفعى عادية وليس لها علاقة بالجن، فماذا أفعل هل أتركها؟ نقول: أنتَ لست ملزماً بإبقائها في البيت، لكن أنت تنهى عن قتلها فقط، حتى تنتهي المهلة، إذا وجدتها بعد ذلك فاقتلها ولا حرج. وجاء أن رجلاً من شباب الأنصار كان عند النبي صلى الله عليه وسلم وكان شاباً قوياً، وأراد الشاب أن يذهب فأذن له وأمره أن يأخذ معه سلاحه وقال: إني أخاف عليك، فلما جاء إلى بيته وجد امرأته عند باب الدار خارجة، وكان رجلاً له غيرةً قوية، فهم أن يضربها بالرمح فيقتلها، لأنها خارج البيت من غير حجاب، فقالت: اصبر وادخل فانظر ما الذي أخرجني، فدخل فوجد حيةً عظيمةً قد تكومت فانتظمها برمحه قتلها ثم ركزها على الحائط فانقلبت عليه، فلا يُدرى أيهما أول موتاً الحية أم الفتى، فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم بذلك قال: (إن جناً بـالمدينة أسلموا) فالمهم أنه إذا وجدها ينذرها ثلاثاً، يقول: أقسم عليك بالله ثلاثاً أن تخرجي وتدعي هذا البيت، ونحو ذلك من العبارات، فإن كانت جناً مسلمةً خرجت ولم تؤذ، وإن كانت شيطاناً عصت فاستحقت القتل.
وذو الطفيتين اقتل وأبتر حيةٍ وما بعد إيذانٍ ترى أو بفدفدِ
هناك حيات تقتل مباشرةً سواء كانت في البيت أو خارج البيت، وذو الطفيتين، نوع معين من الحيات له خطان على ظهره، خطان متوازيان، قيل خطان أبيضان، وقيل خطان أسودان، هذا يسمى ذا الطفيتين، يُقتل مباشرة لا بإنذار ولا بشيء. (وأبتر حيةٍ) هذا نوع من الحية؛ والأبتر عظيم النهاية، الحية تكون في العادة غليظة من فوق والمنتصف ثم في النهاية تدق حتى يكون لها ذنبٌ أو ذيلٌ دقيق في النهاية، أما الأبتر هذا فكأنه مقطوع الذنب، فهو من جهة الذنب في النهاية غليظ، كأنه مقطوع الذيل، فهذا الأبتر يقتل مباشرة؛ وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام قال في حديث في الصحيحين : (فإنهما يسقطان الحبل ويلتمسان البصر) أي: أن المرأة تسقط الولد الذي في بطنها بمجرد رؤيته، وكذلك يلتمسان البصر، قيل: إنه بمجرد النظر إليه يُعمي، وقيل: إنه يستهدف بصر الإنسان عند اللسع، ففيه قوةٌ سمية تسبب العمى، ونظراً لضرره ولأن الجني المسلم لا يتمثل بهذا النوع فإنه يقتل مباشرةً.
وذو الطفيتين اقتل وأبتر حيةٍ وما بعد إيذانٍ ترى أو بفدفدِ
والفدفد: هي الفلاة، فالحيات في الفلاة تقتل مباشرة، لا يلزم تحريج ولا قسم ولا شيء، فالحكم إذاً بالتحريج خاصٌ بحيات البيوت، ويستثنى من حيات البيوت ذو الطفيتين والأبتر.

حكم قتل ما فيه ضر ونفع:
وما فيه إضراراٌ ونفعٌ كباشقٍ وكلب وفهدٍ لاقتصاد التصيدِ
انتقل الآن إلى النوع من الحيوانات الذي فيه نفعٌ وضر، نفعٌ من جهة، وضرٌ من جهة، (وما فيه إضرارٌ ونفعٌ كباشقٍ) وهذا مثل البازي والصقر، الباشق قد يكون أحياناً يُؤنس ويستوحش أحياناً، وإذا صار أنيساً صاد ونفع صاحبه، وإذا صار مستوحشاً آذى ، فهذا تكون أنت مخيراً في قتله وتركه. (وكلب) وكذلك الكلب، (وفهدٍ لاقتصاد التصيد) فإن الكلاب والفهود يمكن أن تدرب للصيد، فالفهود ممكن أن يصاد بها، ويجوز الصيد بها ، فإذا صار نافعاً يترك، وإذا صار مؤذياً يُقتل، مثل الكلب الأسود يُقتل لأنه شيطان، والكلب العقور الذي منه داء الكلب، فهو أيضاً يقتل لضرره.
إذا لم يكن ملكاً فأنت مخيرٌ وإن ملكت فاحظر وإن تؤذ فاقددِ
فإذا كان لا يملكه أحداً غيرك فأنت مخيرٌ بين قتله وتركه، (وإن مُلكت فاحظر) أي: لا تقتلها لأنها ملكٌ لغيرك، (وإن تؤذ فاقددِ) أي: فاقتلها إذا آذت.

من آداب الطعام والشراب:
ثم قال رحمه الله:
ويكره نفخٌ في الغـدا وتنفـسٌ وجولان أيدٍ في طعـامٍ موحـدِ
فإن كان أنواعاً فلا بأس فالذي نهى في اتحادٍ قد عفا في التعددِ
سبق في آداب الطعام أن الإنسان يأكل مما يليه، فإذا كان الطعام مختلفاً كالفاكهة المتنوعة، فيجوز أن يأخذها مما لا يليه.
وأخذٌ وإعطاءٌ وأكلٌ وشر به بيسراه فاكره ومتكئاً ذُدِ
فالأكل والشرب والأخذ والإعطاء باليسار من فعل الشيطان فلا تفعله.
وأكلك بالثنتين والأصبع اكرهاً ومع أكل شين العرف إتيان مسجدِ
الأكل بالأصبع الواحدة والثنتين كبر ، وبالثلاث سنة، (ومع أكل شين العرف): الرائحة الكريهة، لا تأت المسجد إذا أكلتها.
ويكره باليمنى مباشرة الأذى وأوساخه مع نثر ما انفه الردي
فإذاً باليمنى لا تخرج الأوساخ ولا تباشر النجاسات ولا تخرج ما في أنفك.
كذا خلع نعليه بها واتكاؤه على يده اليسرى ورا ظهره اشهـدِ
أي إذا خلع نعله بدأ باليسرى، وإذا انتعل بدأ باليمنى، والاتكاء على اليد اليسرى وإلقاؤها خلف الظهر قد ورد النهي عنه في سنن أبي داود وهو حديثٌ صحيح.
ويكره في التمر القران ونحوه وقيل مع التشريك لا في التفردِ
أي: إذا كان له شركاء فيه، إما إذا كان يأكل لوحده فلا بأس، وتقدم في آداب الطعام.
وكن جالساً فوق اليسار وناصب اليمين وبسمل ثم في الانتـهاء احمدِ
ويكره سبق القوم للأكـل نهمـةً ولكن رب البيـت إن شـاءَ يبتـدي
ولا بأس عند الأكل مـن شبـع الفـتى ومكروهٌ الإسراف والثلث أكدِ
ويحسن تصغير الفتى لقمة الغدا وبعد ابتلاع ثنـي والمضـغ جـودِ
أي: تجويد المضغ من آداب الطعام.
ويحسن قبـل المسـح لعـق أصابعٍ وأكل فتات ساقطٍ بتثردِ
وغسل يدٍ قبل الطعام وبعـده ويكره بالمطعـوم غير مقـيدِ
أي: لا تغسل يدك بالأشياء المطعومة، أما الماء فهو للغسل.
وما عفته فاتركه غير معنفٍ ولا عائبٍ رزقاً وبالشارع اقتدِ

النهي عن عيب الطعام:
ولا تشربن من في السقاء وثلمة الإناء وانْظُرَنْ فيه ومصاً تَزَرَّد
أي: لا تشرب من فم الإناء ولا من ثلمته، فالشرب من فيه يسبب رائحة نتنة وإيذاء من بعدك واختلاط الشراب بما يُغير رائحته، وقد تكون هناك حشرة بداخل هذه القربة، ولذلك لا تشرب من الفم مباشرة حتى لا تدخل في الجوف. فهذه من فوائد عدم الشرب من في الإناء، ألا تنتنه فتؤذي من بعدك، وألا يكون فيه حشرة -مثلاً- فتبتلعها معه. وأما الثُلم المكسورة فلا تشرب منها؛ فإنها مجتمع أوساخ، وقد يكون فيها جراثيم أيضاً، وكذلك ربما جرح فم الشارب. (وانظرنَ فيه) أي: تأكد ألا يكون فيه حشرة ونحوها. (ومصاً تزردِ) أي: لا تعبه عباً، ولكن ارشفه رشفاً رقيقاً ومصه مصاً، فإنه أهنأ وامرأ.
ونح الإناء عن فيك واشرب ثلاثة هو أهنا وامرا ثم ارو لمن صدي
أي إذا شربت الشربة الأولى فنحه عن فيك، ولا تتنفس فيه.

من أحكام اللباس:
ويكره لبسٌ فيه شهرة لابسٍ وواصف جلدٍ لا لزوجٍ وسيدِ
إذاً: يُنهى عن اللباس الذي يتميز به الإنسان عن سائر الناس، اللباس الذي يلفت الأنظار، فهو لباس شهرة، وقد توعد صاحبه يوم القيامة أن يُلهب فيه النار، وبالنسبة للمرأة لا يجوز لها أن تلبس ما يصف الجلد، إلا لزوجها، أو سيدها إذا كانت أمة.
وإن كان يبدي عـورةً لسـوا هما فذلك محذورٌ بغير تـردد
وخير خلال المرء جمعاً توسط الأمور وحالٌ بين أردى وأجودِ
أي: لا تلبس غالياً جداً ولا رديئاً جداً.
وأحسن ملبوسٍ بـياضٌ لميت وحيٍ فبيض مطلـقاً لا تسـود
فلبس البياض سنة للحي والميت.
وأحمر قانٍ والمعصفر فاكرهن للبس رجال حسبُ في نص أحمدِ
فإذاً لبس الأحمر القاني للرجال منهي عنه، أما إذا كان أحمر مخططاً فلا بأس، لبس النبي عليه الصلاة والسلام حبرةً أو إزاراً أو ثوباً فيه خطوط، أما الثوب الأحمر القاني فلا يلبسه الرجل، نعم تلبسه المرأة، أما الرجل فلا يلبس الأحمر القاني، لا بدلة رياضة ولا غيرها. إما إذا كان مخلوطاً بغيره كهذه الأغطية للرأس مخلوطةٌ بالبياض فلا تدخل في ذلك، والمعصفر المصبوغ بالعصفر هذا لا يلبس أيضاً للرجال، وهو من ثياب النساء. قال رحمه الله:
ويحرم سترٌ أو لباس الفتى الذي حوى صورةً للحي في نصِ أحمدٍ
فالثوب الذي فيه صورة من ذوات الأرواح لا يجوز لبسه لا للصغار ولا للكبار، لا للنساء ولا للرجال، الثياب التي فيها صور لذوات الأرواح لا يجوز لبسها.
وأطول ذيل المرء للكعب والنسا من الأزر شبراً أو ذراعاً لتزددي
بالنسبة للرجل لا يلبس تحت الكعبين، بالنسبة للمرأة ترخي شبراً أو ذراعاً لأجل عدم انكشاف الساقين عند هبوب الريح أو عند طلوعها ونزولها مثلاً، فيُرخص للمرأة أن تُرخي ذيلها شبراً أو ذراعاً من الخلف حتى إذا هبت الريح لم تكشف شيئاً من عورتها.
وأشرف ملبوسٍ إلى نصف ساقه وما تحت كعب فاكرهنه وصعّدِ
اصعد فوق الكعبين، وأحسنه إلى منتصف الساق.
وللرسغ كم المصطفى فإن ارتخى تناهى إلى أقصى أصابعه قدِ
السنة الكم إلى الرسغ، فإن تناهى أطراف الأصابع لا بأس، لكن بعض الناس عندهم أكمامٌ ذات أخراج وعمائم ذات أبراج، فهذه من أنواع الإسبال، فهناك شيء اسمه إسبال الأكمام، إذا كانت الأكمام واسعة جداً، فهذا من إسبال الأكمام فيُنهى عنه، وكذلك ما يلبس الواحد كماً يُغطي اليدين والأصابع ويمتد، والسنة أن يكون إلى الرسغ، ولو جاوزه قليلاً فلا حرج.
ويحسن تنظيف الثياب وطيها ويكره مع طول الغنى لبسك الردي
تنظيف الثياب وطيها مستحسن، وإذا كنت غنياً فلا تلبس الردي: (إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده).
ومن يرتضي أدنى اللباس تواضعاً سيكسى الثياب العبقريات في غدِ
الذي يتواضع في لباسه يكسوه الله يوم القيامة من الحلل ما شاء لأنه تواضع.
وقل لأخٍ:
أبل وأخلق ويخلف الإله كذا قل عش حميداً تسدد
فيقال لمن لبس ملبوساً جديداً: أبل وأخلق، ويخلف الله، كذلك تقول له: (البس جديداً، وعش حميداً، ومت شهيداً) كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لـعمر .

من أحكام الخواتم:
ولا بأس بالخاتم من فضةٍ ومن عقيق وبلورٍ وشـبه المعـددِ
يجوز اتخاذ خاتم الفضة للرجال، ولو كان فيه فص من عقيق أو بلور فلا بأس بذلك.
ويكره من صُفرٍ رصاصٍ حديدهم ويحرم للذكران خاتم عسجدِ
(من صفر) هو النحاس، (رصاص) خاتم الرصاص ، (حديدهم): خاتم الحديد، يكره هذا للرجال، (ويحرم للذكران خاتم عسجد) يحرم على الذكر أن يلبس خاتماً من الذهب.
ويحصل في اليسرى كأحمد وصحـ به ويُكره في الوسطى وسبابة اليدِ
إذا لبست الخاتم باليمين أو لبسته بالشمال، فكلاهما وارد في السنة، وتضعه في الخنصر أو البنصر، لا تضعه في الوسطى ولا السبابة، فقد ورد النهي عن ذلك كما جاء في صحيح مسلم في النهي عن لبس الخاتم في السبابة أو الوسطى والتي تليها، فلا تلبس في الوسطى ولا السبابة، والبس في الخنصر أو البنصر.
ويحسن في اليمنى ابتداء انتعاله وفي الخلع عكسٌ واكره العكس ترشدِ
فإذاً عند الخلع تخلع اليسرى أولاً ثم اليمنى، وعند اللبس تلبس اليمنى أولاً ثم اليسرى.
ويكره مشي المرء في فرد نعله اختياراً أصخ حتى لإصلاح مفسدِ
فإذاً يكره للإنسان أن يمشي في النعل الواحدة، والسبب أنه قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنها مشية الشيطان (فإن الشيطان يمشي في النعل الواحدة) وإن انقطعت إحدى الفردتين، فاقتلع الاثنتين حتى تصلحها وتمشي بهما جميعاً أو تحفيهما جميعاً.
وسر حافياً أو حاذياً وامش واركبن تمعدد واخشوشن ولا تتعودِ
إذاً من السنة أن الإنسان يمشي حافياً أحياناً، لأجل أن يخشوشن وقوله: تمعددُ أي: انتسبوا إلى معد بن عدنان، إلى معد الذي كان من عادته الرجولة والخشونة.
ويكره في المشي المطيطـي و نحوها مظنة كبرٍ غير في حرب جحدِ
(المطيطي) مشية فيها خيلاء، وقوله: (غير في حرب جحدِ) أما في الحرب فيجوز أن تتبختر وتتمخطر بين الصفين إغاظة للعدو.
ويكره لبس الخف والأزر قائماً كذاك التصاق اثنين عرياً بمرقدِ
لا تلبس حذاء يحتاج إلى مئونة في لبسه واقفاً، كالأحذية التي لها رباطات، قيل: حتى لا يسقط، وقيل: حتى لا يظهر قفاه ظهوراً قبيحاً، وقيل: إنه دليل على الكبر، فنزوله إلى الأرض لربط حذائه أحسن، فإذاً الأحذية التي فيها رباطات يُنهى عن لبسها قائماً، فالسنة أن يلبسها جالساً، أما هذه النعال التي تُدخل الرجل فيها إدخالاً يسيراً فلا يحتاج إلى جلوس للبسها.

من آداب النوم:
ويكره لبس الخف والأزر قائماً كذاك التصاق اثنين عرياً بمرقدِ
نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يلتصق اثنين عرياً بمرقدٍ واحد، نهى أن يضطجع الرجلان ويتغطيان بغطاءٍ ليس عليهما شيءٌ من الثياب.
وثنتين وافرق في المضاجع بينهم ولو إخوةً من بعد عشرٍ تُسدد
يتأكد التفريق بين الأطفال في المضاجع، حتى لا يقع الفساد بينهم، سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً، لا شك أن التفريق بين الذكور والإناث أوجب، ولكن حتى لو كانوا ذكوراً بمفردهم بمعزل أو إناثاً بمعزل أيضاً يفرق بينهم في المضاجع، وبالذات بعد سن العشر.
ويكره نوم المرء من قبل غسله من الدهن والألبان للفم واليدِ
حتى لا ينام وفيه زفر، قال:
ويكره نومٌ فوق سطحٍ ولم يُحط عليه بتحجيرٍ لخوفٍ من الردي
الذي ينام على سطح ما له سور، يمكن أن يكون عرضة للسقوط، فلا يفعل ذلك حتى لا يسقط، فمن فعله فقد برئت منه العهدة.
ويكره بين الظل والشمس جلسةٌ ونومٌ على وجه الفتى المتمددِ
وذلك لأن الجلوس بين الظل والشمس مجلس الشيطان؛ فلا تجلس فيه، والنوم على البطن منهي عنه؛ لأنه ضجعة أهل النار؛ فلا تضطجع هذه الضجعة.
ويحسُن عند النوم نفض فراشه ونومٌ على اليمنى وكحلٌ بإثمدِ
(ويحسُن عند النوم نفض فراشه ) كما جاء في السنة، فربما كان فيه شيء أو حشرة. والكحل الإثمد لونه يميل إلى الأحمر أو الأصفر أو البني، وهو يجلو البصر، ولذلك الاكتحال بالإثمد مما يجلو البصر ويُحسن النظر.

من آداب الزواج:
وخذ لك من نصحي أُخَيَّ نصيحةً وكن حازماً واحضر بقلبٍ مؤيدِ
ولا تنكحن من تسمو فوقك رتبـةً تكن أبداً في حكمها فـي تنـكدِ
إذا أردت أن تتزوج فلا تتزوج واحدة أغنى منك، أو أشرف منك أو أعلى رتبة منك، فإنها ستتطاول عليك وتقول: أنا كذا وأنت كذا، علماً أن هذا ليس بشرط، غير أنها في العادة تتطاول خاصة عند حصول الخلاف ، وتذكرك بفضلها عليك في مالٍ أو نسبٍ.
ولا تَرْغَبَنْ في مالها وأثاثها إذا كنت ذا فقرٍ تذل وتضهدِ
إذا كنت ذا فقرٍ، فلا تأخذ منها، وليس بالضرورة إذا أخذ منها أن تذله، لكن الإنسان يستغني أحسن.
ولا تَسْكُنَنْ في دارها عند أهلها تسمع أذىً أنواع من متعددِ
أحسن لك ألا تسكن عند أهل المرأة، اسكن لوحدك، حتى لا تسمع شيئاً من الأذى، وأيضاً هذا ليس بالضرورة، قد يكون أهلها فيهم خير وطيبة، وأنت محتاج فلا بأس.
وكن حافظاً إن النساء ودائـعٌ عوانٍ لدينا احفـظ وصيـة مـرشدِ
ولا تطمعَنْ في أن تقيم اعوجا جها فما هي إلا مثل ضـلعٍ مـرددِ
وخير النسا من سرت الزوج منظراً ومن حفظته في مغيبٍ ومشهدِ
قصيرة ألفاظٍ قصـيرة بيتـها قصيرة طرف العيـن عن كـل أبعدِ
تغض البصر، قليلة الكلام، دائماً في البيت.
عليك بذات الدين تظفر بالمنى الودود الولود الأصل ذات التعبدِ
ذات التعبد: صاحبة الدين.

نصائح لطالب العلم:
ثم قال رحمه الله:
ولا يذهبن العمر منك سبهللاً ولا تُغبننْ بالنعمتين بل اجهد
سبهللاً: أي فراغاً بدون فائدة، ولا تغبننْ بالنعمتين: أي الصحة والفراغ.
فمن هجر اللذات نال المنى ومن أكب على اللذات عض على اليد
أي: ندماً بعد الموت حين فات الأوان.
وخيـر جليـس المـرء كتـبٌ تفيـده لـومــاً وآدابـاً كعقـلٍ مـؤيدِ
وخالط إذا خالطت كـل موفـقٍ مـن العـلمـا أهـل التقـى والـتعـبدِ
يفيدك من علمٍ وينهاك عن هوى فصاحبه تُهـدى مـن هـداه وتـرشـدِ
وإياك والهماز إن قمـت عنـه البـذي فـإن المـرء بالمـرء يقتـدي
وحافظ علـى فعـل الفـروض بوقتها وخذ بنصيبٍ في الدجى من تهجدِ
وناد إذا ما قمت بالليل سـامعاً قريباً مجيـباً بـالفـواضـل يـبتـدي
ومد إليه كف فقـرك ضارعـاً بقلـبٍ منيــبٍ وادع تـعـط وتسـعدِ
ولا تطلبن العلم للمـال والريـا فإن ملاك الأمـر فـي حـسن مقـصدِ
وكن عاملاً بالعلم فيما استطعته ليُهدى بك المـرء الـذي بـك يقـتدي
حريصاً على نفع الورى وهـدا هم تنل كـل خـيرٍ فـي نعيـمٍ مؤبـدِ

ادعُ إلى الله وعلم الناس الخير:
وإياك والإعجاب والكبر تحظ بالسعادة في الدارين فارشد وأرشد
وها قد بذلت النصح جهـدي وإنني مقرٌ بتقصيري وبالله أهتدي
تقضت بحمد الله ليست ذميمةً ولكنها كالـدر فـي عـقد خُـرَّدِ
يحار لها قلب اللبيب وعارفٌ كريمان إن جـالا بفكـر منضـدِ

ثم قال في آخر بيت من هذه القصيدة :
وقد كملت والحمد لله وحده على كل حالٍ دائماً لم يصدد
فالحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا جميعاً ممن استفاد وأفاد، وأخذ من السنة ما يعمل به في حياته، ونسأله عز وجل أن يختم لنا بالصالحات أعمالنا.

الأسئلة :
حال حديث: ( خاتم الحديد حلية أهل النار ).
السؤال: حديث: (خاتم الحديد حلية أهل النار) حديثٌ ضعيف كما نص عليه أهل العلم؟ الجواب: هذا أمرٌ مختلفٌ فيه، فبعضهم صحح الحديث.

التربع عند الأكل من الاتكاء:
السؤال: هل التربع من الاتكاء؟ الجواب: عند الأكل.

مرجع قصيدة الآداب لابن عبد القوي:
السؤال: ما هو اسم الكتاب الذي توجد فيه القصيدة؟ الجواب: قلنا: إن القصيدة هي قصيدة الآداب لابن عبد القوي شرحها السفاريني في غذاء الألباب في مجلدين، وهي موجودة في آخر المجلد الرابع من موارد الظمآن، يمكنك الرجوع إليها، فهي فيه متتابعة.

من خصائص الإثمد:
السؤال: ما هو الإثمد ؟ الجواب: الإثمد: الذي يميل إلى الاحمرار.

وقوع الطلاق إذا كان باللفظ الصريح:
السؤال: هل يقع الطلاق إذا قال: عليّ الطلاق أنتِ طالق؟ الجواب: نعم، إذا ما وقع هكذا فإنه يقع، أي: أنه ما ترك لنفسه مجالاً.

أين يكون الإسبال؟
السؤال: الإسبال يكون في الأكمام، فهل يأخذ هذا الإسبال حكم إسبال الثياب فيما نزل عن الكعبين؟ الجواب: هو إسبال لكن أخف منه.

من تعامل الأعراب مع المرأة:
السؤال: يقول الأعراب: إذا صاب الحرمة ماعون في البيت اكسره؟ الجواب: لا، هذا ما هو بهذه الدرجة، بحيث لا تجعلها تتملك شيئاً، وإذا صار لها ماعون تكسره حتى لا يكون لها فضل عليك، هذا ليس بصحيح، وقد تكون المرأة غنية وزوجها فقير.

حكم التنفس في الإناء الخاص بالشارب:
السؤال: ما حكم التنفس في كأسٍ خاص بشاربه؟ الجواب: حتى التنفس في كأسٍ للشارب قد يضر نفسه.

حكم تصديق من يخاطبون الجن:
السؤال: إذا كان هناك من يخاطب الجن ويذكرون له بعض الأخبار عندهم وغير ذلك، فهل نصدق هذه الأخبار؟ الجواب: لا، لأننا لا ندري بحالهم وقد يكونون كفرة، وقد يكونون كاذبين.

حكم قتل حيات البيوت إذا كانت سوداء:
السؤال: إذا كان لون حيات البيوت أسود؟ الجواب: ولو كان أسود، لأن التخصيص بالسواد للكلاب السود.

حكم تملك القطط:
السؤال: هل يجوز تملك القطط؟ الجواب: نعم، لكن ورد النهي عن شرائها وبيعها.

حكم تهذيب اللحية:
السؤال: هل تعديل اللحية حرام؟ الجواب: نعم، لا يجوز الأخذ من اللحية، لا من طولها ولا من عرضها، لكن بعض العلماء أجازوا أخذ ما طال عن القبضة كما كان ابن عمر يفعل في الحج والعمرة، لكن كثيرٌ منهم يرون عدم المس بها مطلقاً وعدم الأخذ منها أبداً.

حكم انعقاد البيع عن طريق الهاتف:
السؤال: هل ينعقد مجلس البيع عن طريق الهاتف؟ الجواب: نعم، إذا قال: بعت وقال: اشتريت وانفصلوا، يعتبر بيعاً.

حكم البيع إذا لم يتم بلفظ صريح:
السؤال: اتفقت مع أحد التجار على أن يُقدم لي خدمة عن طريق الهاتف، فأعطاني تسعيرة وأرسلتُ إليه عينة ليقوم بفحصها ومعاينتها ويعيد النظر في تسعيرته، وفعل ذلك، وقام بخفض السعر، وعندما عزمت إرسال باقي البضاعة عليه حسب الاتفاق أخبرني بتغيير السعر، لعدم ملاءمته له؟ الجواب: ما دام لم يتم البيع، المسألة مسألة مراسلات بينك وبينه وعروض، ولا يوجد عقد وقع ولا لفظ: (بعت واشتريت) فلم يتم البيع.

حكم التسمية عند قتل الحيوان:
السؤال: ما حكم البسملة عند قتل أي حيوان؟ الجواب: لا بأس، لأن البسملة وردت في جميع الحالات.

الكلب الأسود شيطان:
السؤال: هل جميع الكلاب السود شياطين؟ الجواب: نعم: (الكلب الأسود شيطان).

أهمية استحضار الطبيب لنية الزيارة:
السؤال: يحصل لمن يشتغل بالطب أنه كثيراً ما يدخل على المرضى في اليوم الواحد، فينسى الدخول على المريض بنية عيادة المريض حتى يصبح روتيناً؟ الجواب: ولذلك يجب أن يذكر نفسه دائماً باستمرار ويحتسب الأجر أن يعتبرها مثل عيادة مريض ويؤجر عليها.

وصف ذي الطفيتين:
السؤال: هل ثعبان الكوبرا الذي سمه قاتل في رأسه خطان أسودان يتحول كالورقة عند الغضب هو نفسه ذو الطفيتين؟ الجواب: ذو الطفيتين هذا على ظهره الخطان ممتدان، ولا شك أن هذا الثعبان مما يقتل.

حكم الجهاز الكهربائي الذي يقتل الحشرات:
السؤال: ما حكم استخدام جهاز كهربائي فيه ضوء يجذب الحشرات فيقتلها؟ الجواب: ننظر في الحشرات المقتولة فإن وجدناها محترقة، عرفنا أنه هذا يُلحق بالنار، فلا نستعمله، وإن وجدناها كاملة لكن قُتلت بالصعق وليس بالحرق، فلا بأس بذلك، فالحكم يعتمد على عمل هذا الجهاز هل يحرق أو يصعق، إن كان يحرق فلا نستعمله، وإن كان يصعق الحشرة كاملة بالصدمة الكهربائية ، فلا بأس باستخدامه.

رشف الشاي وآدابه:
السؤال: بعض الإخوان عندما يرشفون الشاي أو القهوة يحدثون صوتاً عالياً. الجواب: هذا من قلة الأدب في الشرب، وليس معنى الرشف أن يحدث الإنسان صوتاً عالياً.

قتل الغراب والحدأة والفأر ولو لم تؤذ:
السؤال: الغراب والحدأة والفأر هل أقتلها ولو أنها لا تؤذيني؟ الجواب: نعم.

كيفية تمييز ثلث الطعام:
السؤال: كيف أعرف الثلث المذكور في الحديث: ( وثلث لطعامك )؟ الجواب: هم يقولون: إن معدة بني آدم ثمانية عشر شبراً، فقالوا: يأكل ستة أشبار؛ هكذا مكتوب، كيف يأكل ستة أشبار؟ لا أدري!! لكن على أية حال الإنسان يعرف نفسه؛ ولنفترض مثلاً أنه يشبع الشبعة التامة بستين لقمة، فليأكل عشرين لقمة ويصير هذا ثلثاً.

حكم تداول الإناء لشرب اللبن:
السؤال: عندنا عادة في نوع من الأكل، وهو عبارة عن خبز يؤكل مع الشرب من لبن يتداول شربه من قدح، فنأكل اللقمة ثم نشرب عليها ملء الفم تقريباً من اللبن، وتُعطي الذي يليك. الجواب: تداول الإناء لا مانع منه.

معنى حديث: [البذاذة من الإيمان] .
السؤال: ما معنى حديث: (البذاذة من الإيمان)؟ الجواب: أي: التواضع في اللباس من الإيمان.

حكم الاتكاء على اليدين:
السؤال: ما حكم الاتكاء على اليدين الاثنتين؟ الجواب: لا أعلم فيه تحريماً، ولكن يحتاج إلى مراجعة الحديث، لأن فيه عند أبي داود أيضاً إلقاء اليدين خلف الظهر، فنحتاج أن نراجع صحته ومعناه.

حكم كي المواشي:
السؤال: هل كي المواشي للتوسيم جائز؟ الجواب: جائز في غير الوجه.

حكم شق آذان الأغنام:
السؤال: ما حكم شق آذان الأغنام ليبين أنها قد طببت؟ الجواب: استخدم وسيلة أخرى كالرش من بخاخ.

مسألة في القدر:
السؤال: رجل كافر ومات على الكفر، هل يدخل النار علماً أن الله قدر عليه الكفر والموت عليه قبل الولادة؟ الجواب: لا شك في ذلك، فهو عنده قدرة وعنده إرادة، وسمع بالحق، لماذا لم يتبعه؟! أليس قد اتبع هواه؟!

قاعدة في أكل الحيوانات:
السؤال: هل يجوز أكل الحيوانات الواردة في الكتاب والسنة فقط؟ الجواب: هناك أشياء واردة في الكتاب والسنة لا يجوز أكلها كالحمار الأهلي والكلب، لكن كل ما هو مستقذر عند عرب الحجاز وقت نزول الشريعة لا يجوز أكله، وكل ما له نابٌ لا يجوز أكله، وكل ما له مخلبٌ لا يجوز أكله، والجلالة التي تأكل القاذورات والنجاسات لا يجوز أكلها. وقد ورد في الشريعة ضوابط للحيوانات التي لا تؤكل، مثلاً: القرد، الكلب، الحمار الأهلي، بخلاف حمار الوحش، القنفذ، الخنزير، هذه الأشياء لا تؤكل، ومن الأشياء التي تؤكل قطعاً بهيمة الأنعام، والسمك، والأرنب، والدجاج وغيرها، ومن الأشياء التي اختلفوا فيها: التمساح، قالوا: إنه حيوان مائي، وبعضهم قال: إنه ذو أنياب فاختلفوا! والتمساح هو الحيوان الوحيد الذي يفتح فمه إلى الأعلى، وجميع الحيوانات تفتح فكها إلى الأسفل. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

اقرأ القرآن وأذكر ربك
17-11-2011, 02:44 AM
محاضرة( آداب قضاء الحاجة )للشيخ محمد المنجد




عناصر الموضوع:
1. كمال الشريعة.. والأدب في الإسلام
2. عدم استقبال القبلة
3. ألا يمسك ذكره بيمينه حال البول
4. ألا يستنجي بيمينه
5. الجلوس عند قضاء الحاجة
6. ألا يرفع ثوبه إلا بعد الدنو من الأرض
7. الاستتار عن أعين الناس
8. الاهتمام بإزالة النجاسة
9. أن يوتر بثلاث مسحات أو أكثر
10. ألا يستجمر بروث أو عظم
11. ألا يتخلى في طريق الناس أو ظلهم
12. ألا يسلم على من يقضي حاجته ولا يرد السلام
13. ألا يبول في الماء الدائم ولا يتغوط في الماء الجاري
14. أن يرتاد لبوله موضعاً رخواً
15. ألا يبول في مستحمه
16. أن يذكر الله قبل أن يدخل الخلاء
17. اتقاء اتجاه الريح
18. أن يلبس حذاءه حتى لا تتنجس رجلاه وألا يطيل في الخلاء
19. اجتناب ذكر الله
20. وضع ما معه من ذكر الله قبل دخوله الخلاء
21. تقديم اليسرى عند الدخول واليمنى عند الخروج
22. عدم جواز قضاء الحاجة في المقابر
23. أن يقدم قضاء الحاجة على الصلاة
24. جواز خروج المعتكف لقضاء الحاجة
25. عدم التضييق على الناس في أماكن نزولهم
26. ترك الاستئذان لقضاء الحاجة في البيوت الخربة
27. ترك الوسوسة
28. بلُّ اليد قبل غسل النجاسة
29. غسل اليدين بعد الاستنجاء بتراب ونحوه
30. تفريج الفخذين عند البول
31. الاسترخاء حتى يخرج ما بقي من النجاسة
32. ستر الرأس وتغطيته
33. عدم البول في الشقوق والجحور
34. آداب قضاء الحاجة من كتاب المدخل لابن الحاج
35. آداب قضاء الحاجة

إن من كمال الشريعة الإسلامية وإتمامها أن الله سبحانه وتعالى بين على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم كل شيء، فما من خير إلا ودلنا عليه، وما من شر إلا وحذرنا منه، وإن من الآداب السامية التي لا توجد في أي شرعة أو ملة، ما علمنا رسولنا عليه الصلاة والسلام من كيفية قضاء الحاجة وآدابها، وما يجوز لنا فيها وما لا يجوز، وقد ذكر الشيخ آداب قضاء الحاجة في هذه الرسالة الطيبة المباركة، مستدلاً على ذلك بالأحاديث وأقوال أهل العلم.

كمال الشريعة.. والأدب في الإسلام:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: نتحدث في هذه الليلة وفي هذه السلسلة؛ سلسلة الآداب الشرعية المجموعة الثانية عن أدب يدل على كمال هذه الشريعة وحسنها، وأنها لم تترك شيئاً إلا وأوردت فيه آداباً وأحكاماً ليدل ذلك على قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة:3] فالكمال والجمال في هذه الشريعة من سماتها، والحمد لله على نعمته. ومن عظمة هذه الشريعة المباركة أنها ما تركت خيراً في قليل ولا كثير إلا أمرت به ودلت عليه، ولا شراً في قليل ولا كثير إلا حذرت منه ونهت عنه؛ فكانت كاملة حسنة من جميع الوجوه، وقد أثار ذلك دهشة غير المسلمين وإعجابهم بهذا الدين، حتى قال أحدهم لـسلمان الفارسي رضي الله عنه: (قد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة، فقال سلمان: أجل، نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول...) الحديث. رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، وهو في صحيح مسلم وغيره. وقضاء الحاجة: هذا الاسم من الأدلة على الأدب في الشريعة، فإنه ذكر كنايةً عن خروج البول والبراز، ولا شك أن هذا الاسم -قضاء الحاجة- ألطف وأحسن وأجمل، والأدب في مثل هذا واضح في القرآن والسنة، فقد قال الله سبحانه وتعالى: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ [النساء:43] فلم يسم الخارج باسمه البشع، وإنما كنى عنه بهذه العبارة فقال: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ [النساء:43] والغائط: هو المطمئن من الأرض.. المكان النازل من الأرض.. مستوى هابط من الأرض، فقد كانوا إذا أرادوا قضاء الحاجة أتوه رغبة في التستر، فكني به عما يخرج من السبيلين. ولذلك فإنه لا فحش ولا بذاءة في هذه الشريعة بخلاف ما يستعمله كثير من الناس في ألفاظهم ومجالسهم من أنواع البذاءات والفحش، فنقول: حتى هذه العملية وهي خروج هذه النجاسات سميت بهذه الأسماء من باب الأدب، وقيل: قضاء الحاجة، مع أن الحاجات كثيرة، لكن صار علماً أو رمزاً على إخراج النجاسة من السبيلين. وقد ورد في هذه الشريعة عدة آداب وأحكام لهذا الأمر، ومن ذاك:

عدم استقبال القبلة:
أولاً: عدم استقبال قبلة الصلاة عند البول والغائط، والقبلة: هي جهة الكعبة التي بناها إبراهيم عليه السلام، فإن من احترام المسلمين لقبلتهم، وتعظيمهم شعائر الله ألا يستقبلوا القبلة ولا يستدبروها ببول أو غائط، قال عليه الصلاة والسلام: (إذا جلس أحدكم لحاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها). أما بالنسبة للخلاء، أو الصحراء، والفضاء، والمكان المفتوح، فإنه لا يجوز استقبال القبلة ولا استدبارها ببول ولا غائط، لكن قد حصل خلاف في البنيان، هل يجوز استقبال القبلة أو استدبارها في البنيان؟ فذهب بعض العلماء إلى ذلك، وقالوا: بأن النهي خاص بالأماكن المكشوفة والمفتوحة كالفضاء والصحراء، وأما في البنيان فلا. وقال بعضهم: النهي عام، وفرق بعضهم بين البول والغائط... إلى آخر ذلك من الأقوال المشهورة والمعروفة في هذا الموضوع، ولذلك الأحسن للإنسان -وهذه من الأمور المهمة- الذي يريد أن يصمم بيتاً أن ينتبه حتى يكون المكان المعد للجلوس لقضاء الحاجة في بيته ليس إلى جهة القبلة، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول في المدينة : (شرقوا أو غربوا) ونحن نقول في هذا المكان: اتجهوا شمالاً أو جنوباً، بحسب الموقع: أين أنت من مكة ؟ وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم من مراعاتهم لهذا لما دخلوا بلاد فارس والشام والفتوحات وجدوا المراحيض إلى جهة مكة فقال بعضهم: [ فكنا ننحرف ونستغفر الله ]. فلو أنه أراد أن يحتاط حتى في البنيان يمكن أن ينحرف ويستغفر الله.

ألا يمسك ذكره بيمينه حال البول:
ومن الآداب كذلك: ألا يمس ذكره بيمينه وهو يبول، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا بال أحدكم فلا يأخذن ذكره بيمينه) رواه البخاري ، وحيث أن اليد اليمنى تجعل للأمور الحسنة والطيبة فليس من المناسب إذاً أن يكون هذا المس باليمنى، ولو احتاج إليه فإنه يكون عند الحاجة باليسرى.

ألا يستنجي بيمينه:
ثالثاً: ألا يزيل النجاسة بيمينه، ليس فقط ألا يمس الموضع أو العورة باليمنى، ولكن لا يزيل النجاسة باليمنى، بل يستخدم شماله لمباشرة النجاسة في إزالتها لقوله صلى الله عليه وسلم: (ولا يستنجي بيمينه) رواه البخاري . ولقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا تمسح أحدكم فلا يتمسح بيمينه) رواه البخاري ، ولما روت حفصة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجعل يمينه لأكله وشربه ووضوئه واستياكه وأخذه وعطائه، ويجعل شماله لما سوى ذلك) رواه الإمام أحمد رحمه الله، وهو حديث صحيح، وروى ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا استطاب أحدكم فلا يستطب بيمينه، ليستنجي بشماله).

الجلوس عند قضاء الحاجة:
رابعاً: والسنة أن يقضي حاجته جالساً وألا يقضيها واقفاً، وأما البول فإن الأصل في فعله عليه الصلاة والسلام والأكثر والأشهر هو أنه كان عليه الصلاة والسلام يقعد عند قضاء حاجته، وأما بالنسبة للوقوف عند البول فإن هناك بعض الأحاديث والآثار التي وردت فيه، أما بالنسبة لنهي صريح مرفوع عن البول قائماً فلا دليل له، وقد جاء عن ابن مسعود : [من الجفاء أن تبول وأنت قائم] وكان سعد بن إبراهيم من السلف لا يجيز شهادة من بال قائماً، وحديث عائشة : (من حدثكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبول قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعداً). قال الترمذي : هذا أصح شيء في الباب. وقد رويت الرخصة في البول قائماً عن عمر وعلي و ابن عمر و زيد وسهل بن سعد وأنس وأبي هريرة وعروة ، وروى حذيفة : (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال قائماً) رواه البخاري . أتى سباطة قوم، أي: موضع رمي القمامة. ولعل النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لتبيين الجواز، ولم يفعله إلا مرة واحدة، ويحتمل أن يكون في موضع لم يتمكن من الجلوس فيه، وقيل: فعل ذلك لعلة كانت بمأبضه؛ والمأبض: باطن الركبة من كل حيوان، فكان هناك جرح أو علة فما استطاع أن ينثني فبال قائماً، ولكن هذا الحديث الذي أشاروا إليه في قضية المأبض حديث ضعيف ليس بصحيح، فقد رواه الخطابي في معالم السنن ، والحاكم والبيهقي ، ولكن هناك من هو أعلى من الخطابي ، لأن كتاب المعالم للخطابي من الشروح، وقد أورد فيه سنده ولكن عند العزو يعزى إلى مثل: الحاكم والبيهقي، وفي هذا الحديث رجل يقال له: حماد ؛ وهو ضعيف، والحديث قد ضعفه الدار قطني و البيهقي وأقر ذلك ابن حجر. أما رواية ابن مسعود : [من الجفاء أن تبول قائماً] فإن الترمذي قد رواه في سننه ، وعلقه أحمد شاكر فقال: وهذا الأثر معلق بدون إسناد، وقال المباركفوري : لم أقف على من وصفه، وقد تتبع الشيخ: ناصر الدين الألباني في إرواء الغليل طرقه وجمعها، فقال في رواية ابن مسعود : [أربع من الجفاء: أن يبول الرجل قائماً، وصلاة الرجل والناس يمرون بين يديه وليس بين يديه شيء يستره، ومسح الرجل التراب عن وجهه وهو في صلاته، وأن يسمع المؤذن فلا يجيبه في قوله] يقول الألباني : هذا صحيح عن ابن مسعود موقوفاً، وقد رواه ابن أبي شيبة ، وأما مرفوعاً: [ثلاث من الجفاء...] فإن هذا الحديث ضعيف ومنكر، ولا يثبت مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم. إذاً: قال بعضهم: إن العلة في بوله عليه الصلاة والسلام قائماً -ما دام أنه قد ثبت في البخاري أنه بال مرةً قائماً- لعدم التمكن من البول، وقيل: ليبين الجواز. ولا شك أن العلة ما دامت أنها لم تثبت فبقي أنه يريد أن يبين الجواز، أو لم يتمكن من الجلوس في موضع القمامة. الخلاصة: لا بأس عند الحاجة أن يبول الشخص قائماً بشرط: أن يأمن عود رشاش البول عليه، وأن يأمن تلويث ملابسه، فإذا أمن تلويث الملابس والجسم فلا بأس أن يبول قائماً، لكن الأفضل البول قاعداً، لماذا؟ أولاً: لأنه أستر. ثانياً: لأنه آمن من ارتداد رشاش البول عليه وتلويث بدنه وثيابه. فلذلك الأفضل البول قاعداً.

ألا يرفع ثوبه إلا بعد الدنو من الأرض:
خامساً: من آداب إرادة قضاء الحاجة: أن لا يرفع ثوبه إلا بعد أن يدنو من الأرض، وقد ورد عن أنس رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض). رواه الترمذي وهو حديث صحيح. وإذا كان في مرحاض ونحوه فلا يرفع ثوبه إلا بعد إغلاق الباب وتواريه عن أعين الناظرين، فما يفعله بعض الكفرة ومن قلدهم من أبناء المسلمين من التبول وقوفاً في بعض المحلات المكشوفة داخل بعض المراحيض العامة مما هو موجود في المطارات وغيرها هو أمر منافٍ للأدب والحشمة والحياء والأخلاق الفاضلة، وتقشعر منه أبدان أصحاب الفطر السليمة، والعقول الصحيحة، وهو أمر منكر شرعاً وحرام، إذ كيف يكشف الشخص عن عورته أمام الناس الغادي منهم والرائح التي جعلها الله بين رجليه ستراً لها، وأمر بتغطيتها، واستقر أمر تغطيتها عند جميع عقلاء البشر؟! ثم إنه من الخطأ أصلاً أن تبنى المرافق بهذا الشكل المشين الذي يرى مستعملوها فيها بعضهم بعضاً وهم يبولون متخلفين في ذلك عن البهائم التي من عادتها الاستتار عند التبول والتغوط.

الاستتار عن أعين الناس:
سادساً: أن يستتر عن أعين الناس عند قضاء الحاجة بالبعد إذا لم يكن ثمة مراحيض تغلق أبوابها. (وقد كان أحب ما استتر به رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته هدفاً أو حائش نخلٍ). والهدف: هو المرتفع من الأرض، وحائش النخل: هو البستان، وإذا كان الإنسان في الفضاء كأن يخرج الإنسان -مثلاً- إلى الساحل أو الشاطئ فيريد أن يقضي حاجته، وليس هناك لا حائش نخل، ولا مرتفع والأرض مستوية، فماذا يفعل؟ إذا كان عنده شيء يتوارى خلفه كسيارة ونحوها فعل ذلك، وإلا فينبغي له أن يبعد عن أعين الناظرين؛ وذلك بأن يمشي إلى مكان بعيد عن الناس، لما روى المغيرة بن شعبة قال: (كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفرٍ فأتى النبي صلى الله عليه وسلم حاجته فأبعد في المذهب). أي: ذهب بعيداً، رواه الترمذي ، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وعن عبد الرحمن بن أبي قرادن قال: (خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخلاء، وكان إذا أراد الحاجة أبعد). رواه النسائي وهو حديث صحيح.

الاهتمام بإزالة النجاسة:
سابعاً: من آداب قضاء الحاجة أيضاً: الاعتناء بإزالة النجاسة بعد الفراغ من قضاء الحاجة، لقوله صلى الله عليه وسلم محذراً من التساهل في التطهر من البول: (أكثر عذاب القبر من البول). رواه ابن ماجة ، وهو حديث صحيح. وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: (مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبرين، فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير: أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة).

أن يوتر بثلاث مسحات أو أكثر:
ثامناً: من آداب قضاء الحاجة أيضاً: أن يكون مسح النجاسة ثلاثاً فما فوق، وأن يكون وتراً، بحسب ما تدعو إليه حاجة التطهير، فإذا لم تكف ثلاث فخمس مسحات أو سبع أو تسع، لما جاء عن عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغسل مقعدته ثلاثاً، قال ابن عمر : فعلناه فوجدناه دواءً وطهوراً). حديث صحيح، رواه ابن ماجة رحمه الله. ولما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا استجمر أحدكم فليستجمر وتراً). رواه الإمام أحمد ، وحسنه الألباني في: صحيح الجامع إذن يقطع على وترٍ.

ألا يستجمر بروث أو عظم:
تاسعاً: من الآداب أيضاً: ألا يستعمل العظم ولا الروث في الاستجمار؛ والاستجمار: هو إزالة النجاسة بالمسح، والاستنجاء: هو إزالة النجاسة بالغسل. ولا يستعمل العظم ولا الروث للاستجمار وإنما يستعمل الحجارة والمناديل ونحو ذلك، لما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أنه كان يحمل مع النبي صلى الله عليه وسلم إداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها فقال: من هذا؟ قال: أنا أبو هريرة ، قال: أبغني أحجاراً أستجمر بها، ولا تأتني بعظم ولا بروثة، فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي حتى إذا وضعتها بجنبه ثم انصرفت، حتى إذا فرغ مشيت فقلت: ما بال العظم والروثة؟! قال: هما من طعام الجن). رواه البخاري رحمه الله تعالى.

ألا يتخلى في طريق الناس أو ظلهم:
عاشراً: من آداب قضاء الحاجة كذلك: ألا يبول في طريق الناس، ولا في ظل يستظل به؛ لأن في ذلك إيذاء للمسلمين، وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اتقوا اللاعنين، قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس، أو في ظلهم). رواه أبو داود ، وفي رواية: (اتقوا الملاعن). والملاعن مواضع اللعن، جمع ملعنة، مثل: مقبرة، ومجزرة، موضع القبر وموضع الجزر. وأما اللعانان في رواية مسلم: فهما صاحبا اللعن، أي: الذين يلعنهما الناس كثيراً. وفي رواية أبي داود : ( اللاعنين ). معناه: الأمران الجالبان للعن، لأن من فعلهما لعنه الناس في العادة، فإذا جاء واحد يجلس في الظل فرأى نجاسة فإنه يلعن من فعلها، أو مسافر نزل على الطريق فرأى شجرة مثمرة تحتها نجاسة. إذاً الأماكن التي يستريح فيها الناس لو فعل فيها مثل هذا لعنه الناس، فلما صار سبباً في اللعن أضيف الفعل إليهما. وقد يكون اللاعن بمعنى: الملعون على تقدير: اتقوا الملعون فاعلهما. ما المقصود بموارد الماء؟ أي طرق الماء، واحدها مورد، وأما الظل فهو مستظل الناس الذي يدخلونه مقيلاً وملتقى ويقعدون تحته، وليس كل ظل يمنع قضاء الحاجة تحته، فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يستتر بحائط نخل، وللحائط ظل بلا شك، ولكن المقصود: الأماكن التي يجلس فيها الناس في الظل، وهناك ظلال لا يجلسون فيها، فالمقصود: الظلال التي يستظل الناس فيها ويجلسون فيها. وكذلك قد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التغوط في قارعة الطريق، فقال: (إياكم والتعريس على قارعة الطريق والصلاة عليها فإنها مأوى الحيات والسباع، وقضاء الحاجة عليها فإنها الملاعن). إذاً: ليس على الطريق وليس في مكان نزول الناس، ولا على الرصيف، ولا في الظل الذي يوجد فيه الناس، ولا تحت الأشجار المثمرة حيث يقعد الناس، ولا في موارد الماء التي يستقي منها الناس. وما هو العامل المشترك في هذه كلها؟ الجواب: الأماكن التي للناس فيها فائدة.

ألا يسلم على من يقضي حاجته ولا يرد السلام:
حادي عشر: من آداب قضاء الحاجة: ألا يسلم على من يقضي حاجته، ولا يرد السلام وهو في مكان قضاء الحاجة، أما بالنسبة لعدم التسليم فقد جاء عن جابر بن عبد الله أن رجلاً مر على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلم عليه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم عليَّ، فإنك إن فعلت ذلك لم أرد عليك ) رواه ابن ماجة ، وهو حديث صحيح.

ألا يبول في الماء الدائم ولا يتغوط في الماء الجاري:
ثاني عشر: من آداب قضاء الحاجة: أنه لا يجوز البول في الماء الدائم (لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البول في الماء الراكد). متفق عليه، ولأن الماء إذا كان قليلاً تنجس به، وإن كان الماء كثيراً فربما تغير بتكرار البول فيه هذا، بالنسبة للماء الراكد. وأما الماء الجاري فلا يجوز التغوط فيه؛ لأنه يؤذي من يمر به، فإن قال قائل: فالبول فيه؟ إن بال فيه وهو كثير بحيث لا يؤثر فيه البول فلا بأس؛ لأن تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم الراكد بالنهي عن البول فيه دليلٌ على أن الجاري بخلافه، وبناءً على ذلك فلو بال في البحر فلا حرج عليه، فهذا لا ينجسه شيء ولا يؤذي أحداً، لكن لا يتغوط على الساحل، أو في المكان الذي يدخل فيه الناس للبحر يمشون، بل إنه يبعد ويحذر لنفسه ويقضي حاجته. والنهي عن البول في الماء الراكد الأصل فيه أنه للتحريم، وقد ذهب إلى ذلك عدد من أهل العلم وحرموا التغوط في الماء القليل أو الكثير الراكد، أو الجاري؛ لأنه يقذره ويمنع الناس من الانتفاع به؛ وهذا مذهب الحنابلة. وإذا قلنا ذلك: فمن باب أولى أن قضاء الحاجة في المسجد حرام؛ لأنه لا بد من صيانتها وتنزيهها وتكريمها لأنها أماكن للعبادة والدليل حديث الأعرابي المعروف. وقد ذكر ابن الحاج رحمه الله في كتابه: المدخل للبدع ، من بدع الاحتفال بالإسراء والمعراج ونحو ذلك، قال: احتشادهم الساعات الطوال في المساجد مع النساء وربما إذا احتاجوا إلى قضاء الحاجة قضاها بعضهم في المسجد في الخلف. طبعاً: هذا من المنكرات الكبيرة. وقد ذكر بعضهم مسألة قضاء الحاجة بالكنيسة وبيع اليهود، فقالوا: إذا كان هذا يؤدي إلى أن يفعلوه في مساجدنا انتقاماً من مسلم فعله عندهم فلا يفعلوا ذلك، كما أننا نهينا أن نسب آلهة الكفار لئلا يسبوا الله عدواً بغير علم، وأيضاً من جهلهم إذا سببنا آلهتهم يسبون الله عز وجل.

أن يرتاد لبوله موضعاً رخواً:
ثالث عشر: من آداب قضاء الحاجة: أنه يستحب أن يرتاد لبوله موضعاً رخواً لئلا يصيبه رشاش البول، وقد ورد في ذلك حديث رواه الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يتبول فأتى دمثاً في أصل حائط فبال، ثم قال: (إذا أراد أحدكم أن يتبول فليرتد لبوله). يتخير مكاناً مناسباً، وهذا إن كان ضعيفاً فإن المعنى صحيح؛ وهو أن الإنسان إذا أراد أن يبول فلا يبل على شيء صلب؛ لئلا يرتد عليه، بل يأتي إلى مكانٍ رخوٍ لئلا يرتد عليه، وبعض الأحيان تجد سطح الأرض خشن صلب لكن إذا ضربته برجلك ظهر التراب الذي تحته فتحول إلى موضع رخوٍ فيمكن أن نعالجه وهكذا.

ألا يبول في مستحمه:
رابع عشر: من آداب قضاء الحاجة: أن على الإنسان ألا يبول في مستحمه، وقد ورد في ذلك حديث عند أبي داود وابن ماجة (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبول الرجل في مستحمه). وفي رواية: (لا يبولن أحدكم في مستحمه). وهذا حديث صحيح، فما معنى المستحم؟ وما المقصود بهذا الحديث؟ أما بالنسبة للمستحم، فقد قال الخطابي رحمه الله: المستحم هو المغتسل، وهو مشقق من الحميم وهو الماء الحار الذي يغتسل به. قال النووي رحمه الله: واتفق أصحابنا أن المستحب ألا يستنجي بالماء في موضع قضاء الحاجة لئلا يترشش عليه وهذا في غير الأخلية المعدة، أو المتخذة لذلك؛ أما المتخذ لذلك كالمرحاض فلا بأس فيه؛ لأنه لا يترشش عليه، ولأن في الخروج منه إلى غيره مشقة. وقال بعض العلماء: ألا يستنجي بالماء في موضعه. إذاً: هم قالوا: إذا تبول في مكان، أو تغوط في مكان يزحف قليلاً حتى إذا صب الماء أثناء الاستنجاء لا يصيبه من النجاسة التي صارت في الأرض مثلاً، وإذا أراد أن يغسل عورته، أو يغسل مكان قضاء الحاجة لا تصيب النجاسة المجتمعة في الأرض يده مثلاً، فالمقصود من كل القضية: ألا يرتد عليه شيء من النجاسة، واتقاء الوسواس؛ لأنه قد ورد عند أبي داود : (ولا يبول في مستحمه فإن عامة الوسواس منه). فإذا كان لا يرتد فلا بأس بذلك، وينبغي أن تجعل أماكن قضاء الحاجة في المراحيض بحيث تحقق هذا الغرض؛ وهو عدم ارتداد النجاسة على الذي يقضي الحاجة. وهنا سؤال قد طرحه بعض الإخوان فيما سبق وتوجهنا به إلى الشيخ محمد بن صالح العثيمين ، يقول السؤال: هل التبول في حوض الاستحمام -البانيو- أثناء الاستحمام يدخل في حديث النهي عن البول في المستحم؟ أم لأن مجرى الماء مفتوح فلا يدخل؟ الجواب: لا. لا يدخل لأنه إذا بال فسوف يصب عليه الماء ثم يزول البول، لكن لا يستحم حتى يزيل البول بإراقة الماء عليه، ولو قدر أن الإنسان حضره التبول أثناء الاستحمام يتوقف عن الاستحمام حتى يبول ويريق عليه الماء، فإذا كان يوجد أي وسيلة للوسوسة فيجتنب الإنسان ما يؤدي إلى الوسوسة. وقد ذكر بعض الفقهاء الاعتماد في التبول على الرجل اليسرى، وقالوا: ويعتمد في حال جلوسه على الرجل اليسرى كما قال ابن قدامة في المغني لما روى سراقة بن مالك قال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتوكأ على اليسرى وأن ننصب اليمنى). رواه الطبراني في المعجم ، يقول ابن قدامة معللاً: ولأنه أسهل لخروج الخارج. لكن هذا الحديث إذا كان ضعيفاً ماذا نفعل؟ ننظر في المعنى، وقد قال النووي رحمه الله في المجموع : هذا الحديث ضعيف رواه البيهقي عن رجل عن أبيه عن سراقة قال: (علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل أحدنا الخلاء أن يعتمد اليسرى وينصب اليمنى). قال: وهذا الأدب مستحب عند أصحابنا، واحتجوا فيه بما ذكره المصنف، وقد بينا أن الحديث لا يحتج به فيبقى المعنى ويستأنس بالحديث, والله أعلم. المعنى الذي ذكروه قد يكون نتيجة تجربة، والحديث الآن ضعيف قالوا: إنه إذا استند على الرجل اليسرى ومال على الجانب الأيسر صار أسهل لخروج النجاسة، وقد ذكر ابن قدامة -هذا الكلام كما قلنا- أنه أسهل، وكذلك ذكر بعضهم هذه القضية، وعلل ذلك بأن المعدة في الجانب الأيسر فيكون الاتكاء على اليسار أسهل في الخروج وخصوصاً الغائط، لكن على أية حال المسألة كما رأينا ما دام حديثها ضعيفاً فهي على راحة الإنسان، إذا وجد أنه في قضاء الحاجة أكثر راحة له فالحمد لله يفعل ذلك، والمقصود: اتباع ما يسهل عند قضاء الحاجة، أن يكون الخروج سهلاً؛ لأنه أحياناً إذا خرج بتعسف آذى الشخص، وهناك أناس يصابون بآفات عظيمة جراء قضية التعسف عند قضاء الحاجة، وعدم اتباع الوسيلة الميسرة في ذلك، أو الوضع الميسر في ذلك.

أن يذكر الله قبل أن يدخل الخلاء:
خامس عشر: من آداب قضاء الحاجة: ذكر الله عز وجل قبل أن يدخل الخلاء، فماذا يقول قبل أن يدخل؟ قال صلى الله عليه وسلم: (ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم الخلاء أن يقول: باسم الله).. (وكان صلى الله عليه وسلم إذا دخل الكنيف قال: باسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، وكان إذا خرج من الغائط قال: غفرانك). فأما بالنسبة للبسملة فقد عرفنا فائدتها، فيأتي بها الإنسان في أي موضع، أو في أي عمل، والسنة أن يأتي بها قبل الشروع في أي عمل، وهنا فائدتها أنها تمنع الجن من النظر إلى عورات الآدميين؛ لأنه لا بد أن يكشف العورة عند قضاء الحاجة. والمراحيض ومواضع النجاسات من الأماكن التي يغشاها الجن، فإذا كانوا يغشون هذه الأماكن والإنسان سوف يدخلها فإنه يحتاج إلى التسمية لكي يستتر منهم: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [الأعراف:27] وقوله: (أعوذ بك من الخبث والخبائث) لو قلت: الخبْث فإنه مصدر معروف، أما الخُبُث والخبائث فالمقصود: ذكران الشياطين وإناثهم، جمع خبيث وخبيثة: خُبُث وخبائث. فإذاً: الشياطين لهم ذكور وإناث، وقد يكون في هذا المكان من هذا الجنس أو من هذا الجنس، إذن يستعيذوا من شرهم أيضاً؛ لأنهم قد يكون لهم شر بحيث أنهم يغشون هذه الأماكن يخيفون، أو يصرعون، أو يدخلون ونحو ذلك، فقول هذا الدعاء يفيد في معالجتهم أو كف شرهم وأذاهم. وعند الخروج يقول: (غفرانك) ما علاقة (غفرانك) بالخروج؟ قال بعض العلماء: الوجه في سؤال المغفرة أنه جرى منه عليه الصلاة والسلام على عادته إذ كان من دأبه الاستغفار في حركاته وسكناته وتقلباته حتى إنه ليعد له في المجلس الواحد مائة مرة، وإنه لما كان خروج الأخبثين -هذه ملاحظة ذكرها بعضهم- بسبب خطيئة آدم، يعني: عندما كان آدم عليه السلام في الجنة لم تكن هناك نجاسة تخرج فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا [الأعراف:22] وصارت هذه المعصية سبب الهبوط إلى الأرض وصار غائط وبول. فيذكر العبد نفسه بهذا الاستغفار ما حدث بسبب الخطيئة، وأن العبد لا يخلو من الخطيئة حينئذٍ، وأن هناك ارتباطاً بين الخطيئة التي حدثت وبين خروج النجاسة من الإنسان، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (الحمد لله الذي أذهب عني أذاه وأذاقني لذته) وفي رواية: (وأذهب عني مشقته). ما هو الأذى؟ هذا الذي يخرج من الإنسان، والمشقة الحاصلة بسبب مكثك، فخروج الغائط نعمة تستوجب الشكر، والإنسان يهمل ويقصر فيذكر نفسه بالدعاء والمغفرة: (غفرانك) غفرانك على التقصير، غفرانك من كل شيء، فهو يسأل الله سبحانه وتعالى المغفرة أو يطلب منه المغفرة، وقد تكون هذه الأماكن مدعاة أيضاً للوقوع فيما يحرم من التذكير بأمور السوء ونحو ذلك.

اتقاء اتجاه الريح:
سادس عشر: ذكر بعضهم من آداب قضاء الحاجة اتقاء مهابَّ الريح، الأماكن التي لها منفذ يدخل الهواء من موضع ويخرج من موضع مخافة أن يرتد بوله عليه؛ وهذا يعود إلى المسألة المذكورة في قضية عدم الارتداد والرشاش، فإذا كان يريد أن يقضي حاجته في الفضاء -كالصحراء- وأراد أن يبول، إذا كان الهواء قوياً وهو يبول في اتجاه هبوب الهواء سيرجع عليه وعلى ثيابه، فإذا جعل نفسه في الاتجاه المعاكس عند ذلك تذهب النجاسة أو هذا البول مع الريح ولا يرتد عليه، فمن ذكرها أراد مراعاة هذا المعنى.

أن يلبس حذاءه حتى لا تتنجس رجلاه وألا يطيل في الخلاء:
سابع عشر من آداب قضاء الحاجة: أن يلبس حذاءه لئلا تتنجس رجلاه؛ وهذا أيضاً معناه واضح. وذكر ابن قدامة -أيضاً- رحمه الله: ولا يطيل المقام أكثر من قدر الحاجة؛ لأن ذلك يضره، وقيل: يورث الباسور، وقيل: يدمي الكبد، وعلى أية حال إذا كان التطويل له أضرار طبية مرجعه إلى الأطباء، لكن هناك علة واضحة: قضية الوسوسة، وقضية إيذاء المنتظرين، وقضية منع ما تسول به نفسه من فعل أي معصية، فالتطويل في المراحيض ليس بمحمود، وكثير من الناس يصابون بالوسوسة من جراء هذا التطويل، فإنه يجلس ويغسل ويغسل ويعيد ويتنحنح ويقفز ويفعل أشياء وحركات عجيبة ويحتشي وليس هذا في الشرع على الإطلاق. إذاً هذا التطويل مفتاح لباب الوسوسة، وفيه إيذاء للمنتظرين وخصوصاً في المراحيض العامة بل حتى في بعض البيوت، وكذلك عدم التطويل فيه قطع للنفس عما يمكن أن توسوس به أو تسول من المعاصي.

اجتناب ذكر الله:
ثامن عشر: من آداب قضاء الحاجة: اجتناب ذكر الله في هذا الموضع، ومما يدل عليه حديث الامتناع عن رد السلام المتقدم؛ لأن السلام اسم من أسماء الله، ولو أن النبي صلى الله عليه وسلم رد السلام على الرجل الذي سلم عليه فإنه يكون قد ذكر اسم الله في الخلاء، وهذا يمنع؛ لأن ذكر الله ينزه أن يكون في مواضع النجاسات وأثناء هذه الحال، فلا يذكر الله تعالى إلا بقلبه، وأما أن يذكر بلسانه فلا، وكذلك إذا عطس حمد الله في قلبه، وإذا سلم عليه أحد فلا يرد عليه السلام. إن قال قائل: إذا ذهبت إلى الخلاء في الصحراء، فالمكان الذي سوف أقضي فيه الحاجة هو المكان الذي ستكون فيه النجاسة ...إلخ، إذاً لن أقول: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، فذكر ابن دقيق العيد رحمه الله في الإحكام : التفريق بين الموضع المعد لقضاء الحاجة وبين الموضع غير المعد لقضاء الحاجة، فقال: إذا كان الموضع معداً لقضاء الحاجة أصلاً فلا يذكر الله فيه، فهذا نهينا عن ذكر الله فيه، وأما إذا كان الموضع ليس معداً لقضاء الحاجة -كالصحراء- فأنت الآن تريد أن تقضي حاجتك، فهل يسمى المكان قبل أن تقضي فيه حاجتك مرحاضاً؟ لا. إذاً لا بأس أن تذكر الله فيه، ثم تنزل لقضاء الحاجة، وبذلك يزول الإشكال، والله أعلم. أما مسألة الكلام في الخلاء: فقد ذهب جمهور العلماء إلى ترك الكلام في الخلاء وعدوه من الآداب. وأورد بعضهم حديث أبي سعيد قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتيهما يتحدثان، فإن الله يمقت على ذلك). الحديث هذا رواه أبو داود، لكنه ضعيف، لكن من جهة المعنى: فإن أمور قضاء الحاجة مبنية على الستر، والكلام ينافي الستر، وكذلك أمور قضاء الحاجة أن الإنسان يقضي حاجته ثم يخرج وليس هذا مكان أحاديث، وكذلك فإن الكلام -أيضاً- ربما أدى إلى مسألة الإطالة، ثم إن هذا مكان قذر ومكان تأنف منه النفوس الطيبة، فكيف يجعل مكان حديث واستئناس ومبادلة بالكلام مع غيره؟ لكن لو احتاج كرجل طرق الباب يريد أن يتأكد هل يوجد أحد أم لا، فتنحنح الشخص الذي في داخل دورة المياه فلا بأس. وكذلك قالوا: لو كان كلامه سينقذ أعمى من الوقوع في بئر ... ونحو ذلك للحاجة فلا بأس أن يتكلم في الخلاء للحاجة، أو أراد مثلاً أن يناوله شيئاً من منشفة أو غيرها وهو لا يتمكن من الخروج، أو نفذ الماء أو أي شيء من الأشياء التي لها حاجة، فإذا صار الكلام لحاجة فلا بأس أن يتكلم.

وضع ما معه من ذكر الله قبل دخوله الخلاء:
تاسع عشر: من آداب قضاء الحاجة: وضع ما معه من ذكر الله قبل دخوله ما لم يخش عليه، فإذا أراد دخول الخلاء ومعه شيء فيه ذكر لله تعالى استحب له أن يضعه، وأما بالنسبة لحديث أنس : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء وضع خاتمه). الذي رواه ابن ماجة وأبو داود ، فقد قال أبو داود : هذا حديث منكر، وقيل: إنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يضعه؛ لأن فيه محمداً رسول الله ثلاثة أسطر؛ يعني: محمد في سطر، ورسول في سطر، ولفظ الجلالة (الله) في سطر، وإذا أدار فص الخاتم إلى باطن كفه فلا بأس، قال أحمد رحمه الله: الخاتم إذا كان فيه اسم الله يجعله في باطن كفه ويدخل الخلاء. وقال عكرمة : اقلبه هكذا في باطن كفك واقبض عليه. ورخص فيه ابن المسيب والحسن وابن سيرين ، وقال أحمد في الرجل يدخل الخلاء ومعه الدراهم: أرجو ألا يكون به بأس. لأن اسم من ضرب الدراهم وصك النقود كان لا يخلو من مثل: المستعصم بالله، والمتوكل على الله، وما شابه ذلك، فهو لا يخلو من وجود لفظ الجلالة، فماذا نفعل عند ذلك؟ لو قلنا: ضع المال خارج دورة المياه لسرق، وسرقة النقود أو ضياعها مفسدة كبيرة، فالشرع لا يأمر بأن تضع نقودك إذا كنت تخشى عليها، وكذلك ما مع الإنسان في المحفظة وغيرها مما قد يكون فيه ذكر لله عز وجل من الإثباتات والأوراق فإنه إذا لم يجد مكاناً مأموناً وضعها معه داخل الجيب وهي ليست مفتوحة. وكذلك ورد في أسنى المطالب: ويكره عند قضاء الحاجة حمل المكتوب للقرآن، يقول: قلت: الوجه تحريم اصطحاب المصحف ونحوه من غير الضرورة؛ لأنه يحمله مع الحدث ويعرضه للأذى ولما فيه من عدم توقير القرآن، ويحمل كلامهم على ما لم يحرم على المحدث حمله كالدراهم والخاتم وما تعم به البلوى. إذاً ينتبه الإخوان الذين يحملون المصاحف ألا يدخلوا بها إلى الخلاء، بل يضعوها في خانة. لكن لو أنه نسيه ودخل فتذكر قبل الشروع في قضاء الحاجة فإنه يخرج ويتركه في مكانٍ خارج الخلاء وإذا لم يتذكر إلا بعد شروعه فإنه قطع حاجته فيه أذى وضرر عليه، فلذلك لو أنه أبقاه في جيبه وأسرع بالخروج فليس له مندوحة، أو قد لا يكون له طريقة أخرى فلعله إن شاء الله لا يأثم؛ لأنه لم يكن متعمداً إدخال المصحف، ثم إنه قد يضره أن يقطع حاجته ويخرج.

تقديم اليسرى عند الدخول واليمنى عند الخروج:
عشرون: من آداب قضاء الحاجة: تقديم اليسرى عند الدخول واليمنى عند الخروج، ويرفق ذلك بالأذكار كما تقدم، قال أحمد رحمه الله: يقول إذا دخل الخلاء: أعوذ بالله من الخبث والخبائث، وما دخلت قط المتوضأ ولم أقلها إلا أصابني ما أكره. وسبب إرفاق التسمية بالاستعاذة -باسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث- أنه يمتنع الجن عن رؤية العورة؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قال: (ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول: باسم الله.. وإذا خرج قال: غفرانك) كما تقدم، وفي رواية: (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني). وهذا الإذهاب للأذى نعمة من الله عز وجل، ولذلك فإن المصاب بالانقباض وحصر البول يتعذب عذاباً شديداً، ولذلك يقول: الحمد لله؛ لأنها نعمة؛ لأن تيسير خروج الخارج نعمة، ولذلك فإن بعض الناس في المستشفيات تعمل لهم إجراءات صعبة لتيسير خروج البول وما شابه ذلك لأجل عدم القدرة، ولو احتبس في بطنه تضرر ضرراً عظيماً. ولذلك ربما يناسب الذكر أمر من الأمور التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم بالنسبة للمريض وغيره عند الحاجة، وهو البول في القدح أو الإناء، فقد جاء عند أبي داود والنسائي وابن ماجة عن حكيمة بنت أميمة بنت رقيقة ؛ كلها أسماء مصغرة، عن أمها -وهي أميمة بنت رقيقة- قالت : (كان للنبي صلى الله عليه وسلم قدح من عيدان يبول فيه ويضعه تحت السرير-وفي رواية: تحت سريره- يبول فيه بالليل). والعيدان قال في شرح الحديث: النخل الطوال المتجردة من السعة من أعلاه إلى أسفله، وجاء أيضاً عند الشيخين: (أنه دعي بالطست ليبول فيها). ولكن هذا وقع في حال المرض. إذاً في حال المرض إذا لم يمكن المريض من الذهاب إلى دورة المياه فقد ورد في الحديث ما يفيد البول في إناء ونحو ذلك، وكذلك ذكروا أنه لو اشتدت الريح ولم يأمن من ارتداد البول عليه بال في إناء -ونحو ذلك- ضيق الفتحة حتى يرميه بعد ذلك. إذاً فإذا دعت الحاجة لا بأس بالبول في الإناء ونحوه. وقد جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: (يقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى إلى علي رضي الله عنه، لقد دعا بالطست يبول فيها فانخنس فمات وما أشعر به). حديث صحيح رواه النسائي رحمه الله والترمذي في الشمائل والبخاري ومسلم بمعناه.

عدم جواز قضاء الحاجة في المقابر:
حادي وعشرون من الآداب والأحكام المتعلقة بقضاء الحاجة: عدم جواز قضاء الحاجة في المقابر لما روى عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وما أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي، أو وسط السوق). رواه ابن ماجة ، وصححه الألباني في: إرواء الغليل ، والمقصود بقوله: ( أوسط القبور قضيت حاجتي، أو وسط السوق ). أنهما في القبح سيان، سواء قضى الحاجة وسط السوق والناس ينظرون؛ وهي قبيحة جداً أو قضى الحاجة في المقبرة حتى لو لم يره أحد فهما في القبح سيان، وهذا من حرمة الأموات، وبعض الناس إذا مشى ولم يجد مكاناً يقضي فيه حاجته تسور المقبرة وقضى فيها حاجته. فهذه فعلة شنيعة. وقد نبه ابن الحاج رحمه الله في كتاب المدخل على طائفة من الذين يسكنون القبور في مصر ويقضون الحاجات فيها، وأن ذلك إيذاء للأموات فلا يجوز، وقال أيضاً: إن بعض أهل الأموات يبيتون عند الميت بجانب قبره أياماً، يبيتون ليلة وليلتين وثلاثاً قال: وإذا حضرت أحدهم قضى حاجته في المكان؛ فإن من البدع البيات عند القبور، يزعمون أن ذلك إيناس للميت، وهم ما يفعلون إلا الإيذاء والبدعة، الرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا دفن الميت انصرف هو وأصحابه ولم يبت عند قبر حمزة ولا عند غيره، ولا يؤنس الإنسان في قبره إلا عمله الصالح.

أن يقدم قضاء الحاجة على الصلاة:
ومن الآداب كذلك المتعلقة بقضاء الحاجة: أنه يقدم قضاء الحاجة على الصلاة إذا حضرته حاجته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا صلاة بحضرة الطعام ولا وهو يدافعه الأخبثان). لماذا؟ لأنها تشغل قلبه، ويعجل عن إكمال صلاته، وقد يفقد الطمأنينة فيجمع بين أمرين: العجلة وعدم الإكمال، والشغل عن الإقبال على ربه وعلى صلاته، ولذلك فإنه عليه الصلاة والسلام أمر المسلم إذا أقيمت الصلاة وحضرته حاجته أن يبدأ بقضاء الحاجة ولو فاتت صلاة الجماعة. وقد طبق ذلك عبد الله بن الأرقم رضي الله عنه، فإنه قد ورد عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عروة : أن عبد الله بن الأرقم كان يؤم أصحابه فحضرت الصلاة يوماً فذهب إلى حاجته ثم رجع، فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا أراد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة). فلأجل أن يتفرغ للصلاة ويخلو بالإقبال عليها أمر بذلك. وينبغي أيضاً: الإشارة إلى أن الحاجة أنواع ومراتب فهناك شيءٌ خفيف لا يشغل عن الصلاة ولا يعجله عنها فإذا حصل ذلك وصلى جازت صلاته، وإن وجد من ذلك ما يشغله ويعجله حتى ولو كان داخل الصلاة فإنه ينصرف سواءً كان إماماً أو مأموماً لكي يتفرغ ولا يصلي بدون خشوع.. فإن لم ينصرف وتمادى في صلاته وبه من الحقن -محتقن ومحصور- ما يعجله ويشغله فقد قال مالك رحمه الله: أحب إليَّ أن يعيد في الوقت وبعده. وقال أبو حنيفة والشافعي : إن فعل فبئس ما صنع ولا إعادة عليه. إذاًَ: لو صلى وهو حاقن فما حكم صلاته؟ الجواب: إذا لم يخل بركن الطمأنينة فصلاته صحيحة مع الكراهة وينقص من أجره لمخالفته للحديث، وأما إذا كانت الحاجة التي حضرته شديدة جداً بحيث صار يستعجل في الصلاة جداً فإنه عند ذلك تبطل صلاته؛ لأنه فقد شرط الطمأنينة، وقد جاء عن مالك عن زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب قال: [لا يصلين وهو ضامٌ بين وركيه]. وهذه الصلاة المقصود بها الصلاة في حال الحقن الذي يبلغ المصلي أن يضم وركيه من شدة حقنه؛ هذا معنى كلام عمر . الخلاصة: أن ما يجده الإنسان على ثلاثة أضرب: أن يكون خفيفاً؛ فهذا يصلي به ولا يقطع. والثاني: أن يكون ضاماً بين وركيه؛ فهذا يقطع فإن تمادى صحت صلاته ويستحب له الإعادة في الوقت على قول بعض العلماء كـمالك رحمه الله. والثالث: أن يشغله ويعجله عن استيفائها بحيث يفقد الطمأنينة؛ فهذا صلاته باطلة، ويجب عليه أن يقطع وجوباً.

جواز خروج المعتكف لقضاء الحاجة:
ومن الأحكام المتعلقة بقضاء الحاجة أيضاً: أنه يجوز للمعتكف أن يخرج من المسجد لأجل الحاجة؛ لأن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يخرج إليَّ رأسه فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان).

عدم التضييق على الناس في أماكن نزولهم:
ومن الآداب لقضاء الحاجة: عدم التضييق على الناس في مواضع نزولهم، جاء في ذلك قصة عن سهل بن معاذ قال: غزوت مع عبد الله بن عبد الملك بن مروان في ولاية عبد الملك الصائفة؛ والصائفة: كانت اسماً للجيش الذي يخرج في الصيف .. فكان بعض الخلفاء ينظم الصوائف والشواتي، يعني: فرق الجيش التي تخرج في الصيف والشتاء. قال: فنزلنا على حصن سنان فضيق الناس المنازل وقطعوا الطريق. فأكمل القصة في نهيهم عن ذلك، فكل من نزل بموضع فهو أحق به، كما جاء في حديث: (منى مناخ من سبق). ولما نقول: أحق به، يعني: أحق به وبما حوله بحيث يبقى له مربط فرسه، ومكان طبخه، وموضع قضاء حاجته، فلو جاء واحد ونزل مثلاً على البحر هل يجوز للإنسان أن يأتي وينزل بجانبه مباشرة بحيث لا يبقى مكان له لطهيه ولا قضاء حاجته؟ الجواب: هذا إيذاء، ولذلك إذا رأيت ناساً نازلين أو عائلة أو نحو ذلك فلا يأت وتنزل بجانبهم مباشرة. ومعنى: تضييق المنزل الوارد في الحديث: أن ينزل بالقرب من نزول أخيه المسلم فيضيق عليه في المرافق أو الأشياء التي يحتاج إليها في ذلك المكان، ويكون هذا المكان كالحريم؛ والحريم هو: المكان الذي له حرمة حول الشخص إذا نزل، ومعنى: قطعوا الطريق: النزول على الممر على وجه يتأذى به المارة، فبعض الناس -حتى في الحج- ينزل على الطريق فيسده حتى يتأذى المارة، فهناك نزول على الطريق لا يؤذي المارة، وهناك نزول على الطريق يؤذي المارة فإذا كان الطريق واسعاً فقد يكون النزول على جانبه لا يؤذي المارة، لكن إذا كان الطريق ضيقاً فإنه لو نزل على الطريق فإنه يؤذي المارة فلا يجوز ذلك.

ترك الاستئذان لقضاء الحاجة في البيوت الخربة:
ومن آداب قضاء الحاجة: عدم وجوب الاستئذان لقضاء الحاجة في البيوت الخربة، وقد تقدم معنا في آداب الاستئذان: أن البيوت منها ما تكون مسكونة -لها ساكن- ومنها ما لا يكون لها ساكن، ومنها الخرابات التي تقضى فيها الحاجات كالبول والغائط، فهذا ليس على الإنسان جناح أن يدخلها دون استئذان، قد يريد الإنسان خارج البلد قضاء حاجة فيأتي إلى مكان مهدم يريد أن يستتر به لقضاء الحاجة، فلا يلزم هناك استئذان حيث أنه لا أحد حتى يستأذنه، وليس هذا مكاناً يجب الاستئذان عند دخوله. وقوله: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ [النور:29] معنى: متاع لكم ليس المقصود بالضرورة أن يكون لك عفش فيها، قال: منفعة لكم بدفع الحر أو البرد أو قضاء الحاجة من بول أو غائط .. كما أورد ذلك صاحب بدائع الصنائع الكاساني الحنفي رحمه الله.

ترك الوسوسة:
ومن آداب قضاء الحاجة كذلك كما تقدم: عدم الوسوسة، ويدخل في ذلك إيجاب أشياء لم تجب في الشرع كالاستنجاء من خروج الريح، فإن بعض العامة يعتقد أنه لا بد من الاستنجاء عند خروج الريح، وليس على من نام أو خرجت منه ريح الاستنجاء، وليس في هذا خلاف. قال ابن قدامة رحمه الله في المغني : قال أبو عبد الله : ليس في الريح استنجاء في كتاب الله ولا في سنة رسول الله، إنما عليه الوضوء. وإيجاب ما لا يجب حرام، وكذلك فإن الريح لا جرم لها يعلق، فلماذا يستنجي؟ تنبيه: أورد بعضهم في آداب قضاء الحاجة: عدم استقبال النيرين: الشمس والقمر، واستدلوا على ذلك بحديث، وهذا الحديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وربما كان فيه أنها تلعنه إذا استقبلها -الشمس أو القمر- وهذا ضعيف بل باطل، ولذلك لا حرج في استقبال الشمس أو القمر، فإذا انضاف إلى ذلك ما قاله بعضهم في الكواكب فأين يذهب الإنسان في قضاء الحاجة؟ إذاً القبلة لا استدبار ولا استقبال، والشمس لا، والقمر لا، والكواكب لا. إذاً هذا يحتاج إلى أن يدخل نفقاً أو يخرج من هذه الأرض، فهذا كله من التكلف، ومن الآثار السيئة للأحاديث الضعيفة أو الموضوعة.

بلُّ اليد قبل غسل النجاسة:
ومن آداب قضاء الحاجة: بلُّ اليد قبل غسل النجاسة؛ وهذه ذكروها في الآداب بالتجربة؛ لأنها إذا باشرت النجاسة وهي يابسة تعلقت بها النجاسة وصارت الرائحة في اليد قوية، فإذا غسل يده أولاً ثم غسل النجاسة وقعت النجاسة على شيءٍ مبتل فلا تنتقل إليها الرائحة كانتقالها إلى اليد اليابسة.

غسل اليدين بعد الاستنجاء بتراب ونحوه:
وكذلك من الآداب: غسل اليد بعد الاستنجاء بتراب أو رمل أو نحوه مما يقلع الرائحة كالصابون، وإذا كان في البر واستنجى من خروج الغائط مثلاً غسل يده بعد الماء بترابٍ ونحوه.

تفريج الفخذين عند البول:
من آداب قضاء الحاجة: التفريج بين الفخذين عند البول، حتى لا يصيب البول عند خروجه الرِجْل.

الاسترخاء حتى يخرج ما بقي من النجاسة:
وكذلك من آداب قضاء الحاجة: الاسترخاء قليلاً، والاسترخاء ضد الانكماش والانقباض، قالوا: لأنه أقرب إلى إزالة النجاسة؛ لأن في المحل -يعني: مكان الخروج والمثانة- انقباضات فربما تبقى بقية بعد التبول، فإذا أنهى البول استرخى قليلاً حتى لو بقي شيءٌ فأنه يخرج.

ستر الرأس وتغطيته:
ذكروا من آداب قضاء الحاجة: ستر الرأس وتغطيته، وأوردوا في ذلك حديثاً عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: [استحيوا من الله إذا خلوتم، إني لأذهب إلى حاجتي في الخلاء متقنعاً بردائي حياءً من ربي]. فقالوا: إن هذا لأجل كمال الحياء؛ ولأن قضاء الحاجة يكون في ستر ويكون بمكان لا يراه، فمن كمال الأدب أن يفعله ولكن ليس في ذلك وجوب، حتى هذا إن صح عن أبي بكر رضي الله عنه فإنه يحمل على كمال حيائه رضي الله عنه، وقالوا: لأن قضاء الحاجة مبني على الستر والمبالغة فيه، حتى إنه يغطي رأسه ولكن ليس في هذا وجوب.

عدم البول في الشقوق والجحور:
ومن آداب قضاء الحاجة التي ذكرها أهل العلم: عدم البول في الشقوق والجحور؛ أما بالنسبة للبول في الشقوق والجحور فإنهم ذكروا له علتين: إحداهما: حتى لا تخرج عليه الهوام فتؤذيه، فقد يكون فيه عقرب أو حية وما شابه ذلك من هوام الأرض التي تدخل في الجحور؛ فإذا بال في الجحر ربما خرج عليه ما يؤذيه. ما هو الفرق بين الجحر والشق أو السرب؟ السرب والشق يكون بالطول والجحر مستدير. والعلة الثانية: أن الجحور قد تكون من بيوت الجن، وذكروا في ذلك قصة: أن سعد بن عبادة رضي الله عنه لما ذهب إلى الشام في آخر عمره، ذهب ليقضي حاجته فبال في جحر فوجد مخضراً ملقىً ميتاً، وسمع قائلاً يقول:
نحن قتلنا سيد الـ أو سعد بن عباده
ورميناه بسهميـن فلم نخطي فـؤاده
ولكن ليس في هذا جزم أن الجحور بيوت الجن، فقد يكون فيها وقد لا يكون فيها، وهذه القصة الله أعلم بثبوتها، ولذلك الإنسان على أية حال لا يتعمد البول في الجحر؛ لأن هناك احتمالاً أن يكون فيه إيذاء لمن فيها بغض النظر عمن فيها. ثانياً: أنه قد يخرج عليه شيء فيؤذيه هو. فإذاً حتى لا يؤذي ولا يؤذى. وقد قال بعضهم كلاماً لطيفاً علل فيه أن الجن يحبون النجاسات، فلماذا لا نبول في الجحر حيث إنهم أصلاً يحبون النجاسات؟ فقال رداً على ذلك: إذا كان الشياطين يحبون النجاسات ويكونون في المراحيض وبيوت الخلاء والحشوش ونحو ذلك، وإذا دخلنا نستعيذ بالله منهم فإنه ليس معنى ذلك أنهم يحبون التلطخ بها، يقول: ألا ترى أنك تحب العسل ولكن لا تحب أن تتلطخ به.

آداب قضاء الحاجة من كتاب المدخل لابن الحاج:
وختاماً للموضوع: فقد ذكر ابن الحاج رحمه الله وهو: محمد بن محمد العبدلي المالكي آداب قضاء الحاجة مجموعة في كتابه: المدخل ، جمع فيه نحواً من تسعة وسبعين أدباً، فنحن نمر عليها إن شاء الله، ولكن بعض هذه الآداب قد لا يكون عليها دليل فنتجاوزه. يقول رحمه الله: فصل: في الاستبراء وكيفية النية فيه، يقول: وقد تقدم على أن الأفعال على قسمين: واجب، ومندوب، وقد ذكر علماؤنا رحمة الله عليهم آداب التصرف في ذلك كله، وهي تنوف على سبعين خصلة يحتاج من قام إلى قضاء حاجته أن يتأدب بها، وهي كلها ماشية على قانون الاتباع: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31]: الأولى: الإبعاد حتى لا يرى له شخص ولا يسمع له صوت، فإن القصد من الإبعاد ليس فقط ألا يرى، ولكن أيضاً حتى لا يسمع منه صوت عند قضاء الحاجة، من باب الأدب أيضاً. الثانية: الاستعداد قبل الدخول بيسير من الماء والأحجار؛ لأن بعض الناس لا يستعد، ربما يدخل دورة المياه ثم يكتشف أن الماء مقطوع فيتورط، فإذا دخل الخلاء يتأكد هل يوجد فيه ماء، وإن لم يوجد أدخل معه ماءً أو أدخل معه مناديل للاستجمار. الثالثة: أن يقدم الشمال وأن يؤخر اليمين. الرابعة: إذا خرج فليقدم اليمين أولاً ويؤخر الشمال. الخامسة: أن يتعوذ التعوذ الوارد في ذلك عند الدخول، وهو أن يقول: أعوذ بالله من الخبث والخبائث النجس الرجس من الشيطان الرجيم. السادسة: ألا يستقبل القبلة إذ ذاك. السابعة: ألا يستدبرها إلا في المنازل المبنية، فلا بأس في الاستقبال والاستدبار ما لم يكن في سطح فأجيز وكره، يعني: بعضهم قال: إذا كان المكان مكشوفاً. وقيل: هل هو إكرام للملائكة؟ لكن ما دام أنه ما ثبت فيه شيء فلا داعي لتكليف الإنسان نفسه، وأي فرق بين السطح المكشوف وبين الخلاء والفضاء والصحراء؟ إذا قلنا: لا بد من سطح مكشوف هذا بالنسبة لاستقبال القبلة، يعني: الفرق يظهر بين الصحراء والسطح في قضية الاستقبال، أما في عدم الاستقبال ليس هناك فرق، إذا لم يستقبل سواءً كان في صحراء أو في سطح نفس الشيء، لكن في قضية الاستقبال والاستدبار في البنيان بعضهم كره، يعني: أجاز استقبال جهة الكعبة واستدبارها داخل البنيان، لكن قالوا: ليس في سطح، ثم قالوا: هل هو لأجل القبلة؟ أو لأجل الملائكة؟ الثامنة: ألا يستقبل الشمس والقمر بعورته؛ وهذا ليس بشيء كما تقدم وليس عليه دليل. التاسعة: أن يستتر عند التبرز. العاشرة: أن يتوقى مسالك الطرق. الحادية عشرة: أن يتوقى مهاب الرياح، ونبه إلى نوع من المراحيض كانت موجودة في ذلك الوقت تدخل فيها تيارات الهواء الشديدة جداً بحيث إنه لا يسلم من الرشاش أن يرجع إليه. الثانية عشرة: أن يتوقى ما علا من الأرض؛ لأنه إذا كان في مكان مرتفع كان عرضة لأن يراه الناس. الثالثة عشرة: أن يبالغ في أكثر ما يجد من الأرض انخفاضاً، ومنه سمي الغائط غائطاً، فالغائط في لغة العرب: هو المكان المنخفض من الأرض، فكان أحدهم إذا ذهب إلى قضاء حاجته ذهب للغائط: أي المكان المنخفض من الأرض، ثم كثر استعماله حتى سمي الخارج بالموضع. فقيل: سمي الخارج غائطاً باسم الموضع الذي كان يغشى لأجل قضاء الحاجة والتغوط. الرابعة عشرة: ألا يقعد حتى يلتفت يميناً وشمالاً، وهذا: لأجل أنه قد يكون حوله شيء من الهوام فلا يفاجئ به، فيلتفت يميناً وشمالاً قبل أن يقضي حاجته، فإنه قد يكون هناك شيء يستدعي البعد عن هذا المكان. الخامسة عشرة: ألا يكشف ثوبه حتى يدنو من الأرض. السادسة عشرة: إذا قعد لا يلتفت يميناً وشمالاً. السابعة عشرة: ألا يمس ذكره بيمينه. الثامنة عشرة: ألا ينظر إلى عورته؛ وهذا من باب الأدب، لكن ليس محرماً. التاسعة عشرة: ألا ينظر إلى ما يخرج منه إلا لضرورة لا بد منها؛ وهذا شيء تستقذره النفس وتكرهه، فلماذا يأتي بما تستقذره النفس ويشينها؟! العشرون: أن يغطي رأسه، وقد تقدم الكلام عنه. الحادية والعشرون: ترك الكلام بالكلية ذكراً كان أو غيره، ولا بأس أن يستعيذ عند الارتياع، ويجب الكلام إذا اضطر إلى ذلك في أمر يقع مثل: حريق، أو أعمى يقع، أو دابة ينبه غيره عليها، ومشى بها ذلك. الثانية والعشرون: ألا يسلم على أحد ولا يسلم عليه أحد، فإذا سلم عليه أحد فلا يرد عليه.

كيفية قضاء الحاجة:
الثالثة والعشرون وما بعدها: إقامة عرقوب الرجل اليمنى على صدرها وأن يستوطئ اليسرى، وأن يتوكأ على ركبته اليسرى وذكرنا في هذا حديثاً ضعيفاً لكن قالوا: هو أعون على الخروج أن يتكئ على الرجل اليسرى ويرفع اليمنى قليلاً. وذكر بعضهم: من أجل المعدة، وأن المعدة كالإناء، وهو أنك إذا أرقته على جنب صار أسهل، وعلى أية حال: ربما أن بعضكم يرى في بعض البيوت القديمة، أو الحمامات العربية أنهم يجعلون الجزء الأيسر من المقعد أوطأ قليلاً من الأيمن لأجل هذا المعنى، وهذه كما قلنا قضية تجربة وطب، إذا كان ثبت هذا فيفعله الإنسان من باب أنه أيسر له. السادسة والعشرون: يكره البول من موضع عالٍ إلى أسفل خوفاً من الريح أن ترده عليه. السابعة والعشرون: يكره أن يبول في المواضع المنحدرة إذا كان هو من أسفل؛ لأن بوله يرجع عليه. الثامنة والعشرون: البول قائماً المشهور الجواز وتقدم الكلام عليه. التاسعة والعشرون: يبتدئ بغسل قبله قبل دبره، يعني: عند الاستنجاء وإزالة النجاسة يبدأ بالقبل أولاً لئلا يتطاير عليه شيء من النجاسة عند غسل الدبر؛ لأنه قد يحتاج في غسل الدبر إلى تمرير يده فتحتك بمكان خروج البول فتتنجس اليد، فإذا طهر القبل أولاً ثم حرك يده فإنها تمر على مكان نظيف. وعلى أية حال هذا من الآداب. قال: وأما إذا كان البول يتأخر بخروجه، ويخرج على شكل قطرات أخر غسل القبل. الثلاثون: يغسل يده بالتراب مع الماء عند الفراغ فهو أنظف. الحادية والثلاثون: يستجمر وتراً. الثانية والثلاثون: ألا يستنجي في موضع قضاء الحاجة كما قلنا؛ لأنه إذا قضى الحاجة -الغائط مثلاً- ويريد أن يستنجي في مكانه لربما لامس القذر الذي في الأرض، طبعاً هذا في غير المراحيض والكراسي أو مكان قضاء الحاجة، فإن هذا ثابت لا حاجة أصلاً لأن يذهب إلى اليمين أو الشمال، ولكن إذا قضى حاجته في مثل صحراء أو أرض أو فلاة فليذهب عن هذا المكان قليلاً ويغسل.

سد مكان البول برفق:
الثالثة والثلاثون: سد مكان خروج البول برفق؛ لأن استعمال الشدة ربما يؤدي إلى سلسل البول، ولذلك ترى بعض الموسوسين يستخدمون وسائل غير مشروعة، مثل: العصر والدلك بشدة والنتر والنحنحة وربما القفز وغير ذلك، والمسألة لا تحتاج إلى هذا، بل سلت برفق إذا خشي أن يكون فيه شيء، وإلا فإنه لا يمسه أصلاً إلا في الغسل باليسرى. الرابعة والثلاثون: تفريج ما بين الفخذين لئلا يتطاير عليه شيء من البول. الخامسة والثلاثون: ألا يعبث بيده. ثم قال: وقراءة الذكر (الحمد لله الذي سوغنيه طيباً وأخرجه عني خبيثاً) وهذا إذا ثبت. أن يجمع بين الأحجار والماء فهو أحسن وأطيب، ويجوز الاقتصار على المناديل وغيرها في الاستجمار ولو كان يوجد ماء، وإذا لم يوجد ماء يجوز الاقتصار على الاستجمار، ويجوز ثلاث مسحات فأكثر بحسب الحاجة وتراً، وإذا كان بالحجارة اختار ثلاثة أحجار، وإذا كان حجراً له ثلاثة أوجه جاز أن يستعمله. قال: إذا أراد أن يستنجي يغسل يده اليسرى قبل أن يباشر النجاسة لئلا تعلق فيها الرائحة. وذكر من الآداب: إذا استنجى بالماء أن يكون الإناء في يده اليمنى ليسكب به الماء ويده اليسرى على المحل يعقبه ويواصل صب الماء. والآن من طبيعة الحال توجد هذه الآلات في المراحيض ودورات المياه فهي بمثابة الإناء الذي يسكب منه. الثانية والأربعون: ألا يتغوط تحت شجرة مثمرة. الثالثة والأربعون: ألا يتغوط في ماء راكد. الرابعة والأربعون: ألا يفعل ذلك على شاطئ النهر، وكما قلنا: على شاطئ البحر والناس يدخلون ويخرجون. الخامسة والأربعون: ألا يفعله تحت ظل حائط، فإن كل هذه من الملاعن. السادسة والأربعون: أن يتجنب البول في كوةٍ من الأرض إذا لاقاها لأجل الإيذاء. السابعة والأربعون: أن يتجنب بيع اليهود. الثامنة والأربعون: أن يتجنب كنائس النصارى سداً للذريعة؛ لئلا يفعلوا ذلك في مساجدنا كما نهينا عن سب الآلهة المدعوة من دون الله لئلا يسبوا الله عز وجل. ونحن نذكر أن أبرهة قام بغزو الكعبة؛ لأن بعض العرب ذهبوا إلى القليس التي بناها في اليمن ولطخوها بالنجاسات فثارت حفيظته.

كراهية البول في الأواني النفيسة:
التاسعة والأربعون: يكره البول في الأواني النفيسة للسرف، أما أواني الذهب والفضة فإنه يمنع اتخاذها واستعمالها أصلاً، فكان يوجد بعض الأغنياء أو الملوك وغيرهم الذين يستعملون أواني الذهب والفضة في قضاء الحاجة. الخمسون: يكره البول في مخازن الغلة؛ المخازن التي يخزن فيها القمح والطعام وغير ذلك، قالوا: ولو كانت فارغة؛ لأنه لو أتي بطعام بعده ليوضع في المخزن فربما انتقل إليه شيء من النجاسة الموجودة في الأرض.

عدم إدخال الإصبع في الدبر :
الحذر من إدخال الإصبع في الدبر، قال: فإنه من فعل شرار الناس، وهذه مسألة أيضاً من الأدب، ذكرها في قضية درجة البطء في خروج الخارج، قال: فرب شخص يحصل له التنظيف عند انقطاع البول عنه، فبمجرد أن ينقطع ولا يخرج شيء يغسل، وآخر لا يحصل له ذلك إلا بعد أن يقوم ويقعد، يعني: ربما يحتاج شخص آخر إلى الاسترخاء ليخرج، وآخر يحتاج أن يقوم ثم يقعد، إذا قام حضره بول إضافي غير الذي خرج منه فيقعد ليخرج ما بقي، قال: وذلك راجع إلى اختلاف أحوال الناس في أمزجتهم ومآكلهم واختلاف الأزمنة عليهم، فليس الشيخ كالشاب؛ لأنه معروف أن كبير السن يسترخي معه المكان فتكثر عنده الحاجة لدخول دورة المياه عدة مرات، أما الشاب فيكون الموضع عندهم مستمسك، وليس من أكل البطيخ كمن أكل الجبن؛ لأن البطيخ يسبب شيئاً من الإسهال، والجبن يسبب شيئاً من الانقباض أو القبض، وليس الحر كالبرد. المهم أنه ذكر اختلاف المآكل والأجواء، واختلاف أسنان الناس، فهذه كلها أسباب في قضية التأخر أو البطء في الخارج، وبالتالي على الإنسان أن ينتظر حتى يغسل كل شيء فيصلي وهو طاهر. وليس معنى هذا أن الإنسان يقعد في دورة المياه ساعات، فإن بعض الناس عندهم وسوسة عجيبة، كما ذكر ابن القيم رحمه الله حيث قال: وربما قفز درجات السلم، ينـزل على سلم متتابعاً ثم يعود لأجل أن يفرغ ما في جعبته بظنه، وربما احتشى وآذى نفسه، وأدخل أشياء في الداخل، وأنت لست مطالباً في الشريعة بتنظيف ما في الداخل، بل أنت مطالب بتنظيف المخرج فقط، وأصلاً مهما نظفت في الداخل فإن هذا موجود ومستودع داخل الإنسان، فالمطلوب هو تنظيف المخرج فقط، وليس ما بالداخل، فأنت لست مسئولاً عما في الداخل. وبعض الناس يقول: انتظر ربما يخرج شيء، وآفة الموسوسين كلمة: ربما، إني وجدت بالنظر في أحوال الموسوسين أن آفتهم آفة عظيمة فيقول: ربما يمكن خرج شيء، يمكن يخرج شيء بعد قليل، فهذه القضية الدقيقة عند الموسوسين، أنت مكلف بما صار الآن ولست بمكلف بما يمكن أن يحدث، وتعمل لذلك احتياطات وتضيع الأوقات والجماعات والصلاة، وصرح بعضهم أنه يضيع الصلاة عن وقتها كله من بعد الظهر إلى العصر؛ وهذه من المصائب العظيمة، نسأل الله العافية؛ لأن قضية الوسوسة مرض خطير جداً. فالإنسان مكلف بما يخرج، وليس بما يمكن.. احتمال.. شعرت.. إني أشعر. ثم أيضاً: لو أن الإنسان يخرج منه البول متتابعاً ولا يستطيع التحكم في خروجه، فما هو الحكم؟ أنه يغسل ويتوضأ ويخرج وليس بمكلف بما خرج منه بعد ذلك، يتوضأ بعد دخول الوقت ويصلي، وإن وضع شيئاً كمناديل مثلاً أو شيئاً لئلا تنتشر النجاسة فقط. ولو كان يخرج متتابعاً فإنه يخرج ولا يتحكم به إطلاقاً.

عدم كشف العورة أمام الناس:
قال: إذا قام للاستبراء فلا يخرج بين الناس ويمسك عورته بيده فإن ذلك تشويه ومثلة، قال: ويكره له أن يشتغل بغير ما هو فيه لئلا يتأخر خروج الحدث، والمقصود: الإسراع في الخروج من ذلك المحل بذلك وردت السنة. بعض الناس يطيلون في الحمامات، والآن المراحيض تبنى في البيوت واسعة وعلى أنوار يعني: أصبح مجلساً في الحقيقة، ولذلك بعضهم في قضاء الحاجة يقرءون الجرائد، يجلس على كرسي الحمام يقرأ الجرائد، مع أنه مكان حضور الشياطين ومكان النجاسات، وينبغي على الإنسان أن يخرج منه بأسرع وقت وليس أن يجعله متكأً ومقيلاً ومكاناً للكيف والراحة والاسترخاء والاستمتاع. والآن الحضارة المدنية الحديثة حولت الحمامات إلى أماكن متعة، مع أنها أماكن حضور الشياطين، فيجب أن ينفر الإنسان المسلم من المكث فيها، فيقضي حاجته ويخرج. قال الإمام أبو عبد الله القرشي رحمه الله: إذا أراد الله بعبد خيراً يسر له الطهارة. هذه -حقيقة- عبارة بليغة، أما إذا أريد به شراً فإن الطهارة تتعقد عنده وتصبح إجراءات صعبة وطويلة حتى تصبح عذاباً، فإن الموسوس يعذب نفسه.

ألا يستجمر بحائط المسجد ولا في حائط مملوك:
السابعة والخمسون: لا يستجمر بحائط المسجد لحرمته، ولا في حائط مملوك لغيره؛ لأنه تصرف في ملك الغير، وحتى قال: لا يفعل في حائط نفسه، يعني: الحيطان المبنية من اللبن والطين ومن غيره. أولاً: إذا كان في مسجد أو كان في ملك الغير فلا يجوز، ولو كان له هو فربما نزل عليه المطر أو الماء وصار تحته نجاسة، قالوا: ربما كان في الحائط حيوان فيتأذى به وقد رأيت عياناً -هذا يقوله ابن الحاج رحمه الله- بعض الناس استجمر في حائط فلسعته عقرب على رأس ذكره، ورأى من ذلك شدة عظيمة.

ألا يستجمر بفحم ونحوه:
التاسعة والخمسون: لا يستجمر بفحم لأنه يلوث المحل، ولا بعظم لأنه لا ينقي، ويتعلق به حظ الغير، ما هو حظ الغير في العظم؟ زاد إخواننا المؤمنين الجن. ولا بزجاج لأنه لا ينقي وهو مؤذٍ، ولا بروث لأنه لا يثبت عند الدعك ويتفتت، وهو زاد لدواب مؤمني الجن كما ورد في الحديث، وعظم الذبيحة التي ذكر اسم الله عليها زاد لمؤمني الجن، ينقلب في أيديهم لحماً كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.

ألا يستجمر بمائع:
قال: ولا يستجمر بمائع لأنه يلطخ المحل ويزيده تلويثاً، ولا يستجمر بطعام لحرمته ولا بذهب أو فضة أو زبرجد أو ياقوت لإضاعة المال، ولا بثوب حرير ولا بثوب رفيع يعني: عالي القيمة من غير الحرير؛ لأن ذلك كله سرف، ويستجمر بما عدا ما ذكر، وقد حد علماؤنا رحمة الله عليهم لهذا حداً يجمع كل ما تقدم من آلات الاستجمار ينبغي الاعتناء به، أي: بهذا الضابط، فقالوا: يجوز الاستجمار بكل جامد طاهر منقٍ خلاعٍ للأثر غير مؤذٍ ليس بذي حرمة ولا سرف ولا يتعلق به حق الغير. وهو ضابط جيد.

الاعتبار بما يخرج منه وكيف كان يأكله طيباً:
وأخيراً: التفكر والاعتبار في قضاء الحاجة بخروج عملية النجاسة، وقد ذكر في ذلك كلاماً نفيساً جداً، قال رحمه الله: وينبغي له إذا خرج منه خارجٌ أن يعتبر إذ ذاك في الخارج وفي نتنه وقذره فإن نفسه تعاف منه، ويعلم ويتحقق أنه لا بد أن يرجع هو نفسه كذلك، سواء بسواء. كيف يرجع ويتحول الإنسان هو نفسه إلى مخلفات وخارج؟ يكون ذلك إذا أكلته الديدان ورمته من جوفها قذراً منتناً، ويعلم أن ثم قوماً لا ينتنون في قبورهم ولا تتعدى عليهم الأرض ولا يتغيرون؛ وهم الأنبياء، وكذلك أولياء الله والعلماء والشهداء قد يكون لهم شيء من هذه الميزة، وقد تحفظ قصة عن شخص لم يتغير مثلما حصل لوالد جابر، حيث إنه دفن وبعد سنين حفروا قبره فضربت المسحاة أذنه فنفر الدم منها. إذاً: بعض العلماء والأولياء والشهداء قد يحصل لهم من الكرامات ألا تتغير أجسادهم بعد الدفن، ولا تأكله الديدان. قال: فيتفكر في هذا وتكون همته سامية لبلوغ هذه المراتب، قال: وذلك تنبيه من الله سبحانه وتعالى لنا حتى يعلم كل واحد منا ما هو صائر إليه وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [البقرة:269] فمن كان له لبٌّ نظر إلى أوله فوجده نطفة، ونظر إلى آخره فوجد أنه تأكله الديدان وترميه، وإلى وسطه -يعني: أوله الحياة وآخره الموت- يجد ما يراه في كل يوم مما يحمل ويخرج منه: يعني: هو حامل النجاسة في بطنه، أوله نطفة وآخره الديدان حيث يصير إليها وتتخلص منه قذراً، وبين ذلك يكون حاملاً للنجاسة وتكون في جوفه. قال: أي نفس تشمخ وتتكبر -وهي بهذه الحال- فهذا الاعتبار. وكذلك ينبغي في قضاء الحاجة: أن يتفكر في الطعام الذي أكله حيث كان طيب المذاق، شهياً للنفوس لا يشترى إلا بالمال بعد التعب، فليتفكر ما يصير إليه هذا المال، وقد سلبت طهارته، وذهب عزه، وصار منتناً قذراً يتحامى عنه، لماذا؟ لأنه اختلط بنا، الطعام لما اختلط بنا أنتن وصار نجساً وقذراً، فنقل عن ابن عطية رحمه الله في التفسير حين تكلم عن قول الله تعالى: فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ [عبس:24] ذهب أبي بن كعب وابن عباس والحسن ومجاهد إلى أن المراد إذا صار رجيعاً، فليتفكر الإنسان ويعتبر أن الطعام يتحول إلى ماذا؟ وهكذا عاقبة الدنيا، وقد جاء في الحديث الصحيح: أن الإنسان يعتبر بالدنيا: (إنما ضرب طعام ابن آدم مثلاً للدنيا، فلينظر إليه إن قزحه وملحه فلينظر إلى ما يصير) وأشهى طعام يكون في النهاية جيفة. هكذا الدنيا. قال: ثم إنه لم نجد هذا الطعام وحده؛ الطعام إذا خالطنا صار بعد ذلك قاذورات، بل كل ما نباشره إن لبسنا ثوباً جديداً فعن قليل يتوسخ وعن قليل يتمزق، وإن مسسنا طيباً فعن قليل تذهب رائحته، وهكذا.. قال: فالمؤمن يعتبر ويأخذ نفسه بالأدب من وجهين: أولاً: الهرب من خلطة من لا ينفعه في دينه؛ لأنه يخاف على نفسه من آثار هذه الخلطة، يقول: الطعام لما اختلط بنا ولامسنا ودخل فينا ماذا صار؟ وكذلك لو خالط قرين السوء الذي يكذب في دينه فيكون أوسخ من هذا. ثانياً: أن يكون إذا خالطه أحد من إخوانه المسلمين ممن ينتفع به في دينه أو ينفعه فليحذر من أن يغير أحداً منهم بسبب خلطته، يعني: يحذر هو أن يتغير من قرين السوء، ويحذر أن يغير غيره، فهذان وجهان عظيمان. نسأل الله عز وجل أن يرزقنا الأدب والفقه وحسن الخاتمة، وصلى الله على نبينا.

اقرأ القرآن وأذكر ربك
21-11-2011, 08:32 PM
محاضرة( أسباب الزيادة في الرزق )للشيخ محمد المنجد




عناصر الموضوع :

1. أسباب الزيادة في الرزق

2. أسباب غير شرعية لزيادة الرزق



أسباب الزيادة في الرزق:

إن لزيادة الرزق أسباباً شرعية وغير شرعية، فمن الأسباب الشرعية: الاستغفار والتوبة، وتقوى الله تعالى، والتفرغ لعبادته، والتوكل، والمتابعة بين الحج والعمرة، وصلة الرحم، وكذلك الإنفاق في سبيل الله والهجرة .. هذا ما تحدث عنه الشيخ، وذكر أنه لابد أن يأخذ الإنسان بهذه الأسباب حتى يرزقه الله تعالى، وذكر أسباباً غير شرعية؛ كالسرقة والرشوة، والربا وغيرها، وبين أن على الإنسان أن يحتنبها ويحذر منها.



أسباب الزيادة في الرزق:

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] . يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1] . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71] . أما بعــد: فيا عباد الله: إن الله تعالى أمرنا بالضرب في الأرض لطلب المعاش والرزق، وللرزق أسباب شرعية جاءت في الكتاب والسنة، ولعلنا نعرض لها في هذه الخطبة، إضافةً لما تقدم من خطبة ماضية حول هذا الموضوع، وهذا العرض نافع لكل من لم يجد عملاً أو وظيفة، ونافع لكل من ركبته ديون لا يستطيع أداءها، ونافع لكل من لم يحصل على حقه فهو ينتظره على أحر من الجمر، ونافع كذلك لمن لا يكفيه راتبه، ولا يكفيه دخله من كثرة المصروفات وأبوابها المفتوحة عليه. وبالجملة: فإن موضوع المال والاقتصاد من الموضوعات الحساسة، ولذلك جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية ذكر كبير لما يتعلق بهذه القضية؛ لأنها قيام الناس قال تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً [النساء:5] فشأنكم وحياتكم يقوم بالمال. ولذلك فإن هذه المسألة كان لها مساحة لا بأس بها في القرآن والسنة، يحتاج إليها المسلم. ونقول هذا الكلام -أيضاً- في وقت رجع فيه كثير من الناس من الإجازات، وقد أنفقوا كل ما ادخروه في السنة الماضية، وصار بعضهم في شيء من الضيق.



الاستغفار والتوبة:

أيها المسلمون: اعلموا -رحمكم الله تعالى- أن من الأسباب العظيمة للرزق الشرعي: الاستغفار والتوبة .. (أستغفر الله وأتوب إليه). الاستغفار والتوبة من الأمور العظيمة التي جاء في القرآن والسنة ذكرها، قال الله تعالى عن نوح عليه السلام: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً [نوح:10-12] . وكثير من الناس اليوم يستغفرون باللسان؛ لكن لا حقيقة للاستغفار في قلوبهم، وإذا تابوا فتوبتهم ناقصة، فبعضهم لا يقلع عن الذنب أصلاً، وبعضهم إذا أقلع فإنه لا يندم على ما فات، بل ربما تمنى أن يحصل له الذنب مرةً أخرى، وأما العزم على عدم العودة فغير حاصل؛ وذلك لأنه لعله يترقب أن يحصل له من الفرص ما يعود به إلى الذنب؛ لأن الاستغفار ليس من القلب، ولأن التوبة ليست صادقة، فكثير من الناس يُضَيَّق عليهم في معاشهم، وليس كلهم؛ فإن بعض الناس يملي الله لهم ليزدادوا إثماً. والله تعالى لما قال عن نوح: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً [نوح:10-11] قال العلماء رحمهم الله: أي: إذا تبتم إلى الله واستغفرتموه وأطعتموه كَثُر الرزق عليكم، وأسقاكم من بركات السماء، وأنبت لكم من بركات الأرض، وأنبت لكم الزرع، وأدرَّ لكم الضرع، وأمدكم بأموال وبنين، أي: أعطاكم الأموال والأولاد، وجعل لكم جنات فيها أنواع الثمار، وخللها بالأنهار الجارية بينها. فإذاً: قضية الاستغفار والتوبة مسألة عظيمة. جاء رجل إلى الحسن البصري يشكو الجدب والقحط، فقال له: استغفر الله. ثم جاءه آخر يشكو إليه الفقر، فقال له: استغفر الله. ثم جاء ثالث يقول: ادعُ الله أن يرزقني ولداًَ، فقال له: استغفر الله، وشكا إليه رابع جفاف بستانه، فقال له: استغفر الله، فقلنا له في ذلك .. وفي رواية: فقال له الربيع بن صبيح : أتاك رجال يشكون أنواعاً فأمرتهم كلهم بالاستغفار! فقال: ما قلت من عندي شيئاً، إن الله يقول في سورة نوح: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً [نوح:10-12]. عباد الله: إن الذي يكثر من الاستغفار؛ فإن الله يفرج همه، وينفس كربه، ويرزقه من حيث لا يحتسب، مصداقاً لما في كتاب الله تعالى.



التقوى:

والعامل الثاني من عوامل الرزق الشرعي: التقوى .. وقد عرفها العلماء بقولهم: امتثال أمر الله ونهيه، والوقاية من سخطه وعذابه سبحانه وتعالى. ولذلك فإن الذي يصون نفسه عن المعاصي متقٍ لله، والذي يقوم بالواجبات متقٍ لله، والدليل على ارتباط التقوى بالرزق قول الله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3] . وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ [الطلاق:2] فيما أمره به، وترك ما نهاه عنه، يجعل له من أمره مخرجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:3] أي: من جهة لا تخطر بباله. وهذا له قصص كثيرة، وشواهد في الواقع؛ لكن أين المتقون؟! إن الذين يفعلون المعاصي ويرتكبون المنهيات كثير .. ينظرون إلى ما حرم الله، ويستمعون إلى ما حرم الله، ويمشون إلى ما حرم الله، ثم يقولون: لا نجد رزقاً، لا نجد عملاً، لا نجد وظيفة! نقول: اتقوا الله يجعل لكم مخرجاً، فقد قال ربنا: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف:96] . بركات من السماء، أي: المطر، وبركات الأرض، أي: النبات والثمار، وكثرة المواشي والأنعام، وحصول الأمن والسلامة؛ لأن السماء تجري مجرى الأب، والأرض تجري مجرى الأم، ويحصل لهذا المخلوق على الأرض وتحت السماء من الرزق -إذا ما اتقى الله- ما الله به عليم. عباد الله: إن تطبيق الشريعة وسيلة عظيمة لحصول الرزق للناس، ودليله قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ [المائدة:66] أقاموا الشيء المنزل من السماء، أقاموه وطبقوه وحكَّموه لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [المائدة:66] هذه الآية السادسة والستون من سورة المائدة، وهكذا يكون تطبيق الشرع عاملاً من عوامل الرخاء، وسعة الرزق، ووجود البحبوحة للخلق.



التوكل على الله:

وأما النقطة الثالثة: فهي التوكل على الله سبحانه وتعالى .. والتوكل تفويض الأمر إلى الله، والاعتماد على الله وحده، وعدم التعلق بالعباد؛ لأن الله قال: فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ [العنكبوت:17] وهذه أبلغ من قوله: (فابتغوا الرزق عند الله)، أي: عنده لا عند غيره، التمسوه منه لا من غيره. التوكل على الله أن تفرغ قلبك من التعلق بالخلق، وتُوكل أمرك لله، وترجو الفرج من الله، وتنتظر الرزق مع بذل الأسباب والأخذ بها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله؛ لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً) . (تغدو) أي: تذهب في أول النهار. (خماصاً) أي: جياعاً. (وتروح) أي: ترجع في آخر النهار. (بطاناً) جمع بطين، وهو عظيم البطن، والمراد: شباعاً. هؤلاء خَلْق الله؛ الطير في السماء تتوكل على الله أكثر بكثير من البشر .. (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير) وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:3] فالله يكفيه، ويقضي دينه، ويسد جوعته. ولا شك أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل على الله، بل إنه داخل في التوكل على الله، ومن صلب التوكل أن تأخذ بالأسباب، وإلا صار التوكل لغواً. سئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن رجل جلس في بيته أو في المسجد وقال: لا أعمل شيئاً حتى يأتيني رزقي، فقال: هذا رجل جهل العلم، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وجعل رزقي تحت ظل رمحي) يعني: الجهاد، وكم يحتاج إلى إعداد! وتجميع الطاقات! وبذل الأسباب! والتوقيت المناسب! وخداع العدو! وأخذه على حين غرة! ونحو ذلك الأمور الحربية! (وجُعِل رزقي تحت ظل رمحي) فإذا كان الرزق تحت ظل الرمح، وكان الجهاد في سبيل الله باباً عظيماً للرزق؛ لأن الله قال: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً [الأنفال:69] أي: غنمتم من المعارك مع الكفار، خذوه حلالاً طيباً، ولا شك أن الجهاد يحتاج إلى بذل أسباب، والرزق تحت ظل الرمح؛ إذاً: لابد من بذل الأسباب. وقال الإمام أحمد رحمه الله تكملةً للجواب عن السؤال: فقد قال -أي: النبي صلى الله عليه وسلم-: (لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً) فذكر أنها تغدو وتروح في طلب الرزق. فتأملْ فقه الإمام رحمه الله .. الطير تتوكل على الله؛ لكن هل تقعد في أعشاشها، أو أنها تغدو وتروح، تذهب في الصباح للبحث عن الرزق، وتعود محملةً بالطعام لأولادها في أعشاشها؟ كَدٌّ وسعي وذهاب في طلب الرزق، فلم يقل: توكلوا فقط، بل قال: (اعقلها وتوكل) . وهذه المسألة مسألة الأخذ بالأسباب باب يغرق فيه كثير من الناس، فبعضهم يجعل كل شيء الأخذ بالأسباب، ولا يتوكل على الله، وقلبه غير معلق بالله، وإنما معلق بالواسطة الفلانية، والموظف الفلاني، والصديق الفلاني، والأوراق التي قدمها، والإعلانات، وترقب النتائج من الشركة، ونحو ذلك، لكن لا يترقب شيئاً من الله، وبعض الناس مضيع للأسباب لا يبذل شيئاً. أحدثكم عن قصة حدثت مع شخص جاء إليَّ، شاب يقول: إنني أحتاج إلى إيجار الشقة التي استأجرتها للسكنى، وأحتاج إلى قرض لكي أسكن وأدفع الإيجار، فاعتذرتُ إليه بأن إقراضه غير متيسر الآن، والناس كان أكثرهم مسافرين، فذهب هذا الشخص يسعى في طلب الرزق، فبدأ بهذه المطاعم الموجودة يلف عليها، ويقول: ما حاجتكم من الخضراوات والفواكه واللحوم؟ وبدأ يسجل هذه الاحتياجات ويقولون: قدم لنا تسعيرة. ثم ذهب إلى سوق الخضار المركزي يسجل ويدون الأسعار، ثم قدم تسعيرته إلى بعض المطاعم، واكتفى بربح معقول، فبدأ هذا المطعم يأخذ منه، وهذا المطعم يأخذ منه، والثالث يأخذ منه، وهكذا، حتى دفع إيجار بيته بالكامل. إذاً: يمكن للإنسان إذا تحرك وفكر أن يحصل على الرزق، ولستُ أقول: اذهبوا إلى المطاعم الآن كلكم، وإنما المقصود -أيها الإخوة- ضرب المثل، قد يوجد في البقالات مستلزمات تحتاج إلى شراء من تجار الجملة ونحو ذلك، فالمقصود تحريك الذهن لمن لم يجد وظيفة أن يسعى في العمل، ولو كان عنده وظيفة، يسعى في العمل، والله يرزقه لو أحسن التوكل على الله .. وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود:6]



التفرغ لعبادة الله تعالى:

وكذلك من الأسباب العظيمة للرزق: التفرغ لعبادة الله تعالى .. ومعنى التفرغ لعبادة الله: أن يكون العبد حاضر القلب عند العبادة، هذا هو المقصود بالتفرغ لعبادة الله؛ لأن الله تعالى يقول في الحديث القدسي: (يا بن آدم: تفرغ لعبادتي؛ أملأ صدرك غِنَىً، وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت يدك شغلاً، ولم أسد فقرك) حديث صحيح. فبعض الناس عندهم أشغال؛ لكن فقرهم لم يُسَد، الله ملأ أيديهم بالأشغال والمقاولات والأعمال؛ لكن لا يوجد بركة ولا فائدة، خسارات متوالية، ولا يجدون الكفاية. وقال الله تعالى في الحديث القدسي في اللفظ الآخر: (يا بن آدم: تفرغ لعبادتي؛ أملأ قلبك غِنَىً، وأملأ يديك رزقاً، يا بن آدم: لا تباعدني؛ فأملأ قلبك فقراً، وأملأ يديك شغلاً) فيشغله بنفسه، ويكثر عليه الأشغال والأعمال؛ لكن الفقر لا زال موجوداً، وهو تحت الصفر، والحساب بالناقص، وهكذا ...



المتابعة بين الحج والعمرة:

ومن أسباب الرزق -يا عباد الله- المتابعة بين الحج والعمرة .. ومعنى المتابعة بين الحج والعمرة: أن يجعل أحدهما تابعاًَ للآخر، واقعاً عقبه، أي: إذا حج يعتمر، وإذا اعتمر يحج، وهكذا ... والدليل قوله صلى الله عليه وسلم: (تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة -أي: الأشياء الرديئة والشوائب- وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة) فتأمل أنه جعل المتابعة بين الحج والعمرة، نافية للفقر والذنوب، مذهبة لهما.



صلة الرحم:

ومن أسباب الرزق الشرعية: صلة الرحم .. والرحم هم أقرباء الرجل من جهة أبيه وأمه، سواءً كانوا يرثونه أو لا يرثونه، وهذا الكلام مأخوذ من قوله صلى الله عليه وسلم: (مَن سرَّه أن يُبْسَط له في رزقه، وأن يُنْسأ له في أثره؛ فليصل رحمه) . وقال صلى الله عليه وسلم: (تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، مَنسأة في العمر) يعني: تطيل عمر الإنسان. فهذه صلة الرحم بما فيها من هذا الفضل العظيم، حتى لو كان الإنسان فاسقاً، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أعجل الطاعة ثواباً صلة الرحم، حتى إن أهل البيت لَيَكونوا فَجَرَة -مقيمين على مَعاصٍ- فتنمو أموالهم، ويكثر عددهم، إذا تواصلوا) رواه ابن حبان وهو حديث صحيح. فإذاًَ: عليك بصلة الرحم، تصل الأقارب وتزورهم، تعين محتاجهم، تهديهم، وتعودهم، وجميع أنواع الصلات سبب لمجيء الرزق إليك، ولو كانوا على البُعد، فلن يخلو الأمر من وسيلة للصلة.



الإنفاق في سبيل الله، والنفقة على طلاب العلم:

سابعاً: الإنفاق في سبيل الله .. قال تعالى: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ [سبأ:39] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (قال الله تبارك وتعالى: يا بن آدم أَنفق أُنفق عليك) رواه مسلم رحمه الله تعالى، فهذا وعد الله وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً [النساء:122] ومن أصدق من الله وعداً. والملَك يدعو ويقول: (اللهم أعطِ منفقاً خلفاً) والنبي عليه الصلاة والسلام يوصي بلالاً ويقول: (أنفق يا بلال ، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالاً) قال تعالى: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ [البقرة:268] يقول: لو أنفقتَ نقص مالك، أنت محتاج إليه، قدم نفسك على الناس، أولادك أحوج، والله يقول: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ [سبأ:39] .. ( أَنفق أُنفق عليك ) . ومن الأسباب كذلك: الإنفاق وإعاشة عباد الله المتقين من طلاب العلم .. والدليل على هذا الكلام: ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كان أخوان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان أحدهما يأتي النبي صلى الله عليه وسلم والآخر يحترف -واحد متفرغ للعلم، وواحد متفرغ للتجارة- فشكا المحترف أخاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله! لا يبذل شيئاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لعلك تُرْزَق به) لعل السبب في رزقك هو إنفاقك عليه، رواه الترمذي رحمه الله تعالى، وهو حديث صحيح.



الهجرة:

أيها المسلمون: هذه بعض الأسباب الجالبة للرزق؛ فإذا ضاقت الدنيا بالإنسان في بقعة من البقاع فمن أسباب طلب الرزق: الهجرة .. قال تعالى: وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً [النساء:100] سعة في الرزق، وإرغاماً لمن أخرجوه، ولذلك لما هاجر المهاجرون في سبيل الله، وتركوا وطنهم لله، فَتَحَ الله عليهم الدنيا، وجاءت الغنائم، وتَبِعَتْ غنائمَ المشركين غنائمُ كسرى وقيصر، جاءت إلى المهاجرين، فوسَّع الله عليهم توسعة عظيمة، ومشكلة الناس أنهم يستعجلون النتيجة، يقولون: تُبْنا اليوم فما جاءنا الرزق بسرغة، هاجرنا اليوم فما حصل شيء بسرعة، ولكن المسألة تحتاج إلى مصابرة وتحتاج إلى استمرار، فإن نتائج كثير من الأعمال لا تُرى فوراً. نسأل الله تعالى أن يمد في أعمارنا في طاعته، وأن يوسع في أرزاقنا ويجعلها عوناً لنا على طاعته. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.



أسباب غير شرعية لزيادة الرزق:

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه. أشهد أن لا إله إلا هو الرزاق وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا [هود:6] كتب الرزق قبل أن يخلق السماوات والأرض، وكتب رزق كل مولود قبل أن يولد -سبحانه وتعالى- وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. عباد الله: هذه بعض الأسباب الشرعية لطلب الرزق، فهل هناك أسباب غير شرعية لطلب الرزق؟ الجواب: نعم، وهي كثيرة جداً، وإن البلاء في هذا الزمان أن يجد العبد أبواباً للحرام كثيرة، ولا يجد أبواب الحلال إلا قليلة، ولكن: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً [الطلاق:2] . فأبواب كسب الرزق بالحرام متعددة: كالسرقة، والرشوة، والشفاعة مقابل المال .. أنقلك من مكانك إلى مكان وتدفع لي خمسة آلاف .. أبحث لك عن عمل .. أشفع لك لتأخذ الوظيفة، وأنقل لك زوجتك من مدرسة إلى مدرسة، وأساعد في توظيف زوجتك بعد تخرجها من الكلية بالمال، والشاهد أخذ المقابل على الشفاعة، وقد جاء النهي عن ذلك، فأما من يقوم بالعمل، ويطالب وراء المعاملة، ويذهب ويجيء؛ فهذا يأخذ أجرة تعبه دون تَعَدٍّ على غيره، فإن كثيراً من الذين يشتغلون في هذه الأعمال يتعدون على دَور غيرهم، ويظلمون الناس. ومن الناس من يتعامل بالربا، ويستلف بالربا؛ ليقيم مشروعاً بالربا، ثم يأخذ بعض العوائد ليسدد الربا، ويجادلون بالباطل ويقولون: استفدنا واستفاد البلد، ونقول: إنما هو دمار وخراب ونزع للبركة، ولو كثرت الأرقام فإنه كما جاء في الحديث الصحيح: (إن الربا وإن كثر فإن عاقبته إلى قُلٍ) سيكون قليلاً. وهكذا يفعل كثير من الناس في أنوع من المحرمات والشبهات، ثم يجادلون بالباطل، صار الربا شيئاً مسَلَّماً من المسلمات الشرعية، صار يُناقش ويقول: أقنعني، ويعطون الرُّشا لمندوبي المبيعات، ومندوب المبيعات لا يشتري من الدكان إلا برشوة محسوبة داخل الفاتورة أو خارج الفاتورة، علماً أن له راتباً يأخذه من الشركة التي يعمل فيها، وتجده قد يعطى مبلغاً زهيداً إذا كان من هذه العمالة الآسيوية أو غيرها، ويعطى غيره مبلغاً أكبر، وهكذا، والجامع واحد؛ إعطاء الرشوة، إفساد الذمم، وتخريب العمال على مَن وظفهم، وأصحاب شركاتهم، وصارت هناك دخول أخرى، هناك بعض الناس لهم دخول أخرى، دخلهم الوظيفي ليس بشيء بجانب هذا، وأكثرها من الحرام، ومن تأمل عرف وشاهد بأم عينيه. ومنهم من يسعى لجذب الزبائن باستخدام الميسر وجوائز السحب، وما أكثرها! ويعملون المسابقات التي لا تَمُتُّ لا إلى جهاد ولا إلى علم شرعي، ويعطون عليها الجوائز لجذب الناس، وإيغار صدور الباعة الآخرين عليهم، والتغرير بالمشترين، وهذه أشياء كثيرة. وقد تكلمنا في خطبة ماضية عن الدولار الصاروخي، الذي يتعامل به الآن عددٌ من الناس، ويوزعون قسائمه، ويبيعونها، ويرسلون المبالغ بالشيكات إلى الكفار يا عباد الله! ويُضْحَك عليهم بإرسال أربع قسائم ليبيعوها، ويقول: رجع إلي مالي، ومسكت الدور لعلها تأتيني الفرصة والكسب العظيم، وقد سبق بيان أن ذلك حرام، وفتوى أهل العلم في المسألة في هذا الدولار الصاروخي الذي يقولون فيه: استرخِ وأَصْبِح غنياً، ووصف للنجاح بواسطة هذه الوصفة، تستطيع أن تربح رأس المال بدون التزامات مالية مقابل دفع كذا على القسائم، تغريرٌ بالناس، وأكل أموالهم بالباطل، وقد أفتى علماؤنا أنه ميسر داخل في قوله تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة:90] ثم بعد ذلك إذا بيعت هذه القسائم، وتطورت الأمور، سيجد عددٌ كثير من الأغبياء عندهم قسائم، ولا يجدون من يبيعونها عليه؛ لان أكثر الناس قد اشتروا القسائم ولا يوجد من يباع عليه، وهذه القاعدة الهرمية السفلى هم الأغبياء والمغفلون، والذين باعوا عليهم هم آكلو الحرام، الواقعون في الميسر، المُعِيْنُون للكفرة، المُرَوِّجُون للباطل. فالناس بين ذكي يستخدم ذكاءه في الشر، وبين غبي تنطلي عليه الخدع بسبب جهله وعدم استفتائه وعدم سؤاله، فهو واقع فيه، ومع التحذير الذي ذكرناه سابقاً والفتوى التي أشرنا إليها من أهل العلم؛ فلا زال الناس يتعاملون، وتنتشر هذه الأوراق سعياً في طلب رزق يكون وهمياً بالنسبة لأكثر من (99%) من الذين يشترون هذه القسائم، ويبقى بعض المحظوظين بزعمهم الذين ينالهم شيء. فابتعدوا -يا عباد الله- رحمكم الله عن أبواب الرزق المحرم، ابتعدوا عن الشبهات، اتقوا الله وخلِّصوا أموالكم من الحرام. نسأل الله تعالى أن يطيب مكاسبنا، وأن يجعل رزقنا حلالاً. اللهم اقضِ ديوننا، وسُد جوعتنا.اللهم اكفنا مد الأيدي للناس، واجعلنا غير محتاجين إلى أحد من خلقك. اللهم اجعلنا عليك متوكلين، وإليك منيبين، واغفر لنا ذنوبنا أجمعين. والحمد لله رب العالمين، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.

راجية حب الرحمن
27-11-2011, 02:56 AM
جزاكم الله خيرا

جارة فاطمة
30-11-2011, 06:32 PM
جزاكِ الله خيرا
ونفع الله بكِ